د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

يتكرر في أعقاب بعض مباريات كرة القدم التي تجمع بين فريقي المنتخب الوطني المنتمي لبعض الدول العربية أزمة تنسحب من البعد الرياضي إلى الإطار السياسي، وهو ما عبّرت عنه حالات كاشفة في توقيتات زمنية مختلفة، لدرجة أنها تُعد نوعاً من "الطقوس" في التفاعلات البينية العربية، بعد تزايد ارتباطها بالبعد الإعلامي والتواصل الاجتماعي، الأمر الذي يتفق مع تيار رئيسي في الكتابات يشير إلى أن الألعاب الرياضية، وخاصة كرة القدم، أصبحت انعكاساً للعلاقات الصراعية أكثر منها عاملاً مؤثراً في تهدئة التوترات بين الدول. وقد عبّر عن هذا المعنى المفكر الاستراتيجي جورج أويل قائلاً: "إن كرة القدم لا تمارس فقط لمجرد متعة قذف الكرة، بل لأنها فصيل من فصائل القتال"، وإن كانت بشكل سلمي. في حين يوجد اتجاه آخر يعزز من دور الألعاب الرياضية في اتسام العلاقات الدولية بطابع أكثر تعاونية وأقل صراعية، فيما يطلق عليه "دبلوماسية الرياضة" لدرجة أن هناك من يطالب بمنح الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" جائزة نوبل للسلام.

حالات كاشفة

كان لافتاً خلال بطولة كأس العرب التي احتضنتها قطر في نوفمبر وديسمبر 2025، توحد جماهير منتخبات تونس والمغرب والجزائر جنباً إلى جنب في المدرجات، رافعة أعلام الدول الثلاثة في كل المباريات وتغنيها بذات الأهازيج في مشهد لاقى ترحيباً واسعاً تجاوز صداه مدرجات الملاعب القطرية لتتلقفه مواقع التواصل الاجتماعي "المغاربية". كما أن عدوى التقارب والتوحد انتقلت من قطر إلى المغرب، حيث نجحت النسخة الـ35 من كأس أمم أفريقيا التي احتضنتها المغرب في الفترة من 21 ديسمبر 2025، وحتى 18 يناير 2026 في إعادة تعريف العلاقة بين جماهير كرة القدم المغاربية وتمكنت إلى حد كبير من طمس الخلافات التي طالما كانت سبباً في توتير العلاقات بين بعض شعوب المنطقة، وساد تعبير "خاوة خاوة" (أي أخوة أخوة) في البطولة، وإن برزت ملامح للتوتر، على الأقل، بين منصات إعلام وتواصل اجتماعي لكل من مصر والمغرب.

فقد شهدت مرحلة ما بعد مباراة مصر والسنغال، في الدور قبل النهائي من البطولة، توتراً عابراً في سياق تصريحات حسام حسن المدير الفني للمنتخب المصري لكرة القدم والتي اشتكى فيها من سوء تهيئة الأجواء ما قبل المباراة، وأعقبها تلاسن بين جماهير البلدين على مواقع التواصل الاجتماعي. وشن وليد الركراكي المدير الفني للمنتخب المغربي، هجوماً على حسام حسن بسبب تصريحاته السابقة، قائلاً: "منتخب مصر دائماً يشتكي بعد الهزيمة، ربما نحتاج لتغيير هذه العقلية في إفريقيا. أخطاء التحكيم موجودة في كل مكان، سواء في أفريقيا أو أوروبا، ومن المؤسف المبالغة في الحديث عنها. الفريق الأفضل هو من يفوز عادة". وفي مباراة تحديد المركز الثالث والرابع، أطلقت الجماهير المغربية صافرات الاستهجان أثناء عزف النشيد الوطني المصري.

وقد حاولت الدولتان احتواء مثل تلك التصريحات حتى لا تؤدي إلى إحداث توتر في العلاقات المصرية-المغربية. وفي هذا السياق، أجرى وزير الشباب والرياضة المصري أشرف صبحي، اتصالاً هاتفياً مع وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في المغرب، محمد سعد برادة، يوم 20 يناير 2026. وقالت وزارة الشباب والرياضة في مصر عبر حسابها على منصة فيسبوك، إن الوزيرين أكدا على "عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع بين مصر والمغرب، والتي تمتد عبر عقود طويلة من التعاون والتكامل في مختلف المجالات، وعلى رأسها المجالان الرياضي والشبابي".

وأوضحت وزارة الشباب والرياضة أن هذا الاتصال يأتي "في إطار التنسيق المشترك وحرص الجانبين على تهدئة الأجواء الرياضية بين الجماهير، والتأكيد على أن الرياضة تمثل جسراً للتقارب بين الشعوب وليست سبباً للخلاف وأن الرياضة قوة ناعمة فاعلة في توطيد العلاقات بين الشعوب ودعم مسارات التقارب والتعاون بين الدول الشقيقة". وشدد الوزيران على أن المنافسة الرياضية "يجب أن تظل في إطارها الحضاري القائم على الاحترام المتبادل والروح الرياضية". فيما أكد محمد سعد برادة تقدير المغرب لـ"العلاقات الاستراتيجية التي تجمعها بمصر، وحرص بلاده على دعم كل المبادرات التي تسهم في تعزيز الأخوة العربية ونشر القيم الإيجابية بين الشباب".

عوامل مُفسِّرة

ثمة مجموعة من العوامل المُفسِّرة لتكرار "التسييس" في المنافسات الخاصة بكرة القدم بين المنتخبات الوطنية العربية، على نحو ما توضحه النقاط التالية:

1- غلبة التفكير التآمري على تفسير الهزيمة للفرق الكروية العربية: تزايد اللجوء إلى نظرية المؤامرة من جانب الحكومات أو قطاعات واسعة من المجتمعات أو النخب السياسية والثقافية بل والفرق الرياضية في الإقليم كمدخل مُفسِّر لمعظم الأزمات أو المشكلات أو المهددات التي تواجهها، سواء داخلية أو خارجية، دون النظر إلى الأسباب التي دفعت إليها والظروف التي صنعتها. وعلى الرغم من أن هذا النمط من التفكير ليس وضعاً جديداً بل يظهر في توقيتات زمنية ترتبط بهزائم أو كوارث أو نكبات أو تحديات تعرضت لها بعض دول الإقليم، مما يستدعي البحث عن "الخارج" أو "الآخر"، الذي يبقى دوره منحصراً في الاختراق السياسي والاستنزاف الاقتصادي والغزو الثقافي والتدمير النفسي بل و"الإضعاف الرياضي".

ويهدف ذلك النمط من التفكير إلى الإزاحة عن المسئولية وإبعاد التقصير عن القدرات الداخلية وعلاقتها بأداء المنتخبات التي تتعثر في مواجهات كروية "حاسمة" في بعض البطولات القارية، وهو ما يتعارض مع قاعدة أساسية من قواعد الحياة عموماً، وهى أن العامل الخارجى لا يحدث تأثيره فى أى ظاهرة إلا فى حدود قابليتها للتأثر به. وفي هذا السياق، اعتبر المدرب حسام حسن في تصريحاته على خلفية الخروج من الدور قبل النهائي أن "العدالة غابت عن البطولة"، أي كأس الأمم الأفريقية الـ35، ملمحاً إلى وجود أطراف عملت على عدم وصول مصر إلى النهائي، على الرغم من أن تلك الأطراف المفترضة – حسب تصريحات المدير الفني – كانت موجودة في الوقت الذي انتزعت فيه مصر قمة مجموعتها وفازت على كل من بنين وكوت ديفوار في الأدوار الإقصائية.

2- استغلال تأثير "تجييش" النعرات الوطنية في المنافسات الرياضية الإقليمية: لم تكن الرياضة أو كرة القدم مجرد ألعاب للتنافس البشري بقدر ما هي تعبير عن الانتماء الوطني. فقبيل انطلاق كأس العالم في البرازيل عام 2014، قالت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف في خطاب جماهيري: "نحن أرض كرة القدم، نظراً لتتويجنا  بخمس بطولات لكأس العالم، وللشغف الذي يكرسه كل برازيلي لفريقه ولمنتخبنا الوطني ولأبطالنا. أصبح حب شعبنا لكرة القدم جزءاً من هويتنا الوطنية.. بالنسبة لنا، كرة القدم هي احتفال بالحياة"، وهي كلمات تلخص ببساطة العلاقة بين الرياضة والهوية الوطنية.

إذ يشير اتجاه رئيسي في الأدبيات إلى ارتباط الرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً بالهوية الوطنية أو قوى العصبية للوطن أو ما يسميه د. يحيي الرخاوي "الجوع إلى وطن". ويعتبر ذلك بمثابة حالة مجتمعية عامة، تحدث في غالبية البلاد العربية التي تدرك معنى ومغزى ما يسمى بالوطن. فعلى الرغم من أن الرياضة تتحول بمرور الزمن إلى أبعاد تجارية ومشروعات استثمارية، فإنها ما زالت – حتى الآن على الأقل- مجالاً للفخر الوطني. وما حدث في بطولة كأس العرب وبطولة الأمم الأفريقية الماضية، يعكس اهتماماً عربياً عاماً بمباريات كرة القدم، والتي تعد نوعاً من الظواهر الاجتماعية متكاملة الأركان.

إذ يظهر فيها سمات الشعب (مستوى التشجيع) وإتقان اللعبة (مهارات اللاعبين) وقدرات القيادة (إدارة المباراة من جانب الجهاز الفني على مدى تسعين دقيقة) وأهداف سلوكيات الأفراد والجماعات (تحقيق فريق المنتخب الفوز). وقد أدى التطور التكنولوجي والإرسال الهوائي بالأقمار الصناعية إلى إمكانية نقل المباريات الرياضية إلى مختلف أنحاء العالم في آنٍ واحد، مما وسّع من قاعدة الجماهير المهتمة بالمباريات. ولما كانت المباريات التي تنقلها الأقمار الصناعية هي في الأغلب تلك المباريات التي يخوضها الفريق الوطني لهذه الدولة أو تلك مع فرق عربية وأفريقية، فقد أصبحت الجماهير العربية أكثر وعياً بارتباط تلك المباريات بالكرامة الوطنية، وصارت شريحة من الجماهير في كثير من الأحيان "مسيسة".

3- تصاعد تأثير الإعلام العابر للحدود العربية خاصة في أوقات الأزمات: رغم أن التسييس المصاحب للمواجهات الكروية العربية كان سابقاً للتطور المذهل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال، لكن المسألة أخذت بعداً مضاعفاً مع توسع الفضائيات الرياضية لدرجة أن البعض يرى الصراعات الإقليمية تكاد تلقي بنفسها على المشاهدين، عبر ستوديوهات تحليل المباريات في تلك الفضائيات. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تزيد الأوضاع تعقيداً، حيث تُحوِّل الخلافات البسيطة إلى أزمات كبيرة، علاوة على أن كرة القدم في المنطقة العربية تعتمد في ممارستها، غالباً، على التدريب الفني بمعزل عن التأهيل النفسي والإعلامي، سواء للاعبين أو المدربين، وهو ما عكسته بصورة واضحة تصريحات المدرب المصري حسام حسن التي أوضحت خطورة تسييس النقد الرياضي على العلاقات العربية الثنائية.

4- تعزيز المكانة الإقليمية لبعض الدول العربية: تعد الرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً ظاهرة متعددة الأبعاد، وتجاوزت حدود الترفيه، وصارت أداة فاعلة لدى الدول لبناء القوة الناعمة بل باتت جزءاً من الديناميات الجيوسياسية، فيما يطلق عليه البعض "الجغرافيا السياسية للرياضة" (مثل كتاب باسكال بونيفاس) حيث يمثل الانتصار في البطولات العربية أو الأفريقية أو الآسيوية دافعاً لتعزيز المكانة وإبراز الخصوصية، ويضاف إلى أوضاع كثيرة اقتصادية واجتماعية وسياسية كلها تضع البلاد في مراكز متباينة في التقارير الدولية في هذا الشأن.

ووفقاً لما هو سائد في التيار الرئيسي في أدبيات العلاقات الدولية، إن الأصل في تقييم قوة الدول هو "اللقاءات الفعلية" أو الميدانية بينها على الأرض، على غرار ما يحدث في مباريات كرة القدم، حيث تسفر المباريات المتتالية عن نتائج محددة (فوز، تعادل، هزيمة)، ونقاط مختلفة تعبر عن وزن كل نتيجة. وتبعاً لذلك الاتجاه، فإن بطولة كأس العرب أو مسابقة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم أو مونديال كأس العالم (سينظم عام 2030 في المغرب بالاشتراك مع أسبانيا والبرتغال) تعد منافسة شاملة بين الدول وليس بين منتخباتها الرياضية بحكم ما تستحوذ عليه من اهتمام واسع النطاق حيث يشاهدها الملايين من سكان العالم.

5- استخدام المباريات الرياضية كأداة لتأكيد السياسة الخارجية: تستخدم الدول الألعاب الرياضية في بعض الأحيان كرمز لتأكيد تصميمها على إتباع سياسة خارجية معينة، وهو ما ينطبق على موقف ليبيا التي قاطعت طوال عقد الثمانينات من القرن الماضي، التي يتظمها الاتحاد الأفريقي لكرة القدم في القاهرة، وامتنعت عن اللعب مع الفرق الرياضية المصرية كتعبير عن احتجاجها على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وأعلنت ليبيا أنها تعتبر أن تلك المباريات مؤجلة إلى حين إلغاء المعاهدة.

6- توظيف الألعاب الرياضية لتحسين العلاقات بين الدول العربية: تستخدم الدول مشاركتها أو عدم مشاركتها في بعض الألعاب الرياضية كأداة لتحسين علاقتها السياسية والاقتصادية بدول أخرى، إذ انسحبت ليبيا، خلال حكم الرئيس السابق معمر القذافي، من تصفيات المجموعة الأولى للقارة الأفريقية لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 1989 أمام الجزائر كمكافأة للجزائر على مساندتها لليبيا ضد العدوان الأمريكي على ليبيا في أعقاب حادثة لوكيربي.

7- عدم الاستفادة من الخبرات التاريخية السابقة للمواجهات الكروية العربية: هناك تجارب سابقة تُعبِّر عن تكرار التسييس لأزمات ما بعد المباريات بين المنتخبات الوطنية العربية، وهو ما برز جلياً في المواجهة بين فريقي مصر والجزائر للتأهل لمونديال كأس العالم بجنوب أفريقيا 2010. ورغم أنها مباراة كرة قدم بين منتخبي بلدين، إلا أنها شملت أطرافاً أخرى. ووفقا لماً يسمى بنظرية الأوانى المستطرقة أو أثر النفاذية، فإن ازدياد التوتر بين مصر والجزائر انتقل من مشجعي البلدين ليتم استيعاب جانب منه في الأحزاب السياسية والمؤسسات الثقافية والدار الصحفية والنقابات المهنية والقنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية والشركات السياحية والهيئات الرياضية.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل صارت الأزمة عابرة للحدود العربية، حيث انتقلت إلى طرف ثالث، وهو السودان باعتبارها الدولة العربية المستضيفة للموقعة الفاصلة، وهو ما يوحي بأن الخلافات العربية البينية تتدحرج، وفقاً لنظرية "كرة الثلج". علاوة على ذلك، بدأت بعض الحركات والجماعات داخل الدول العربية تؤيد الفريق الذي يلائم توجهاتها، في للبنان شجع تيار 8 آذار الجزائر في حين أيد تيار 14 آذار مصر، وفي فلسطين شجعت حركة حماس الجزائر، في حين أيدت حركة فتح مصر. بل أخذت الأزمة مساراً تصعيدياً بعد استهداف المصالح الاقتصادية المصرية في الجزائر، ومن بينها مكتب مصر للطيران وشركة أوراسكوم تليكوم للاتصالات وشركة السويدي للكابلات وشركة المقاولون العرب للإنشاءات. وتم استدعاء سفيري البلدين للتشاور.

وتجدر الإشارة إلى أنه لم تكن تلك الأزمة هي الأولى من نوعها، حيث عرفت المواجهات الرياضية بينهما في العقود الخمس الأخيرة درجات مختلفة من العنف. فقد ألغيت مباراة مصر وليبيا في إطار دولة الألعاب الأفريقية التي نظمتها الجزائر في صيف 1978، نتيجة تشابك اللاعبين بالأيدي وتدخل عناصر من قوات الأمن الجزائرية ضد لاعبين مصريين، وهو ما دفع رئيس الحكومة المصرية حينذاك اللواء ممدوح سالم إلى سحب الفرق المصرية المشاركة في الدورة. كما برزت حوادث اعتداء من جانب الجمهور الجزائري على اللاعبين المصريين في استاد عنابة عام 2001 أثناء تصفيات كأس العالم 2002، وهو ما يوحي وكأن هناك أزمة هيكلية، تواجهها مصر، وإن كانت ليس مع الجزائر، وإنما مع إقليم المغرب العربي ككل.     

8- سيادة منطق الثنائيات في الفكر الاستراتيجي العربي: تنطلق بعض الكتابات العربية من أن جوهر كرة القدم يتشابه بل يتطابق مع جوهر السياسة، لأن كليهما قائم على المنافسة والصراع، وأن بطولة الكأس تشبه الصراع الصفري في السياسة Zero Sum Game، الذي يعني أن مكسب طرف يمثل خصماً من الطرف الآخر، وأن إدارة المباراة تشبه إدارة التفاعلات الإقليمية والعلاقات الدولية، أو حتى إدارة الحروب، التي تعتمد على دراسة نقاط قوة ومواطن ضعف الخصم قبل المعركة، ثم العمل على إضعاف تركيزه وشل حركته، وصولاً إلى هزيمته في نهاية المطاف. ولذلك، يميل المحللون والنقاد الرياضيون إلى استخدام تعبيرات حربية من قبيل "الهجوم" و"الدفاع" و"الاختراق" و"التصويب" و"غزو المرمى" لوصف المباريات الرياضية.

فصل المسارات

على ضوء ما سبق، يمكن القول إن الأبعاد السياسية قد تكون حاضرة، في بعض الأحيان، في مباريات كرة القدم بين المنتخبات العربية، ولكن قد يتم احتجاز تفاقمها في توقيتات زمنية أخرى، حيث التقى المنتخبان المصري والليبي ضمن دور المجموعات في البطولة الأولى لكأس العرب في الكويت عام 1962، في مرحلة كانت تشهد تباينات في التوجهات السياسية بين بعض الدول العربية، إذ كانت مصر في حقبة الرئيس جمال عبد الناصر، بينما كانت ليبيا الملكية تحت قيادة الملك إدريس السنوسي وانتهت المباراة بفوز المنتخب المصري بهدفين دون مقابل، في لقاء جرى في أجواء هادئة داخل الملعب والمدرجات، حيث حضرت جماهير من البلدين من دون تسجيل أي توترات تُذكر.

كما قدّمت بطولة كأس العرب التي أقيمت في الأردن 1988 مثالاً آخر على التداخل بين السياسة والرياضة. إذ التقى المنتخبان السوري والعراقي في مرحلة شهدت توتراً سياسياً واضحاً بين البلدين على خلفية التطورات الإقليمية آنذاك، وانقسام البعثين بين البعث السوري بقيادة حافظ الأسد، والبعث العراقي بقيادة صدام حسين. وانتهت المباراة بفوز المنتخب العراقي بهدفين مقابل هدف وهي نتيجة ساعدته على تصدر مجموعته ومواصلة طريقه نحو التتويج بلقب البطولة في نهايتها. وقد تناقلت الصحف الأردنية والعربية، هدوء المدرجات وغياب أي مظاهر توتر، على نحو عكس رغبة جماهيرية في الفصل بين الخلافات السياسية والمنافسة الرياضية، وهو ما تكرر في مواجهة الجزائر والمغرب في الدور ربع النهائي في كأس العرب في الدوحة 2021.

فالتداخل بين الأبعاد السياسية والمباريات الرياضية، وخاصة كرة القدم، سيظل حتمياً، وفقاً للورد كيلانين، رئيس اللجنة الدولية الأولمبية الأسبق، وستظل المسألة مرتبطة بمتغيرات عديدة تتمثل في توجهات القيادة السياسية لدى الدولتين المتنافسين في المسابقات الإقليمية، والإدارة الإعلامية للدولتين، والتأهيل النفسي والإعلامي للمدربين واللاعبين، وحدود التعامل الجماهيري مع نتائج المباريات. ومن ثم، من الصعوبة بمكان إعادة المفهوم الأصلي للألعاب الرياضية، ومنها كرة القدم، باعتبارها عملية رياضية بحتة أو حتى الإقلال من التداخل السابق الإشارة إليه.