قد تبدو قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عامه الأول في الحكم - من حيث تتابعها وحدّتها وتناقضاتها الظاهرية - أقرب إلى نزعة ارتجالية يصعب ردّها إلى منطق سياسي متماسك. لكن القراءة الأكثر إقناعًا، في تقديري، هي أن "الفوضى" كانت في كثير من الأحيان قناعًا سياسيًا لبرنامج شديد الوضوح: إعادة هندسة الدولة الأمريكية من الداخل، وإعادة تعريف دورها في الخارج. فثمة خطة محافظة متكاملة جرى تداولها على نطاق واسع تحت مسمى 2025 Project أو "مشروع 2025" صاغتها مؤسسة التراث Heritage Foundation وشبكة من المؤسسات المحافظة بوصفها دليلًا عمليًا لإدارة انتقال السلطة وتنفيذ أجندة "اليوم الأول" لإدارة ترامب.
وما يهم هنا ليس الجدل السياسي الدائر في الولايات المتحدة حول صلة ترامب المباشرة بهذا المشروع أو نفيه العلني لأي ارتباط به، بقدر ما يهم مدى التقاطع بين مسارات قراراته في عامه الأول وبين الأطروحات التي يقدمها المشروع: تركيز السلطات في يد رئيس، تقليص استقلال الجهاز البيروقراطي الفيدرالي وإخضاعه للسلطة التنفيذية، إعادة تشكيل النخب المعينة في مفاصل الدولة على أساس الولاء، شنّ حرب ثقافية على القيم الثقافية التقدمية (woke culture) لصالح تصور محافظ-مسيحي للفضاء العام، تشديد سياسات الهجرة، والتخارج من التحالفات والمؤسسات الدولية التي قامت عليها المنظومة الليبرالية بعد الحرب العالمية الثانية.
من هذا المنظور، يصبح السؤال المركزي: هل نحن أمام رئيس "غير عقلاني" يقود السياسة الأمريكية عبر ردود فعل متقلبة؟، أم أمام محاولة منهجية لصنع "ثورة من داخل النظام"، ثورة لا تستهدف تبديل السياسات فحسب، بل تستهدف قواعد عمل الدولة ذاتها، وحدود العلاقة بين الرئاسة والمؤسسات، ثم مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي؟.
يسعى هذا التقدير إلى الدفاع عن الفرضية الثانية، عبر تتبع أهم الإجراءات التي اتخذها ترامب في عامه الأول لتحقيق هذه الرؤية، وبيان كيف تتكامل في نهاية المطاف ضمن مشروع تحولي واحد، داخليًا وخارجيًا.
أولًا: مشروع 2025 كـ"منظومة انتقال" لا كوثيقة سياسات
لفهم "مشروع 2025" بوصفه مشروع تحول جذريًا، يجب التوقف عند طبيعته المركّبة. فالمشروع ليس وثيقة واحدة، بل منظومة انتقال أُعدت لتكون دليلًا عمليًا للحكم منذ اليوم الأول. وهو يتضمن: كتاب سياسات تفصيليًا بعنوان Mandate for Leadership: The Conservative Promise يقدم توصيات قطاعية لإعادة توجيه الوزارات والوكالات، إلى جانب بنك للكوادر لاختيار وتدقيق موظفين موالين، وبرنامج تدريب (Academy) Presidential Administration لتأهيلهم، وما يوصف بأنه "خطة المئة والثمانين يومًا الأولى" لضمان صدور موجة سريعة من الأوامر والإجراءات الرئاسية فور دخول ترامب البيت الأبيض.
أما الرؤية الأوسع التي تنطوي عليها هذه الحزمة فتقوم على فكرة إحداث تغيير جذري من داخل النظام نفسه: تفكيك الدولة الفدرالية بصيغتها "الإدارية" وإخضاعها لقيادة رئاسية قوية، وإعادة تعريف الصراع السياسي باعتباره صراعًا على هوية المجتمع وحدود القيم العامة بقدر ما هو صراع على السياسات. ولذلك يلح المشروع على أن التباطؤ في تنفيذ منظومة الانتقال يعني ضياع فرصة الحسم، فالمعركة، في نظره، هي كسب الوقت للسيطرة السريعة على جهاز دولة متضخم ومعقد قبل أن تُبنى تعبئة مضادة أو تفرض انتخابات التجديد النصفي كلفة سياسية أعلى.
هنا تحديدًا، يمكن قراءة إيقاع عام ترامب الأول: ليس كحركة ارتجالية، بل كاستراتيجية "حسم مبكر" تستهدف تثبيت تغييرات مؤسسية-قواعد وكوادر وصلاحيات تنفيذية-يجعل التراجع عنها لاحقًا أكثر صعوبة، حتى إذا تبدلت موازين القوى في الكونجرس أو تصاعدت المقاومة المجتمعية والقضائية.
ثانيًا: تقويض المؤسسات الديمقراطية وآليات التوازن بين السلطات
على مستوى بنية النظام السياسي الأمريكي، كان التحول الأكثر دلالة في عام ترامب الأول هو نزوعه إلى تركيز السلطة داخل الرئاسة على حساب منطق الفصل بين السلطات. فبدل التعامل مع الكونجرس بوصفه شريكًا مؤسسيًا في التشريع والرقابة والتمويل، اتجه ترامب إلى تقليص مجال المساومة مع السلطة التشريعية، وتوسيع مساحة القرار التنفيذي المباشر من خلال إصدار عدد ضخم من القرارات التنفيذية الرئاسية، بما يسمح للرئاسة بفرض أجندتها بسرعة أكبر وبكلفة تفاوضية أقل.
ولم يكن الأمر مجرد استخدام متزايد للأدوات التنفيذية، بل كان تعبيرًا عن تصور سياسي يرى أن التفويض الانتخابي يمنح الرئيس حقًا شبه حصري في تعريف "الإرادة الشعبية"، وأن مقاومة الكونجرس ليست اختلافًا مشروعًا بقدر ما هي تعطيل لإرادة الناخبين. بهذا المعنى، يصبح النزاع حول الإجراءات جزءًا من نزاع أكبر حول من يملك شرعية تمثيل الشعب ومن يملك حق تحديد "المصلحة العامة".
وامتد المنطق نفسه إلى العلاقة مع السلطة القضائية. فبدل قبول القضاء كجزء من الضبط الدستوري لقرارات الدولة، ظهر ميل إلى تسييس الاحتكاك مع المحاكم وتحويله في المجال العام إلى صراع على الشرعية لا مجرد خلاف على الدستورية. وبقدر ما يسعى هذا الخطاب إلى تصوير التدخل القضائي كأداة حزبية أو عرقلة سياسية، فإنه لا يكتفي بإدارة معارك قانونية متفرقة، بل يحاول تغيير شروط تلقي القرارات القضائية اجتماعيًا: هل تُفهم كأحكام واجبة الاحترام، أم كمواقف سياسية بأدوات قانونية؟
وهكذا شهد العام الأول إعادة توزيع غير متكافئ للسلطة داخل النظام: تضييق نفوذ الكونجرس عبر تقليص مسارات التفاوض والرقابة، وتضييق الحيز الذي يعمل فيه القضاء كحكم محايد عبر تحويل كل تدخل إلى مادة استقطاب.
ثالثًا: تقويض الجهاز البيروقراطي وتسييس الحكومة الفدرالية
لم يكتفِ ترامب بتوسيع صلاحيات الرئاسة في مواجهة الكونجرس والقضاء، بل اعتبر أن المعركة الحاسمة تقع في قلب "الدولة الإدارية" أو "الدولة العميقة" كما يسميها ترامب وأنصاره عبر تقليص استقلال البيروقراطية الفيدرالية وإخضاعها لإرادة البيت الأبيض. فتصوره السياسي ينطلق من أن مقاومة الأجندة المحافظة لا تأتي من الخصوم الحزبيين فقط، بل من جهاز تنفيذي مهني تحكمه قواعد خدمة مدنية وحمايات إجرائية تُبطئ تغيير السياسات وتجعلها قابلة للمراجعة.
ترجمت الإدارة هذا التوجه عبر إجراءات تنظيمية وتوظيفية استهدفت تحديدًا المناصب "المؤثرة في السياسات". فقد صدر أمر تنفيذي في أول يوم من رئاسة ترامب في 20 يناير 2025 يضع أساسًا جديدًا لفكرة أن السلطة التي يمارسها الموظفون في هذه المواقع "مفوّضة من الرئيس" وأن عليهم أن يكونوا مسئولين أمامه، بما يفتح الباب لإعادة تصنيف وظائف بعينها وتقليص حماية شاغليها. ثم جاءت خطوات إدارة شئون الموظفين لإنشاء فئة وظيفية جديدة تسهّل نقل عدد أكبر من وظائف "صنع السياسات" إلى نطاق يسهل معه الاستبعاد أو الاستبدال بحجة الكفاءة أو تعطيل التوجيهات.
ويتسق هذا المسار مباشرة مع توصيات مشروع 2025 التي تدعو إلى تفكيك "الدولة الإدارية" عبر تغيير قواعد التوظيف، وتوسيع هامش العزل، وبناء شبكة كوادر موالية تمسك بالمفاصل التنفيذية منذ الأيام الأولى. وتكتمل الصورة بإجراءات تعزز مركزية القرار داخل البيت الأبيض، مثل الأمر التنفيذي الصادر في 18 فبراير 2025 بشأن "ضمان المساءلة لكل الوكالات" الذي يوسّع آليات الإشراف الرئاسي، وما صاحبه من إضعاف أدوات الرقابة الداخلية. وبذلك تصبح "الحرب على النخبة الإدارية" آلية تنفيذية لضمان أن التحول المستهدف لا يبقى قرارًا سياسيًا عابرًا، بل يتحول إلى واقع مؤسسي يصعب التراجع عنه.
ومن المهم أن هذا المسار لم يقتصر على تغيير القواعد، بل شمل أيضًا تغيير الأشخاص: السعي إلى إحلال كوادر موالية محل شرائح من الجهاز المهني، أو دفع البيروقراطية نحو "الامتثال" عبر التهديد بالعزل وإعادة التصنيف. هنا يلتقي ما جرى عمليًا مع منطق مشروع 2025 الذي يضع ملف "الكادر" في قلب المشروع: اختيار المرشحين، تدريبهم، ثم الدفع بهم سريعًا إلى مواقع القرار داخل الوكالات. وقد ظهرت مؤشرات ذلك في عام 2025 عبر مسارين متوازيين: توسيع نطاق المناصب القابلة لإعادة التصنيف والاستبدال، وموجة قرارات وإقالات في مواقع رقابية وحساسة فتحت الباب لتعيينات أقرب سياسيًا من البيت الأبيض. كما حملت بعض الاختيارات الرمزية في أجهزة إنفاذ القانون الدلالة نفسها: أن معيار "الثقة والولاء" أصبح جزءًا مُعلنًا من معركة إعادة هندسة الدولة.
رابعًا: الهجرة والتنوع والحرب الثقافية كمعركة هوية
في محور الهجرة والثقافة والقيم، تبدو سياسات ترامب في عام 2025 مترابطة أكثر مما تبدو متفرقة: تشديد غير مسبوق على ضبط الحدود وتقليص الهجرة من ناحية، وهجوم مؤسسي على سياسات "التنوع والإنصاف والشمول (DEI)" وعلى رموز الثقافة التقدمية من ناحية أخرى. ففي الأيام الأولى تقريبًا، صدر أمر تنفيذي بإنهاء برامج DEI داخل الحكومة الفيدرالية ووقف ما اعتبرته الإدارة "تفضيلًا" قائمًا على الهوية، بما يعني عمليًا تفكيك البنية الإدارية التي تشرف على هذه البرامج داخل الوزارات والهيئات.
وبالموازاة، تحركت الإدارة على ملف الهجرة عبر سلسلة إجراءات تنفيذية استهدفت تقليص الدخول القانوني، وتشديد الإنفاذ، وتوسيع أدوات الردع. وبذلك لا تُقرأ سياسة الهجرة كملف "أمني" فحسب، بل كجزء من إعادة هندسة المجال الوطني: من يملك حق الانتماء؟، وما هي الحدود الثقافية والقيمية لما يُعرَّف باعتباره "أمريكا"؟،
وإذا جُمعت هذه السياسات في إطار واحد، يصعب فصلها عن بعد اجتماعي-ثقافي أعمق: قلق قطاعات واسعة من البيض-وخاصة من الطبقات الوسطى والدنيا-من تآكل الهيمنة الرمزية والسياسية مع تحولات الهوية والديموغرافيا وصعود خطاب العدالة العرقية. فالحرب على القيم التقدمية وDEI تُقدّم بوصفها استعادة لمعيار الجدارة ورفضًا لسياسات الهوية، بينما تُقدّم سياسات الهجرة بوصفها حماية للحدود والأمن والوظائف. لكن المحصلة السياسية واحدة: تثبيت تصور محافظ للهوية الوطنية يرى أن الدولة ينبغي أن تكف عن إعطاء الافضلية للأقليات على حساب الأغلبية البيضاء، وأن تعيد ترتيب المجال العام على أساس قيم محافظة. هنا تتضح كيفية التقاء توصيات مشروع 2025 حول تفكيك بنيةDEI وتشديد مسارات الهجرة مع اتجاه عام في عام 2025 يعيد تعريف السياسة بوصفها صراعًا على الهوية.
ولا يقتصر هذا المحور على السياسة بمعناها التنظيمي، بل قد يتخذ أحيانًا ملامح تصعيد أمني-قسري ضد "أعداء الداخل" كما تُعرّفهم السردية الرسمية: مهاجرون غير نظاميين، محتجون، وأحيانًا مواطنون يُشتبه فيهم على أساس المظهر. فمع توسع عمليات إنفاذ الهجرة ظهرت تقارير عن مداهمات ذات طابع مُعسْكر وتكتيكات إيقاف وتفتيش مسلحة في المجال الحضري، بما رفع احتمالات الاحتكاك والعنف. ويكتسب دور وكالة ICE أهمية خاصة لأنها لا تعمل فقط كأداة تنفيذ للهجرة، بل كأداة لإعادة تعريف "من هو الخطر". وحين تُقدَّم الهجرة بوصفها "تهديدًا وجوديًا" في الخطاب الرسمي، يصبح توسيع استخدام القوة وتطبيع الاستثنائية أكثر قابلية للتبرير سياسيًا، وهي إحدى أكثر نتائج هذا المسار حساسية وخطورة.
خامسًا: الحمائية الاقتصادية كسياسة سيادة وهوية
في الاقتصاد، كان الخط العام لترامب في عامه الأول أوضح مما يبدو: تقليص الاعتماد على العولمة والتجارة الحرة واستبداله بحمائية نشطة تُقدَّم كدفاع عن "الوظائف الأمريكية" و"الأمن القومي" و"السيادة الاقتصادية". تُرجم ذلك إلى موجة تعريفات واسعة، أبرزها قرار 2 أبريل 2025 بفرض تعريفة "متبادلة" على الواردات لمعالجة العجز التجاري، شملت تعريفة أساسية عامة 10% ثم تعديلات لاحقة وفق الدول والقطاعات. وإلى جانب ذلك تحركت الإدارة على مسارات قطاعية مرتبطة بالصناعة والأمن عبر أدوات تجارية-أمنية موروثة أُعيد توسيع استخدامها.
وتتقاطع هذه السياسات مع روح مشروع 2025 في الاقتصاد السياسي: التشكيك في "الحرية التجارية" كقاعدة مطلقة، وتبني فكرة "التجارة العادلة/المتبادلة"، واستخدام الرسوم الجمركية كأداة تفاوض وضغط لا كاستثناء مؤقت. هنا يصبح الاقتصاد امتدادًا لفلسفة الحكم نفسها: تدخل أقوى للدولة لحماية الصناعة، وإعادة توطين سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على الخصوم، حتى لو ترتب على ذلك توتر مع الحلفاء أو كلفة أعلى على المستهلكين.
ومع أن النقاش الأمريكي أشار إلى أن عبء الرسوم يقع غالبًا على المستوردين والمستهلكين داخل الولايات المتحدة بما يجعلها أشبه بضريبة غير مباشرة، فإن الأهم سياسيًا هو الدلالة: الحمائية لم تعد أداة تكتيكية، بل أصبحت سياسة سيادة وهوية تُستخدم لإعادة تعريف موقع أمريكا في الاقتصاد العالمي.
سادسًا: السياسة الخارجية..من قيادة النظام إلى منطق الصفقة
في السياسة الخارجية، بدا العام الأول أقرب إلى قطيعة مع تقليد أمريكي طويل يقوم على قيادة التحالفات، وتمويل المؤسسات متعددة الأطراف، وربط القوة الأمريكية بشرعية "النظام الدولي" الذي تشكّل بعد 1945. بدلًا من ذلك، عاد ترامب إلى نهج صفقاتي-سيادي: الولايات المتحدة لا "تستثمر" في المؤسسات إلا بقدر ما ينتج عائدًا مباشرًا، الحلفاء مطالبون بدفع تكلفة أمنهم، والمنظمات الدولية تُعامل كأدوات يمكن الانسحاب منها أو تجفيف تمويلها إذا تعارضت مع أولويات واشنطن.
تجسّد هذا مبكرًا في الأمر التنفيذي الصادر في 4 فبراير 2025: عدم مشاركة الولايات المتحدة في مجلس حقوق الإنسان، وقف تمويل الأونروا، فتح مراجعة لعضوية اليونسكو، وتكليف وزارة الخارجية بمراجعة شاملة خلال 180 يومًا لكل المنظمات الدولية والاتفاقيات والمعاهدات بهدف تقرير الانسحاب أو تقليص الدعم.
أما مع الحلفاء، فكان الخط العام هو زيادة الضغط ورفع سقف "تقاسم الأعباء". ففي "استراتيجية الأمن القومي" الصادرة في ديسمبر 2025 يظهر هذا المنطق بوضوح: الإشارة إلى "التزام لاهاي" الذي يرفع هدف إنفاق دول الناتو إلى 5% من الناتج، مع تصور يحمّل الحلفاء مسئولية أكبر عن أقاليمهم ويجعل دور واشنطن أقرب إلى "منسّق وداعم" لا قائد يتحمل العبء الأكبر. وبذلك لا تعود التحالفات "ثابتًا استراتيجيًا"، بل علاقة قابلة لإعادة التفاوض المستمر وفق معادلة الكلفة والمنفعة.
وهنا يظهر التوازي المباشر مع توصيات مشروع 2025 التي تدعو إلى إنهاء "الدعم الأعمى" للمنظمات الدولية وإجراء تحليل كلفة-منفعة والنظر في الانسحاب من المؤسسات التي "تضعف مصالح الولايات المتحدة" أو تعتمد بشكل مبالغ فيه على التمويل الأمريكي. كما تقترح خطوات مبكرة لوزارة الخارجية: مراجعة الالتزامات والتمويلات، تجميد تنفيذ الاتفاقات غير المصدق عليها، وإعادة تقييم السفراء بسرعة لضمان اتساق الجهاز الدبلوماسي مع أجندة الرئيس. وبذلك يمكن فهم العام الأول خارجيًا كمحاولة لإعادة تعريف "الدور الأمريكي" نفسه: من راعٍ لنظام دولي إلى قوة تفاوضية تضع السيادة والصفقة فوق المؤسسة والتحالف.
خاتمة: تداعيات عام "الحسم المبكر"
في المحصلة، لا يمكن فهم عام ترامب الأول كسلسلة قرارات متفرقة أو اندفاع بلا بوصلة. خيط واحد يجمع ما بدا متباعدًا: مشروع تحول من داخل النظام يعيد تعريف قواعد الحكم في الداخل ودور أمريكا في الخارج. داخليًا، تحركت الرئاسة لتكثيف سلطتها على حساب الكونجرس والقضاء، ثم انتقلت إلى قلب الدولة عبر تغيير قواعد الخدمة المدنية وإعادة تشكيل الكوادر وإضعاف أدوات الرقابة. وفي المجال القيمي والاجتماعي، جرى ربط الهجرة والحرب علىDEI بمنطق يعد باستعادة "الأغلبية" لسلطتها الرمزية والسياسية. وخارجيًا، انتقل الدور الأمريكي من قيادة مؤسسية طويلة الأمد إلى مقاربة صفقاتية تُعيد التفاوض على التحالفات وتراجع التمويل والعضوية في المؤسسات وتتعامل مع النظام الدولي بوصفه قابلًا للتفكيك وإعادة التركيب.
لكن الأهم ليس توصيف ما حدث فقط، بل استشراف ما يتركه من آثار طويلة المدى. فجزء معتبر من هذه السياسات-خصوصًا ما يتصل بإعادة هيكلة الجهاز البيروقراطي، وتآكل الأعراف الضابطة لعلاقة الرئاسة بالمؤسسات، وتسييس أجهزة إنفاذ القانون والرقابة-يميل إلى الدوام أكثر من القرارات القطاعية. ذلك أن تغيير القواعد والكوادر يخلق أثرًا تراكميًا يصعب عكسه بسرعة حتى مع توفر الإرادة السياسية: لأن إعادة بناء الحياد المهني واستعادة الثقة في القضاء والكونجرس وإصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع تحتاج زمنًا أطول من زمن إصدار قرار. وفي هذا المعنى، فإن الخطر الأكبر ليس في سياسة بعينها، بل في تبدل طبيعة النظام: من ديمقراطية ليبرالية تقوم على مؤسسات مستقلة وأعراف ضابطة إلى ديمقراطية مقيّدة تتسع فيها مساحة القرار الرئاسي وتضيق فيها مساحة الرقابة.
أما خارجيًا، فتتجاوز التداعيات لحظة الخلاف مع حليف أو الانسحاب من مؤسسة. فالتحالفات تقوم في النهاية على عنصرين: المصالح والثقة. وقد أعاد العام الأول ترتيب المصالح بمنطق الكلفة/المنفعة، لكنه أضعف عنصر الثقة: ثقة الحلفاء بأن الالتزام الأمريكي مستقر عبر الزمن، وثقة الخصوم بأن واشنطن تفاوض وتردع ضمن قواعد معروفة. والنتيجة المرجحة على المدى المتوسط هي عالم أكثر سيولة في الاصطفافات: حلفاء يبحثون عن بدائل وتحوطات، ومؤسسات دولية أقل قدرة على فرض القواعد، وقوى منافسة تستثمر في الفراغات التي تتركها واشنطن. بهذا المعنى، لا يخسر النظام الدولي "قائدًا" فقط، بل يخسر منطقًا كان يربط القوة بالشرعية المؤسسية.
يبقى السؤال الذي سيحسم دلالة هذا التحول: هل يتحول هذا المسار إلى نمط دائم يغير شكل الدولة الأمريكية ودورها العالمي لعقود؟، أم أنه يطلق تعبئة مضادة تعيد الاعتبار لمبدأ توازن السلطات والحياد المهني ولمنطق التحالفات؟
الإجابة ستتوقف على قدرة المجتمع الأمريكي ومؤسساته على استيعاب الصدمة دون التطبيع معها، وعلى ما ستسفر عنه انتخابات التجديد النصفي بوصفها اختبارًا مبكرًا لحدود "الثورة من الداخل": هل تستمر وتترسخ، أم تبدأ عملية الارتداد عنها؟