د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تزايد الاهتمام بالنموذج الإيرلندي في المنطقة العربية، وخاصة بعد التشابه النسبي مع حالات ما بعد الصراع وبناء السلام ونزع سلاح الفواعل ما دون الدولة، مثل حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان. إذ وافق الجيش الجمهوري الإيرلندي بعد اتفاق بلفاست 1998 على وضع ترسانته "خارج الاستخدام" ضمن عملية سرية خضعت لرقابة دولية، وتم ذلك بالتوازي مع مفاوضات سياسية لحل الصراع، وتحول الجيش الجمهوري الإيرلندي من تنظيم إرهابي إلى قوة سياسية. والأكثر من ذلك، تقدم إيرلندا نموذجاً لأهمية تقاسم السلطة في المجتمعات المنقسمة داخلياً مثل لبنان والعراق وليبيا.

كما تمثل إيرلندا حالة مثالية للجمع بين التحول السياسي والتحول الاقتصادي في آنٍ واحد، وهو ما تحتاجه دول عربية عدة. فضلاً عن إضعاف نفوذ تنظيم الإخوان في إيرلندا، وهو ما ينسجم مع توجهات العديد من الدول العربية والأوروبية، حيث بدأت ترى في التغلغل الأيديولوجي تهديداً للأمن الوطني، علاوة على حظر حكومة إيرلندا استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، بل تُعد إيرلندا من أكثر الدول المؤيدة لفلسطين في العالم، الأمر الذي يرجع إلى تعرض الإيرلنديين في الماضي للقمع والاستعمار من قبل البريطانيين، ما جعلهم يشعرون بمعاناة الشعب الفلسطيني مع بطش الاحتلال الإسرائيلي.    

شواهد دالة

إن هناك جملة من الشواهد الدالة على الاهتمام بملامح النموذج الإيرلندي، في أبعاده المختلفة للتطبيق على حالات مختلفة في المنطقة العربية، على النحو التالي:

1- تطبيق نموذج إيرلندا الشمالية على نزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة: يجري الاستشهاد بحالة إيرلندا الشمالية كنموذج مستقبلي محتمل لغزة، وفقاً لرؤية بعض الشخصيات الدبلوماسية الأوروبية. وفي هذا الإطار، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام البرلمان بتاريخ 24 أكتوبر 2025 إن بريطانيا قد تؤدي دوراً قيادياً في المساعدة في نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) من قطاع غزة، وذلك بالاستناد إلى تجربتها في تشجيع الجماعات المسلحة في إيرلندا الشمالية على إلقاء السلاح، لافتاً إلى أن نزع السلاح من القطاع سيكون أمراً حيوياً في استمرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، مع الأخذ في الاعتبار رؤية حماس القائمة على أن نزع سلاحها مرهون برؤية سياسية وهي إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتسليم السلاح يكون لهذه الجهة وليس وضعه تحت وصاية دولية، ولا في ظل وجود الجيش الإسرائيلي كقوة احتلال.

وهنا، تجدر الإشارة إلى نموذج إيرلندا الشمالية، الذي بدأ تطبيقه في عام 1998، وفق عملية سلام تعرف بـ"اتفاقية الجمعة العظيمة" أو "اتفاق بلفاست"، حيث نجحت بريطانيا بالإقناع في نزع سلاح الجماعات السياسية المتنافسة خلال فترة استغرقت سبعة أعوام واكبتها تسوية سياسية شجعت الجماعات المسلحة على التخلي عن أسلحتها وتكللت بالنجاح حتى اليوم، إذ كانت في إيرلندا الشمالية جماعات سياسية مسلحة تتنافس على السلطة، من جهة يرغب الجيش الإيرلندي الموالي لبريطانيا في بقاء بلاده جزءاً من المملكة المتحدة، فيما يرفض الاتجاه المعارض ذلك، حيث كان يريد توحيد أراضيه مع جمهورية إيرلندا المستقلة، وبسبب هذا الخلاف نشب بينهما صراع مسلح استمر 30 عاماً.

وقد اتبع رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ومستشار الأمن القومي (والمدير الحالي لمؤسسة وساطة دولية) جوناثان باول سياسة إصلاح شاملة، بصورة متدرجة وبطيئة، تضمنت تقاسم السلطة بين الحكومتين البريطانية والإيرلندية والأحزاب السياسية، وإنشاء لجنة دولية مستقلة لنزع السلاح، وشجعا جميع الجماعات المسلحة على إلقاء السلاح وبناء جهاز شرطة جديد ومحايد يحظى بثقة جميع أفراد المجتمع والعناية بحقوق الإنسان وقضايا المساواة. ولذا، عاد رمزا عملية السلام الإيرلندية، وهما رئيس الوزراء السابق توني بلير وجوناثان باول، إلى الواجهة الدولية، بعد مشاركتهما في محادثات مع الولايات المتحدة ودول أخرى فيما يخص مستقبل غزة.

2- نقل نموذج تفكيك ترسانة "الجيش الجمهوري الإيرلندي" وتطبيقها على حزب الله: يشير اتجاه في الكتابات إلى عودة المقترح البريطاني للنقاش الدائر على الساحة الدولية، فيما يخص نقل نموذج تفكيك ترسانة "الجيش الجمهوري الإيرلندي" وتطبيقها على حزب الله، ضمن مسار سياسي تدرجي مرن يمتد لأربعة أعوام، لاسيما في ظل قناعة حاكمة لدى العديد من القوى الدولية والأطراف الإقليمية بأن الحل في لبنان لم يعد ممكناً عبر الضغوط المباشرة أو الصدام المفتوح مع حزب الله لاستقرار الوضع في الجنوب اللبناني، بل عبر "احتواء السلاح" بخطة قابلة للتنفيذ، خاصة بعد تعثر خطة الجيش اللبناني في تنفيذ خطته لتسليم السلاح بحوزة الحزب، وعدم إمكانية موافقة حزب الله على تسليم مواقع معينة أو تقديم خرائط أو السماح بسحب معدات من مناطق محددة.

وفي هذا السياق، لا يقوم التصور البريطاني المقترح على سيناريو قائم على "نزع السلاح بالقوة" أو فرض مهلة قصيرة على التفكيك، بل على نموذج تفاوضي شبيه بتجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي، لأن الأطراف المحلية التي تملك قوة عسكرية عميقة الجذور لا تتخلى عنها دفعة واحدة تحت الضغط، بل وفق خطة طويلة الأمد وتحمل ضمانات سياسية وأمنية متعددة المراحل، بحيث تتضمن تثبيت تهدئة، ثم إتباع خطوات تدريجية للحد من انتشار الترسانة وتجميد استخدامها، وصولاً إلى صيغة نهائية تُنهي الدور العسكري المستقل للحزب وتحويله إلى طرف سياسي داخلي. وفي هذا السياق، يرى اتجاه أن حزب الله لا يتعامل مع المقترح البريطاني كـ"خيار واقعي قابل للنقاش والتنفيذ"، بل كفكرة تُستخدم دولياً لتخفيف سقف التوتر مع إسرائيل ومنح الدولة اللبنانية مساحة تفاوضية أمام الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

فقيادة حزب الله تتبنى مقاربة محددة مفادها أن إسرائيل لا تنتظر تسوية بل تبحث عن فرصة لتصفية ما تبقى من قدراته، في ظل بيئة إقليمية جديدة بعد توابع حرب غزة الخامسة، تعمل تل أبيب على ترسيخ وجودها كقوة إقليمية مهيمنة وتوصل رسائل متعددة لأطراف مختلفة، دول وفواعل مسلحة ما دون الدولة، بقدرتها على القضاء على أي تهديد قائم أو محتمل لأمنها. ومن ثم، تعتبر قيادات الحزب أن تسليم مواقع أو مخازن أو خرائط شمال الليطاني سيعتبر "تنازلاً أحادياً"، خاصةً إذا لم يترافق مع وقف كامل للضربات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، وغياب الحصول على ضمانات دولية. ولذا، فالحزب لا يدعم مقاربة الانتقال إلى مرحلة تسليم سلاح أو فصل القرار العسكري عن بنيته التنظيمية، ويستغل التخوف الدولي من فزاعة تعرض لبنان لحرب أهلية في حال اعتماد نزع السلاح بالقوة.

غير أن الفارق جوهري بين تجربتي إيرلندا ولبنان يكمن في أن حزب الله ليس تنظيماً محلياً فقط، بل يُعتبر جزءاً من معادلة إقليمية ممتدة، ويمتلك شبكة أمنية وعسكرية ونفوذاً سياسياً واجتماعياً يجعل تفكيكه أصعب بكثير من مجرد اتفاق سياسي.

3- تقاسم السلطة وتجاوز الماضي مدخل السلام في إيرلندا لدول الصراعات العربية: إن عملية السلام الإيرلندية أصبحت نموذجاً يحتذي به في مختلف أنحاء العالم، بل يستخلص منها عدة دروس قد تكون مفيدة لحالات الصراع الأخرى في المنطقة العربية، مثل ليبيا التي لم تخرج من دوامة الانقسام والصراع بعد انهيار نظام القذافي. إذ تم تجاوز معضلة انعدام الثقة المستمر بين الأحزاب السياسية والتغلب على تناحر القوميات المتنافسة من خلال الاعتماد إلى حد كبير على مبدأ تقاسم السلطة بالطرق السلمية، وإنهاء العنف والخسائر في الأرواح وإبعاد السلاح عن السياسة الإيرلندية. وهذا إنجاز ملفت بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الصراع الدموي الذي سقط فيه حوالي 3700 ضحية.  

4- التوازي بين التحول السياسي والتحول الاقتصادي في دول ما بعد الصراعات الممتدة: تعد إيرلندا من أبرز الدول التي تولي اهتماماً خاصاً لتخفيض معدلات الضريبة على الشركات، الأمر الذي أدى إلى جذب الشركات متعددة الجنسيات، خاصة في القطاعات التكنولوجية والصناعات الدوائية، وهو ما أسهم في زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، بل كذلك في تعزيز مكانة إيرلندا كمركز مالي عالمي. كما أسهمت الاستثمارات في التعليم العالي والتدريب المهني في توفير قوة عمل مؤهلة ومدربة، ما زاد من جاذبية إيرلندا للشركات العالمية، وهي دروس قيّمة للدول الساعية لتحقيق نمو مماثل في المنطقة العربية.

5- إضعاف نفوذ تنظيم الإخوان في إيرلندا: يتعرض نفوذ تنظيم الإخوان المسلمين وشبكاته التنظيمية والتمويلية العابرة للحدود للتضييق في العديد من الدول الأوروبية خلال العامين الأخيرين عبر تشريعات وإجراءات جديدة، حيث دعت السيناتورة شيرون كيغان، في كلمتها أمام مجلس الشيوخ الإيرلندي في أكتوبر 2025، حكومة بلادها إلى فتح تحقيق كامل في نفوذ الإخوان في إيرلندا، موضحة أنه "في جميع أنحاء أوروبا، يتم تقييد الجماعة ومراقبتها بشدة، لكن هنا في إيرلندا نواجه خطراً جدياً بأن الحكومة سمحت لهذه الشبكة الأيديولوجية بالازدهار دون رادع. قبل أن نناقش تنظيم أو حتى تقييد هذه المنظمة وفروعها، يجب أن نعرف الحقيقة – ونحن حالياً نعمل في الظلام"، حيث اتضحت المآرب الرئيسية لهذا التنظيم في تشكيل "مجتمعات موازية" داخل الدولة الأوروبية الواحدة.

وأضافت كيغان: "اعتُبرت إيرلندا بيئة مريحة لجمعيات ومؤسسات تعليمية مرتبطة بالإخوان تعمل تحت رقابة محدودة، غير أن تحقيقات دبلن الأخيرة بشأن حوكمة الجمعيات غير الربحية ومصادر تمويلها تمثل تحولاً واضحاً عن نهج التساهل الليبرالي السابق، كما أن تعاونها مع شركاء الاتحاد الأوروبي في مجالات الشفافية المالية ومعايير التعليم الديني يشير إلى بداية اصطفافها مع التوجهات القارية التي ترى في التغلغل الأيديولوجي تهديداً للأمن الوطني". وتأتي تصريحاتها بعد إغلاق أكبر مسجد في إيرلندا، الواقع في كلونسكيغ، مقاطعة دبلن، منذ أبريل 2025 بسبب مخاوف من وجود روابط بين بعض العاملين في المركز وتفسيرات متشددة للإسلام السني، بالإضافة إلى اتهامات بوجود مخالفات مالية.  

6- حظر حكومة إيرلندا استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية: أقرّت الحكومة الإيرلندية في مايو 2025 مشروع قانون يحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة التي تُعتبر جميعها كيانات غير قانونية في نظر المجتمع الدولي، وهو ما يمثل خطوة غير مسبوقة بالنسبة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي. ويشمل القرار سلعاً مثل الفاكهة والخضار والأخشاب، ولم يشمل مجال الخدمات، مثل السياحة أو تكنولوجيا المعلومات. وتجدر الإشارة إلى أن التزامات إيرلندا تمنعها، بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، والذي له صفة أعلى من دساتير الدول الأعضاء، من تطبيق حظر شامل على استيراد البضائع والخدمات الإسرائيلية القادمة من الأراضي المحتلة.

وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الإيرلندي سايمون هاريس للصحفيين في 28 مايو 2025: "آمل أنه عندما تتخذ هذه الدولة الأوروبية الصغيرة هذا القرار وتصبح... بالتأكيد أول دولة غربية تضع تشريعات على هذا النحو، فإن ذلك سيلهم دولاً أوروبية أخرى للانضمام إلينا". وجاء هذا القرار خاصة بعد صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024 بشأن التداعيات القانونية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والذي شدّد على مسئولية جميع الدول على عدم الاعتراف أو المساعدة على إسباغ الشرعية على الاحتلال والتوسّع الاستيطاني في فلسطين. وقد انضمت إيرلندا رسمياً داعمة لجنوب أفريقيا في دعوتها المنظورة أمام محكمة العدل الدولية، وتتهم فيها إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

تعذر الاستنساخ

خلاصة القول، لا توجد خبرة واحدة تخص تجارب إيرلندا للدول العربية، وإنما تبقى معضلة تجاوز الانقسام الداخلي وإدماج الجماعات المسلحة في بنية الحكم هي الملمح الأبرز. غير أنه ظهرت ملامح التسوية في وقت مبكر نسبياً، وبالتالي كان النموذج نتاج ظروفه الخاصة. ويبدو أن التوصل إلى اتفاق مماثل في الشرق الأوسط ما زال بعيد المنال، خاصة في بؤر الصراعات المسلحة العربية، علاوة على غياب إدراك النخب المتنافسة لضرورة تعزيز الحكم التعاوني في مجتمعات منقسمة، في الوقت الذي تتعمق الأزمات الاقتصادية في دول التحولات السياسية العربية، وخاصة التي لاتزال جماعة الإخوان تمثل رقماً في معادلاتها.