د. أيمن السيد عبد الوهاب

مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

يحمل عام 2026 العديد من التساؤلات حول مسار التفاعلات بين دول حوض النيل على المستوى الجماعي أو المستوى الثنائي، وهي تساؤلات تُثار مع بداية كل عام، كمحاولة لاستشراف المسارات خلال الفترة القادمة، وتدور حول حدود تغير المعادلات القائمة، وطبيعة التحولات الكبرى، لا سيما وأننا أمام العديد من القضايا والإشكاليات القديمة والممتدة، فضلًا عما فرضته التحولات الجيوستراتيجية بجوانبها السياسية والاقتصادية والعسكرية من تعقيدات وتشابكات وزيادة الفاعلين والمنافسين. فهناك العديد من المحددات التي عمّقت الصراعات والنزاعات وزادت من الحساسيات، وحدّت من توافر الثقة القادرة على بناء مرتكزات جديدة باتجاه التسكين أو التهدئة بالقدر الذي يساهم في زيادة عدالة التعاون والحد من وتيرة الصراعات وانعكاساتها على معادلة الاستقرار.

بمعنى أدق، إن عام 2026 سوف يترك بصمة أكثر تأثيرًا على معادلة "الأمن، السلام، التنمية" التي تتبناها السياسة الخارجية المصرية، ورؤيتها لتحقيق الثلاثية بما يحد من فاعلية الأُطر الجماعية، أو تبني مستويات أعلى من التعاون والتنسيق للحد من التوترات والصراعات التي تلقى بظلال كثيفة على إمكانية إيجاد آلية جماعية لتفعيل الرؤى الإقليمية بعيدًا عن التنافس والتناقض في المصالح سواء بين غالبية دول الحوض وبعضها البعض، أو بين تأثيرات القوى الإقليمية والدولية ودورها في زيادة حدة التنافس والصراع سواء من أجل الموارد الطبيعية والنادرة، أو لزيادة مكانتها الدولية، أو تعزيز الاستفادة من التحولات الجيوستراتيجية التي تشهدها منطقة حوض النيل وتقاطعاتها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل والصحراء.

والحقيقة البارزة أن محدودية الأفق أمام التعاون الإقليمي أو الجماعي، يقابلها عدد من الاختراقات والآمال في تنمية بعض المبادرات والتحركات الثنائية أو الثلاثية الداعمة للاستقرار والتنمية، والحد من تنامي آليات الصراع حتى لا تتسع تأثيراتها إلى نطاق أوسع.

هذه المفارقة التي تطرحها التحركات الجماعية من جانب، والثنائية من جانب آخر، تشير إلى عدد من النتائج:

1- البيئة الحاكمة تشير إلى أن مستوى المصالح الجماعية، وعدم توافر الإرادة الجماعية، وغلبة الصراعات، وتعدد الأطراف المتنافسة إقليميًا ودوليًا وتدخلها في الصراعات، لا يوفر بيئة محفزة بالقدر الكافي لإعلاء مكتسبات التعاون وتعزيز الاستقرار.

2- إن مستوى العلاقات التعاونية لا يرقى لمستوى التحالفات ومرونتها، الأمر الذي لا يوفر آلية فعالة لتغيير موازين القوى وهندستها بشكل يضمن قدرة تلك المستويات على الحد من المخاطر أو تغيير وجه الصراعات وتجاوز المعادلات الصفرية القادرة على حسم وإنهاء الصراعات.

3- التهدئة أو خفض وتيرة الصراعات أو حالة اللا سلم واللا حرب جمعيها أشكال لم تنجح في التحول نحو تسوية نهائية، حيث ظلت تلك الحالات عاكسة لطبيعة الصراعات الممتدة والعميقة التي تتسم بها بنيوية تلك الصراعات.

أولًا: غلبة الأنماط الصراعية والمرتكزات الحاكمة لها

مفهوم القوة المُعزِّزة للسلام الذي تتبناه العديد من الدول كسمة للمرحلة الراهنة ولحسم الصراعات أو الخلافات أخّل بمعادلات التعاون والعدالة الدولية، وبالتالي تغير مفهوم الأمن عالميًا وليس إقليميًا فقط، ومن ثم أصبح منطق الأمن الجماعى قاصرًا عن تحقيق الاستقرار لارتباطه بالتحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية، وهو ما يطرح بدوره جملة من المرتكزات المحددة لرسم خريطة الصراعات ومحدودية آفاق التسويات، وهي:

1ـ فلسفة النظام الجديد الذي يتشكل: والذي يستند إلى مرحلة ما بعد العولمة عبر خلخلة سيادة الدول وتفكيك المجتمعات، تسعى الآن للسيطرة على الإنسان (من خلال تماهى الآلة مع الإنسان)، واستنادها إلى الثورة التكنولوجية، وما تتطلبه من سيطرة على الموارد النادرة ولو بالقوة لامتلاك روافد التقدم، وهي فلسفة جديدة تختلف عن النظام الدولي الذي عرف بعد الحرب العالمية الثانية، والذي استند إلى مفهوم الأمن الجماعي والقانون الدولي ومؤسسات العدالة الدولية (رغم المعايير المزدوجة التي استندت إليها).

ومع الإقرار بأن غالبية أنماط الصراعات ليست بالجديدة، ولكن طبيعة المرحلة الانتقالية التى يمر بها النظام الدولى غلبت عليها القوة كسبيل لتحقيق المصالح، أكسب العديد من الصراعات حدّة أكبر، نتيجة تراجع مفاهيم مثل الأمن الجماعى والقيم الإنسانية ضمن حسابات المصالح، بل كان لتعاطى الثورة التكنولوجية مع قوة الطبيعة كسلاح مدمر في حرب متعددة المجالات (الحروب الهجينة)، أثره الواضح فى تغير النمط التقليدي للحروب الخاص بالجيوش، ولذا أصبحنا أمام تغيير في نوعية الأسلحة وسبل توظيفها، حيث لم تعد الأسلحة النووية هي وحدها الأخطر والأكثر ردعًا، ولكن الأخطر هو القدرة على توظيف الطبيعة، مثل: الأوبئة، والاستمطار وسرقة الغيوم، والاختراقات السيبرانية، فضلًا عن تراجع حسابات الأمن الإنساني، وانخفاض مؤشرات التنمية المستدامة، وهى سمات حولت المجتمع الدولي لمجتمع مخاطر عالمي، والانتقال من مواجهة المخاطر إلى إدارة المخاطر بما يحقق مكتسبات ونفوذ القوى الكبرى والشركات الدولية.

2ـ هندسة التفكيك والصراع.. حروب النفوذ والوكالة: تشير خريطة الصراعات واتجاهاتها إلى تشابك حجم التأثير والتأثر بين منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومنطقة الساحل والصحراء على سبيل المثال، فهى تعكس ترابطًا استراتيجيًا وأمنيًا، وخاصة مع ارتفاع مؤشرات الصراع وعدم الاستقرار الداخلي في العديد من دول تلك المنطقة بالقدر الذي زاد من الحواضن المحفزة للصراع، على نحو يتجاوز القدرة على تفعيل المقاربات الأمنية التقليدية، وهو ما يتجلى بوضوح في دور قوات الدعم السريع في الحرب السودانية من ناحية، والسلوك الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل من ناحية أخرى، والتطورات التي شهدتها محاولات الانفصال في دارفور وأرض الصومال وجنوب اليمن، والتنافس على الموانئ ومنافذ البحر الاحمر.

3-تأثيرات مباشرة للمتغيرات الدولية: فرضت المتغيرات الدولية نفسها على سياقات الدبلوماسية الجماعية وجهودها في تقليل حدة الاضطرابات على مستوى العالم وخاصة في المنطقة العربية ودول الجوار، الأمر الذي أظهر محدودية الحلول السياسية والتفاوضية لصالح القوة والصفقات وتوسيع النفوذ وهو ما يعكس طبيعة الصراع والتنافس على قمة النظام وبنيته الجديدة.

4- مخاطر تجاوز السياقات القائمة: التعامل مع جملة التحولات الجيوستراتيجية الراهنة في منطقة حوض النيل، كونها مجرد مجموعة أزمات أو مخاطر ممتدة تهز أركان الدول وتفككها، يعنى تجاوز العديد من السياقات، لحالة اللايقين الحالية التى يمر بها النظام الدولى وتداعياتها الكبرى على النظم الإقليمية، وما تفرضه من تحركات وتفاعلات تعكس اتجاهًا نحو تغيير المعادلات القائمة، وما يستتبعها من طموحات ومصالح متغيرة لتوظيف المستجدات الجيو-اقتصادية لتغيير موازين القوى على مستوى حوض النيل، وأيضًا في المجال الاستراتيجي الحيوي الجنوبي المصري بطبيعة الحال.

وتتجلى حالة الصراع في القرن الأفريقي وحوض نهر النيل، سواء في السودان أو الصومال أو في ملف أمن البحر الأحمر والأمن المائي، في طول أمد تلك الصراعات وعدم القدرة على تحقيق تسوية سياسية وقانونية، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الأوضاع وزيادة التقاطعات بين الأطراف المتصارعة، فضلًا عن استغلال العديد من القوى لتلك الصراعات، وهو ما يتجلى في الحراك الإثيوبي الذي لا يقتصر على تحقيق مصالحها المباشرة وتحقيق أمنها، بل يتسم بالرغبة في زيادة مكانتها الإقليمية والرغبة في التوسع على حساب مصالح جيرانها سواء من خلال السعي للحصول على منفذ على البحر الأحمر، أو دعم مشروع أرض الصومال الانفصالي، واللعب على تناقضات الحرب في السودان، وتوتر علاقاتها مع إريتريا.

ولذا يعتبر السد الإثيوبي أحد مسارات هذا النهج الإثيوبي، من خلال الحراك نحو الهيمنة المائية كسبيل للضغط على مصر ومحاولة تقليص مجالها الاستراتيجي، حتى تحقق هدفها الاستراتيجي الساعي لاستخدام ورقة مياه النيل كسلاح مستقبلي لتوسيع نفوذها وتقديم نفسها إقليميًا ودوليًا كوكيل قادر على منافسة الوجود المصري وتهديد المصالح المصرية.

ثانيًا: غلبة مؤشرات الصراع

للتعاون والصراع العديد من المؤشرات والمظاهر بين الفاعلين على الساحة الدولية، حيث يعتبر أدناها تبادل الإدانات والتصريحات ومنتهاها الحرب الشاملة بين طرفين. فى المقابل تستند أنماط ومستويات التعاون من التنسيق وتبادل الآراء إلى مستوى التحالف. وتعكس هذه المقاييس مسارات التفاعلات([1])، من خلال رصد الأحداث وتحركات الأطراف. وهنا يمكن الإشارة إلى غلبة الانماط الصراعية وعدم الاستقرار في منطقة حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وتأثيراتها المتبادلة، بغية التوصل إلى رؤية استشرافية حول مستقبل العلاقات في تلك المنطقة في 2026.

والحقيقة أن طبيعة الصراعات وتشابكاتها لا تعطي فرصة لأطراف التسوية أو الحلول الدبلوماسية، فبنظرة على خريطة الصراعات، نجد أن الطموح الإثيوبي في إيجاد منفذ على البحر الأحمر لا ينعكس فقط على إريتريا ولكنه امتد إلى الصومال وتحديدًا أرض الصومال، وارتباط الأخير بمحاولات اسرائيل لتفعيل هندسة التفكيك وتعزيز النهج الانفصالي والاعتراف بها، وتأثير ما يشهده اليمن الجنوبي وحرب السودان من تشابكات إقليمية تلقي بظلالها على البحر الأحمر والأمن البحرى والتنافس على الموارد النادرة، وإذا ما أضفنا النزاعات الحدودية نجد الخلافات ما بين: كينيا والصومال، وإثيوبيا والسودان، وإريتريا وجيبوتي، والصومال وإثيوبيا، وإثيوبيا وإريتريا، والسودان وجنوب السودان. ويزيد من هذه التوترات ضعف البنية المجتمعية وما تفرضه محدودية تأثير سياسات الاندماج الوطنى من توترات عرقية وصراعات إثنية، وتدخل أطراف خارجية لزعزعة الاستقرار([2]).

تشكل خريطة الصراعات السابقة العديد من التوترات الكامنة في منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي، وهنا يمكن التأكيد على عاملين أساسيين، أولهما: يتعلق بعوامل تراجع وصعود حدّتها نتيجة نجاح جهود التهدئة أو لتغيير في التوازنات أو الحسابات، وثانيها: عدم الرهان أو ترجيح الخيار السياسى للتوصل لتسوية سياسية وقانونية، حيث يظل الرهان على الخيار العسكري هو الأكثر رجاحة لدى الأطراف، فعلى سبيل المثال:  نجد أن اتفاق السلام الذي وقع بين الكونغو وقوات M23 في واشنطن في 4 ديسمبر 2025، لم يصمد، ففي 8 ديسمبر 2025، اتهم رئيس الكونغو رواندا بعدم الالتزام بالاتفاق، كما وجهت الحكومة الرواندية في 10 ديسمبر 2025، اتهامات للكونغو وبوروندي بارتكاب انتهاكات متعمدة لاتفاقية السلام، وهو ما دفع قوات M23 في المقابل إلى التقدم نحو بلدة أوفيرا الاستراتيجية حسب السردية التي تروج لها([3]).

والحقيقة أن أزمة الكونغو تعد من الصراعات التاريخية الممتدة ذات التأثير المباشر على عدد من دول حوض النيل بسبب البُعد الإثني والتنافس على الموارد، وتحديدًا مع بوروندي ورواندا وكينيا، وهو ما يمتد للصراع بين حكومة إثيوبيا وجبهة تحرير تيغراي، وامتداده إلى إريتريا. في المقابل وقّعت حكومة ولاية أمهرة الوطنية الإقليمية ومنظمة أمهرة فانو الشعبية اتفاقية سلام دائمة في 4 ديسمبر 2025، في خطوة وصفها المراقبون بأنها تحول مهم نحو الاستقرار في الإقليم. وكانت منظمة فانو قد رفضت بعد انتهاء حرب التيغراي أن تنضم بجانب قوات أخرى غير نظامية تحت قيادة مركزية([4]).

ويتضح مما سبق أن أغلب تلك الأزمات لا تعكس تحولاً في أنماط الصراع، بل تعكس ديمومة تلك الصراعات وتقاطعات المصالح التي تؤدي لتأجيجها من وقتٍ لآخر. وتتراوح مظاهر الصراع من تبادل التصريحات والاتهامات، مرورًا بالوقوف وراء أطراف داخل دول أخرى لإحداث قلاقل ودعم جماعات إرهابية، وصولًا إلى مناوشات عسكرية وحروب مفتوحة. والملاحظ أن التغير الذي يمكن رصده بوضوح وبشكل متنامٍ خلال الأعوام القليلة الماضية هو تزايد أدوات التدخل من قبل العديد من القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي يزيد من صعوبة جهود الوساطة أو التسوية.

ثالثًا: مؤشرات التعاون البينية

 التعاون الثنائي هو النمط الغالب وليس الجماعي. مع وجود استثناءات محدودة ترتبط بتوافقات حول بعض الملفات، مثل: إنشاء آلية للتعاون الثلاثي بين مصر وإريتريا والصومال بشأن الأوضاع في السودان والبحر الأحمر، ومحاولات تطوير العملية التشاورية في مبادرة حوض النيل "NBI" لاستعادة التوافق والحوار بين دول حوض النيل، واجتماعات التعاون والتنسيق للمجلس الوزارى لمبادرة حوض النيل وآخرها الاجتماع الثالث والثلاثين الذى عقد في بوروندي بتاريخ 6 ديسمبر 2025. في حين ما يزال التعاون المائي الجماعي متعثرًا، وهو ما انعكس في تبنى العديد من الدول لمشروعات أحادية، مثل: مشروع كينيا لبناء محطة كهرومائية بقدرة 700 ميجاواط على سد "هاي غراند فولز" في نهر تانا([5]).

في المقابل، شهدت أطر التعاون مساعٍ إثيوبية إلى توطيد علاقاتها مع عدة دول وعلى رأسها كينيا وأوغندا والكونغو وجنوب السودان، في العديد من المجالات وخاصة التعاون في مجال الكهرباء، التعاون العسكري والدبلوماسي، التصنيع، السياحة، إنتاج الماشية، الإعلام، والتعليم، كمل تسعى لتطوير الخطوط الجوية الإثيوبية كشريك استراتيجي لدعم البنية التحتية الجوية في جنوب السودان وتوسيع خدمات الطيران([6]).

تشير بعض نماذج التعاون السابقة إلى أن العلاقات التعاونية لا تسير بشكل تصاعدي بين أكثر من طرفين إلا في بعض الحالات، وحتى في تلك الحالة فإن التعاون لم يتعد الاتفاقيات الثنائية بين كل طرف وآخر، وما يجمعهم هو تقارب وجهات النظر والتنسيق المشترك. ويرجع ذلك إلى حالة السيولة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية، حيث لا توجد تحالفات، ولكن مستويات من العلاقات.

رابعًا: الرؤية المصرية ومرتكزاتها

اتساقًا مع مسارات التفاعل التى تشهدها منطقة حوض النيل على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، تبرز أهمية الرؤية المصرية كدولة ارتكاز بمداخلها الثلاثية، المتعلقة "بالأمن والاستقرار والتنمية" كإطار حاكم لما يجب أن تعكسه هذه التفاعلات وأن تشكل فلسفة الأطر التعاونية، كسبيل لتحجيم الصراعات والتوترات.

فهذه الرؤية التى تقوم على توازن المصالح، وعلى تعظيم فرص الاستفادة من الموارد المتوافرة، وتعظيم مردود آليات العمل الجماعى المستندة للاتفاقيات الدولية والقانون الدولى والحوار والدبلوماسية الجماعية، تستند إلى أن فوائد التعاون الجماعي من شأنها أن توفر الاستقرار الضامن لتحقيق التنمية المستدامة وخاصة أن غالبية الصراعات لا تقوم على ندرة الموارد، ولكنها تستند إلى أحادية الرؤية والمصالح. 

لذا تنطلق الرؤية المصرية من أهمية تعظم مقومات الدولة الوطنية كسبيل لتجاوز هشاشة بنية الدول وضعف عملية الاندماج الوطنى، وأن تكامل المرتكزات الثلاثة "الأمن والاستقرار والتنمية" يوفر الأمن الإنساني والنهوض بالدول، ولذا فقد كان الحرص المصري على دعم الحوار والمحادثات لتسوية الخلافات هو السبيل لمواجهة العديد من المحاولات والأطراف الدافعة والمحفزة لمعادلات الصراع، وإنتاج المزيد من الفوضى والاستنزاف التي تعاني منها منطقة حوض النيل. تلك النتيجة تتجلى بوضوح في التالي:

1- الخطاب الرسمي: يؤكد الخطاب الرسمي دائمًا على دعم المبادرات لتسوية النزاعات والخلافات وأهمية الدبلوماسية والحلول السياسية وليس اللجوء للقوة، وأن المحافظة على المؤسسات الدولية والقارية كمؤسسات عدالة هو الضامن لهذه التسويات والحيلولة دون الانزلاق في دوائر العنف والصراع، ويتجلى ذلك بوضوح في المحافظة على هذا الخطاب وثوابت الرؤية المصرية على مدار أكثر من خمسة عشر سنة هى عمر المحادثات حول السد الإثيوبي التي اتسمت بالتعنت والمراوغة ورفض الوساطة الدولية من جانب إثيوبيا، وهو ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي والعديد من المسئولين المصريين، بأن مصر لا تواجه أي إشكالية مع الأشقاء في إثيوبيا، وأن مطلبها الوحيد هو عدم المساس بحقوقها في مياه النيل، والتوصل إلى اتفاق قانوني وملزم بشأن السد الإثيوبي.

كما تجلى ذلك أيضًا في قضايا الصراعات مثل حرب السودان، وتعزيز الاستقرار في الصومال ورفض الطموح الإثيوبي في إيجاد منفذ على البحر الأحمر. كذلك يبرز هذا الخطاب في مخاطبة المؤسسات الدولية والتعبير عن القضايا الأفريقية أمام الرأي العام العالمي، في قضايا، مثل: المديونية والطاقة والتغيير المناخى والبنية التحتية وحق دول القارة في الاستفادة واستغلال ثرواتها بما يحقق تنميتها ([7]).

2- الحراك السياسي والدبلوماسي: اكتسبت دبلوماسية القمة منذ عام 2014 سمة غالبة على التحرك المصري، حيث مثّلت أحد مرتكزات الدبلوماسية المصرية. على سبيل المثال، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى كينيا في 2017، وهي أول زيارة رسمية منذ 33 سنة، وعلى نفس المنوال كانت زيارة الرئيس لتنزانيا هي الأولى منذ سنة 1968. كذلك تبادل الرئيس الزيارات مع رؤساء كينيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي ([8]).

بالإضافة إلى ذلك، زار الرئيس الإريتري القاهرة 6 مرات، بينما قام الرئيس السيسي بزيارة إريتريا، التي شهدت عقد قمة ثلاثية حضرها الرئيس الصومالي في 2024. كذلك زار رئيس الصومال مصر أربع مرات في آخر عامين. كما تبادل الرئيس السيسي الزيارات مع نظيره الجيبوتي؛ فزار الرئيس الجيبوتي القاهرة مرتين، وزار الرئيس السيسي جيبوتي مرتين، وكانت زيارته في 2021 هي الأولى لرئيس مصري لجيبوتي. كما شهدت القاهرة العديد من الزيارات للفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة في السودان، والرئيس سلفا كير رئيس جنوب السودان ([9]).

وقد انعكس هذا النشاط السياسى بوضوح في التوافق الاستراتيجي، مع دول مثل الصومال وإريتريا وجيبوتي، لتعزيز الاستقرار في الصومال وفي البحر الأحمر، ومن المتوقع أن يستمر هذا النهج الرسمى من أجل قطع الطريق على أية مخططات تهدف للإضرار بمصالح دول حوض النيل، وعلى رأسها المصالح المصرية في هذا المجال الحيوي الاستراتيجي([10]). وتجدر الإشارة إلى كثافة التفاعلات المصرية الأفريقية بشكل عام خلال العام الماضى، ومنذ تولى الدكتور بدر عبد العاطي منصب وزير الخارجية، حيث شهدت زيارات وزارية عديدة مع نظرائه في كل من الصومال وإريتريا وجيبوتي وأوغندا وكينيا.

وعلى مستوى التجارة البينية مع دول حوض النيل، فقد بلغ إجمالي صادرات مصر إلى دول حوض النيل 1,6 مليار دولار عام 2024، مقابل 1,7 مليار دولار في عام 2023، وفقاً للنشرة السنوية للتبادل التجاري بين مصر ودول حوض النيل 2024 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أكتوبر 2025. وبلغ إجمالي قيمة الواردات من دول الحوض 1,283 مليار دولار عام 2024، مقابل 1,285 مليار دولار عام 2023 ([11]).

كما جاء ترتيب الدول من حيث حجم الصادرات المصرية لها كالآتي: السودان في المركز الأول، وكينيا في المركز الثاني. بينما جاءت الكونغو في المرتبة الأولى من حيث الواردات، وفي المرتبة الثانية السودان. كذلك جاءت مجموعة المنتجات الحيوانية والنباتية والمشروبات والتبغ في المرتبة الأولى للصادرات بقيمة 632 مليون دولار عام 2024، ومجموعة المنتجات الحيوانية المعدنية في المرتبة الأولى للواردات بما قيمته 661 مليون دولار عام 2024 ([12]).

وعلى المستوى الأمني والعسكري، كان لأطر التعاون التي تضمنها عدد من الاتفاقيات مع دول حوض النيل في مجال التدريب وتبادل الخبرات لمكافحة الإرهاب وتأمين الحدود والتهريب وغسيل الأموال كسبيل لتعزيز الاستقرار والأمن، أثرها الواضح في تطوير الرؤية المشتركة بين مصر وعدد من الدول، مثل: إريتريا (عام 2018 و2024)، وبوروندى (2021)، ورواندا (منذ عام 2021)، وأوغندا (2021)، وكينيا (2021)، والسودان (2021)، ومذكرة تفاهم مع جنوب السودان (2024)، فضلًا عن اتفاق مع الصومال (2021)، وجيبوتي (2021). وقد أظهر هذا التعاون مدى الحاجة لمزيد من الدعم لهذه الجهود بسبب استمرار التوترات والصراعات التي تشهدها المنطقة، والذي يفرض بدوره دعم الجيوش الوطنية في مواجهة الميلشيات ([13]) .

وعلى مستوى التعاون التنموى والمائى، فيتجلى بوضوح زيف الحديث عن أحادية الرؤية المصرية للتعاون مع  دول حوض النيل، وكونها لا تهتم إلا بمياه النيل وليس بتنمية هذه الدول، وهو الحديث الذي تتبناه إثيوبيا وبعض الدول، فبالإضافة لمسارات التعاون السابقة، نجد أن القاهرة تحملت تكلفة العديد من المشاريع ذات الأبعاد التنموية والإنسانية، فقد قامت بإنشاء عدد من محطات رفع وحفر آبار مياه جوفية تعمل بالطاقة الشمسية منها 28 محطة في جنوب السودان، و180 بئر جوفية في كينيا و١٢ محطة بالكونغو الديمقراطية، و10 آبار بالسودان، و75 بئر في أوغندا، و60 بئر في تنزانيا، وإنشاء 2 مرسى نهري، و4 خزانات أرضية بجنوب السودان، و28 خزان أرضى في أوغندا. كما تم إنشاء مراكز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو الديموقراطية، وإنشاء معمل لتحليل نوعية المياه والعمل على إنشاء مركز للتنبؤ بالأمطار في جنوب السودان، وتنفيذ مشروعين لمقاومة الحشائش المائية والحماية من الفيضانات في أوغندا، وتنفيذ دراسات فنية للإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتوفير دورات تدريبية لعدد 1650متدرب من 52 دولة أفريقية ([14]) . كذلك يتم تقديم عدد من المنح الدراسية في الأزهر، مثل منحة الطلاب الإريتريين.

واتساقًا مع هذه المسارات، لا يمكن إغفال دور مصر في مجال المساعدات الإنسانية وبشكل خاص في بؤر الصراع مثل السودان وجنوب السودان، وكذلك استقبال مصر لعدد كبير من اللاجئين والفارين من الصراعات. وإذا ربطنا تلك المسارات ومستويات التعاون بالرؤية المصرية لأهمية توافر الأمن والاستقرار لتحقيق التنمية، سيتضح بجلاء حرص مصر على دعم البنية التحتية وتعزيز الاستثمارات مع تشجيع القطاع الخاص على المشاركة في العديد من تلك المشروعات. على سبيل المثال مشروع سد أوين في أوغندا، وسد جوليوس نيريري في تنزانيا في 2018. وهناك آفاق للمشاركة في مشروع سد مبانكانا في الكونغو، وكذلك سد انجولولو مع دولتي أوغندا وكينيا، بالإضافة إلى سد نشونجيزي الواقع بين رواندا وأوغندا وتنزانيا. كما يتسق كل ذلك مع استضافة مصر لمركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، والعمل على الانتهاء من مشروع طريق "القاهرة-كيب تاون" والذي تشير التقديرات إلى إنجازه بنسبة 80%، في خطوة استراتيجية تهدف إلى ربط شمال القارة الأفريقية بجنوبها عبر شبكة طرق عابرة للدول([15]). 

خاتمة

النتيجة المستخلصة تشير إلى أن الواقع الراهن في منطقة حوض النيل لا يساعد على تحقيق الاستقرار والأمن في الأمد المنظور، ومن ثم يظل الهدف الساعي لتعزيز فرص التعاون الجماعي وتوافر الإرادة الجماعية محل شك في ظل المعطيات الراهنة، التي تشهدها منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي والتشابك العميق بين المجالات الاستراتيجية الحيوية والمصالح العليا للعديد من الدول والقوى الإقليمية والدولية المتنافسة، فضلًا عما تشهده العديد من الدول من اضطرابات شديدة بين الدول وداخل الدولة الواحدة (صراعات إثنية، موارد، تدخل أطراف خارجية).

من هنا تأتى أهمية الرؤية المصرية الداعمة لآليات التعاون الجماعي والاستناد للحوار والتسوية السلمية، لتحجيم النهج الأحادي الذي تتبناه إثيوبيا وعدد من دول الحوض، كسبيل لدعم مفهوم الدولة الوطنية والجيوش الوطنية ضد التدخلات الخارجية الطامعة في إعادة هندسة المنطقة وموازين القوى فيها.

واتساقًا مع هذه النتيجة، قد يكون من الضروري وضع التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة حوض النيل وأمن مصر القومي في سياقات متعددة، تتجاوز قصرها على مجرد مواجهة التحديات والمخاطر المباشرة التي يثيرها الوضع في السودان، أو في العلاقة مع إثيوبيا وأزمة "السد الإثيوبي"، أو في منطقة القرن الأفريقي، إلى سياقات أعمق وأوسع تتعلق بالأمن القومى المصرى ومرتكزاته، وسبل رفع  تكلفة الإضرار بالمصالح العليا المصرية، وتأمين مجالها الحيوي الجنوبي الاستراتيجي.

فالهدف المصرى يظل مرتبطًا بسبل تعزيز التعاون الثنائي والجماعي، كسبيل لمواجهة تداعيات الفوضى النابعة من تعدد أطرافها وتداخل المصالح، بل وتناقضها، فضلًا عن استنادها إلى القوة. بمعنى أدق، إن الاستجابة لمرتكزات الرؤية المصرية المستندة إلى دور الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، والمبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل هي أحد سبل تعزيز ثلاثية الأمن والاستقرار والتنمية، للحد من النمط التصاعدي التنافسي الذي يفرض نفسه على العديد من الملفات والذي يجعل معالجتها أقرب للعلاقات الصفرية (Zero-Sum Game)، ومن ثم يحد من إمكانيات التسوية، وحتى إن تم التوصل لتسوية أو هدنة  فإنها سرعان ما تنهار.


[1] Köhler, Gernot. “SCALING EVENTS AGGREGATES: THE H.Q. SCALE AND TENSION MEASUREMENT.” Peace Research 7, no. 2 (1975): 45–62. http://www.jstor.org/stable/23609309.

[2] محمد عاشور، "إشكاليات الحدود في القرن الإفريقي.. تنازع السيادة وحدود الصراعات"، السياسة الدولية، أكتوبر 2025.

[3]  الجزيرة، "روتو في واشنطن لدعم اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا،" 1 ديسمبر 2025، روتو في واشنطن لدعم اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا | سياسة | الجزيرة نت

[4] وكالة الأنباء الإثيوبية، "حكومة إقليم أمهرا ومنظمة أمهرا فانو الشعبية توقعان اتفاق سلام دائم،" 4 ديسمبر 2025، حكومة إقليم أمهرا ومنظمة أمهرا فانو الشعبية توقعان اتفاق سلام دائم - ENA عربي

[5] صغير الحيدري، "كينيا تضع أفريقيا أمام "سد نهضة ثان"،" اندبندنت عربية، 21 أكتوبر 2025، كينيا تضع أفريقيا أمام "سد نهضة ثان" | اندبندنت عربية

[6] الراصد الإثيوبي، "جنوب السودان وإثيوبيا تجددان التعاون الاستراتيجي لتعزيز الطيران والبنية التحتية،" 1 سبتمبر 2025، جنوب السودان وإثيوبيا تجددان التعاون الاستراتيجي لتعزيز الطيران والبنية التحتية - الراصد الاثيوبي - ETHIO MONITOR

[7] وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين في الخارج. "الكتاب الأبيض: الاتزان الاستراتيجي: ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات." 17 ديسمبر 2025. الكتاب الأبيض حول مبدأ الإتزان الاستراتيجي في السياسة الخارجية المصرية - وزارة الخارجية

[8] المرجع السابق.

[9] الهيئة العامة للاستعلامات، sis.gov.eg/Ar/

[10] Michael Masrie, “Egypt and Eritrea close ranks over Ethiopia’s Red Sea push,” The Africa Report, October 31, 2025, Egypt and Eritrea close ranks over Ethiopia’s Red Sea push

[11]  الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، "للنشرة السنوية للتبادل التجاري بين مصر ودول حوض النيل 2024،" الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

[12] المرجع السابق.

[13]  تامر محمد سامي، "الاتفاقيات الأمنية والعسكرية المصرية مع دول شرق ووسط أفريقيا.. الأبعاد والمآلات (دراسة)،" مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، 24 نوفمبر 2024، الاتفاقيات الأمنية والعسكرية المصرية مع دول شرق ووسط أفريقيا.. الأبعاد والمآلات (دراسة) - مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية

[14]  وزارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج،"بيان مشترك عن لقاء وزيري الخارجية والهجرة والموارد المائية والري،" 14 أغسطس 2025، بيان مشترك عن لقاء وزيري الخارجية والهجرة والموارد المائية والري – وزارة الموارد المائية و الرى

[15] العين الإخبارية، "القاهرة-كيب تاون".. شريان يربط شمال أفريقيا بجنوبها ويعزز التجارة والاستقرار،" 1 ديسمبر 2025، "القاهرة-كيب تاون".. شريان يربط شمال أفريقيا بجنوبها ويعزز التجارة والاستقرار