د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

إن أحد التساؤلات الرئيسية التي انشغل بها المفكرون والخبراء الاستراتيجيون في مصر، على مدى عقود، يتعلق بـ"كيف تتحقق التنمية؟"، استناداً لتقويم تجارب مصرية في عهود سابقة منذ حكم محمد على وصولاً إلى حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي. وقد أثار الحوار التفاعلي للرئيس مع كبار رجال الدولة والإعلاميين، خلال الاحتفال بعيد الشرطة في 24 يناير 2026، الجدل مجدداً حول ما يمكن تسميته "النموذج التنموي" لمصر عبر ملامح محددة لا تخطئها العين في ظل محيط إقليمي مضطرب.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن النموذج التنموي لمصر مختلف عن النماذج التنموية الأخرى في العالم. فعلى سبيل المثال، النموذج الآسيوي الذي يمثله النموذج الياباني أو الكوري أو التايوني حيث التركيز على التصنيع والتكنولوجيا، فضلاً عن الاعتماد على التعليم والتدريب المهني، والتعاون الوثيق بين الحكومة والقطاع الخاص. وهناك أيضاً النموذج الصيني الذي يعتمد على المزج بين التخطيط المركزي والاقتصاد السوقي، مع التركيز على التكنولوجيا والتصنيع، علاوة على تحكم الحكومة في الاقتصاد ودعم الشركات الحكومية والخاصة لتحقيق النمو الاقتصادي السريع.

كما أن هناك نماذج تنموية في المنطقة العربية التي تقدمها دول الخليج ذات الملاءة المالية نتيجة عائدات بيع الموارد الطبيعية (النفط والغاز)، مع تحولات في مجالات متعددة مثل الصناعة التحويلية التي تتبناها شركات مملوكة للدولة، وقطاع خاص يركز على النشاط الخدمي الاستهلاكي، وتوزيع المكاسب من خلال خدمات حكومية ومساهمة محدودة من القطاع الخاص، مع دعم الشركات الناشئة والمشروعات التكنولوجية. علاوة على نماذج تنموية أخرى في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية.

وتشير تلك النماذج إلى ضرورة دراسة السياسات والملامح الأساسية لكل حالة من هذه الحالات، خاصة طبيعة وحجم دور الدولة، والعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، والأوزان النسبية لمختلف المؤسسات المحلية، وطبيعة القطاعات الاقتصادية التى اعتمدت عليها عملية التنمية والنمو الاقتصادى، ومصادر تمويل التنمية، والسياسات التوزيعية، والعلاقة مع الاقتصاد العالمى، والأوزان النسبية لمختلف الأقاليم داخل عملية التنمية، وغيرها من المداخل المختلفة لفهم التجربة التنموية.

وقد استطاعت مصر تدشين نموذجها التنموي في ظل تحديات دولية متعاظمة بعد اندلاع كوفيد- 19 واشتعال الحرب الروسية-الأوكرانية، علاوة على التحديات الضخمة الناشئة من البيئة الأمنية الإقليمية الهشة والمأزومة. وينطلق هذا النموذج من مركزية دور الدولة فى عملية التنمية، والتنسيق مع القطاع الخاص، بحيث لا تُترك عملية التنمية لقرارات عشوائية، أو تتم وفقاً لأولويات مختلة، فضلاً عن انتشار مشروعات التنمية على مختلف الأقاليم الجغرافية، من سيناء إلى أسوان، أو قطاعياً، إذ لم تنحز عملية التنمية لقطاع اقتصادى بعينه على حساب باقى القطاعات.

محددات حاكمة

رغم كثافة التحديات التي واجهت مصر، خلال عقد ونصف مضى، يمكن القول إن هناك إرهاصات لنموذج تنموي مصري تحكمه معادلة صعبة، على النحو التالي:

1- التحول من الدولة الضعيفة (المنهكة) إلى الدولة القوية (المستقرة): يمثل محدد "تثبيت ورسوخ الدولة" و"الدولة الوطنية القوية المتماسكة" العامل الأكثر أهمية لدى الرئيس السيسي، لاسيما في ظل ضعف تأثير مؤسسات الدولة المصرية بعد ثورتين في مدى زمني لم يتجاوز العامين ونصف، لدرجة أن الرئيسي السيسي اعتبرها في أحد تصريحاته بمناسبة الاحتفال بإعطاء إشارة البدء لحصاد القمح بمشروع المليون ونصف المليون فدان بمنطقة سهل الغاب بالفرافرة في الوادي الجديد في 5 مايو 2016 "شبه دولة"، وهو ما يتطلب مراعاة حسن الإدارة والرشادة في إدارة مؤسسات وأجهزة الدولة، حيث اعتبر الرئيس السيسي في خطاب عيد الشرطة أن "مؤسسات الدولة هي عنصر استقرار وأمن للدولة". فلا يمكن تحقيق تنمية دون دولة قوية فاعلة.

فضلاً عن التعلم من مرحلة محاولة اختطاف الدولة الوطنية لصالح جماعة سياسية أقرب إلى الفاشية الدينية، عملت على النيل من وحدة الشعب وسلامته الإقليمية لتحقيق رؤى مشوهة ومفاهيم مغلوطة، تتنافى مع مفهوم الوطن ومصالحه بما يمثل "عزفاً جديداً" في تاريخ الدولة، على حد تعبير الرئيس السيسي في أول خطاب له بمناسبة التنصيب في 8 يونيو 2014. ويرتكز هذا العزف على دولة قوية تصون السلم، وتدافع عن القانون، للقضاء على الإرهاب وبث الأمن في ربوع البلاد، وتدشين مشروعات وطنية ضخمة للدولة ومشاركة محورية للقطاع الخاص، ومحاربة لشبكات الفساد، وتنمية المناطق المهمشة، وكفالة حرية الفكر والإبداع للفنون والآداب، وتطوير الأداء الإعلامي، والحفاظ على الهوية المصرية.

2- التناغم في العمل الجماعي بين المؤسسات المختلفة: لا يمكن لأي دولة أن تنهض وتبغي السلالم العليا في مؤشرات التنمية بدون تطوير مؤسساتي لآليات عملها وتعزيز التفاهمات بين القائمين على تطويرها، وترميم الخلافات تمهيداً للقضاء عليها في حال حدوثها. وأكد الرئيس السيسي في خطاب عيد الشرطة الأخير على أن "يقظة قواتنا المسلحة وشرطتنا ووعى شعبنا، هي الحائط الذى تتحطم أمامه كل المؤامـرات والدسـائس والشـائعات المغرضــة".

كما قال الرئيس السيسي في حفل التنصيب: "إن تنفيذ الرؤية التنموية الشاملة بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يتطلب دوراً أساسياً لمؤسسات الدولة المصرية، فهي عصب إدارتها وعقلها المفكر وساعدها المنفذ، ويتعين أن تعمل معاً بتنسيق تام وفكر منظم وتخطيط مستقبلي، لا ترتبط بأفراد وإنما تعمل وفقاً لإدراك واضح لمعنى ومفهوم دولة المؤسسات التي تنتقل من عهد إلى آخر، تبني على ما تم إنجازه تطور ذاتها دورياً وتلم بمقتضيات الحاضر ومتطلبات المستقبل، إن تلك المؤسسات يتعين عليها أن تدرك ما هي أدوارها التي أنشئت من أجلها فتلتزم كل مؤسسة بدورها الوطني ولا تحيد عنه ولا تسئ استخدامه".

3- الحفاظ على رصيد رأس المال السياسي مع قوى المجتمع: تدرك القيادة السياسية الحالية محورية الظهير الشعبي في اتخاذ السياسات ودعم القرارات التي من شأنها تطوير وتنمية الدولة المصرية في مجالات مختلفة، لأن خبرة الحراك الثوري بموجاته الثلاث في المنطقة العربية تشير إلى أن النظم السياسية التي لا تحظى بتأييد شعبي تصبح في مهب الريح، وهو ما عبّر عنه الرئيس السيسي في خطابه بمناسبة الذكرى السابعة لثورة 30 يونيو قائلاً: "الشعوب حينما تنتفض لا يمكن أن يقف أمامها أي عائق". ويقوم رأس المال هذا على الثقة والشفافية والمصارحة. لذا، قال الرئيس السيسي في خطاب التنصيب: "إن العقد الاجتماعي بين الدولة ممثلة في رئيسها ومؤسساتها وبين الشعب لا يمكن أن يستقيم من طرف واحد وإنما يتعين أن يكون التزاماً على الطرفين".

وأكد الرئيس السيسي خلال كلمته بمناسبة الذكرى الثامنة لثورة 30 يونيو أن "مصر قد وجدت طريقها للتنمية الحقيقية مدعومة باصطفاف ودعم شعبها العظيم للاستمرار في العمل والتطوير والبناء والإصلاح لمجابهة التحديات التي طال أمدها في الدولة". كما قال الرئيس السيسي في خطابه بالأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2014: "إن شعب مصر بعد ثورتيه، بات المصدر الوحيد لما نتخذه من سياسات داخلية وخارجية، في إطار سعينا لتحقيق الاستقرار والتنمية". ولعل ذلك يشير إلى أن قدرة المصريين على التحمل تعد جزءاً رئيسياً من رحلة التنمية.

4- التحول من الاهتمام بتطوير المركز إلى الانشغال بتنمية الأطراف: هناك انحياز واضح للدولة المصرية في عهد الرئيس السيسي لنمط التنمية العادلة، التى تقوم على ضمان حقوق كل الأقاليم المصرية فى التنمية، عبر الاهتمام بمحافظات الصعيد والدلتا والتي كانت تعاني من معضلة "التنمية غير المتوازنة" في عهود سابقة، وهو ما انعكس في مؤشرات مختلفة وأبرزها المشروعات والمبادرات والبرامج والخطط التي توجه لتنمية محافظات الصعيد ومنها تأسيس هيئة تنمية الصعيد (المنوط بها التنسيق مع جميع أجهزة الدولة لتنفيذ كافة المشروعات التنموية لمحافظات الصعيد) في عام 2017، بحيث يتم تحسين جودة الحياة للمواطنين القاطنين في محافظات الفيوم والمنيا وسوهاج وأسيوط وبني سويف والأقصر وأسوان والوادي الجديد.

علاوة على دعم المناطق الصناعية، وتوجيه الاستثمارات إليها، والحفاظ على الحرف التراثية، وإطلاق برنامج "تكافل وكرامة" الذي يهدف إلى تحقيق العدالة الجغرافية من خلال معالجة الفوارق الأقاليمية التي تؤثر على المناطق الريفية في الصعيد، والاستهداف المباشر للأسر الفقيرة، وخاصة النساء وكبار السن وذووي الإعاقة، وتوفير فرص عمل للشباب بعدما كانت تلك المحافظات طاردة لهم في فترات سابقة مع الأخذ في الاعتبار المقومات والمزايا النسبية التي تحظى بها كل محافظة. فقد غيرت مشروعات التنمية الحياة في الوجه القبلي، وعملت على تحقيق نقلة حضارية متقدمة بصعيد مصر.

5- تعزيز القدرات الذاتية الداخلية كمدخل للأدوار النشطة الخارجية: لا يمكن لأي دولة أن تقوم بأدوار محورية في الخارج إلا في حال وجود استقرار وتنمية بالداخل، وهو ما تدركه القيادة السياسية، حيث نجحت في القضاء على الإرهاب العابر للحدود من مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، وخاصة في سيناء منذ عام 2022. وفي هذا السياق، صارت الرؤية المصرية ذات ثقل في التعامل مع العديد من الملفات الإقليمية وخاصة ذات الانعكاسات على الأمن القومي المصري مثل وقف إطلاق النار في غزة والعمل على إعادة إعمار وتعافي القطاع ودعم استقرار الدولة اللبنانية والترقب الحذر للأوضاع في سوريا والمساهمة في إعادة الإعمار في السودان وليبيا والعراق.

تحديات ضاغطة

تواجه جهود تطوير الدولة تحديات متعددة، يمكن تناولها على النحو التالي:

1- تزامنية الخطط الإصلاحية في القطاعات الحكومية: يتمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه محاولات تطوير الدولة في تعدد الملفات التي يفترض اقتحامها والتعامل معها على "التوازي" وليس على "التوالي"، وهو ما يتطلب النقد الذاتي الأمين عبر برامج متطورة جادة داخل مؤسسات الدولة، على نحو يشمل تطوير منظومة التعليم التي تضم المعلم والطالب والمناهج والأبنية التعليمية، بما تحتاجه من معامل ومكتبات وملاعب رياضية، وكذلك تطوير قطاعي الصناعة والزراعة، والنهوض بأوضاع الفلاح والتصدي لمشكلاته، فضلاً عن الاهتمام بقطاع الصحة وإضافة مرافق طبية جديدة وتوفير الرعاية بشكل خاص لكبار السن ولذوي الاحتياجات الخاصة. علاوة على الاهتمام المحوري بالتخطيط العمراني وقطاع النقل وما يرتبط به من تحسين الخدمة في المواصلات العامة والسكك الحديدية، وربط المحافظات ببعضها بشبكة طرق جديدة، وكذلك إنشاء مطارات وموانئ ومناطق حرة.

2- ثِقل الأوضاع الاقتصادية والمالية الضاغطة: عانت مصر خلال السنوات التي سبقت تولي الرئيس السيسي الحكم ظروفاً اقتصادية صعبة، مثل الديون التي تزايدت في الأعوام الماضية، والعجز في الموازنة العامة للدولة، وتراجع القدرة الشرائية للعملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع موارد الدولة من العملات الصعبة، وأزمة النقص الحاد في موارد الطاقة، الأمر الذي يعكس ثِقل تركة الأنظمة السابقة، فضلاً عن التأثيرات الاجتماعية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي عبر تحرير سعر صرف الجنيه والاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهو ما يلقي بأعباء متزايدة في التعامل مع تطوير ركائز الدولة التنموية.

3- مقاومة بعض الأطراف لخطط التطوير: قد تنطوي بعض التغييرات التي تتخذها أجهزة الدولة للتطوير على مقاومة من قبل قوى مختلفة في المجتمع، لاعتبارات مختلفة تخص التخوف من عوائد التغيير. ولعل ذلك ينطبق جلياً على ملف التعليم، وبصفة خاصة خلال عهد الوزير السابق الدكتور طارق شوقي. كما أن إجراءات الإصلاح الاقتصادي منذ تعويم العملة الوطنية في نوفمبر 2016 هى التي ساعدت الدولة على احتواء التأثيرات الضاغطة على الاقتصاد الوطني بعد تفشي كوفيد-19 والحرب الروسية-الأوكرانية وتداعيات حرب غزة الخامسة. وكذلك الحال بالنسبة لقانون التصالح مع المباني المخالفة الذي يسهم في عودة الأموال للدولة من جراء التعدي على الأملاك العامة.

4- غياب مشروع "القاطرة" لإحداث تحول تنموي: تفتقر مصر إلى ما يمكن تسميته بقاطرة التنمية التي تجر وراءها بقية العربات الأخرى، لبلوغ البلاد المكانة التي تستحقها، وهو ما يظهر في مشروع محدد للتصنيع أو للتكنولوجيا أو للاستثمار في التعليم. وقد قال الرئيس السيسي في كلمته بعيد الشرطة الأخير: "إننا نبذل أقصى الجهد لبناء أجيال واعدة، وتأهيل كوادر شابة في مختلف المجالات ليكونوا القاطرة التي تدفع الدولة، إلى آفاق أرحب من التطور والتقدم، وتضع مصر في المكانة المرموقة، التي تليق بها بين الأمم".

5- التأثيرات الانتشارية لتهديدات الجوار "الرخو": نظراً لارتباط الوضع التنموي بالمحدد الأمني، يعد تأمين خطوط الحدود من مختلف الاتجاهات الرئيسية أحد التحديات الرئيسية التي تواجه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لدرء أية تهديدات موجهة للدولة سواء من الشرق أو الغرب أو الجنوب في ظل تهديد متصاعد يواجه بقاء الدولة الوطنية في المنطقة العربية والمساس بهويتها مما أفسح المجال للتنظيمات الإرهابية والميلشيات المسلحة والكتائب المناطقية للتمدد وبسط النفوذ، علاوة على تدخلات قوى إقليمية ودولية، وهو ما يمثل تهديداً لمصر من جوار "الجوار".

وعبّر عن هذا التهديد جلياً الرئيس السيسي في خطابه أمام الدورة التثقيفية 33 للقوات المسلحة "يوم الشهيد" في 9 مارس 2021 قائلاً: "إن العالم قد شهد خلال العقد الأخير أحداثاً غيّرت مسار دول كانت تنعم بالأمن والاستقرار، مما أحدث جرحاً غائراً في صدر مفهوم الدولة الوطنية من الصعب أن يلتئم أو تعود تلك الدول إلى سابق عهدها في المستقبل القريب، وكانت المنطقة التي نعيش فيها هي بؤرة كل هذه الأحداث فاندلعت شرارة التخريب والتدمير وانتهكت سيادة تلك الدول وأصبح قـرارها الوطني يتخذه غيرها، وقد فطنت مصر لكل هذه الأحداث والتطورات، فبنت سياجاً متيناً من القوة والوعي والإدراك حصنت به شعبها بدعم من جيشها صاحب العقيدة الوطنية التي تربى عليها".

سياسات متكاملة

هناك مجموعة من السياسات التي اتبعتها النخبة الحاكمة لتطوير ركائز الدولة، وتعزيز التوجه التنموي لديها، وهي:

1- جني ثمار تدشين المشروعات التنموية الوطنية العملاقة: انتقلت مصر من مرحلة ترسيخ استقرار الدولة وتثبيت أركانها إلى مرحلة البناء والتنمية والتعمير والبدء في المشروعات التنموية الضخمة التي انطلقت في جميع انحاء البلاد لتغير الواقع المصري مثل مشروع تنمية محور قناة السويس والعاصمة الإدارية (الجديدة) ومشروع القطار السريع الذي سيربط العين السخنة بالعلمين والمشروع القومي لتطوير القرى اجتماعياً واقتصادياً وعمرانياً، في إطار استراتيجية التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030. فضلاً عن مشروع بناء المدن الذكية مثلما أبرزته العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة التي تمثل تجسيداً لمصر الجديدة التي تجمع بين التنمية العمرانية المتطورة والبنية التكنولوجية الحديثة.

2- استكمال تعزيز تسليح المؤسسة العسكرية وتحديث المنظومة الأمنية: عملت مصر خلال فترة حكم الرئيس السيسي على تطوير أداء أفرع القوات المسلحة، البرية والجوية والبحرية، وامتلاك الأسلحة الحديثة التي تمكنها من القيام بمهامها، وتنويع مصادر التسليح من دول عديدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وألمانيا وغيرها على نحو يعزز حرية الحركة الخارجية وضمان استقلالية القرار المصري من ناحية وتوجيه رسائل للقوى الخارجية المهددة للأمن والاستقرار الإقليمي من ناحية أخرى. فالدولة القوية يتعين أن يكون لها جيش قوي يتولى الدفاع عنها في مواجهة التهديدات التي تحيط بها من كل اتجاه.

كما أن ثمة إدراكاً لدى نخبة الحكم في مصر أن التنمية الشاملة لا يمكن تحقيقها إلا في ظل بيئة آمنة، تطمئن رأس المال وتجذب السياحة، وهو ما جعل الرئيس السيسي شخصياً يتبنى قضيتي "دحر الإرهاب وتحقيق الأمن"، على نحو ما ورد في خطاب التنصيب، عبر تطوير جهاز الشرطة ومضاعفة قدرته على تحقيق الأمن وإقرار النظام، وإعادة الاطمئنان النفسي للمواطن المصري بعد فترة عصيبة تضمنت سقوط نظامين سياسيين ومحاكمة رئيسين والدخول في مرحلتين انتقاليتين.

3- تطوير قدرات العاملين بالجهاز الإداري للدولة: ثمة توجه تتبناه القيادة السياسية في المرحلة الحالية قائم على ضخ دماء جديدة في شرايين الدولة من خلال تطوير برامج بناء القدرات للعاملين بالجهاز الإداري للدولة، بدءاً من إعداد برامج تدريبية للقيادات العليا مروراً بالكوادر الوسطى وصولاً إلى تدريب القيادات الشابة، بهدف تنمية الكوادر البشرية، وتحديث الملفات الوظيفية لجميع العاملين، وذلك لتحقيق الاستخدام الأكفأ للطاقات البشرية المتاحة في مختلف القطاعات، بما يؤدي إلى رفع قدراتهم في مجالات عملهم.

4- زيادة مساهمة المرأة في التنمية وتمكين الأجيال الشابة: شهدت فترة حكم الرئيس السيسي تحقيق المساواة بين الجنسين باعتبار أن المرأة تمثل نصف المجتمع الذي يتعين الاهتمام به لضمان تقدم المجتمع ككل وتحقيق التنمية المستدامة، وهو ما يفسر تعزيز التمثيل النسائي في المجالس التشريعية (النواب والشيوخ)، وفي المناصب التنفيذية المختلفة سواء في مجلس الوزراء أو المحافظين. إذ ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في مجلس الوزراء وفي البرلمان إلى ٢٥٪. كما اعتلت المرأة منصة القضاء وتقلدت العديد من المناصب المهمة من بينها محافظ الإقليم ومستشار الأمن القومي.

كما يمكن اعتبار فترة حكم الرئيس السيسي بأنها "تمكين للشباب" من زوايا مختلفة أبرزها تأكيده في تصريحات مختلفة على أن الاهتمام بالشباب يعد ركيزة أساسية في خطة الدولة واستراتيجيتها لبناء الإنسان، فضلاً عن توجيه الرئيس بتعيين نواب للمحافظين ومعاونين للوزراء من الشباب، وخاصة من المنتمين لتنسيقية الأحزاب السياسية، وإنشاء الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب وإطلاق البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة. علاوة على الاستماع إلى الشباب مباشرة عبر المؤتمرات الوطنية للشباب التي كانت ملتقى للحوار بين مؤسسات الدولة المصرية ومجموعة من الشباب.

5- توظيف العلاقات الخارجية للدولة لخدمة التنمية: وهو ما يطلق عليه "دبلوماسية التنمية"، وانتهجته مصر في عهد الرئيس السيسي. إذ غالباً ما تضمنت رحلات الرئيس الخارجية لقاءات مع رؤساء شركات ورجال الأعمال بهدف توقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع الهيئات الاقتصادية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى مصر والاستفادة من التجارب الاقتصادية الناجحة، وهو ما يلقي بتأثيرات إيجابية على الداخل من حيث توافر النقد الأجنبي وإتاحة فرص عمل للشباب ودعم التنمية في الداخل. وهذا هو الفارق بين النموذج المصري الداعم للبناء والتعمير في مواجهة دعاة الخراب والتدمير.

النضج التنموي

خلاصة القول، مما سبق يتضح أن هناك مشروعاً متكاملاً تتبناه القيادة السياسية، ويعكس الإرادة الجمعية الصلبة للنموذج التنموي للدولة، وتدرج من استعادة الدولة لهيبتها، إلى تطوير الدولة بمؤسساتها المختلفة وفي قطاعات متعددة بحيث يمكن القول إن هذا النموذج هو نتاج الالتزام بالمحددات الحاكمة لتطوير ركائز مؤسسات الدولة والتصدي للتحديات التي تواجهها وتعزيز السياسات التي تقلص من المخاطر والتهديدات الأمنية وتعظم من الفرص التنموية. فالتحول من التخلف إلى التنمية أو بلوغ "النضج التنموي" يأخذ وقتاً طويلاً.