د. أحمد عسكر

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تواجه منطقة القرن الأفريقي محاولات مستمرة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية كجزء من التحولات الجوهرية التي يشهدها النظام الإقليمي الأوسع في الشرق الأوسط على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، وذلك في لحظة فارقة تأتي عقب خطوة اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" في 26 ديسمبر 2025 كدولة مستقلة، والذي أحدث هزة جيوسياسية عنيفة بالنسبة لحسابات القوى الفاعلة في المنطقة، بما قد يسهم في إعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات والتحالفات الدولية والإقليمية هناك.

وتلعب إسرائيل، مدعومة بشبكة من الحلفاء الإقليميين والدوليين، دوراً بارزاً في تنفيذ نهجها البرجماتي المتعلق بالهدم الاستراتيجي للدول الوطنية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يخدم أهدافها الاستراتيجية في تنفيذ مخطط تفتيت تلك الدول إلى دويلات صغيرة، وهو ما يسهم في إعادة هندسة المنطقة، الأمر الذي يضمن لها إعادة رسم حضورها وقلب أوراق اللعبة في المنطقة، وحماية مصالحها الاستراتيجية مع حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة في القرن الأفريقي، الذي بات يشكل إحدى النقاط الساخنة في المواجهة مع خصومهما الاستراتيجيين وعلى رأسهم إيران.

على الجانب الآخر، يدرك قادة إقليم "أرض الصومال" أن خطوة الاعتراف الإسرائيلي فرصة استراتيجية مهمة ربما تُبنى عليها خطوات مماثلة في المرحلة المقبلة، في سبيل إحراز تقدم في ملف الاعتراف الدولي الذي تناضل من أجله منذ إعلان استقلالها من طرف واحد عن الدولة الصومالية في عام 1991؛ وذلك في ضوء ما أحدثته من تحولات جوهرية في ديناميكات القرن الأفريقي، حيث تحول الإقليم إلى ساحة صراع وتنافس استراتيجي دولي وإقليمي.

ومع ذلك، من المتوقع أن تجد هذه الخطوة ممانعة إقليمية ودولية ممتدة خلال المرحلة المقبلة؛ خوفاً من أن يشجع هذا الاعتراف المثير للجدل النزعات الانفصالية في القرن الأفريقي الذي بات مهدداً بالتفكك بما يهدد شبكات مصالح القوى الفاعلة هناك، بالإضافة إلى مواجهة بعض المشروعات الإقليمية التي تستهدف فرض واقع جديد في الجغرافيا السياسية بالقرن الأفريقي وكذلك جوارها الإقليمي؛ بما يهدد أمنه واستقراره على المديين المتوسط والبعيد.

محطات تاريخية محورية

يتلاقى طموح قادة إقليم "أرض الصومال" في نيل الاعتراف الدولي، الساعين إليه منذ تسعينيات القرن الماضي، مع المساعي الإسرائيلية لإعادة تشكيل خريطة النفوذ على نطاق أوسع في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يعيد للأذهان الاعتراف الإسرائيلي ضمن أكثر من 30 دولة أخرى بالإقليم في عام 1960، والذي لم يتجاوز خمسة أيام قبل أن يقرر "أرض الصومال" الاتحاد طواعية تحت لواء الدولة الصومالية.

لكن، سرعان ما أدت التفاعلات الداخلية في الصومال خلال العقود الثلاثة التالية إلى انهيار نظام سياد بري في البلاد، ما دفع إقليم "أرض الصومال" إلى إعلان الاستقلال من طرف واحد في 18 مايو 1991، وهو يسعى منذ ذلك الوقت إلى محاولة إقناع المجتمع الدولي في سبيل نيل الاعتراف الدولي مستعيناً بالترويج لكونه واحة من الاستقرار والديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة، وسط بيئة إقليمية مضطربة تواجه المزيد من التوترات السياسية والأمنية وغياب الديمقراطية بشكل واضح[1]، خاصة أنه يدّعي عدم مخالفته مبدأ احترام الحدود الاستعمارية لمنع النزاعات الإقليمية الذي تبنته منظمة الوحدة الأفريقية، ومن بعدها الاتحاد الأفريقي، بل إن الإقليم يجسد هذا المبدأ بامتياز[2] -بحسب ادعاءاته- خاصة أنه لا يسعى إلى إعادة رسم الحدود أو إنشاء حدود جديدة بل يسعى إلى الاعتراف بها ضمن حدوده الأصلية التي ورثها عند استقلاله من الاحتلال البريطاني في عام 1960[3].

كما أن الإقليم يستند في مزاعمه بأحقيته في نيل الاعتراف الدولي إلى تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي في عام 2005 بأن حالة إقليم "أرض الصومال" فريدة تاريخياً ومبررة ذاتياً، وهو ما تروج له إسرائيل في تبريراتها بشأن اعترافها بالإقليم[4].

ومع ذلك، وبموجب القانون الدولي، لا يتمتع إقليم "أرض الصومال" بالشخصية القانونية الدولية، بالرغم من أنه يمارس سيطرة فعلية على أراضيه وسكانه منذ عام 1991، إلا أن صفة الدولة لا يمكن تحديدها بالسلطة الداخلية فحسب، بل إن النظام القانوني الدولي يقوم على الاعتراف ضمن أطر متعددة الأطراف لا سيما منظومة الأمم المتحدة، فهو ليس عضواً في الأمم المتحدة، كما أنه غير معترف به من قبل الاتحاد الأفريقي، ولا يشارك كدولة ذات سيادة في المعاهدات الدولية. بينما يُنظر إليه باعتباره جزءاً من جمهورية الصومال الفيدرالية، التي تعد عضواً في الأمم المتحدة، بما يعني أن سيادتها الوطنية مصانة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، حيث تحظر المادة 2 (4) من الميثاق أي أعمال من شأنها تقويض السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة عضو، في حين تقيّد المادة 2 (7) من الميثاق التدخل في الشئون الداخلية للدول ذات السيادة[5].

ولا تغيّر مزاعم اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" من الواقع القانوني له، حيث أن الاعتراف من دولة ما ليس إلا عمل سياسي أحادي الجانب، ولا يُنشئ دولة بموجب القانون الدولي، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية بأن الوضع القانوني يُستمد من معايير موضوعية وقبول دولي لا من تأييدات سياسية معزلة. حتى لو أصدر الجانب الإسرائيلي اعترافاً رسمياً، فإن هذا الاعتراف لن يغير من الوضعية القانونية لإقليم "أرض الصومال"، كما أنه لا يُلزم الدول الأخرى أو المنظمات الدولية والإقليمية. بل يُنظر إلى هذا الاعتراف بأنه داعم لوضع غير قانوني، حيث يُسهم في انفصال أحادي الجانب لأراضي من دولة عضو في الأمم المتحدة دون موافقة جامعة، وهو ما يعد مخالفاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي فهو يفتقر إلى الشرعية[6].

وجدير بالإشارة أن العلاقة بين إسرائيل وإقليم "أرض الصومال" لا تقف عند محطة الاعتراف الأخير فحسب، بل هي ممتدة لسنوات سابقة منذ عام 1960، وقد تعددت محاولات التقارب بين الطرفين منذ عام 1995، بعدما أرسل إبراهيم عقال، رئيس الإقليم الأسبق، رسالة إلى إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، يسعى فيها إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين.

وفي مايو 2005، صرح طاهر ريالي كاهن، رئيس الإقليم الأسبق، بأنه لا يمكن لأحد منع "أرض الصومال" من إقامة علاقات مع إسرائيل إذا رغب في ذلك، وألقى وقتها باللوم على الدول العربية في تدهور العلاقات بينها وبين الإقليم. فيما نقلت صحيفة هآرتس في عام 2010 عن إيفال بالمور، المتحدث الأسبق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، استعداد إسرائيل للاعتراف بالإقليم مرة أخرى. ومع ذلك، صرح وقتها بعدم تلقي اتصال من جانب "أرض الصومال" للسعي نحو إقامة علاقات بين الطرفين.

ومع نجاح إسرائيل في توقيع اتفاقيات أبراهام مع عدد من الدول العربية في عام 2020، رحبت إدارة إقليم "أرض الصومال" بهذه الخطوة، وأعلنت دعمها للتطبيع بين الإمارات وإسرائيل. وزعم تقرير لصحيفة هآرتس في نوفمبر 2024 إجراء محادثات بوساطة طرف إقليمي ثالث لمناقشة إمكانية بناء قاعدة عسكرية إسرائيلية في "أرض الصومال" لمواجهة جماعة الحوثي اليمنية.

وفي سياق متصل، نشرت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية في مارس 2025 تصريحاً لمسئول بإقليم "أرض الصومال"، عبد الرحمن طاهر آدن، عن انفتاح إدارة الإقليم للنقاش في أي مسألة وأنه يجب على جميع الدول المهتمة بمناقشة قضايا معينة مع الإقليم أن تدفع نحو إقامة علاقات دبلوماسية هناك. كما أكدت صحيفة يديعوت أحرونوت في ديسمبر 2025 أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" ينشط في إقليم "أرض الصومال" منذ سنوات مضت، وقد لعب دوراً مهماً في تمهيد الطريق للاعتراف بالإقليم من خلال علاقات سرية طويلة الأمد مع شخصيات بارزة هناك، استطاع رؤساء الجهاز الحفاظ على علاقات شخصية معها خلال السنوات الماضية.

وقد أشارت الصحيفة إلى أن الاجتماع الأول الذي أطلق محادثات الاعتراف قد انعقد في أبريل 2025 في دولة شرق أوسطية بين وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، وممثلين عن إدارة إقليم "أرض الصومال"، وأعقب ذلك محادثات مكثفة وسرية على مدار شهور تخللتها زيارات متبادلة لمسئولين بارزين من كلا الطرفين[7].

وقد تُوِّجت هذه المحاولات بخطوة الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم في 26 ديسمبر 2025، والذي يعكس بدوره الحرص الإسرائيلي على إعادة رسم حضوره ونفوذه في المنطقة في ضوء ديناميات التفاعلات الدولية والإقليمية في القرن الأفريقي.

لماذا أرض الصومال؟

يأتي انفتاح إدارات إقليم "أرض الصومال" المتعاقبة على تطوير علاقاتها مع المجتمع الدولي وبخاصة الميل نحو الغرب في سبيل الحصول على الاعتراف الدولي، في الوقت الذي تدرك فيه هذه الإدارات أن غالبية الدول الأفريقية والعربية لن تقبل المساس بوحدة وسيادة الصومال. وهو ما اعتبرته بعض الأطراف بما في ذلك إسرائيل وحلفائها فرصة سانحة لإعادة تشكيل توازنات القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، عبر إيجاد موطئ قدم استراتيجي دائم هناك.

وقد ألقت تطورات الأحداث في الشرق الأوسط منذ عام 2023 بظلالها على التطور الجيوسياسي الأبرز في القرن الأفريقي، حيث ارتأت إدارة "إقليم أرض الصومال" أن اللعب على المتناقضات الإقليمية ربما يمكّنها من تحقيق أهدافها الاستراتيجية بالحصول على الاعتراف الدولي، في الوقت الذي تدرك فيه إسرائيل أن اللحظة الراهنة مواتية لقلب أوراق اللعبة في القرن الأفريقي، وإيجاد حليف جديد يمكن استغلال أراضيه لانطلاق الطائرات الإسرائيلية المقاتلة لمواجهة جماعة الحوثي اليمنية وربما تصل إلى طهران، مع تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، لا سيما في ضوء تنامي التخوفات لدى بعض دول القرن الأفريقي من التورط في صراع الشرق الأوسط بين إسرائيل وإيران ووكلائها الإقليميين.

وتروّج إسرائيل لخطوة الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً مهماً لها، في محاولة من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لتحسين صورتها على الصعيدين الداخلي الإسرائيلي والدولي، والتي تأثرت سلباً عقب عدوانها على قطاع غزة في أكتوبر 2023، لا سيما مع تعقيدات موقف نتنياهو في الداخل الإسرائيلي، حيث يواجه ضغوطاً شديدة، وسط دعوات داخلية لاستقالته، في الوقت الذي يتطلع إلى انتخابات عام 2026[8]. إضافة إلى رغبة إسرائيل في إعادة هيكلة عقيدة الردع الإسرائيلية التقليدية، بعدما تعرضت لهزة عنيفة في 2023، بما يدفعها لاستعراض قدراتها على المبادرة بحيث تثبت أنها لا تزال قادرة على تغيير الخرائط السياسية في المنطقة، والاعتراف بالكيانات الانفصالية كأداة جيوسياسية لتأمين مصالحها وخلق حلفاء جدد لها غير تقليديين.

استراتيجياً، تتعدد الدوافع الإسرائيلية وراء هذه الخطوة، خاصة أن أرض الصومال تتمتع بمزايا استراتيجية تتوافق مع المصالح الإسرائيلية بما في ذلك الوصول إلى موانئ خليج عدن وإيجاد موطئ قدم استراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بالقرب من مضيق باب المندب، بما يمكّنها من إقامة شراكات أمنية وتنموية منخفضة التكلفة عالية العائد الاستراتيجي بالأساس، والتي يمكن أن تمتد لتشمل التعاون الأمني بما في ذلك إنشاء مراكز استخباراتية ومرافق لوجستية محتملة مما يوفر لإسرائيل موقعاً استراتيجياً لرصد التهديدات الأمنية والبحرية في القرن الأفريقي، وهو ما يعزز العمق الاستراتيجي لإسرائيل ربما دون الحاجة إلى التزامات عسكرية واسعة[9].

ومع تأكيد إدارة إقليم "أرض الصومال" على أن الاتفاق مع إسرائيل لا يشمل إقامة وجود عسكري إسرائيلي في الإقليم، وأنه محض ادعاءات وافتراءات صومالية، إلا أن أحد مسئولي "أرض الصومال" قد أكد على وجود محادثات جارية مع الطرف الإسرائيلي بشأن التعاون الأمني المحتمل بما في ذلك مناقشات حول إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية، وأن الإقليم سيكون منفتحاً على إنشاء سفارة دبلوماسية لها في القدس، باعتبارها خياراً طبيعياً في سياق علاقتها مع إسرائيل[10].

وبالتالي، تأتي الخطوة الإسرائيلية المحسوبة في إطار استراتيجية إسرائيلية طموحة تتجاوز الشراكة مع إقليم "أرض الصومال" إلى تعزيز الحضور الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي، وذلك عبر تطبيع العلاقات مع شريك إقليمي جديد ضمن المساعي لتوسيع العلاقات الدبلوماسية في قارة أفريقيا وكسر العزلة الإسرائيلية، في إطار استراتيجية إسرائيلية مرتبطة بتمديد اتفاقيات أبراهام التي انطلقت منذ عام 2020، بالإضافة إلى السعي نحو تأمين موطئ قدم استراتيجي دائم في ممر بحري حيوي، مما يمنحها نفوذاً قوياً على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، الأمر الذي يعزز قدرتها على تطويق خصومها الاستراتيجيين، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في المنطقة، والمضي قدماً نحو تأسيس محور نفوذ إقليمي جديد بين إسرائيل وإثيوبيا وإقليم "أرض الصومال" وبعض الأطراف الإقليمية الأخرى[11].

ويبدو أن إسرائيل ترغب في توسيع نطاق مواجهتها مع خصومها الاستراتيجيين إلى منطقة القرن الأفريقي عبر توريط بعض الأطراف الإقليميين في صراعاتها الإقليمية، وهو ما تتنبه إليه معظم دول المنطقة، غير أن إدارة إقليم "أرض الصومال" وجدتها فرصة مواتية لتحريك ملف الاعتراف الدولي بها، باعتبار أن إسرائيل تمثل بوابة مهمة لاستقطاب حلفائها بما في ذلك الولايات المتحدة للاعتراف بها، في حين تحتاج إسرائيل إلى قوة موازنة لوكلاء إيران في المنطقة بما في ذلك جماعة الحوثي اليمنية وعلاقاتها مع بعض الحركات الإرهابية مثل حركة الشباب المجاهدين الصومالية. إذ يحوّل الاعتراف الإسرائيلي إقليم "أرض الصومال" إلى قاعدة متقدمة لمهام أمنية من قبيل جمع المعلومات الاستخباراتية حول السفن الإيرانية وتحركاتها، ومراقبة الحوثيين ونشاطهم العسكري، والقيام بعمليات هجومية محتملة على أهداف تمثل تهديداً لإسرائيل، واعتراض هجمات الحوثي في البحر الأحمر، بما يخفف الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية في حال حدوث أي اشتباك عسكري مستقبلي محتمل بين الطرفين[12].

 وتدرك إسرائيل أهمية عدم استغلال بعض الجهات الإقليمية والفاعلين من غير الدول الممرات البحرية لا سيما البحر الأحمر ومضيق باب المندب في تهديد أمنها ومصالحها الحيوية، ما يبرر توجهها نحو إقليم "أرض الصومال" الذي يعزز تواجدها في أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم بهدف تأمين مرور السفن الإسرائيلية والدولية لميناء إيلات.

كما تشعر إسرائيل بالقلق إزاء تحركات ونفوذ بعض الجهات الفاعلة الإقليمية المنافسة لها مثل تركيا في القرن الأفريقي وعلى طول ساحل البحر الأحمر، مما يدفع الجانب الإسرائيلي نحو توسيع شراكاته الدبلوماسية والأمنية لموازنة هذا النفوذ، لا سيما أن اتفاقيات أبراهام التي أبرمتها إسرائيل مع دول عربية قد عززت الدبلوماسية القائمة على البرجماتية والمصالح الاستراتيجية، الأمر الذي يجعل الانخراط الإسرائيلي في إقليم "أرض الصومال" جزءاً من هذه الاستراتيجية التي تمنح الأولوية للشراكات الفعالة[13].

وبالتالي، تسعى إسرائيل بشكل أساسي إلى محاولة تقويض التفاهمات والمواءمات الإقليمية الناشئة في منطقة القرن الأفريقي وخاصة بين مصر وتركيا والسعودية مع الصومال، بالإضافة إلى التحركات المصرية الأخيرة في الدولة الصومالية على الصعيدين السياسي والأمني، بما يضمن عدم وجود تكتلات قوية مناهضة للمصالح الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يبرر التحرك الإسرائيلي نحو إقليم "أرض الصومال" في إطار محاولاتها لإعادة التموضع الجيوسياسي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لا سيما أن إسرائيل تنظر للبحر الأحمر كجزء لا يتجزأ من النظام الإقليمي الأوسع، الشرق الأوسط، وبالتالي هي ترغب في إعادة رسم ترتيبات المنطقة، وذلك من خلال إيجاد موطئ قدم لها ربما يمهد لوجود عسكري إسرائيلي دائم في ميناء بربرة، وفي إطار مساعيها لتغيير خريطة الشرق الأوسط والتحكم في إيقاع هذه التغييرات بحسب مزاعم نتنياهو[14].

ومع إصرار إسرائيل على تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة قسرياً عقب العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023، فقد أشارت تقارير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد عرضتا في مارس 2024 على كل من السودان والصومال وإقليم أرض الصومال، توطين فلسطينيي قطاع غزة، ما من شأنه تغيير الهندسة الديمغرافية في القرن الأفريقي. ومع تصاعد دعوات الرفض من جانب العديد من الأطراف الإقليمية بما في ذلك الصومال والسودان، ونفي إدارة إقليم "أرض الصومال" أن تكون المحادثات مع الجانب الإسرائيلي قد تطرقت إلى هذا الملف، إلا أن المرحلة المقبلة ربما تكشف حقيقة البنود الخفية لاتفاق الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم بما في ذلك ملفيْ تأسيس قاعدة إسرائيلية عسكرية في بربرة وتهجير الفلسطينيين إلى أرض الصومال[15].

وفي الوقت ذاته، تُسهّل العلاقات مع الإقليم فتح آفاق جديدة للمنتجات الإسرائيلية في أسواق شرق أفريقيا والعمق الأفريقي، فضلاً عن ربطها بعدد من الدول الأفريقية عبر تصور طرق تجارية جديدة مثل ميناء بربرة باعتباره ممراً حيوياً يربط الإقليم بإثيوبيا.وتشكل العلاقات مع "أرض الصومال" قيمة اقتصادية بالنسبة لإسرائيل، كونها ستوسع سيطرتها واستحواذها على المعادن والموارد الطبيعية التي يتمتع بها الإقليم[16].

وفي المجمل، تسعى إسرائيل من خلال خطوة الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" إلى إعادة صياغة للدور الإسرائيلي في النظام الإقليمي بما يهدف إلى استعادة الهيبة المفقودة وتأمين مصالحها الحيوية في ممرات التجارة العالمية لا سيما البحر الأحمر، وذلك بالمضي قدماً نحو توسيع نطاق نفوذها الإقليمي من منطقة شرق المتوسط إلى خليج عدن، من خلال إقامة حزام نفوذ ممتد جغرافياً من شرق البحر الأبيض المتوسط مروراً بالبحر الأحمر ووصولاً إلى منطقة القرن الأفريقي، بما يعزز قدرتها على ممارسة الضغط السياسي والأمني على خصومها في نطاق جيوستراتيجي واسع في المنطقة.

تشابكات معقدة

أحدث الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" شبه زلزال جيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي، بما يعزز مشاعر القلق لدى عدد من الأطراف الإقليمية؛ خوفاً من أن تمهد هذه الخطوة الطريق لسيناريوهات مماثلة في بعض دول المنطقة مثل جنوب اليمن والسودان، في ضوء ما يعانيه من صراع مستمر منذ عام 2023، لا سيما في ضوء الإدراك أن خطوة الاعتراف ليست معزولة، بل تندرج ضمن مشروع نفوذ إقليمي أوسع تستهدف به إسرائيل إعادة رسم خرائط النفوذ وتغيير الجغرافيا السياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ويبدو أن إسرائيل ترغب في توظيف ورقة النزعات الانفصالية في الدفع نحو المزيد من التحولات الجيوسياسية في المنطقة بما يخدم مصالحها وأهدافها الاستراتيجية هناك. ولا يتوقف الأمر عند إقليم "أرض الصومال" بل يمتد ليشمل دعم بعض الكيانات الانفصالية الأخرى في المنطقة مثل المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، وقوات الدعم السريع في السودان، وذلك بالتعاون مع بعض الأطراف الإقليمية[17].

ومع خطورة أبعاد تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على وحدة وتماسك دول القرن الأفريقي، ومخاوف بعض الجهات الإقليمية الفاعلة من سيناريوهات التفكك التي ستلقي بظلالها حتماً على أمن واستقرار المنطقة ككل وجوارها الاستراتيجي بما في ذلك البحر الأحمر وما ورائه؛ بدت منطقة القرن الأفريقي ساحة مفتوحة لسلسلة من التفاعلات المعقدة هناك بما في ذلك بوادر تشكل محاور إقليمية بهدف التصدي لأي محاولات من شأنها استهداف الاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي.

إذ تلوح في الأفق عدة تفاهمات إقليمية مثل التقارب المصري-التركي في الصومال في إطار التوافق على رفض الكيانات الانفصالية حفاظاً على الجغرافيا السياسية في القرن الأفريقي، وهو ما تتوافق عليه أيضاً السعودية في إطار مساعي القوى الثلاث للتصدي لأي محاولات إقليمية من شأنها مزاحمة الدول المشاطئة للبحر الأحمر في الممر الاستراتيجي، إلى جانب التفاهمات المصرية-الصومالية-الإريترية التي تبلورت خلال قمة أكتوبر 2024 التي استضافتها العاصمة الإريترية أسمرة، في إطار المساعي المصرية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والحفاظ على الدولة الوطنية وحماية سيادتها في القرن الأفريقي، حيث تهدف القاهرة إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي في المنطقة وإدارة أي تحولات محتملة في التوازن الاستراتيجي قد يصب في مصلحة خصومها الإقليميين هناك[18].

ويكتسب هذا المسار من التفاعلات أهمية استراتيجية كونه لا يحصر رؤيته حول التعاطي مع أزمة الصومال، بل قد يتجاوزها إلى محاولة لعب دور بارز في مسار التسوية للصراع الدائر في السودان منذ أبريل 2023، بما يعزز الحفاظ على المؤسسات الوطنية هناك، وعدم السماح للكيانات المتمردة بتحقيق أهدافها التخريبية التي تستهدف تفكيك وتفتيت الدولة الوطنية في السودان[19].

في المقابل، يبرز محور إقليمي مناوئ يضم إسرائيل وإثيوبيا وإقليم "أرض الصومال" وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، وسط دعم مستتر من بعض الأطراف الخارجية، والذي تتلاقي مصالح أطرافه الاستراتيجية المختلفة في الدفع نحو إعادة هندسة المنطقة، بما يحقق أهداف كل طرف على حدة.

ومع ذلك، تضفي الديناميات المعقدة في مسار التفاعلات الإقليمية المتشابكة في القرن الأفريقي مزيداً من الغموض حول مستقبل الاستقرار في المنطقة التي تواجه موجة جديدة من النزعات الانفصالية لعدد من الكيانات والفاعلين من غير الدول، وسط مخاوف من توسع تلك المطالبات خلال المرحلة المقبلة، بما قد يعصف بوحدة وتماسك دول القرن الأفريقي.

حسابات الفاعلين المؤثرين

اتسم معظم المواقف الدولية والإقليمية تجاه اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" بالرفض والإدانة، حيث أكد العديد من الأطراف رفض أي إجراءات أحادية لتغيير وضعية الإقليم مع التمسك بوحدة وتماسك دولة الصومال، إلا أن هناك حسابات متباينة لعدد من الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة بالنسبة للخطوة الإسرائيلية الأخيرة في القرن الأفريقي.

دوليّاً، وبالرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه لن يعترف بإقليم "أرض الصومال"، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تساند وتدعم وحدة الدولة الصومالية، إلا أن هناك انقساماً واضحاً داخل أروقة الإدارة الأمريكية، فهناك اتجاه يرى أن الاعتراف بأرض الصومال يمثل قيمة استراتيجية بالنسبة لواشنطن في مواجهة النفوذ الصيني والوصول إلى ميناء بربرة الاستراتيجي. بينما يرى اتجاه آخر أن هذه الخطوة من شأنها زعزعة الاستقرار في المنطقة بما في ذلك التأثير على الحرب ضد حركة الشباب المجاهدين والذي ربما يترتب عليه انهيار الصومال والفوضى في القرن الأفريقي.

ومع ذلك، هناك عدد من المؤشرات التي ربما تدعم التكهنات حول تغير محتمل في موقف واشنطن بشأن الاعتراف بأرض الصومال، والذي ربما يكون قبل نهاية الولاية الحالية للرئيس ترمب. فقد زعمت تقارير أمريكية بأن إدارة ترامب الأولى 2017/ 2021 كانت تنوي الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" في حال فوز ترمب بفترة جديدة خلال انتخابات 2021 قبل أن يحسمها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لصالحه. يعزز ذلك ما ورد في توصيات فريق "مشروع 2025" حول أهمية الاعتراف بأرض الصومال باعتبارها موطئ قدم بديلاً محتملاً للقاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي، خاصة مع تزايد المخاوف من تنامي النفوذ الصيني في المنطقة، وهو ما عززته زيارة الجنرال مايكل لانجلي، قائد أفريكوم السابق، إلى الإقليم في ديسمبر 2024، إلى جانب اللقاء الذي جمع رئيس إقليم "أرض الصومال" مع الجنرال داجفين أندرسون، قائد أفريكوم الحالي، في نوفمبر 2025، إضافة إلى زيارة وفود عسكرية أمريكية لتقييم إمكانيات الإقليم الاقتصادية بما في ذلك الموارد والمعادن الثمينة، وميناء بربرة باعتباره بديلاً استراتيجياً مهماً[20].

وفي أعقاب خطوة الاعتراف الإسرائيلي، أكدت واشنطن في مجلس الأمن الدولي حق إسرائيل في إقامة علاقات دبلوماسية كأي دولة ذات سيادة، وهو ما قد يشير إلى انفتاح أمريكي محتمل بشأن مسألة الاعتراف[21]. في حين تعكس تصريحات الرئيس ترمب المسيئة للصومال بأنها ليست حتى دولة وأنها لا تملك أي شيء يشبه الدولة، رؤيته وموقفه من الصومال، وإن كان سياق هذه التصريحات قد جاء في إطار هجومه على الجالية الصومالية في الولايات المتحدة، إلا أن ذلك ربما يكون مؤشراً واضحاً لاعترافه لاحقاً بإقليم "أرض الصومال"[22].

في سياق آخر، تتمسك الصين بموقفها تجاه سياسة الصومال الواحد، وبالتالي، هي تعارض بشدة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، لا سيما أن هذه الخطوة من شأن تداعياتها أن تهدد المصالح والاستثمارات الصينية في القرن الأفريقي، فضلاً عن كونها سابقة خطيرة ربما تؤثر على موقفها تجاه مسألة تايوان على الصعيد الدولي. وتدرك بكين أن تنامي الحضور الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي سيكون موجهاً ضدها في ظل التحالف الاستراتيجي الذي يجمع بين إسرائيل والولايات المتحدة التي تسعى بشكل حثيث للتصدي للنفوذ الصيني في المنطقة. وتتفق موسكو مع بكين في تأكيد دعمها لوحدة الصومال وسيادتها الوطنية، بما يسهم في تحسين صورتها ومكانتها الدولية، كمدافع عن القانون الدولي ومبادئ الاتحاد الأفريقي[23].

إقليميّاً، أعربت الصومال عن رفضها التام للخطوة الإسرائيلية في الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" الذي تَعتبره جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وأن أي مساس بالسيادة الوطنية الصومالية من شأنه جرّ المنطقة إلى صراعات إقليمية واسعة المدى، حتى أن الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، قد هدد باستخدام القوة العسكرية لمواجهة الاعتراف الإسرائيلي، وإن كان ذلك مستبعداً، ولن يتم دون مساندة إقليمية لمقديشو[24]. ومع الإدراك بنوايا إسرائيل في توظيف علاقتها مع الإقليم لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، تشدد الحكومة الصومالية على رفضها السماح باستخدام أراضيها لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية لشن هجمات على دول أخرى، ما من شأنه تهديد الاستقرار الإقليمي[25]. إضافة إلى رفضها التام أن يكون إقليم "أرض الصومال" أرضاً بديلة للفلسطينيين من قطاع غزة[26].

وبالتالي، تسعى الصومال لتوسيع دائرة تحالفاتها الإقليمية من أجل تشكيل محور إقليمي بهدف دعم مقديشو في حماية سيادتها وأراضيها، والتصدي للممارسات الإسرائيلية وحلفائها الإقليميين والدوليين، حيث تنفتح السياسة الخارجية الصومالية على توطيد علاقاتها الأمنية والعسكرية مع العديد من اللاعبين الإقليميين البارزين في المنطقة[27]، حيث أفادت تقارير صومالية باحتمال توقيع اتفاقية أمنية ثلاثية مع كل من مصر والسعودية، تركز بالأساس على تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجال أمن البحر الأحمر وتوسيع التعاون العسكري المشترك بما يعزز الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي[28]. كما وقعت مقديشو اتفاقية تعاون دفاعي مع قطر في 19 يناير 2026 لتعزيز العلاقات العسكرية بما في ذلك التدريب المشترك وتحسين القدرات الدفاعية دعماً للجهود العسكرية الصومالية. بالإضافة إلى توسيع التعاون العسكري والأمني بين الصومال وتركيا خلال الفترة الأخيرة.

كما يبرز الدعم الدبلوماسي من جانب الأطراف الإقليمية للصومال وهو ما تجلى في مشاركة سفراء دول السعودية وتركيا والسودان في تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال في 17 يناير 2026، والذي يعكس دعم جهود الدولة الصومالية في حماية سيادتها الوطنية[29].

في سياق متصل، اتسم موقف إثيوبيا بالحذر والصمت تجاه التعليق على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال"، لا سيما أنها تخشى تدهور علاقاتها مع مقديشو، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية على أمن واستقرار الداخل الإثيوبي، والمنطقة ككل. مع أن أديس أبابا تعد المستفيد الأبرز من الخطوة الإسرائيلية الأخيرة، كونها قد تمنحها غطاءاً دبلوماسياً للتفاوض بشأن إمكانية تفعيل الاتفاق الذي أبرمته مع إدارة إقليم "أرض الصومال" في يناير 2024، وربما إبرام اتفاق جديد مع دولة -معترف بها- بما يضمن تحقيق الحلم الإثيوبي بامتلاك منفذ بحري على البحر الأحمر وخليج عدن عبر ميناء بربرة الاستراتيجي[30].

إلا أن حكومة آبي أحمد تدرك حجم التداعيات السلبية التي ربما تترتب على دعمها لهذه الخطوة، وخاصة الضغوط الإقليمية المتزايدة التي يمكن أن تُمارس عليها من جانب الأطراف الإقليمية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي، وتداعيات حالة الاستقطاب الإقليمي المحتمل الذي ربما يفقدها العديد من المزايا في علاقاتها مع بعض الأطراف الفاعلة في المنطقة مثل الصين والسعودية وتركيا، بالإضافة إلى تصعيد حالة التوتر مع مصر التي ترفض بشكل قاطع أي محاولات للنفاذ إلى البحر الأحمر للدول غير المشاطئة له.

كما أن لدى أديس أبابا حسابات أمنية معقدة، في ظل قلقها إزاء تزايد التعاون الأمني بين مصر والصومال وإريتريا، خاصة أنها ترى أن هذه العلاقة الثلاثية موجهة ضدها بهدف تقويض جهودها لتأمين مصالحها البحرية وتطويقها استراتيجيّاً في القرن الأفريقي، لا سيما أن مقديشو قد طلبت المساعدة العسكرية من مصر في حماية مياهها البحرية، وهو ما تعتبره أديس أبابا بمثابة غطاء واضح لمنعها من الوصول للبحر الأحمر عبر إقليم "أرض الصومال"[31]. وبالتالي، ربما تفكر إثيوبيا كثيراً قبل اتخاذ هذه الخطوة على الأقل في السياق الإقليمي الراهن وما يتضمنه من تشابكات وديناميات معقدة في مسار التفاعلات الدولية والإقليمية بالمنطقة.

في المقابل، تدرك إريتريا أن تنامي الحضور الإسرائيلي في "أرض الصومال" يمثل دعماً غير مباشر لإثيوبيا على الصعيد الإقليمي، بما قد يمنحها تفوقاً سياسياً وعسكرياً في حالة المواجهة العسكرية المحتملة مع أسمرة، لا سيما في ضوء تصعيد التوتر بين الجانبين على مدار السنوات الثلاث الأخيرة منذ توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. كما تتخوف إريتريا من أن يفتح الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال المجال مستقبلاً أمام حضور إسرائيلي وإثيوبي بارز في البحر الأحمر عبر ميناء بربرة، وهو ما قد يشكل تهديداً على إريتريا، الأمر الذي يبرر الرفض الإريتري للاعتراف الإسرائيلي، وتحذير أسمرة بأنه يهدد بإشعال أزمات إقليمية ودولية خطيرة، ما دفعها لمطالبة مجلس الأمن الدولي بالنظر في الأمر، وحثها للصين على التدخل[32].

في السياق ذاته، تنظر جيبوتي إلى اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" بمزيد من القلق حول مستقبل التنافس بين ميناء جيبوتي وميناء بربرة، خاصة أنها تتخوف من استقطاب الأخير لإثيوبيا لنقل تجارتها هناك مستقبلاً، بالإضافة إلى احتمال نقل القاعدة العسكرية الأمريكية إلى بربرة في السنوات المقبلة، وهو ما سيؤثر سلباً على الاقتصاد الجيبوتي الذي يعتمد بشكل كبير على التجارة الإثيوبية التي تمر عبر ميناء جيبوتي، وعوائد القواعد العسكرية الأجنبية، بالإضافة إلى احتمال تأثر مكانة جيبوتي التي تعتبر نفسها بمثابة نقطة التقاء استراتيجية بحرية على البحر الأحمر، وتراجع درجة تنافسية ميناء جيبوتي مع الموانئ الإقليمية الأخرى في شرق أفريقيا، وهو ما دفع الحكومة الجيبوتية إلى إغلاق حدودها من جانب واحد مع إقليم "أرض الصومال"، كما رفضت السلطات جوازات السفر الخاصة بأرض الصومال، واستدعت ممثلها الدبلوماسي من الإقليم، وهو استمرار لإجراءات عقابية جيبوتية كانت قد بدأت في أعقاب إبرام إثيوبيا اتفاقها مع الإقليم في يناير 2024 حيث قامت جيبوتي حينذاك بإغلاق مقر بعثة أرض الصومال في البلاد[33].

من جهة أخرى، ربما يؤدي الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" وما قد ينطوي عليه من حضور إسرائيلي متزايد هناك، إلى تحدٍّ حقيقي للنفوذ التركي في القرن الأفريقي، بما في ذلك توقع تكبد أنقرة خسائر اقتصادية واستراتيجية محتملة، خاصة أن الشركات التركية تسيطر على أكثر من 90% تقريباً من اتفاقيات التنقيب عن المعادن واستخراجها من الصومال، إلى جانب عقود إيجار طويلة المدى للموانئ الصومالية والمطارات والمرافق اللوجستية، بما يعني أن أنقرة تسيطر فعلياً على أهم القطاعات الاستراتيجية في الصومال. ومن ثم، يهدد قيام دولة في "أرض الصومال" هذا الوضع، حيث من المتوقع أن تفقد أنقرة إمكانية الوصول إلى الموارد الرئيسية داخل حدود الإقليم، بما في ذلك اليورانيوم والذهب ومصايد الأسماك والنفط البحري. كما تدرك أنقرة أن الوجود الإسرائيلي في المنطقة عبر بوابة أرض الصومال من شأنه تطويق النفوذ التركي في الصومال والقرن الأفريقي[34].

وقد دفع ذلك الجانب التركي إلى محاولة التقارب مع بعض الأطراف الإقليمية البارزة لتشكيل محور إقليمي مناهض للتحركات الإسرائيلية، وهو ما يتجلى في مؤشرات تقارب مصري-تركي-سعودي داعم للدولة الوطنية في الصومال ورفض أي محاولات لإضفاء الشرعية لكيانات انفصالية، كما عززت تواجدها العسكري في الصومال من خلال إقامة قاعدة عسكرية تركية في منطقة "ورشيخ" جنوب البلاد، بالإضافة إلى إرسال طائرات تركية مقاتلة من طراز "F16"[35]، وموافقة البرلمان التركي في يناير 2026 على تمديد مهمة القوات البحرية التركية في خليج عدن ومحيطه والمياه الإقليمية الصومالية لمدة عام إضافي تبدأ في فبراير 2026[36].

بينما عززت خطوة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال حضور بعض الفاعلين من غير الدول في المنطقة، حيث منح الاعتراف حركة الشباب المجاهدين الصومالية مجالاً واسعاً ربما تعزز مكاسبها الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة، بما في ذلك استقطاب المزيد من المقاتلين إلى صفوفها، وما قد يترتب عليه من إعادة تشكيل المشهد الأمني الصومالي خلال المرحلة المقبلة. وقد صورت الحركة الخطوة الإسرائيلية على أنها غزو ديني، واصفة قادة إقليم "أرض الصومال" بأنهم "دمى مرتدة" في مشروع صليبي صهيوني، في إشارة إلى أن الحركة تقدم نفسها بأنها مدافع عن الإسلام، والسيادة الصومالية، مما قد يوسع جاذبيتها على نحو ربما ينعكس على توسيع نطاق تحركاتها جغرافياً لما هو أبعد من معاقلها التقليدية في وسط وجنوب الصومال، ربما وصولاً إلى أرض الصومال في الشمال[37].

في اليمن، تدرك جماعة الحوثي اليمنية أن الخطوة الإسرائيلية موجهة ضدها بشكل مباشر، في ضوء القرب الجغرافي الواضح بين أرض الصومال واليمن، وبالتالي، ربما تستخدم إسرائيل أرض الصومال كمنصة لإطلاق صواريخها في اتجاه الجماعة المدعومة إيرانياً، ما دفع قادة الحوثي إلى التهديد باستهداف أي تواجد إسرائيلي عسكري مستقبلي في أرض الصومال؛ وهو ما قد يفتح الباب أمام تعزيز التعاون بينها وبين حركة الشباب المجاهدين في الداخل الصومالي[38].

في المجمل، تضفي حسابات الأطراف المعنية في مسألة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال مزيداً من التعقيد على المشهد الجيوسياسي في القرن الأفريقي، وسط تخوفات من تصعيد الانقسامات والاصطفاف الدولي والإقليمي وانعكاساته السلبية على أمن واستقرار القرن الأفريقي ككل.

الداخل الصومالي.. إلى أين؟

تنظر إدارة إقليم "أرض الصومال" إلى الاعتراف الإسرائيلي باعتباره أول اختراق حقيقي لجدار العزلة الدولية المستمرة على مدار أكثر من ثلاثة عقود، وسط توقعات بتوظيفها له كوسيلة لإقناع دول أخرى بأن تحذو حذو إسرائيل، التي تأمل في توظيف نفوذها على الساحة الدولية وعلاقاتها الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة لتغيير موقفها من الاعتراف بأرض الصومال.

وبرغم خطوة الاعتراف الإسرائيلي، إلا أن المشهد الداخلي في الإقليم يكشف عن نقاط ضعف ربما تشكل تحدياً أمام إدارة الإقليم في المرحلة المقبلة. إذ فقد الإقليم السيطرة على بعض المناطق التي تدعي السيادة عليها وخاصة في الشرق ممثلة في ولاية "شمال شرق الصومال" التي أسسها قادة قبيلة "دولبهانتي" وأعلنت نفسها إدارة شبه مستقلة من جانب واحد في منتصف عام 2025، معلنة تحالفها مع حكومة مقديشو. فيما تشتد المعارضة الداخلية في منطقة "أودال" التي تمثل مجتمع "غادابورسي" في غرب الإقليم، والذي يرفض بشكل واضح استقلال أرض الصومال وتدعو إلى الحكم الذاتي ضمن صومال واحد، كما رفض من قبل اتفاقية يناير 2024 مع إثيوبيا معتبراً إياها انتهاكاً للسيادة الوطنية الصومالية. وتزعم شائعات حول تأسيس ما يسمى بدولة "غوبان" الفيدرالية في المناطق الغربية المتاخمة لدولة جيبوتي، وهو ما يعزز الضعف الداخلي في أرض الصومال وزيادة الضغط الإقليمي عليها[39].

وتشهد المنطقة اضطرابات أمنية تنذر باحتمال تحولها إلى ولاية فيدرالية جديدة أخرى. وربما تشكل هذه الاضطرابات والتوترات في داخل أرض الصومال عبئاً أمنياً واستراتيجياً على إسرائيل، كونه يُنذر بتورطها في صراعات أهلية محتملة في الداخل الصومالي، لا سيما أن الاعتراف ربما يؤدي إلى اندلاع احتجاجات في أوساط العشائر والمناطق التي ترفض الانفصال أو تعارض التطبيع مع إسرائيل مثل بعض الجماعات الدينية الإسلامية داخل الإقليم؛ مما قد يواجه بسلوك أمني أكثر تشدداً من إدارة الإقليم بذريعة حماية الإنجاز السيادي، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية في الإقليم.

من جانب آخر، سلّطت خطوة إسرائيل الأخيرة تجاه إقليم "أرض الصومال" الضوء على مستقبل مسار التفاعلات الديناميكية بين الأطراف السياسية المكونة للمشهد السياسي الصومالي، الذي يتسم بدرجة من التعقيد في ضوء الخلافات السياسية بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وبعض الولايات الفيدرالية، لا سيما ولايتي بونت لاند وجوبالاند، حيث تشهد الساحة الصومالية حالة حادة من الاستقطاب بين الطرفين، خاصة بعدما أعلنت الولايتان انسحابهما من النظام الفيدرالي الصومالي على خلفية بعض الملفات الخلافية وفي مقدمتها النزاع حول تعديلات قانون الانتخابات من قبل حكومة مقديشو. حتى أن الولايتين قد التزمتا الصمت تجاه مسألة الاعتراف الإسرائيلي في إشارة إلى استمرار التوترات الداخلية وسط مخاوف من توظيف محتمل لهذا الملف كأداة لابتزاز الحكومة الفيدرالية بشأن الملفات الخلافية، وهو ما قد يفاقم التوترات السياسية في الداخل الصومالي.

وربما يشجع الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال إحدى الولايتين أو كلتيهما للسعي نحو إقامة تحالفات خارجية مستقلة بعيداً عن حكومة مقديشو، في سبيل الوصول إلى المطالبة بالاستقلال والبحث عن الاعتراف الدولي على غرار إقليم أرض الصومال. يعزز ذلك، حجم الخلافات الكبيرة بين الولايتين، بالإضافة إلى تمتعهما بمزايا استراتيجية تجعلهما محط أنظار واهتمام الفاعلين المؤثرين على المستويين الدولي والإقليمي. فعلى سبيل المثال، تدير ولاية بونت لاند ميناء بوصاصو الذي يقدم مزايا استراتيجية على خليج عدن، خاصة أنه استضاف بشكل متكرر بعض العمليات العسكرية الأمريكية الموجهة ضد معاقل حركة الشباب المجاهدين. كما ترتبط الولايتان بعلاقات استراتيجية ممتدة مع عدد من الأطراف الإقليمية مثل الإمارات وإثيوبيا وكينيا، وهو ما قد يدفعها نحو توسيع دائرة علاقاتها مع العالم الخارجي[40].

وتعزز هذه السيناريوهات المحتملة التخوفات لدى حكومة مقديشو من سيناريو تفكك الدولة الصومالية، وخلق فرص جديدة لحركة الشباب المجاهدين لتوسيع رقعة سيطرتها الجغرافية في البلاد، الأمر الذي يُكسِب مساعي تقويض الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، أهمية استراتيجية بالنسبة لمستقبل وحدة وتماسك الدولة الصومالية على المدى البعيد.

الدولة التالية؟

تأمل إدارة إقليم "أرض الصومال" في أن يلي الخطوة الإسرائيلية انفتاح من المجتمع الدولي على الاعتراف بالإقليم، ومن المتوقع أن تحشد إدارة الإقليم جميع أدواتها للمضي قدماً نحو توسيع دائرة الاعتراف الدولي بها. لكن في هذه اللحظة، ومع صعوبة التوقع بشأن ماهية الدولة التالية التي ربما تعترف بأرض الصومال، في ضوء تعقيدات المشهد الإقليمي الراهن في القرن الأفريقي، إلا أنه قد يكون من الأهمية بمكان الإشارة إلى عدد من الدول المحتملة باتخاذ خطوة الاعتراف على غرار الجانب الإسرائيلي مؤخراً.

تدرك إدارة إقليم "أرض الصومال" أن إسرائيل ليست سوى بوابة استراتيجية تفتح لها المجال أمام التقارب مع واشنطن في محاولة لاستقطابها للاعتراف الدولي بها، باعتبارها الفاعل الأبرز الذي ربما يشجع العديد من الدول الأخرى للقيام بهذه الخطوة. وبالتالي، قد لا تعوّل أرض الصومال كثيراً على تحركات إسرائيل في هذا الصدد، لا سيما أنها لا تزال تعاني من تآكل شرعيتها الأخلاقية والسياسية على الصعيد الدولي بسبب عدوانها على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. غير أنها، مع ذلك، ربما تستغل علاقاتها المتطورة مع عدد من الدول الأفريقية مثل جنوب السودان وكينيا وإثيوبيا في تحريك ملف الاعتراف على الصعيد الأفريقي على نطاق أوسع.

قد تتشابه كل من أرض الصومال وجنوب السودان في السياق الذي دفعهما نحو خطوة الانفصال عن الدولة الأم، وبالتالي، ربما يعزز ذلك التقارب بينهما، إلى جانب التقارب الإسرائيلي مع الطرفين الذي قد يلعب دوراً في تطوير العلاقات بينهما، ودفع جوبا نحو اتخاذ خطوة الاعتراف بأرض الصومال مستقبلاً.

وبالرغم من القلق الكيني من منافسة ميناء بربرة الاستراتيجي لميناء مومباسا الكيني بما قد يؤثر على درجة التنافسية مع الموانئ الأفريقية الأخرى، إلا أن الحكومة الكينية تنظر بشكل إيجابي لإقليم "أرض الصومال" باعتباره يمثل ساحة للاستقرار السياسي والأمني نسبياً، وهو ما دفعها إلى تطوير العلاقات الثنائية من خلال تبادل مكاتب التمثيل في نيروبي وهرجيسا. وربما تلعب إسرائيل دوراً في تعزيز التقارب بين الطرفين، وذلك في ضوء علاقاتها المتميزة مع نيروبي، التي تخشى هي الأخرى أن يأتي ذلك على حساب تدهور علاقاتها مع مقديشو وما قد يترتب عليه من خسائر استراتيجية وأمنية وتجارية.

ومع إدراك إثيوبيا صعوبة تبني موقف واضح في هذه المسألة خوفاً على علاقاتها الاستراتيجية مع حكومة مقديشو ومصالحها الأمنية والتجارية معها، إلا أنها ربما تتبنى نهج الصبر الاستراتيجي لمعرفة الموقف الأمريكي من مسألة الاعتراف الدولي بأرض الصومال، وربما تصبح الدولة التالية التي تعترف بأرض الصومال عقب اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها تدرك أن المعطيات الدولية والإقليمية ستكون مواتية لاتخاذ هذا الموقف دون تحمل أي تداعيات سلبية أو أعباء على المستويات المختلفة. وإن كان ليس من مصلحة أديس أبابا على المديين المتوسط والطويل الاعتراف بأرض الصومال، لأنها مُعرَّضة لنزعات انفصالية في الداخل الإثيوبي المضطرب نتيجة سلسلة التوترات السياسية والأمنية في المشهد السياسي هناك[41].

مخاوف التفكك والتفتيت

يحمل الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" العديد من التداعيات المحتملة على أكثر من مستوى سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً واجتماعياً في منطقة القرن الأفريقي. إذ تكرّس هذه الخطوة سابقة من شأنها أن تفضي إلى تعزيز النزعات الانفصالية في المنطقة، بما يهدد السيادة الوطنية لدولها وينذر بتفتيتها إلى دويلات صغيرة يطغى على العلاقات بينها الطابع الصراعي في ضوء تصاعد النزاع على الموارد والأراضي والحدود وغيرها، وهو ما يضعف شرعية الحكومات المركزية في القرن الأفريقي وجوارها الإقليمي الاستراتيجي.

ويتوقع أن تزداد حالة الانقسام والاصطفاف الإقليمي بين دول المنطقة، بما يعزز حالة عدم الاستقرار الإقليمي هناك، وهو أمر مرتبط باحتمال تزايد التوتر بين الصومال ومحيطها الإقليمي مع الدول التي تدعم إسرائيل، وسط تكهنات بتصعيد الأمر لصراع عسكري محتمل تستعين فيه الصومال بقوى وحلفاء إقليميين لبسط سيطرتها على إقليم "أرض الصومال"، بالإضافة إلى احتمال تكالب فاعلين جدد في المعادلة الأمنية الإقليمية في المنطقة؛ بما ينذر بزيادة عسكرة المنطقة، وزيادة سباق التسلح، وتزايد حالة التنافس الدولي والإقليمي هناك، وانعكاسات ذلك على زعزعة الاستقرار في القرن الأفريقي وجواره الاستراتيجي في مناطق البحر الأحمر والمحيط الهندي والشرق الأوسط.

وربما تجد بعض الحركات الراديكالية مثل حركة الشباب المجاهدين الصومالية وتنظيم داعش في الصومال في تصاعد النزعات الانفصالية مناخاً ملائماً لتعزيز نفوذها في الداخل الصومالي عبر توظيف حالة عدم الاستقرار في تجنيد المزيد من المقاتلين الجدد إلى صفوفها، وتهديد مصالح بعض الدول الفاعلة في القرن الأفريقي، وشرعنة استهداف أهداف مرتبطة بأرض الصومال وإسرائيل، بما يعني توسيع أنشطة الحركة تجاه الإقليم الذي لا تملك فيه وجوداً، خاصة أن الحركة تعهدت بمحاربة أي نشاط لإسرائيل في الإقليم. كما يُرجح أن تكثف حركة الشباب تعاونها مع بعض الفاعلين من غير الدول مثل جماعة الحوثي اليمنية من خلال تهريب الأسلحة والتدريب العسكري، لمواجهة أي وجود عسكري إسرائيلي محتمل في أرض الصومال، التي ربما تتحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات والهجمات الإرهابية في ظل بيئة إقليمية تتسم بمزيد من التوتر السياسي والأمني، بما قد يهدد أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن.

ومن ثم، ربما تتسبب إدارة "أرض الصومال" في تحويل الإقليم إلى أداة استراتيجية بيد أطراف خارجية، ما من شأنه توريط الدولة الصومالية في صراعات إقليمية، لا سيما المستنقع اليمني ومن ثم تعرضها لهجمات محتملة من جماعة الحوثي اليمنية.

لذلك، يُرجح أن يتحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مسرح إقليمي نشط للصراع بالوكالة بين إسرائيل وإيران، وإسرائيل وتركيا، وإسرائيل ومصر، في ضوء احتمال توظيف إسرائيل لإقليم "أرض الصومال" كقاعدة محتملة للمهام الاستخباراتية وعمليات عسكرية محتملة في النطاق الإقليمي للقرن الأفريقي لا سيما في مواجهة جماعة الحوثي اليمنية، وهو ما قد يشجع إدارة الإقليم على أن تنخرط كفاعل مؤثر في المعادلة الأمنية الإقليمية في البحر الأحمر، وربما يمنحها ورقة تفاوض إضافية في تفاعلاتها مع دول المنطقة مثل إثيوبيا والفاعلين الباحثين عن شراكات جديدة في مجال الموانئ البحرية والقواعد العسكرية على طول ساحل بحري يطل على خليج عدن والبحر الأحمر ويمتد لنحو 850 كيلومتر مربع.

إجمالاً، من المؤكد أن تُكثِّف إدارة إقليم "أرض الصومال" جهودها للبناء على خطوة الاعتراف الإسرائيلي أملاً في توسيع دائرة الاعتراف الدولي بالإقليم، مستغلة حالة الزخم التي صاحبت هذه الخطوة، وهو ما برز في مشاركة رئيس الإقليم، عبد الرحمن محمد عبد الله "إيرو"، في منتدى دافوس في يناير 2026، وقمة الحكومات العالمية في دبي للعام الثاني على التوالي، لما يوفرانه من منصة دبلوماسية يمكن من خلالها تعزيز الشراكات مع الفاعلين والشركاء الاستراتيجيين الدوليين.

ومع ذلك، من المتوقع أن تُمارس عزلة دبلوماسية على الإقليم من خلال شبكة إقليمية ممانعة للاعتراف الإسرائيلي، وذلك بهدف قطع الطريق أمام أي محاولات جديدة محتملة لتكرار الخطوة الأخيرة، وهو ما يبرر مساعي إدارة "أرض الصومال" للاعتراف الأمريكي الذي تعتبره الجائزة الكبرى، كونه سيحفز العديد من شركائها على أن يحذو حذوها في هذا الصدد.

لذلك، من المبكر التكهن بقيام دولة مستقلة في أرض الصومال، كون أن المعطيات الدولية والإقليمية -على الأقل في المدى المنظور- غير مواتية، مع الأخذ في الاعتبار حجم التداعيات السلبية في القرن الأفريقي بما في ذلك تنامي النزعات الانفصالية في دول المنطقة بما يعني تزايد احتمالات التفكك والتفتيت إلى دويلات صغيرة متصارعة، وانعكاسات ذلك على تفاقم حالة الفوضى الأمنية في المنطقة.


[1] Khadar Mariano, Op-Ed: Recognizing Somaliland: A Strategic Realism Imperative, The Horn Diplomat, 30 December 2025, accessible at: https://tinyurl.com/2jtdsvhc

[2] Abdifatah Ahmed Hurre, Op-Ed: Somaliland Recognition Is Not a Symbolic Diplomatic Luxury- It Is an Economic Imperative, 8 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/mt5swswz

[3] كان إقليم "أرض الصومال" تحت الحماية البريطانية في الفترة من 1884 إلى 1960، ونال استقلاله عن بريطانيا في 26 يونيو 1960، قبل أن يدخل في اتحاد مع الصومال في 1 يوليو 1960، والذي استمر حتى عام 1991، حيث تشير تقارير إلى أنه لم يتم التصديق على الاتحاد بين الصومال وإقليم "أرض الصومال" عبر عملية قانونية ملزمة.

[4] Somaliland Chronicle, Ethiopia Weighs Following Israel’s Lead as Somaliland Recognition Gains Momentum, 31 December 2025, accessible at: https://url-shortener.me/998K

[5] Ibid,.

[6] David Yeh, Political Recognition Without Legal Foundation, The Red Sea Beacon, 2 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/45tvsf2n

[7] Ibid,.

[8] Amit Yarom, After Israel’s recognition of Somaliland, what comes next?, The Atlantic Council, 15 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/2jarzhbb

[9] Abdillahi Mohamed Bile, Israel’s Re-Recognition of Somaliland and the Reconfiguration of Geopolitics in the Horn of Africa, The Horn Diplomat, 21 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/mrx9c749

[10] Amanuel Ashagire, Somaliland Hosts AFRICOM Commander in a Significant Step Toward Deeper U.S. Partnership, The Horn Daily, 29 November 2025, accessible at: https://tinyurl.com/5ywhf37a

[11] Scott N. Romaniuk, Israel, Somaliland, And Turkey: Recognition Battleground InThe Horn Of Africa – Analysis, Eurasia Review, 9 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/38ndjv7h

[12] The Horn Review, Houthi Warning vs. Israeli Foothold in Somaliland: Implications for Ethiopia’s Security, 13 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/2edramhv

[13] Amanuel Ashagire,Idem,.

[14] Garowe Online, Israel wary of Egypt's expanding role in Somalia and Horn of Africa, 20 January 2025, accessible at: https://tinyurl.com/bc7ftfkc

[15] Josef Federman, Mathew Lee and Samy Magdy, Exclusive: US and Israel look to Africa for moving Palestinians uprooted from Gaza, Associated Press, 14 March 2025, accessible at: https://tinyurl.com/4tz9edaa

[16] The Horn Diplomat, Op-Ed: If an Unrecognized Somaliland Contributes This Much, Imagine What a Recognized Somaliland Could Achieve, 8 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/3dxbarwx

[17] Martin Plaut, Tel Aviv and Hargesia: Implications for the Horn of Africa, 9 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/yne4uvjs

[18] Abdi Ali Barkad, Egypt’s Hidden Strategy to Undermine Somaliland’s Recognition, Borkena, 30 October 2025, accessible at: https://tinyurl.com/2eucfhc8

[19] Hamza Hendawi, Egypt expands military goals in Somalia after Israel's Somaliland recognition, The National News, 14 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/23yrm9wb

[20] Amanuel Ashagire, Idem,.

[21] Somaliland Chronicle, Ethiopia Weighs Following Israel’s Lead as Somaliland Recognition Gains Momentum, 31 December 2025, accessible at: https://url-shortener.me/998K

[22] The Horn Diplomat, Keeping the Bab al-Mandeb Open: Why and How Should Israel and the West Boost Somaliland’s State Capacity?, 21 January 2026, accessible at: https://url-shortener.me/9937

[23] Girmay Haile, Israeli recognition of Somaliland: Analysis, Red Sea Beacon, 1 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/2s4btj8a

[24] قراءات صومالية، الرئيس الصومالي يهدد باستخدام القوة العسكرية ردًا على اعتراف إسرائيل بـ “صومالي لاند”، 3 يناير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/4eu7pk2u

[25] الصومال الجديد، الصومال يرفض استخدام أراضيه لشن هجمات على دول أخرى، 24 يناير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/34etr6dd

[26] الصومال الجديد، الإعلام الإسرائيلي يكشف عن خطة لتوطين مليشيات فلسطينية متحالفة مع جيش الاحتلال في أرض الصومال، 25 يناير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/m86vy8wx

[27] الصومال الجديد، السعودية تجري محادثات مع مصر والصومال لتشكيل تحالف عسكري جديد، 17 يناير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/unzaer3m

[28] الصومال الجديد، الحكومة الصومالية تؤكد وجود اتفاقية أمنية ثلاثية مع المملكة العربية السعودية ومصر، 19 يناير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/4zxue38r

[29]   الصومال الجديد، سفراء السعودية وتركيا والسودان يشاركون في حفل تنصيب رئيس ولاية شمال شرق الصومال في لاسعانود، 17 يناير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/2ksrtjb9

[30] The Horn Diplomat, Keeping the Bab al-Mandeb Open: Why and How Should Israel and the West Boost Somaliland’s State Capacity?,Idem.

[31] Somaliland Chronicle, Idem,.

[32] Ghidewon Abay, Israel’s Recognition of Somaliland Risks Igniting a Wider Crisis in the Red Sea, 29 December 2025, accessible at: https://tinyurl.com/sjku9h3x

[33] Jackson Mutinda, Why Somaliland recalled envoy to Djibouti?, The East African, 31 December 2025, accessible at: https://tinyurl.com/cn6yzaz7

[34]The Horn Diplomat, Keeping the Bab al-Mandeb Open: Why and How Should Israel and the West Boost Somaliland’s State Capacity?,Idem.

[35] الصومال الجديد، طائرات إف – 16 التركية تحلق في سماء مقديشو، 3 فبراير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/5hez5nk4

[36] مقديشو برس، البرلمان التركي يقر تمديد مهمة القوات البحرية في المياه الإقليمية للصومال، 21 يناير 2026، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/3atc6cpt

[37] Asher Lubotzky, Somaliland and Israel—Considerations Regarding Recognition and Cooperation, The Institute for National Security Studies, 24 November 2025, accessible at: https://tinyurl.com/49b5bnyp

[38] Martin Palut, The Geopolitical Ripple Effects of Somaliland’s Recognition, 3 February 2026, accessible at: https://tinyurl.com/yb8axt5r

[39]The Horn Diplomat, Keeping the Bab al-Mandeb Open: Why and How Should Israel and the West Boost Somaliland’s State Capacity?,Idem,.

[40] Martin Plaut, Tel Aviv and Hargesia: Implications for the Horn of Africa, 9 January 2026, accessible at: https://tinyurl.com/yne4uvjs

[41] The Horn Review, Israel Recognized Somaliland: What Could Ethiopia’s Next Move Be?, 27 December 2025, accessible at: https://tinyurl.com/bdwet8c5