* المقال هو افتتاحية العدد 97 من فصلية أحوال مصرية، يناير 2026 (تحت الطبع).
انتقل إقليم الشرق الأوسط، أو إقليم شمال أفريقيا وغرب آسيا أو الإقليم العربي وجواره الجغرافي، أيًا ما كان اسمه، من مرحلة صراعات طائفية إلى ظهور كثيف للجماعات المتطرفة العنيفة، إلى مرحلة الاحتجاجات الشعبية التي تحول بعضها إلى حروب أهلية، وإلى سقوط أنظمة ودول، وصولًا إلى ممارسة إسرائيل لإبادة جماعية وتهجير قسري في قطاع غزة وبصور مختلفة في الضفة سعيًا لإنهاء الوجود الفلسطيني من على خريطة الإقليم. كل هذه الاضطرابات والصراعات أدت إلى مخاطر وتهديدات كبرى تحيط بالإقليم، ففي إطار هذا السياق كان المناخ مواتيًا بقوة لحالة كبيرة من السيولة والانفلات الأمني مما أدى إلى تداعيات خطيرة على حياة البشر ومستوى الخدمات الصحية والتعليمية حتى أصبحنا أمام ملايين من اللاجئين والنازحين في خيام. على الأقل جيلان ولدوا أو نشأوا في طفولتهم في ظروف غير طبيعية، تنذر بمزيد من العنف والتطرف والجريمة في دول الصراع، وربما تداعيات أخرى من التفكك المجتمعي والأزمات الاقتصادية والسياسية في دول أخرى في الإقليم.
بناء على ما سبق تقديمه، نصبح في مفترق طرق، بين تداعيات فترة طويلة من الاضطرابات والصراعات في الإقليم وبين أطروحات متعددة لرؤى وخطط تتحدث عن مستقبل الإقليم، خاصةً بعد التغير الكبير الذي لحق بالنفوذ الإيراني ووزن الكيانات والميليشيات التابعة / المتحالفة معها، إلى جانب التحولات الجذرية في شكل وطبيعة بعض من التنظيمات والميليشيات أيضًا المحسوبة في السابق على تيار التنظيمات السلفية المتطرفة العنيفة، إلى جانب التحولات في خريطة التفاعلات والتحالفات والصراعات بين دول الإقليم.
ومن ثم في سياق هذه الأطروحات والمخططات لإعادة هندسة الإقليم وتفاعلاته وأوزان الفاعلين بداخله، تظهر الحاجة والمنطق من طرح المفاهيم السياسية. وحقل العلاقات الدولية يعج بالمفاهيم والمصطلحات المهتمة بوصف طبيعة أو دور الدول في النظام الإقليمي أو الدولي، ومنها مفاهيم: الدول الوسطى Middle Power، الدول الصاعدة Rising Power، الدول المحورية Pivot Power، إلى جانب مصطلحات طُرحت في الأدبيات العربية مثل الدولة القائد ودولة المركز والدولة القلب.
ومن بين المفاهيم التي سبق وأن طُرحت في حقل العلاقات الدولية، مصطلح "دولة الارتكاز Anchor State". وعلى الرغم من أن المصطلح بدأ في أروقة مراكز الفكر الأمريكية في ثمانينات القرن الماضي، لتقديم أساس فكري ومنهجي لتحقيق المصالح الأمريكية في الأقاليم المختلفة من خلال نقطة ارتكاز واحدة قد تمثل دولة أو دولتين في كل إقليم، إلا أننا بصدد إعادة بناء المفهوم من وجهة نظر مصرية داخل الإقليم. ومن ثم فتح حوار حوله، ثم تبنيه وخلق وعي به على مستوى المجتمع والمؤسسات وهو ما يؤسس لقدرة النظام على تشكيل رؤية محكمة حول المفهوم، وتقديمها للمحيط الإقليمي والدولي.
في إطار مشروع فكري تطرحه مجلة أحوال مصرية الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، نتبنى تعريفًا جديدًا لمفهوم "دولة الارتكاز" في الإقليم – صاغته أستاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة الدكتورة سعاد أبو ليلة – كالتالي: (دولة تنتمي إلى نظام إقليمي محدد ترتبط به تاريخيًا وحضاريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وتؤثر في هويته وقضاياه، وتسعى للحفاظ على أمنه واستقراره، موظفة في ذلك ما تمتلكه من قدر معقول من المقومات الذاتية المحسوسة وغير المحسوسة، ودون أن يؤدي ذلك إلى إنهاكها داخليًا، على أن يتم الاعتراف بهذا الدور من جانب جيرانها في الإقليم والفواعل الأخرى في النظام الدولي).
وعلى هذا الأساس، نحن نتحدث عن مكونات محددة لدولة الارتكاز:
1- الانتماء الكامل والحقيقي للإقليم، وهو ما يعني الانتماء الجغرافي والثقافي على حد سواء.
2- امتلاك رغبة ومصلحة في تحقيق الاستقرار وتقليل حدة الصراعات والمخاطر داخل الإقليم.
3- امتلاك قدر معقول من المقومات "الحقيقية" الصلبة والناعمة، والمؤثرة في استقرار الإقليم بالإيجاب في حالة قيامها بالدور الإقليمي، وبالسلب في حالة تعرضها لاضطرابات جسيمة.
4- القدرة على القيام بدور فعال في الإقليم دون الوصول إلى حد الانهاك ومن ثم التفكك الداخلي.
5- الحصول على قبول واعتراف بهذه الطبيعة وهذا الدور على المستوى الإقليمي والدولي.
وبصورة عامة، فهذا تعريف مفاهيمي وطرح نظري عام لطبيعة دولة ارتكاز ما في إقليم ما على خريطة العالم. أما بالانتقال إلى إقليم الشرق الأوسط أو ما يطلق عليه شمال أفريقيا وغرب آسيا أو المنطقة العربية وجوارها، أيًا ما كان اسمه، فنحن نتحدث عن إقليم في أغلبه يتكون من الدول العربية وفي وسط خريطتها الجغرافية تقع إسرائيل بحدودها المعترف بها وسيطرتها غير القانونية على الأراضي الفلسطينية، فضلًا عن الجوار التركي والإيراني، هنا نطرح مصر كـ "دولة ارتكاز" منطقية وضرورية لتحقيق الاستقرار في هذا المفترق.
نتصور الإقليم أشبه بسفينة كبرى في محيط من المياه غير المستقرة بأمواج عالية ورياح عاتية لفترات زمنية ليست بالقصيرة أدت إلى أضرار كبيرة في جسم السفينة. تحقيق الاستقرار منوط بإلقاء "مرساة" أو "مخطاف" أو "Anchor" قادرة على "تثبيت" السفينة رغم هذه الاضطرابات، ومن ثم القدرة على إعادة الإعمار والإصلاح.
هنا ظهرت الحاجة الملحة لاستدعاء علم "فيزياء السياسة physics political science"، وهو العلم البيني الذي يستخدم قوانين علم الفيزياء (الطبيعة) لتفسير السلوك السياسي للمجتمعات والدول.
وفقًا لعلم الفيزياء، تعمل المرساة Anchor عن طريق اختراق قاع البحر وتثبيت نفسها فيه ميكانيكياً، مستخدمة وزنها وقوة سحب السلسلة "الجانبية" لإنشاء مقاومة عالية ضد حركة السفينة، حيث تلعب السلسلة الثقيلة والممتدة دورًا حيويًا في زيادة قوة التثبيت، مما يمنع انزلاقها ويضمن استقرار السفينة.
ومن هنا نطرح رؤية مفادها، أن مصر تمتلك أربعةً من العناصر الخمسة السابق ذكرهم من مكونات "دولة الارتكاز"، وهي الانتماء الحقيقي للإقليم، وامتلاك المصلحة والرغبة في تحقيق الاستقرار، بل وتمتلك رؤية تاريخية ومستمرة عن الحقوق الثابتة واحترام السيادة وهو ما عبرت عنه وزارة الخارجية المصرية مؤخرًا في الكتاب الأبيض "الاتزان الاستراتيجي"، وهو المكون الرئيسي الذي يجعل دولة الارتكاز في هذا الإقليم، لا يمكن أن تكون من خارج دائرة الدول العربية.
كما تمتلك مصر مقدرات صلبة وناعمة تجعلها بلا منازع الثقل الحقيقي لهذا الإقليم، سواء بالنسبة للقدرات الديموجرافية الكبيرة كونها أكبر عدد سكان، وأكبر نسبة من الشباب والسكان في فترة العمل ومن ثم قمة مرحلة "العائد الديموجرافي"، فضلًا عن التجانس السكاني وغياب شبه تام لأي انقسامات طائفية أو عرقية. إلى جانب أهمية وفعالية الموقع الجغرافي على مستوى الاقتصاد والتجارة والاتصال. بالإضافة إلى الثِقل الثقافي والحضاري، والقدرة الحقيقية لاستقبال أعداد كبرى من الدارسين الوافدين في الجامعات المصرية، لتصبح مصر الدولة المنتجة لعدد كبير من عقول وقيادات وكوادر هامة في دول الإقليم. فضلًا عن استقبال أعداد كبيرة من الوافدين سواء للتعليم أو العلاج أو الهجرة أو اللجوء من دول الجوار، وفي الأغلب من دول الصراع في الإقليم، وغيرها من مكونات "القوة الذكية".
إلى جانب ذلك، أهمية المكون الرابع "القدرة على القيام بالدور دون الوصول إلى حد الإنهاك"، وهو المكون الذي يلقي بتساؤلات كبرى حول قدرة قيام بعض الدول الإقليمية بهذا الدور فقط لامتلاكها التفوق الاقتصادي أو العسكري أو التكنولوجي. وبالعودة إلى علم فيزياء السياسة نرى أن قيام دولة الارتكاز بالدور الإقليمي يعتمد على ما تمتلكه من "حد المرونة" (Elastic Limit)، وهو أقصى إجهاد أو قوة خارجية يمكن أن تتحملها المادة الصلبة دون حدوث تشوه دائم في شكلها أو أبعادها. عند زوال هذا الإجهاد، تعود المادة إلى شكلها الأصلي تمامًا. يُعد حد المرونة نقطة فاصلة بين السلوك المرن (عودة للشكل الأصلي) والسلوك اللدن (تشوه دائم). وبتطبيق هذه القاعدة على السلوك السياسي للدول، تصبح دولة الارتكاز الحقيقية هي الدولة التي تمتلك من العقيدة العسكرية والتماسك المجتمعي والانضباط المؤسسي والقدرات الديموجرافية...إلخ ما يمكنها من تحمل تكلفة القيام بدور (إلقاء المرساة) داخل الاقليم لتحقيق الاستقرار، دون الوصول إلى حد الانهاك أو "الفشل" أو "التشوه".
يبقى لدينا مناقشة الاعتراف الإقليمي والدولي بمنطقية بل وحتمية وعدالة هذا الدور لتحقيق التهدئة والاستقرار في إقليم بات في أمس الحاجة لهذا الاستقرار وإعادة إعمار مجتمعاته قبل إعمار بنيته التحتية. إقليم يحتاج إلى تحقيق سلام عادل واقعي وليس سلامًا متوهمًا.
هنا تجدر الإشارة إلى أهمية استكمال الحوار والتفكير حول هذا المفهوم وامتلاك رؤية ومن ثم قدرة على "تسويق" الرؤية وليس "الترويج" لها. التسويق يقصد به إعادة تقديم أنفسنا إلى الإقليم والعالم من خلال مشروع متكامل ورؤية لـ "الاستقرار العادل والمستدام" في الإقليم، وأن مصر هي دولة الارتكاز القادرة على إلقاء المرساة، ربما بالتعاون مع دولة مركزية وهامة في الإقليم تمتلك المصلحة والرغبة في تحقيق هذه الرؤية للاستقرار.