أ. د. حمدي عبد الرحمن حسن

أستاذ العلوم السياسية في جامعتي زايد والقاهرة

 

من الواضح أن السياسة الخارجية الأمريكية في أفريقيا خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية التي بدأت في يناير 2025 تركز على أولويات حركة ماجا "أمريكا أولاً" ذات الطابع النفعي والتي تتمثل في مكافحة الإرهاب، وضمان الوصول إلى المعادن الحيوية، ومواجهة النفوذ الصيني والروسي، مع تقليص المساعدات والدبلوماسية والعمل متعدد الأطراف. وفي هذا السياق، لا تزال القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) تمثل منصة قتالية كاملة، تمارس مكافحة الإرهاب بقوة في الصومال والساحل ونيجيريا، بما في ذلك عمليات قتالية متكررة مثل الضربات الجوية التي استهدفت مواقع في نيجيريا في أواخر ديسمبر 2025. وتعطي هذه المقاربة الأولوية للعمليات العسكرية وقوات الحلفاء على حساب التواجد الأمريكي المكثف، وسط نقاشات حول وضع القوات بعد الانسحاب من النيجر.

ومن جهة ثانية، تستهدف السياسة الأمريكية الولوج إلى مناطق المعادن الحيوية مثل الكوبالت والليثيوم والكولتان في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأنجولا وكينيا وجنوب أفريقيا عبر الدبلوماسية التجارية والاستثمار الخاص والاتفاقيات الثنائية، بهدف التقليل من هيمنة مبادرة الحزام والطريق الصينية. ويتطلب إصلاح المساعدات "الاكتفاء الذاتي" من الدول المتلقية، كما يستثني قطاعات المعادن من الرسوم الجمركية، ويخفض التمويل غير الاستراتيجي مثل برنامج الرئيس الطارئ للإغاثة من الإيدز وعمليات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

ويحاول هذا المقال إبراز أهم ملامح السياسة الأمريكية الخشنة تجاه أفريقيا في ظل سرديات الرئيس ترامب المستندة إلى مزاعم العرق والدين.

ثنائية العرق والدين

تبنى الرئيس ترامب خلال ولايته الثانية سرديتين لتبرير سياساته القسرية تجاه أفريقيا. تُصوّر السردية الأولى المبنية على العرق المزارعين البيض في جنوب أفريقيا كضحايا عملية "إبادة جماعية". أما الثانية فإنها تصور المسيحيين النيجيريين كأهداف للإرهاب الذي تقوده داعش وأخواتها. ولا شك أن هذه نظرةً انتقائيةً مشحونةً دينياً وعنصرياً تجاه العنف في أفريقيا، وهو الأمر الذي يبرر استخدام أدوات السياسة الأمريكية القسرية بدلاً من الانخراط الشامل والتعامل من خلال الأدوات السياسية والدبلوماسية. لقد أعاد ترامب إحياء مزاعم اليمين المتطرف حول عمليات القتل الممنهجة والاستيلاء على الأراضي ضد الأفريكان البيض، مُواجهاً الرئيس رامافوزا في مايو2025 بمقاطع فيديو لصلبان بيضاء رمزية، تمّ تصويرها زوراً على أنها قبور ومقاطع إخبارية تزعم وقوع جرائم قتل مرتبطة بقوانين مصادرة الأراضي. ورغم أن عمليات التدقيق تُثبت عدم وجود إبادة جماعية - إذ بلغ عدد جرائم قتل المزارعين في جنوب أفريقيا عام 2024 نحو  40 جريمة فقط من أصل أكثر من 26 ألف ضحية على مستوى البلاد، معظمهم من السود - فقد سارع ترامب إلى منح وضع اللاجئ لنحو 60  من الأفريكان، وخفّض المساعدات، وطرد السفير، وألغى دعوة جنوب أفريقيا لحضور قمة مجموعة العشرين لعام 2026. ولعل ذلك يتسق مع ما ذكره في تغريدته الأولى حول هذه القضية، والتي أيدها حليفه إيلون ماسك.

أما بالنسبة للسردية الثانية، فقد هدد ترامب، في نوفمبر 2025،  بشن ضربات "سريعة وقاسية" رداً على قتل المسيحيين على يد جماعة بوكو حرام وداعش، محذراً من خفض المساعدات في حال عدم تحرك نيجيريا. أدى ذلك إلى شن الولايات المتحدة غارات بصواريخ توماهوك على معسكرات جماعات إرهابية وإجرامية في ولاية سوكوتو في 25 ديسمبر2025، بالتنسيق المحدود مع  حكومة أبوجا. وقد تم تصويرها على أنها "هدية عيد الميلاد" لقاعدته الإنجيلية، على الرغم من وجود أدلة متنازع عليها حول استهداف غير متناسب بناءً على معلومات غير موثوقة. واللافت هنا أنه تم استخدم خطاب مصطلح "الإبادة الجماعية"، ممزوجاً بتعابير مكافحة الإرهاب وحماية الأديان.

أفريكوم والقبضة الخشنة

من الملاحظ أن كلتا السرديتين تصوران الأقليات البيضاء والمسيحية على أنها مضطهدة من قِبل الحكومات الأفريقية أو الجماعات الإرهابية ذات الإسناد الديني، بما يتماشى مع مبدأ "أمريكا أولاً" من خلال إعطاء الأولوية للتدخل الأمريكي لصالح أبناء الدين الواحد/الإنجيليين، مع تهميش دور الدول الأفريقية الأوسع. وبالفعل تم استخدام العلاقات الاقتصادية كسلاح من خلال تعليق المساعدات، في حالة جنوب أفريقيا بسبب إصلاح الأراضي؛ وجعلها مشروطة في  نيجيريا بالتعاون في مكافحة الإرهاب والدبلوماسية العقابية. وربما تُعرّض هذه الروايات الأوضاع الأمنية الهشة في أفريقيا للخطر، وتُؤجّج التوترات الطائفية، لا سيما في أماكن مثل نيجيريا، التي لديها تاريخ طويل من انعدام الثقة والعنف على أسس عرقية ودينية. كما يُمكن أن تُنَفّر هذه الروايات المجتمعات المحلية، التي تُعدّ أساسية للتعاون الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب.

واللافت للانتباه هنا أن تأييد نيجيريا للضربات الجوية الأمريكية يعد خروجاً عن موقفها الرافض للعمليات القتالية الأجنبية على أراضيها. والمتابع للظاهرة الإرهابية في غرب أفريقيا يلاحظ أن أبوجا لم تتلق لسنوات طويلة أي مساعدات خارجية سوى التدريب والمعدات. لقد كان الهدف هو الحفاظ على سيادتها وتجنب ردود الفعل السلبية، لا سيما في الشمال ذو الأغلبية المسلمة، الذي غالباً ما يشك في التدخل الغربي. لكن هذه المخاوف تضاءلت مع تفاقم انعدام الأمن، حتى بين المسلمين أنفسهم. لقد بات واضحاً قبل الغارات الجوية، أن العديد من المسيحيين في نيجيريا أيدوا التدخل الأمريكي. وبالفعل أدى تزايد الضغط الأمريكي والتهديدات بشن ضربات وفرض عقوبات أحادية الجانب إلى تقليص خيارات أبوجا. كان من الممكن أن يؤدي رفض الضربات إلى تعزيز الانطباع في واشنطن - وبين بعض المسيحيين في الداخل - بأن أبوجا تعرقل حماية المسيحيين، مما قد يُعرّضها لتداعيات دبلوماسية واقتصادية. كما كان من الممكن أن يُظهر الحكومة النيجيرية عاجزة إذا ما مضت العمليات الأمريكية قدماً.

"لاكوراوا" ومخاطر التهديد الهجين

لقد أظهرت الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت بشكل رئيسي غابة باوني على الحدود مع النيجر في ولاية سوكتو ذات الأغلبية المسلمة الساحقة ومقر دار السلطان وجوداً فاعلاً جديداً ومؤثراً في خريطة التنظيمات الإرهابية في غرب أفريقيا. ويجمع هذا التنظيم بين الإسناد الديني من جهة والاجرامي الصرف من جهة أخرى. إنه تنظيم لاكوراوا العابر للحدود. ترجع نشأة هذا التنظيم إلى عام 2018 في ولاية سوكوتو، شمال غرب نيجيريا، بالقرب من حدود النيجر وبنين، كمليشيا للدفاع الذاتي، وهو يضم عناصر إرهابية عنيفة من منطقة الساحل من مالي، مرتبطين بجبهة تحرير ماسينا التابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وجماعات رعاة نيجريين، وعناصر محلية . و في البداية، دعته المجتمعات المحلية لمواجهة أعمال قطاع الطرق المتفشية وسط فراغ أمني. بيد أن الجماعة - التي يشتق اسمها من مصطلح "المجندين" في لغة الهوسا استناداً إلى الفرنسيةles recrues) - ) سرعان ما تحولت إلى أعمال نهب وسلب، وفرضت حكماً متطرفاً، وفرضت الزكاة، واستولت على الماشية والمحاصيل. وعلى الرغم من ارتباطها الأيديولوجي بمفاهيم الجهاد الساحلي، فإن جماعة لاكوروا لا ترتبط ببيعة رسمية لتنظيم داعش أو فروع تنظيم القاعدة، إذ تُعطي الأولوية للمكاسب الإجرامية على حساب العقيدة المتشددة. وتشير علاقاتها الأخيرة مع فصيل من جماعة بوكو حرام (جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد) في شيرورو، بولاية النيجر - والتي تتجلى في زيارات سنوية وبيعة مُعلنة للقائد باكورا دورو - إلى تعميق اندماج الشبكات الإرهابية مع المجرمين. ويعكس هذا تسامح جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد مع التعاون مع قطاع الطرق، مما يزيد من مخاطر استقطاب لاكوروا لقطاع طرق غير أيديولوجيين مثل شبكة بيلو تورجي (Bello Turjiالإجرامية في شمال غرب نيجيريا.

ولا يخفى أن ضعف الحوكمة، والتوترات العرقية بين المزارعين والرعاة، والضغوط المناخية، والتداعيات الدبلوماسية بين نيجيريا والنيجر بعد انقلاب نيامي عام 2023، يُتيح لجماعة لاكوروا الإفلات من العقاب عبر الحدود. وقد صنّفت نيجيريا لاكوراوا جماعةً إرهابيةً في يناير2025، إلا أن الاستجابة لها لا تزال قاصرة في إطار عملية "فانسان ياما". إنها عملية عسكرية–أمنية واسعة أطلقتها الدولة النيجيرية في شمال غرب البلاد بهدف تفكيك شبكات اللصوص المسلحين والعصابات الإجرامية، وعلى رأسها شبكات الخطف وفرض الإتاوات. على أن اللافت للانتباه هو تأرجح موقف المجتمعات المحلية تجاه هذه الشبكات الاجرامية بين التسامح والمقاومة، مُعرّضةً أمنها لمخاطر جسيمة.

الترامبية الخشنة في أفريقيا

يمكن تصوير الهجوم الأمريكي على سوكوتو على أنه جزء من مساعي أفريكوم الأوسع نطاقاً لتعزيز دورها في ظل ولاية ترامب الثانية. وبالمقارنة في عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن، تراجع النفوذ الأمريكي بعد أن طالب المجلس العسكري الحاكم في النيجر الولايات المتحدة بالانسحاب من قاعدة النيجر الجوية 201 في عام 2024. وكانت هذه القاعدة الكبيرة بمثابة مركز عمليات الطائرات المسيّرة والمراقبة الأمريكية في منطقة الساحل، حيث تُوسّع روسيا نفوذها. وللمضي قدماً في اتجاه العسكرة وما يمكن تسميته الترامبية الخشنة نقلت الولايات المتحدة في نوفمبر 2025، أصولاً عسكرية إلى أكرا، عاصمة غانا، حيث تُسيّر شركات متعاقدة رحلات مراقبة جوية فوق منطقة بحيرة تشاد، لدعم الهجمات ضد جماعة بوكو حرام في ولاية بورنو النيجيرية. وفي فبراير 2026، أكدت الولايات المتحدة نشر قوات في نيجيريا، مع تقديم تفاصيل محدودة من الحكومتين حول حجم ونطاق هذه القوات. أضف إلى ذلك في بداية هذا العام عُقدت محادثات أفريكوم للتعاون الأمني ​​مع جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد تزامن ذلك مع انخراط وزارة الخارجية الأمريكية  مع مالي في منطقة الساحل، بعد تدهور العلاقات هناك وسط توجه المجلس العسكري الحاكم نحو روسيا لأسباب أمنية. وفي الصومال، نفذت أفريكوم ما لا يقل عن 23 غارة استهدفت حركة الشباب وتنظيم داعش منذ الأول من يناير، وهو معدل يفوق العمليات الأمريكية في السنوات السابقة.

ختاماً، فقد أدت عسكرة ترامب للسياسة الأمريكية في أفريقيا - عبر توسيع نطاق أفريكوم في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا، وتخفيف قواعد الاشتباك، والتهديدات بالتدخل العسكري المكثف - إلى تحقيق مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل ضد جماعات إرهابية هجينة مثل داعش وحركة الشباب ولاكوراوا، ولكن ذلك  زاد من حدة المعضلات الاستراتيجية. فبينما أدت ضربات مثل قصف صواريخ توماهوك في نيجيريا في ديسمبر 2025 إلى خسائر فادحة نسبياً في صفوف الارهابيين، إلا أنها تنطوي على مخاطر إلحاق الضرر بالمدنيين، وردود فعل محلية غاضبة. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تجنيد المزيد من العناصر الإرهابية، دون معالجة الفراغات الأمنية، مما قد يخلق حروباً لا نهاية لها في ظل تقليص عدد القوات على الأرض. ومن جهة أخرى أدى تخفيض المساعدات والأدوات الدبلوماسية إلى تراجع النفوذ الناعم لصالح كل من روسيا والصين. كما تراجعت مفاهيم السيادة أمام الوجود العسكري المحدود الذي يعطي الأولوية للمظاهر الأمنية الأمريكية على حساب الحلول المستدامة التي تقودها أفريقيا.