صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تتعرض «الثقافة الوطنية» لكثير من التحديات التى تؤثر فيها وفى تشكيل أنماط التفاعل الإنسانى بشأنها بما قد ينعكس على هوية المجتمع وقيمه وسلوكياته. وتلعب وسائل التواصل الاجتماعى دورا بالغ الأهمية فى تشكيل هذه الأنماط من التفاعلات الإنسانية والسلوكيات البشرية. أيضًا، تعد هذه الوسائل إحدى أهم أدوات التأثير فى ثقافة المجتمع بما تمثله من فضاء افتراضى تصنع فيه هويات جديدة، وتبرز عبرها مفاهيم جديدة كمفهوم «الثقافة الرقمية» من خوارزميات وشبكات وألعاب، حيث يبدأ كل فرد فى تشكيل هويته التى تناسبه، لاسيما فى مجتمعاتنا العربية التى أصبحت فيها العوالم الافتراضية خاصة شبكات التواصل الاجتماعى هى «البيئة البديلة» عن المدارس والجامعات والصحف ووسائل الإعلام المختلفة التى يستقى منها الأفراد، وتحديدا فئات الشباب، توجهاتهم وآرائهم حيال الحياة والعلاقات المجتمعية والعمل والتعليم، وغيره. ما أسهم فى حالة من التباعد الاجتماعى بين الفرد وأسرته، وتنامى اعتماده على نفسه فى تشكيل رأيه ورؤيته للمجتمع والعالم، الأمر الذى يرفع من معدلات الانعزال والفردية، ويضعف بالضرورة من الانتماء للجماعة الأسرية والعمل الجماعى؛ حيث لم تعد كافية لتشكيل خبرته وثقافته التى يسعى إلى إعادة تشكيلها وفقا لما يجده مناسبا له عبر شبكات التواصل الاجتماعى.

تغيرت مسارات التواصل والتفاعل البشرى والتعبير فى المجتمعات مع ظهور منصات التواصل الاجتماعى؛ حيث اتسعت مساحة التعبير عن الآراء دون رقيب، ما أسهم فى تدفق لانهائى للمعلومات بصورة تصل إلى حد الفوضى الناتجة عن انتشار معلومات ذات محتوى زائف أو غير أخلاقى أو تحريضى أو يمس حالة الأمن والسلم المجتمعى، ما يفرض عمليا ضرورة وضع قواعد وسن تشريعات تنظم عمل منصات التواصل الاجتماعى بشبكاته المختلفة، على أن يتم تأطير هذه القواعد ضمن قانون يتسم بقوة الردع وتحكمه قيود ملزمة.

تلقى التكنولوجيا الرقمية بثقلها على مجتمعنا، وتعد فئة الشباب الأكثر تأثرا بتداعيات التحول الرقمى، لاسيما أنها باتت تؤثر فى «الهوية المصرية» بين تلك الفئة التى تمثل عماد ومستقبل المجتمع، بحيث لم تعد تلك الهوية ذلك المفهوم المكون من سردية تاريخية، ولغة، وانتماء، وتراث، وأصالة، وجغرافيا، وثقافة؛ وذلك نتيجة حالة الانفتاح غير المنضبط على ثقافات مجتمعية أخرى، وتطبيقات رقمية قد تفتح الباب لأنشطة اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية أو دينية غير مشروعة تؤدى إلى تغيير فى هوية الشباب من حيث اللغة والدين والتعليم، ومن ثم تغِّير سلوكهم الاجتماعى حيال شركائهم من باقى أفراد وفئات المجتمع بصورة قد تدفع إما إلى الاعتزال بعيدًا عن المجتمع، أو إلى انتهاج سلوك إجرامى أو أخلاقى غير سوى. ولأن مسار التطور الرقمى لا يتوقف، وتداعياته لا تنتهى، فإن التساؤل المطروح يظل هو: كيف يمكن تقليل سلبيات التحول الرقمى وانعكاساته وتحويل منصات التواصل عبره إلى أداة تدعم ثقافة المجتمع من ناحية، وتسهم فى استقراره من ناحية أخرى؟.

فى سياق هذا التصور، تقدم هذه الدراسة للأستاذة/ شروق صابر –الباحثة المشاركة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية- تحليلا معمقا عن التأثيرات الاجتماعية والدينية والاقتصادية السلبية لوسائل التواصل الاجتماعى فى مصر، وعلاقتها بتشكيل الهوية، وتغير أنماط التفاعل الاجتماعى، والتحولات القيمية المرتبطة بالاستخدام المفرط لتلك المنصات. كما تسعى الدراسة إلى الإجابة عن عدة تساؤلات حول تأثير المحتوى الرقمى على بنية الوعى الجمعى المصرى، وكيف يمكن ضبط هذا التأثير من خلال سياسات تربوية وتشريعية وإعلامية تواكب التغيرات التقنية من دون الإخلال بثوابت الهوية الوطنية؟ كذلك، تقدم الدراسة تحليلًا لمظاهر الاستخدام اليومى لوسائل التواصل للكشف عن الآليات التى تعيد عبرها الوسائط الرقمية تشكيل الواقع الاجتماعى المصرى، لغرض فهم التحولات البنيوية العميقة التى تفرضها وسائل التواصل الاجتماعى على المجتمع، بما تمثله من تحد مزدوج للهوية والانتماء، وفرصة -فى الوقت نفسه- لإعادة بناء ثقافة رقمية وطنية واعية.