رانيا مكرم

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة في سياق دولي وإقليمي بالغ الاضطراب، تتداخل فيه التحديات الأمنية مع حروب الوعى والمعلومات، وتتراجع فيه الحدود التقليدية بين ما هو أمني وما هو معرفي.

وفي هذا الإطار، لم يقتصر الخطاب على الإشادة بالدور الأمني لمؤسسات الدولة، بل قدم رؤية أوسع تقوم على أهمية تحصين الوعى المجتمعي للشباب، محذراً من مخاطر الاستخدام غير المنضبط للفضاء الإلكتروني، وعلى رأسه وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتيحه التطورات التكنولوجية الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي، من قدرة على صناعة واقع زائف وتشويه للإدراك العام.

وتشير التقارير إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر قد سجل 96.3 مليوناً مطلع 2025، وأن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي قد بلغ 50.7 مليون شخص في يناير 2025، بمعدل اختراق وصل إلى 81.9% من إجمالي عدد السكان، حسب ما نشرته منصة داتا بورتال "datareport" في تقريرها عن وضع الرقمنة في مصر خلال عام 2024، والمنشور في 3 مارس 2025[1]. وقد أهّلت هذه النسب مصر لتكون في المرتبة الأولى عربياً من حيث عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، تلتها العراق بـ 34.3 مليون مستخدم، ثم السعودية بـ 34.1 مليون مستخدم[2].

كما أشار تقرير داتا بورتال "datareport" ذاته إلى أن مستخدمي الإنترنت في مصر يقضون في المتوسط 7 ساعات و55 دقيقة يومياً على الإنترنت، وهو معدل يتجاوز المتوسط العالمي الذي يبلغ 6 ساعات و40 دقيقة. فيما يقضي المصريون ساعتين و41 دقيقة يومياً في المتوسط على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يجعل هذه الفضاءات جزءاً من أنشطة المصريين اليومية، ويعتمدون عليها في الحصول على المعلومات، ومتابعة الأخبار، والتفاعل مع القضايا العامة، مما يزيد من احتمالية تلقيهم محتوى غير موثوق أو مضللاً لاسيما إذا غاب الوعى النقدي والتحصين المعرفي لدى المستخدمين.

وقد بات ذلك يُعلي من أهمية التحصين الإعلامي والمعرفي لأفراد المجتمع، لاسيما صغار السن، ويجعله ضرورة وطنية، تتطلب دوراً متكاملاً من مؤسسات الدولة، التعليمية، الدينية، والإعلامية، إلى جانب دور مؤسسات الرقابة الأمنية والتقنية، بهدف الوصول لوعى نقدي بنّاء لدى الشباب، يمكنهم من التعامل مع المحتوى الرقمي بذكاء، واكتساب مهارة التفريق بين المعلومات الصحيحة والمضللة، من خلال البحث والتدقيق، والاستفادة من الفضاء الرقمي في التعلم والتفاعل الإيجابي، دون الوقوع في مخاطر الإدمان عليه أو الانسياق لمحتواه المضلل.

الفضاء الرقمي كقضية أمن معرفي

يكشف تحليل مضمون الخطاب الرئاسي أن قضية أنماط تفاعل الشباب على الفضاء الرقمي باتت مسألة أمن وطني ممتدة، لا يمكن أن تختزل في بعدها التقني أو الأخلاقي فقط، بسبب ارتباطها المباشر بمحددات استقرار الدولة ومستقبلها، لاسيما في ظل وجود فجوة معرفية لدى الأجيال الجديدة حول ما واجه الوطن من تحديات عقب ثورة يناير 2011، وهو ما أشار إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه، موضحاً أن "قطاعاً من الشباب لم يعايش تعقيدات ما قبل عام 2011" وهو ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بخطابات مضللة أو بمحتوى رقمي مصطنع ينشر أفكاراً مغلوطة، في ظل تطور أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على صناعة سياقات غير حقيقية لخدمة أهداف بعينها.

وتبرز هنا دلالة مهمة تتمثل في انتقال الخطاب من منطق التحذير العام إلى تشخيص الفجوة المعرفية والزمنية بين الأجيال، باعتبارها أحد أهم مداخل الاستهداف عبر المنصات الرقمية، وهو ما تؤكده الإحصاءات الرسمية في هذا الإطار:

1- الفجوة المعرفية والزمنية بين الأجيال: تشير نتائج دراسة ميدانية نشرتها المجلة المصرية لبحوث الإعلام باللغة الإنجليزية في يناير 2025، أجريت على عينة قوامها 186 مفردة من المصريين المنتمين إلى جيل Z، خلال شهري ديسمبر 2024 ويناير 2025، إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تشكل مصدراً للمعلومة لنسبة 82.8% من المبحوثين الذين اشتملتهم الدراسة، فيما بلغت نسبة المواقع الإلكترونية الخبرية والتطبيقات الإخبارية حوالي 31.7% كمصدر للأخبار، بينما بلغت نسبة منصات تجميع الأخبار مثل Google News 25.8% كمصدر أخبار للمستطلع رأيهم، وهو ما يشير إلى ما يمكن وصفه بانفصال هذه الفئة عن التفاعل الحقيقي على الأرض والاكتفاء بالتفاعل الافتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يعني أن هذه الفجوة بين الواقع والافتراض تجعل الشريحة الأصغر سناً أكثر تأثراً بالبيئات الرقمية الجديدة، وأقل قدرة على المقارنة بين المعلومات المتناقضة، مما يزيد الحاجة إلى التحصين المعرفي وتفعيل الدور الرقابي للأجهزة الرقابية الرقمية[3].        

2- الفضاء الرقمي كأداة تشكيل وإعادة إنتاج للأحداث: أشار الخطاب إلى قدرة بعض الأدوات الرقمية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، على إنتاج محتوى مزيف أو سياقات غير حقيقية، يمكن أن تستخدم لإعادة تشكيل الإدراك العام للشباب.

وفي هذا الإطار، تشير دراسة أعدتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ونشرت نتائجها في فبراير 2025، إلى تحول نمط استهلاك الشباب للمحتوى الإخباري في مصر، واعتمادهم في تلقي الأخبار، على المحتوى البصري لاسيما من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وبصفه خاصة انستجرام، الذي بلغت نسبة الاعتماد عليه كمصدر للأخبار بين المستطلع آرائهم 81.3%، وقد اعتمدت الدراسة على مسح ميداني لمستهلكي الأخبار الرقمية في مصر، شارك فيه 225 مبحوث[4].

ويعكس ذلك في مجمله خطورة انتشار المعلومات المضللة في ظل عدم امتلاك أغلب الشباب مهارات التحقق من صحة الأخبار، ولجوء أغلبهم إلى صفحات المؤثرين، والصفحات الشخصية للأصدقاء كما أوضحت الدراسة، فيما يمتد تأثير هذه الخطورة بدءاً من متابعة الأخبار اليومية العابرة إلى تلك التي تهدف إلى إعادة تشكيل القيم والمعايير الاجتماعية، مما يضع الشباب في حلقة مستمرة من التعرض للرسائل المضللة، ويزيد من أهمية تطوير وعى نقدي لديهم.

3- الاستخدام المكثف للإنترنت والألعاب الرقمية: ثمة اهتمام بات ملحوظاً بتزايد مخاطر الألعاب الإلكترونية وانشغال الأطفال والشباب بها لساعات طويلة على مدار يومهم، اتضح من خلال تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي حول مخاطر استخدام الصغار للهواتف المحمولة، واتجاه مجلس النواب إلى حظر وإغلاق لعبة "روبلكس" في مصر كما هو الحال في بعض الدول منها سلطنة عمان وتركيا وروسيا.

وفي إطار هذا الاهتمام أيضاً، أجرى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مسحاً ميدانياً لقياس نسب ممارسة النشاط الرياضي في المجتمع المصري، وتحديد أنماط السلوك المرتبطة به، شمل الاتجاه للألعاب الإلكترونية.

وأشارت نتائج المسح إلى أن 30.5% من الأفراد فوق 5 سنوات يمارسون الألعاب الإلكترونية، وتزيد هذه النسبة بين الذكور بنسبة 35.1%، مقارنة بالإناث بنسبة بلغت 25.6%، كما ترتفع هذه النسبة بين سكان الحضر أكثر من الريف حيث بلغت 35.1%، مقابل 27% على التوالي، وأن الفئة العمرية من 5-17 عام هم الأكثر ممارسة للألعاب الإلكترونية بنسبة 43.5%، تليها فئة الشباب من 18- 39 عام، بنسبة 34.8% ومع زيادة العمر تقل نسبة الممارسة لهذا النشاط[5].

ومع التسليم بالآثار السلبية لممارسة هذه الألعاب لوقت طويل، فإنها تُعرِّض الشباب والأطفال أيضاً لمخاطر تلقي محتوى غير مناسب من خلال الإعلانات التي تبث خلال هذه الألعاب، والمحادثات التي تتم خلالها مع لاعبين آخرين، فضلاً عن مساوئ العزلة الرقمية، والإدمان عليها، واكتساب عنف المعاملة، ما يجعل من الضروري وجود سياسات تحصينية متكاملة واضحة.

سبل مكافحة التضليل الرقمي

تعامل الخطاب الرئاسي مع وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها أداة رئيسية فى ما يمكن وصفه بـ "الحرب الإدراكية"، أو "حرب العقول"، وهو بالفعل ما يتحقق على أرض الواقع ليس في مصر فقط، وإنما في العالم بأسره، حيث لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت ساحة لصراع على القيم والمعلومات، والتأثير المباشر على إدراك الشباب. إذ تعد هذه المواقع أرضاً خصبة لانتشار المعلومات المضللة، بسبب سهولة استغلالها للترويج لروايات وأهداف عدة، في ظل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تغيب في أغلبها سبل التحقق من المعلومة، وآليات منظمة وواعية للرد الرسمي على الشائعات المضللة، وبصفة خاصة تلك الشائعات التي من شأنها التأثير على السلام المجتمعي، وربما الإضرار بالمصالح القومية.

1- الفضاء الرقمي كبيئة مواتية لنشر محتوى مضلل: تتعدد الأسباب التي ساعدت على استغلال الفضاء الإلكتروني وفي القلب منه مواقع التواصل الاجتماعي لترويج الشائعات، وبث أخبار مغلوطة، ومحتويات مضللة تهدف إلى تزييف الحقائق، والتأثير على وعى المتلقي، بل والوعى الجمعي في المجتمعات المختلفة، التي لا يستثني منها المجتمع المصري، وذلك على النحو التالي:

أ- تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي: تتداخل عوامل الاستخدام الواسع لهذه المنصات، والاعتماد عليها كوسيلة سريعة للحصول على الأخبار، وفهم السياسات والقرارات غير المفسرة، وتداعياتها المحتملة على المواطن سواء كان إيجاباً أو سلباً، في مقابل تراجع وسائل الإعلام التقليدي كمصدر للمعلومات وعزوف المتلقي عن متابعتها. فضلاً عن اعتماد هذه المنصات على خوارزميات تعطي أولوية في البحث والترشيح للمحتوى الذي يولد تفاعلاً عاطفياً قوياً، وهو ما تزيده الأخبار المضللة لأنها عادة ما تكون صادمة أو مثيرة بطبيعتها.

ب- انخفاض مستوى الاعتماد على المصادر الرسمية: حين لا تتوافر المعلومات من الجهات الرسمية في الوقت المناسب وبصيغة موثوقة، يلجأ المتلقي تلقائياً إلى المصادر البديلة للمعلومات الغائبة أو الغامضة غير المفسرة بشكل كامل، وغالباً ما تكون هذه المصادر البديلة منصات غير موثوقة، من حسابات مجهولة، أو حتى مصادر أجنبية ذات توجهات وأجندات خارجية، أو صفحات لغير المتخصصين الباحثين عن الربح من خلال صفحاتهم، وهو ما يفسر لماذا ينظر إلى بعض الشائعات السياسية والاقتصادية على أنها تفسيرات بديلة للواقع، بينما تكون في الواقع مضللة أو مغرضة.

ج- الجاهزية النفسية لقبول التضليل الرقمي: نظرياً؛ تزداد مستويات القلق بشأن الحاضر والمستقبل في المجتمعات التي تواجه تحديات اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية، بشكل عام، إذ يصبح الأفراد أكثر ميلاً لتصديق المعلومات التي تقدم تفسيرات سريعة أو تبسيطاً للحالة المركبة التي يعيشونها. وبالتالي لا تنتشر الأخبار المغلوطة فقط بفعل محتواها، بل أيضاً من خلال الاحتياج الاجتماعي لتفسير الأحداث تقدمه هذه الأخبار وفق أهدافها، لاسيما مع تعطيل آلية إتاحة وتوافر المعلومات الرسمية الموثقة، حيث تظهر الحسابات المطلقة للشائعات والأخبار الملفقة على هذه المنصات وكأنها تحرص على تعريف المستخدم ببواطن الأمور، وتقديم التفسيرات لكل ما يسعى أو يريد أن يعرف.

د- الدور العابر للحدود في نشر المعلومات المضللة: ثمة تقارير تشير إلى أن بعض الشائعات الكبيرة تأتي من منصات أو جهات خارجية تروج لمعلومات تهدف إلى إحداث إرباك في الحالة المصرية أو تقويض الثقة في مؤسسات الدولة. فضلاً عن منصات القوى السياسية التي تعمل من الخارج وتهدف باستمرار إلى زعزعة ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها.

2- آليات المواجهة.. دور الدولة ومؤسساتها: إن آليات مواجهة التضليل الرقمي تعد مسئولية تشاركية بين الدولة وأجهزتها المختلفة، الدينية والتعليمية والإعلامية، حيث لا تقتصر على سن تشريعات وفرض العقوبات فقط لمحاسبة القائمين عليه، بل تمتد إلى بناء منظومة اتصال فعّالة قائمة على التثقيف والتوعية، وإتاحة المعلومات، وسرعة الاستجابة للرد على المعلومات المغلوطة، والأفكار الهدامة، الأمر يقتضي معه الانتقال من مستوى "النفي بعد الانتشار" إلى مستوى استباقي يقدم المعلومة الصحيحة بوصفها أداة من أدوات الحفاظ على الأمن والسلام المجتمعي. وفي هذا السياق اتخذت الدولة المصرية حزمة من الإجراءات من أهمها:

أ-التشريعات والإجراءات الحكومية: أعلنت الحكومة عن تعزيز الإجراءات القانونية ضد نشر الشائعات والمعلومات المضللة، من خلال:

- سن قانون عقوبات يفرض عقوبة تصل إلى السجن والغرامات على من ينشر أخباراً كاذبة بهدف الإضرار بالأمن أو الاقتصاد.

- تعديل تشريعات العقوبات وزيادة الغرامات لمواجهة نشر الشائعات وتحسين الردع القانوني.

- مشروع قانون تنظيم تدفق البيانات والمعلومات الرسمية، ويستهدف ضمان سرعة نشر البيانات الرسمية وتقليل الفراغ المعلوماتي الذي يستغله ناشرو الشائعات.

- اتخذ مؤخراً المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قراراً بحجب لعبة "روبلوكس" في مصر رسمياً، على أن يتم ذلك بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لتنفيذ القرار، عقب مناقشة هذا القرار في مجلس الشيوخ خلال الأسبوعين الماضيين.

- المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، الذي يعتبر من أقدم الآليات الرسمية لرصد الشائعات وتوضيح الحقائق، من خلال تقارير دورية توضح أنماط الشائعات، ومصادرها، وتقديم تصحيح لها.

- استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في رصد وتقييم المحتوى المنتشر على الإنترنت بسرعة، بهدف التعرف على الأخبار المضللة والرد عليها في الوقت المناسب.

3- خطوات تستكمل جهود الدولة: على الرغم من أهمية الإجراءات والتشريعات التي اتخذتها الدولة لمواجهة التضليل الرقمي، فإن فعالية هذه الجهود تظل مرهونة بقدرتها على التطور من سياسات رد الفعل إلى منظومة متكاملة لإدارة المعلومات. وتستلزم هذه المرحلة الانتقال من الاكتفاء بالتصدي القانوني إلى تبني خطوات تنفيذية مستدامة تعالج جذور الظاهرة، وتغلق فجوة الفراغ المعلوماتي، وتعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بما يضمن تحجيم هذا التضليل قبل تحوله إلى أزمة رأى عام، أو تهديد للاستقرار المجتمعي.

أ- إتاحة المعلومات وسرعة إدارتها: تعد إتاحة المعلومات الدقيقة وفي التوقيت المناسب حجر الزاوية في أي استراتيجية فعالة لمواجهة التضليل الرقمي، إذ أن غياب المعلومة الرسمية يفتح المجال أمام روايات بديلة غالباً ما تكون مضللة. ومن ثم، فإن الانتقال إلى سياسة شفافية نشطة لا يعد ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الثقة المجتمعية.

ب- تعزيز خطاب يبث الثقة والأمل في المستقبل: وذلك من خلال تفعيل دور المتحدثين باسم مؤسسات الدولة، حيث تتزايد أهمية أن تكون هناك نبرة إعلامية قوية، موحدة، وشفافة من المتحدثين الرسميين للحكومة والهيئات المختلفة، وتوفير بيانات تفسيرية لا مقتضبة. إذ يؤدي الخطاب الرسمي دوراً حاسماً في تشكيل إدراك الجمهور للأحداث، غير أن الاقتصار على بيانات مقتضبة أو لغة تقنية جامدة يضعف قدرة الدولة على احتواء التضليل الرقمي. ويبرز هنا الاحتياج إلى خطاب تفسيري إنساني يعترف بالمخاوف المجتمعية ويعزز الإحساس بالثقة والانتماء.

ج- دعم إسهام وسائل الإعلام المحلية: تمارس وسائل الإعلام المحلية دور الوسيط الأساسي بين الدولة والمجتمع في لحظات الأزمات المعلوماتية، بما يجعلها شريكاً محورياً في مواجهة التضليل الخبري والتحليلي. ويتوقف نجاح هذا الدور على قدرة الإعلام على تقديم معلومات دقيقة، وتفسير السياسات العامة، وتفكيك الشائعات بأسلوب مهني يعزز وعى الجمهور بدلاً من إعادة إنتاج القلق.

د- دور أكثر وضوحاً للمؤسسات التعليمية والدينية: تعد المؤسسات التعليمية والدينية الفضاء الأساسي لتشكيل الوعى لدى الشباب انطلاقاً من مكانتهما الرمزية وقدرتهما على التأثير في الوعى الجمعي والسلوك الاجتماعي، حيث تمثل الجامعات مراكز حيوية لإنتاج المعرفة الرصينة، ومساعدة الشباب على بناء مهارات التفكير النقدي والتحليلي، ومن ثم تعزيز قدرة الشباب على التمييز بين الأخبار الصحيحة والزائفة، وتحليل مصادر المعلومات، وتقييم مصداقيتها.

كما يمكن للمؤسسات الدينية لعب الدور ذاته، من خلال توظيف خطاب ديني قادر على ترسيخ قيم التثبت والتحري وعدم الانسياق وراء الشائعات، استناداً إلى المبادئ الأخلاقية التي تحض على التحقق من الأخبار قبل تداولها.

في النهاية، يمكن القول إن معركة الوعى في العصر الرقمي أصبحت أحد مكونات معادلة الاستقرار. فالتضليل الرقمي لا يستمد خطورته فقط من أدواته التكنولوجية المتطورة، وإنما من قدرته على التسلل من الفجوات الناتجة عن الفراغ المعرفي والقلق الاجتماعي، من خلال إعادة تشكيل الإدراك الجمعي بعيداً عن الوقائع. ومن ثم، فإن نجاح أي دولة في تحجيم هذه الظاهرة لا يقاس بقدرتها على الرد أو العقاب، بقدر ما يقاس بقدرتها على بناء ثقة مستدامة، وإنتاج سردية معلوماتية موثوقة، وإشراك المجتمع في حماية وعيه الذاتي.


[2] - مصر الأولى.. 348 مليون مستخدم للإنترنت في العالم العربي، موقع العربية نت، على الرابط:  https://2u.pw/Pf3Dg، 14 أبريل 2025.

[3] - Randa Saleh Toulan, Exploring news consumption patterns and preferences of Generation Z A field Study, Egyptian Journal of Mass Communication Research (No.90)Vol:2 January/Mars2025, at: https://url-shortener.me/A9DY.

[4]- Hussein Battah, The Shift to Visual News Consumption: Exploring Egyptian Users’ Motivations, Behaviors, and Perceptions of News Values, Credibility, and Recognition on Instagram as a News Source, American University in Cairo site, at: https://url-shortener.me/A83D, 2-19-2025.

[5]- الرياضة في مصر لأول مرة مسح وطني يكشف أرقامًا صادمة عن ممارسة النشاط 95.8% من المصريين خارج الأندية ومراكز الشباب الألعاب الإلكترونية تتصدر والدولة تتحرك لتعزيز الواقع ومعالجة نقاط الضعف، على موقع برلماني، على الرابط: https://url-shortener.me/A8SV، 13 مايو 2025.