د. أيمن السيد عبد الوهاب

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

دولة قوية ومجتمع قوى معادلة ليس من السهل الوصول إليها فى مرحلة يبدو العالم أقرب إلى مجتمع المخاطر، تتهدده المخاطر الطبيعية والبشرية، وتدفعه التحولات الدولية إلى مرحلة انتقالية تتسم بعدم اليقين وتجاوز مرتكزات النظام الدولى الذى عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية، وهى مرحلة تُعلى من مفهوم الخطر بعد تراجع دور المؤسسسات الدولية والقانون الدولى ومفاهيم مثل الأمن الجماعى والقيم الإنسانية، حيث فرض هذا التحول اللجوء إلى القوة كسبيل لتحقيق المصالح.

 ومن ثم أصبح الحديث عن شعارات العولمة الخاصة بوحدة المصير البشرى والمواطن العالمى، حديثاً يتجاوز الواقع ويفتقد للمصداقية. فنحن أمام تحولات كبرى سوف تزيد من اختلالات العلاقة الثلاثية (الفرد والمجتمع والدولة)، وخاصة سيادة الدول والتماسك المجتمعى. من هنا تأتى أهمية الوعى والمعرفة بمستقبل العلاقة التى سوف تحكم الدولة بالمجتمع فى القرن الحادى والعشرين، وهنا يمكن أن نطرح تقسيم إيرك نورد لينج، كسمة ومؤشر لقياس العلاقة بين الدولة والمجتمع فى ظل المخاطر والتهديدات التى تحيط بهما، رغم الإقرار بأن الأوزان النسبية للقياس قد اختلفت، ولكنه يظل صالحاً للتوصيف، فهو يقسمها إلى مستويات أربعة هي: علاقة قوية، وتحظى الدولة في هذا المستوى بدعم المجتمع لها. أما المستوى الثاني فيصفها بأنها مستقلة، وهى الدولة التي يغيب عنها دعم المجتمع لها. وأما المستوى الثالث فيطلق على الدولة فيه اسم الدولة المستجيبة، وهي الدولة التي تتمتع بالاستقلال بدرجة أقل ولكن تحظى بدعم مجتمعي أكبر. وأخيراً الدولة الضعيفة وهي الدولة التي لا تتمتع بالاستقلال ولا بدعم المجتمع.

وسط هذا الخطر الممثل فى تهديدات المرحلة الانتقالية التى تشهدها العديد من دول العالم ومجتمعاتها، يطرح سؤال كبير حول سبل المقاومة؟، وحدود القدرة على الحد من التأثيرات؟، وليس التحصين المطلق الذى يمثل نتيجة أقرب إلى الأمانى منها إلى الواقع، وهو ما يقودنا إلى أهمية الإدراك والوعى والمعرفة، تلك الثلاثية التى يمكن أن تمثل طوق النجاة، إذا ما ارتبطت بالقدرة على بناء الدولة والمجتمع بما يحافظ على الهوية والخصوصية ويمتلك مقومات التقدم ويأخذ خطوات نحو المستقبل.

فنحن أمام تحديات تفرضها الفلسفة الجديدة التى سوف تحكم العالم لفترة قادمة ليست بالقصيرة، سواء من خلال توظيف تكنولوجى أكثر خطورة مرتبط بهذه الفلسفة، أو بإعلاء مفاهيم القوة والهيمنة، أو من خلال فرض واقع جديد يتعلق بحياة الإنسان وأسلوب معيشته ونظرته للعالم، الأمر الذى يمكن تلمسه بوضوح مع تنامى العديد من الظواهر العالمية السلبية مثل تنامى صعود اليمين الأوروبى والأمريكى، و"الإسلاموفوبيا"، وتغليب الفردانية والذاتية والمادية على حساب الأسرة والمجتمع، وهى مظاهر تمثل روافد مغذية للتطرف وسماته على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، كنتيجة مباشرة لتراجع منظومة القيم الإنسانية والأمن الجماعى.

 لذا، تبدو متطلبات الوعى والمعرفة بمسارات التحولات وتداعياتها أمراً لا مفر منه، لاسيما تلك المعنية بالوعى بالذات والثقافة المجتمعية والسلوك البشرى، وما تقتضيه من تحوط وخاصة عندما ترتبط بالقيم الأساسية، وتباين المنظور الإدراكى لها، وعلاقاتها بدرجة تطور المجتمعات.

هذه الإشكالية تتجلى بوضوح عندما نتناول مفهوم كالتطرف (الدينى واللادينى) ومحاولة توصيفه وتحديد علاقته بالعديد من المفاهيم الأخرى التى تمثل امتداداً له مثل: التطرف والتطرف العنيف (والإرهاب) ومفاهيم تتقاطع معه وتتماس كالتعصب والحمية والتمييز والتنمر، وخاصة فى مجتمعاتنا التى ما تزال تعانى من ثنائيات: الأصالة والحداثة، والدولة الوطنية والمشروع الأممي، وعلاقة الدين بالدولة والمجتمع، والاستناد إلى التراث الديني والشعبى والانبهار بالنموذج الغربي. فضلاً عن تحولات عميقة تمس ماهية المجتمع ومكوناته وقواه الاجتماعية المنظمة لتفاعلاته، والتى يمكن تلمسها فى الفجوة الجيلية، وتفكك الطبقة الوسطى وتعدد شرائحها، وتفاوت مستويات التعليم وجودته، وتباين المرجعيات الثقافية، وجيل رقمى يرى التحولات من منظوره الذاتى.

الوعى بالذات الحضارية

لذا، يمثل الوعى بمكون الأمة المصرية وإدراكها وتطورها وتاريخها وسماتها ومرتكزاتها التى تبلورت فى العقل والوجدان المصرى، حائط صد قوياً وأساسياً فى المحافظة على الدولة والتماسك المجتمعى، لاسيما وأن التجارب التاريخية أثبت أن ترسخ مفهوم الأمة المصرية رغم تطور وتشكل المجتمع المصرى عبر الزمن، شكل الأرض الصلبة التى تقف عليها الدولة المصرية والتى تفسر تماسك المجتمع رغم العواصف وتلاطم الأمواج التى أحاطت بهذا المجتمع، وآخرها ما شهده خلال يناير 2011 ويونيو 2013 .

ومن ثم، يمكن تفهم كثافة طرح سؤال الوعى والمعرفة بالمخاطر والتحديات التى فرضت على الدولة والمجتمع المصرى بشكل أكثر وضوحاً وصراحةً منذ 2005 مع إعلان الإدارة الأمريكية عن الفوضى الخلاقة كسبيل لإعادة هندسة المنطقة العربية ومجتمعاتها، وما تفرع عنها من تساؤلات عن سياسات الهوية والانتماء والخصوصية الثقافية، وما يقتضيه ذلك من متطلبات لبناء الإنسان المصري، والحقيقة أن الفترة الممتدة من 2011 وحتى 2014 وما شهدته من اختلالات واهتزازات شهدها المجتمع والدولة المصرية، خير دليل على العمق الحضارى والفلسفى والثقافى لدى المصريين كأمة ودولة، وأن المحطات المضيئة والمظلمة فى التاريخ المصرى، تلفت الانتباه إلى كثير من الثوابت والملامح الرئيسية التى لا تزال راسخة فى وجدان المجتمع المصرى.

وكانت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي المتكررة والمؤكدة على أهمية الوعى وبناء الشخصية المصرية، ومن ثم إطلاق العديد من المبادرات الرئاسية ضمن نموذج تنموى متكامل تبنته استراتيجيات الدولة وفي مقدمتها استراتيجية 2030، تعني أن هناك إرادة سياسية وهناك ملامح لطريق وسياسات تتوافق مع احتياجات التقدم ومواكبة العصر، وأن هناك رؤية تتمحور حول بناء المواطن المصري، كركيزة لبناء الدولة الحديثة القادرة على مسايرة المستقبل، ولكن تبقى التحديات والقيود والصعوبات التي تحيط بإمكانية بناء حضّانة قادرة على بناء جيل جديد قادر على المشاركة في بناء المستقبل وثورته العلمية والمعرفية وليس مستخدماً لأدواتها فقط أو مغترباً عن المجتمع أو غاضباً ومتمرداً على واقع يريد أن يُشارك في صنعه.

لذا، يمكن تفهم تنامى سؤال الوعى وحضوره المُلِح على ساحات النقاش العام ودراسات الباحثين والأكاديميين والسياسيين، ليس فى مصر فقط بطبيعة الحال بل فى العالم، لأن الشعور بالخطر متنامٍ، فلم يعد الخوف من العولمة وأفكارها الثقافية والقيمية المستندة للنموذج الغربي هى التحدى الذى فرض نفسه على الهويات الوطنية والخصوصيات الثقافية فقط، ولكن حالة ما بعد العولمة الراهنة فرضت أنماطاً أكثر خطورة للانتقال من مرحلة التفكيك إلى مرحلة التفكك، وما تشهده عمليات اختراق المجتمعات بآليات ممنهجة سواء عبر وسائط الإعلام والاتصال والتوظيف التكنولوجى أو من خلال تزييف الوعى، ما هى إلا أنماط من رؤية أوسع لمصالح قوى وشركات كبرى تسعى إلى إعادة هندسة المجتمعات وإضعافها وتفكيكها، ولاسيما ذات العمق الحضارية، وذلك من خلال نشر الإحباط والخوف واللعب على التناقضات وتشتيت الوعى وضرب القيم، ومن ثم نزع الثقة فى المستقبل. 

التطرف والبيئة العازلة

تقودنا النتائج السابقة إلى التساؤل عن إمكانية بناء حضّانة مجتمعية قادرة على مواجهة التحديات والأخطار المحيطة بالإنسان المصرى من حيث الأفكار وعمليات التشوه القيمى، وإن كنا هنا سوف نركز على قضية واحدة وهى التطرف لما تمثله من خطورة مجتمعية نظراً لتشعبها وارتباطها بنمط التفكير والحالة النفسية فضلاً عن عملية صناعتها.

فالحد من الأفكار المتطرفة وما يستتبعها من سلوكيات تمس تماسك المجتمع يتطلب بناء تيارات فكرية وثقافية قادرة على بناء توافقات ومرجعيات تمثل وتعبر عن القطاع الأكبر من المجتمع المصرى، إلى الحد الذى يوفر المقومات العازلة له اجتماعياً. فمظاهر التطرف التى نعانيها هنا لا تقتصر على التطرف الدينى والانتماء لجماعات إرهابية أو متشددة، ولكن ما نعنيه من تطرف يمتد إلى التطرف السلوكي والأخلاقي، فالتطرف أياً كانت أشكاله أو اتجاهاته يضعف الدولة ويخلخل أركان المجتمع ونسيجه الاجتماعى.

وإذا ما اعتبرنا أن التطرف خلل وعرض نفسى يصيب الأفراد ويهدد المجتمعات، فإن تقوية البنية الاجتماعية في أي من المجتمعات مرتهنة بالقدرة على مراعاة ما فرضته عوارض التطرف من انعكاسات مجتمعية سلبية، وذلك من خلال:

1- تفهم السياق الدافع للتعصب والتطرف، مع الأخذ في الاعتبار تأثير التفاعل المتبادل بين الدوافع الداخلية والخارجية، فظاهرة التطرف هي ظاهرة عالمية تتباين في درجاتها وأشكالها وتعانى منها كافة مجتمعات العالم.

2- تحديد المرتكزات الفكرية والرؤية القادرة على محاصرة هذا الفكر وأشكاله المتعددة.

3- مواجهة الركائز الفكرية والفلسفية والنفسية للمتطرفين بشكل تكاملى.

4- الانطلاق من منهاج متدرج يأخذ في الاعتبار الكثير من الاختلالات والعوامل التي ساهمت في تحفيز وزيادة مظاهر التطرف الدينى واللادينى.

5- تنمية درجة تجانس المجتمع وقدرته على إدارة تنوعه وتعدده.

من هنا، يظل الهدف الواجب السعى نحو هو تقوية المجتمع نفسه، بالقدر الذى يستطيع من خلال مؤسساته التقليدية والحديثة، أن يمتلك المقومات القادرة على العزل الاجتماعي لكل ما هو متطرف ويمثل خطراً على الدولة والمجتمع، وبالتالى نحن نتحدث عن مراحل وعامل زمنى ممتد ويستهدف الكثير من شرائح المجتمع، لاسيما الشباب. ولذا، يبقى من الضروى انتهاج عدد من الخطوات التالية:

1- الوعى بحركة المجتمع ورسم خريطة معرفية دقيقة لمظاهر الاختلالات وعمقها، مع الأخذ فى الاعتبار التباينات والخصوصيات المرتبطة بالمجتمعات المحلية، وذلك من خلال دراسات ميدانية ومسوح اجتماعية، قادرة على رصد الوزن النسبى للعوامل المحفزة على التطرف والتعصب، وأن يكون المدخل الحقوقى الذي تتبناه المبادرات الرئاسية وتستند إليه جهود العديد من الوزارات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية واقعاً ملموساً من جانب المواطنين، وهنا يمكن أن تمثل مبادرة تنمية القرية المصرية مدخلاً ملائماً، وفق أجندة عمل متكاملة تخصص لكل قرية وتعكس ما يمكن أن تتميز به كل قرية كمدخل تنموى متكامل يتوافق مع الاحتياجات والخصوصية.

2- تشير مؤشرات قياس الأثر والإدراك التي تعكسها نتائج عدد من الدراسات الميدانية إلى أن بعض مظاهر التحسن وجوانب التأثير الإيجابى للجهود الحكومية، ومساهمات الجمعيات الأهلية سواء القاعدية أو المظلة، تحتاج منهجية أعمق ترتبط بالأبعاد التمكينية والتنموية والنفسية للمواطنين، وتكثيف العلاقة الارتباطية بين المواطنين والمبادرات الرئاسية، لاسيما مبادرة تنمية القرية المصرية، وحياة كريمة، وتصميم العديد من النماذج التنموية التي تتوافق مع الاحتياجات المتعددة، وأن يتم التركيز على الأطفال والمراهقين والشباب كخطط ممتدة زمنية.

3- المحافظة على الهوية والوعى بخصوصية الذات، وذلك من خلال الإعلاء من شأن الهوية الأم الجامعة، وتحديد علاقاتها بالهويات والعصبيات والروابط الأولوية ما دون الدولة.

4- الدين يمثل مكانة كبيرة فى المجتمعات التقليدية، ومدخلاً قيمياً وأخلاقياً يحافظ على تماسك المجتمع، ولكن تظل المشكلة فى الفهم الصحيح للدين (أياً كان الدين). فقد تمت الإساءة للأديان نتيجة التسييس والتوظيف السيئ من قبل تنظيمات ومتعصبين، فضلاً عن الخلط بين الدين والتدين، والمساعى الدولية لإلغاء الدين وهو ما سيفرض موجة تطرف وتشدد حول الدين والأخلاق والهوية.

5- بناء الرؤية الاستراتيجية للتعليم، استناداً للنموذج التنموى المصرى، مع ربط هذه الرؤية بالعلاقة التشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع الأهلى، فرغم مساهمة القطاعين الخاص والأهلى بوتيرة متزايدة خلال العشرين سنة الماضية، فلا تزال فلسفة التعليم والتعلم تحتاج إلى درجات أعمق بفلسفة بناء الإنسان المصرى معرفياً وفكرياً، وهو ما يتطلب أيضاً مزيداً من الاهتمام بالجودة وتجاوز متطلبات الربحية، والالتزام بنظام تعليمى واضح الأسس والأهداف، فالسلبيات فى القطاعات الثلاثة تحتاج إلى إعادة نظر بالقدر الذي يُحدث تكاملاً ويعزز العلاقة التشاركية.

بمعنى أدق، يطرح المنظور التكاملى لمعالجة ظاهرة التطرف، انطلاقاً مما تفرضه الظاهرة من تشابك عواملها ما بين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أهمية تفعيل أدوات الضبط الاجتماعى القادرة على مواجهة حالة السيولة والاستقطاب التي يترجمها بعض ملامح المشهد العام، وتنظيم تفاعلاته بعيداً عن الفوضى والعشوائية.

ولذا، تتجلى أهمية المكون الثقافي والقيمي للشخصية المصرية، وامتلاك الإرادة السياسية والاجتماعية كشروط داعمة ومحفزة للبيئة المحيطة بجهود التنمية والإصلاح، كشرط حتمي لاستمرار عمليات تقوية المجتمع والدولة من مواطن الضعف، وشرطاً لبناء الدولة الحديثة.