صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

يعود نورى المالكى – رئيس وزراء العراق الأسبق – إلى واجهة أحداث المشهد السياسى العراقى مجددا، بعد أن قرر الإطار التنسيقى الشيعى الحاكم – المدعوم إيرانيا - ترشيحه للمنصب نفسه على اعتبار أن تحالفاته البرلمانية استطاعات تكوين الكتلة البرلمانية الأكبر التى يحق لها تسمية رئيس الوزراء الجديد، بعد "تسوية" تمت داخل الإطار التنسيقى الشيعى بمقتضاها وافق رئيس الوزراء المنتهية فترة ولايته محمد شياع السودانى زعيم ائتلاف "الإعمار والتنمية"، الذى تصدر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة ( 11 نوفمبر 2025)، التنازل عن الترشح للمنصب، بل ودعا ائتلافه إلى دعم المالكى داخل البرلمان لتسهيل عملية تمرير حصوله على الرئاسة الأهم فى الدولة العراقية.

وقد أبدت التيارات الكردية تفهما واضحا لإعادة ترشيح المالكى فى واحدة من المتغيرات الداخلية اللافتة، والتى تتناقض تماما مع موقفها من فترتى حكم المالكى السابقتين؛ ما يشير إلى "تسويات" تمت بين القوى السياسية الشيعية المنضوية فى الإطار التنسيقى وبين القوى السياسية الكردية، والتى قد تكون مرتبطة بالطبع بمرشح منصب رئاسة الدولة والمخصص للمكون السياسى الكردى، إلى جانب "تفاهمات متبادلة" مرتبطة برؤية أوسع تتعلق بالمعضلة الكردية فى سياقها الإقليمى فى ظل تطورات الراهنة التى تشهدها حالة الصراع بين الحكومة السورية وبين قوات سوريا الديمقراطية "قسد".

فى المقابل أبدت القوى السياسية السنية "تحفظا" لافتا على تلك العودة باعتبار أن المالكى لا يشكل "توافقا وطنيا" وهو شرط ضمنى جرى العرف على اعتباره محددا مهما فى اختيار الرئاسات الثلاثة فى العراق وهى: رئاسة الدولة، ورئاسة الوزراء، ورئاسة البرلمان، فضلا ارتباط المالكى بسجل من الفشل فى مواجهة أزمات أمنية وسياسية واقتصادية حادة خلال فترتى ولايته ( 2006- 2010 / 2010 – 2014).  

ثمة معطيات من "العوامل المؤثرة" التى شكلت بيئة دافعة لهذا التطور تلعب فيها التطورات الإقليمية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران الدافع الرئيسى بشأن قرار الإطار التنسيقى إعادة تصدير المالكى لواجهة المشهد السياسى العراقى مجددا، مع وجود قراءات متعددة لهذه التطورات تشير جميعها إلى أن المرحلة المقبلة من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قد تعيد العراق إلى حالة "الدولة الساحة" التى تنعكس فيها كافة اراتدادت التنافس والصراع بين الجانبين بعد فترة من "الهدوء النسبى"، لكن مع بيئة إقليمية مغايرة وشديدة التعقيد عما كان عليه الوضع إبان فترتى ولاية المالكى المذكورتين آنفا، حيث تتشابك حاليا الحسابات الداخلية فى العراق مع حسابات كل من إيران والولايات المتحدة فى المنطقة، بما يعنيه ذلك من انتهاء مرحلة "التوازن" فى إدارة العلاقات العراقية مع الطرفين الأمريكى والإيرانى والتى بدأها رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمى خلال الفترة (2020- 2022) وأجاد تطبيقها رئيس الوزراء المنتهية ففترة ولايته شياع السودانى لاسيما فى محيط تفاعلات العراق الاقليمية والدولية خلال الفترة ( 2022-2025).   

إعادة إنتاج المالكى.. لماذا الآن؟

للمالكى سجل حافل من الاخفاقات فى إدارة الدولة العراقية أبرزها تعميق الحكم على أسس طائفية تضمن تفوق المكون السياسى الشيعى على باقى المكونات من التيارات الكردية والسنية فى توزيع السلطة والثروة، فضلا عن تفشى الفساد السياسى والإدارى ووصوله لمؤسسات مهمة فى الدولة منها المؤسستين العسكرية والأمنية بصورة أضعفت من قدراتهما الأمنية، هذا الضعف فى المؤسسات الأمنية والعسكرية ساهم فى سيطرة تنظيم الدولة "داعش" على معظم المحافظات ذات الغالبية السنية، ويعد المالكى ووفقا لتقارير هو المسئول الأول عن سقوط الموصل عام 2014 بعد انسحاب الجسش العراقى أمام فصائل التنظيم فى واحدة من كبريات الهزائم التى سجلها التاريخ ضمن السجل السياسى له. هذا السجل الحافل بالاخفاقات يدفع إلى التساؤل عن مغزى سعى الإطار التنسيقى الشيعى إلى الدفع بالمالكى فى الوقت الراهن، ليتولى رئاسة الوزراء للمرة الثالثة، رغم أنه لم يسجل نجاحا واحدا فى مسيرته السياسية على مدار الفترة (2006- 2014) ولم يستطع إدارة "الأزمات" الأمنية والسياسية والاقتصادية التى واجهت الدولة العراقية خلالها. فى معرض الإجابة على هذا التساؤل توجد عدة قراءات:

الأولى، تشير إلى تبيانات واضحة داخل الإطار التنسيقى نفسه والذى لا يريد التجديد للسودانى لفترة ولاية ثانية، بالرغم من انجازه الخدمى اللافت، وقدرته على إدارة الأزمات، ومحاولاته اللافتة لربط العراق بعمقه العربى، فى فترة إقليمية صعبة شهدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وحرب الأثنتى عشرة يوما بين إيران وإسرائيل، وهى الحروب التى استطاع السودانى فيها "ضبط" تفاعلات بعض – وليس كل - الفصائل المسلحة العراقية بشأن كونها جبهة ضمن محور إيران الإقليمى. هذه القراءة تقول أن أسباب نجاح السودانى تلك هى نفسها الأسباب الدافعة إلى عدم قبول ترشيحه مرة ثانية من قبل الإطار التنسيقى كونها أخرجت العراق إلى حد ما عن توجهات إيران، وأن السودانى اعتاد فى العامين الماضيين اتخاذ قرارات بعيدا عن قبول وإجماع قوى الإطار، وأنه مارس قدرا كبيرا من الاستقلالية فى اتخاذ القرار وهو أمر لم تعد تحبذه قوى الإطار لاسيما خلال المرحلة القادمة.  

الثانية، تشير إلى إيران وتراجع محورها الإقليمى على مدار العاميين الماضيين بخسارة حزب الله فى لبنان وسقوط نظام الأسد فى سوريا، الأمر الذى يجعل من العراق مرتكزها الأخير فى المشرق العربى، ومن ثم فهى تسعى إلى إعادة ترتيب أوراق حلفائها السياسيين فيه من خلال إعادة تدوير الإطار التنسيقى الحاكم فى العراق - المدعوم منها – لأهدافه بما يتماشى مع ضمان المصالح الإيرانية فى العراق، لاسيما المصلحة الاقتصادية والأمنية، وفى مقدمتها إعادة اختيار شخصية شيعية من التحالفات الإسلامية التقليدية المتشددة التى تمكنها من إعادة "هيمنتها " على القرار السياسى الخارجى للعراق بصورة كاملة، بعد أن تمتع هذا القرار بقدر من الاستقلال النسبى خلال فترتى رئاسة الكاظمى والسودانى لمنصب رئاسة الحكومة. ومن ثم فإن اختيار المالكى سيعيد تحرير عمل الفصائل المسلحة من فترة كمون مؤقتة فرضها عليها السودانى خلال العام الماضى لتدخل كأدة تهديد فى يد إيران تضغط بها على الوجود الأمريكى ليس فى العراق فقط، ولكن أيضا فى منطقة المشرق العربى ككل، وهو ما يعكسه بوضوح البيان الصادر عن حزب الله العراقى مؤخرا، والذى أكد خلاله على أن حربا أمريكية إسرائيلية ضد إيران ستقابل بمساندة واسعة من قبل الحزب دعما لإيران، وأن كافة القواعد والمصالح الأمريكية فى المنطقة ستكون فى مرمى أهداف فصائل الحزب.     

الثالثة، تشير إلى أن التأييد غير المعلن من قبل إيران للمالكى لا يعبر عن تحد مباشر للولايات المتحدة فحسب، بل يعبر أيضا عن أزمة المكون السياسى الشيعى فى إيران والعراق على حد سواء؛ الذى يواجه خطر اسقاط نظام ولاية الفقيه فى طهران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وما سيتبعه من انهيار للفصائل المسلحة العراقية الموالية له فى العراق من ناحية ثانية. لذا رأت القوى السياسية الشيعية فى العراق المنضوية ضمن الإطار التنسيقى العودة إلى ضمان وحدة الصف بين الكون السياسى الشيعى فى سياق معادلة "توحيد الجهود الشيعية" عبر "ثنائية السيطرة " ومضمونها السيطرة على مؤسسات الدولة عبر أرفع منصب تنفيذى فيها وهو رئاسة الوزراء، والسيطرة على القوة العسكرية والسلاح عبر ضمان استمرارية بقاء الفصائل المسلحة موجودة ومنظمة وعلى درجة من الجهوزية. وهى معادلة لم يحافظ عليها رئيس الوزراء المنتهية فترة ولايته شياع السودانى حينما استبدالها بسياسة التوازن من ناحية، واتباعه لسياسة النأى بالعراق بعيدا عن التصعيد الأمريكى الإيرانى الإسرائيلى خلال العامين الماضيين من خلال ضبط تفاعلات الفصائل من ناحية ثانية. 

أسباب الرفض الأمريكى

الرفض الامريكى لترشيح المالكى لمنصب رئاسة الوزراء فى العراق سبقه فى البداية العديد من التحذيرات الأمريكية لقوى الإطار التنسيقى الشيعى الحاكم ، عبر المبعوث الامريكى "مارك سافايا" تارة، وعبر تصريحات مباشرة من الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" نفسه تارة أخرى، تدور معظم تلك التحذيرات حول الرفض التام لأى مشاركة من قبل الفصائل المسلحة فى أى تشكيل حكومى جديد بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، وتاليا وضعت التعليقات الصادرة عن "ترامب" خطوطا حمراء بشأن إعادة ترشيح المالكى نفسه لمنصب رئاسة الحكومة مؤكدا على أن "كلفة" هذا الاختيار ستكون كبيرة على العراق، ومعتبرا أن هذه الخطوة ستؤثر سلبا على الدعم المالى الذى تقدمة واشنطن لبغداد وفقا لاتفاقية الإطار الاستراتيجى الموقعة عام 2008، وستقيد بالتبعية من مجالات التعاون الواسعة بين الجانبين. وجدير بالذكر أن العلاقات الأمريكية بالمالكى خلال فترة ولايته الثانية، والتى انتهت فى عام 2014، كانت قد شهدت توترا ملحوظا؛ حيث اعتبرت واشنطن أن سياسته الطائفية فى التعامل مع باقى مكونات المجتمع العراقى، لاسيما السنة ، كانت سببا مباشرا فى ظهور تنظيم الدولة "داعش" فى العراق.

وقد أحدث التصريح العلنى من قبل الرئيس الامريكى "ترامب" انعكاسات داخل الإطار التنسيقى؛ فعلى الرغم من إعلان الإطار أن التصريح الأمريكى يعد تدخلا مباشرا وسافرا فى الشأن العراقى الداخلى، إلا أن الواقع يشير إلى أن التصريح نفسه أحدث ارتباكا داخل الإطار التنسيقى، وعكس تخوفا من أن يتحول التهديد من قبل "ترامب" إلى واقع فعلى يؤثر على وضع الإطار التنسيقى داخل المشهد السياسى العراقى، بل سيؤثر فى مسار تشكيل الحكومة وفقا للاستحقاقات الدستورية، وقد انعكس ذلك بصورة غير مباشرة فى أمرين: الأول، تعثر جلسة انتخاب رئيس الددولة – من بين القوى الكردية – نتيجة غياب النصاب القانونى فى البرلمان، والثانى، انقسام "غير معلن" داخل الإطار التنسيقى بين قوى ترى ضرورة التمسك بالمالكى كمرشح للكتلة البرلمانية الأكبر دون الاكتراث لمنطق التهديد الذى يعتاد الرئيس الأمريكى توجيه لمناوئيه، وبين قوى أخرى رأت ضرورة التريث ودراسة خيارات بديلة للمالكى لتتولى رئاسة الحكومة، لتجنيب العراق تصعيد خارجى، ينقل الصراع الأمريكى الإيرانى إلى الداخل العراقى مباشرة. كما اتجه تيار من أنصار التريث إلى ضرورة السعى إلى تسوية مع إيران أولا تضمن "طرحا بديلا " للمالكى لا تعارضه واشنطن بقوة، ما قد يصب فى النهاية إلى فكرة "المرشح التوافقى" أو ما يعرف بـ "مرشح التسوية" كما كان معتادا عليه الأمر سابقا – وإن كان ذلك مرتبطا بمرحلة إقليمية مغايرة تماما للمرحلة الحالية- وحتى كتابة هذه السطور لايزال هذا التباين غير المعلن قائما داخل الإطار التنسيقى، ما يؤشر على دخول العراق فى مرحلة عدم الحسم السياسى للرئاسات وإبقائها فى مسار مفتوح حتى اللحظة. 

ويعود الرفض الأمريكى للمالكى، ورفض مشاركة الفصائل فى التشكيل الحكومى إلى رغبة الإدارة الأمريكية الحالية تقليص الهيمنة والنفوذ الإيرانى على صناعة القرار العراقى بمنع القوى والفصائل التابعة لإيران من المشاركة فى مؤسسات الدولة، ورغم أن المالكى خلال فترة ولايته الثانية (2011-2014) كان مرشحا توافقيا بين الولايات المتحدة وإيران حينها، إلا أن التغيرات فى السياقات الإقليمية الراهنة شكلت ما يمكن وصفه بالعوامل المحفزة على "الرفض الأمريكى" لأى مرشح لمنصب رئاسة الحكومة يكون مدعوما من قبل إيران. لأن إيران حاليا ليست هى إيران نفسها بعد الاتفاق النووى عام 2015، فحاليا يشهد مشروعها الإقليمى تراجعا كبيرا بخروج حزب الله اللبنانى من معادلة المواجهة مع إسرائيل، وسقوط نظام الأسد فى سوريا، وتراجع قدرة حماس العسكرية بعد حرب ضروس مع إسرائيل على مدار الفترة من أكتوبر 2023وحتى أكتوبر 2025، كما أن برنامج إيران النووى لازال قيد الإرادة الأمريكية وفى مرمى أهدافها العسكرية. ومن ثم فالفرص الإقليمية الحالية تمثل بيئة مواتية للولايات المتحدة لتقليص النفوذ الإيرانى فى العراق بعد أن تقلص هذا النفوذ فعليا فى كل من لبنان وسوريا.    

فى المقابل ثمة من يرى أن الرفض الأمريكى للمالكى لا يعدو أن يكون ورقة ضغط قصوى تحاول إدارة الرئيس "ترامب " ممارستها على القوى السياسية العراقية بما يدفعها إلى التراجع عن ترشيح المالكى والبحث عن بديل له ، أو العودة إلى خيار منح السودانى ولاية ثانية. وهو أمر بات مرفوضا من  قوى الإطار إلى حد كبير، وبالتالى تظل الرؤية الأمريكية الرافضة للمالكى قائمة كونه مرشح إيران لرئاسة الوزراء فى العراق بما يعنيه ذلك من محاولات ترميم الأخيرة لنفوذها الإقليمى فى المنطقة عبر البوابة العراقية مجددا.

وختاما يمكن القول، أنه ورغم التباين الأمريكى العراقى الواضح بشأن المرشح لمنصب رئاسة الوزراء،(نورى المالكى)، إلا أن طبيعة التحالف الاستراتيجى بين البلدين المبنى على أسس اتفاقية الإطار الاستراتيجى 2008، توفر هامش من التفاعل يضمن استمرارية الحفاظ على قنوات للتواصل حول القضايا الرئيسية ومن أبرزها بالطبع المرشح لمنصب رئيس الحكومة، والتشكيل الحكومى ككل. فى هذا السياق ثمة مسار تجرى من خلاله مشاورات بين كبار المسئولين الأمريكيين وبين بعض قادة الأحزاب فى الإطار التنسيقى الشيعى من ناحية، ومع باقى المكونات السياسية من السنة والأكراد من ناحية ثانية، ويحدث هذا كله فى وقت تنتظر فيه إيران ضربة عسكرية أمريكية ربما لا تقف عند حد تقليص قدرات إيران العسكرية والنووية فقط، وإنما تتعد ذلك بكثير لتصل إلى احتمالية إسقاط نظام ولاية الفقيه، لذا فهى تحاول "إعادة إحياء" نفوذها الإقليمى المتراجع بانطلاقة جديدة من مرتكزها الإقليمى الرئيسى وهو العراق، وما بين هذا وذاك يظل العراق قابعا بين معادلة الصراع الأمريكية الإيرانية التى ستنعكس ارتداداتها مباشرة على الداخل السياسى والأمنى والاقتصادى فيه.