سعيد عكاشة

خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

في 29 ديسمبر الماضي (2025)، نشر موقع الموساد رسالة بالفارسية على صفحته في تطبيق X موجهة إلى الشعب الإيراني جاء فيها: "اخرجوا إلى الشوارع معاً. لقد حان الوقت، نحن معكم، ليس فقط من مسافة بعيدة أو من خلال الكلمات. نحن أيضاً معكم على الأرض".

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يوجّه الموساد علانية رسالة تستهدف إيران، فبعد حرب الـ12 يوماً التي جرت بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى في يونيو الماضي، نشر مدير الموساد ديفيد بارنياع بياناً على صفحة الجهاز وصفته الصحف الإسرائيلية بـ"النادر"، قال فيه: "سنستمر في أن نكون هناك (يقصد في إيران)، كما كنا هناك من قبل".

أثار البيان الأول ارتباكاً بين المحللين حتى في إسرائيل نفسها، أكثر مما أثاره بيان برنياع. إذ لا يتسق منطقياً أن تكون إسرائيل راغبة في إسقاط النظام الإيراني، وتسمح في الوقت نفسه بصدور بيان من الموساد، يعفى النظام الإيراني من إثبات أن المتظاهرين ضده تقودهم الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما الدولتان اللتان تربت عدة أجيال في إيران على حرق أعلامهما والمناداة بالموت لكلتاهما في كل المناسبات الدينية والوطنية.

إن البحث عن تفسير لهذا التناقض المنطقي يمر عبر تفسير البيان بعدة افتراضات يمكن تناولها بالتفصيل على النحو التالي:

أولاً: فرضية اليقين بأن النظام سيسقط حتماً

قد يفسر البعض أن بيان الموساد قد جاء إثر تقدير من جانبه بأن النظام الإيراني لن يستطيع الصمود طويلاً، وأن على إسرائيل أن تخلق رابطاً ما بين سقوط النظام وبين دور إسرائيلي كبير في ذلك، خاصة وأن معظم المحللين الإسرائيليين قد أجمعوا على أن النظام الإيراني في أضعف حالاته ليس فقط بسبب الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية التي تعتمل في صفوف المجتمع الإيراني منذ سنوات طويلة، ولكن أيضاً لأن العجز الذي بدا عليه الجيش والحرس الثوري الإيرانيان في مواجهة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية في العام الماضي، قد أزال الأوهام التي روج لها النظام الإيراني حول مدى قوة إيران العسكرية مقابل هشاشة الدوله العبرية أمنياً ومجتمعياً مما أدى إلى إحباط اغلبية الإيرانيين ودفعهم  للثورة ضد النظام.

إن من شأن محاولة ربط إسرائيل بين السقوط المحتمل للنظام الإيراني وبين دورها في هذا التطور، حال حدوثه، يمكن أن يحقق لها الأهداف التالية:

1- التأكيد على مزاعمها، التي يرددها رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو دوماً، بأنها وحدها هي القادرة على تغيير المعادلات القائمة في الشرق الأوسط، في الوقت الذي عجزت فيه القوى الإقليمية الأخرى عن تحقيق نفس الهدف.

2- التأكيد على أن إسرائيل لن تسمح لأي قوى دولية أو إقليمية منافسة، بتكرار عملية "سرقة" الإنجازات التي حققتها هي بقوتها العسكرية والاستخباراتية، حيث يسود الاعتقاد في إسرائيل بأن تركيا قد نسبت الفضل لنفسها في إسقاط نظام بشار الأسد، وربحت من وراء ذلك نفوذاً إقليمياً ودولياً لا تستحقه، بينما الحقيقة أن الضربة العنيفة التي تلقتها إيران وحزب الله على يد إسرائيل كانت هي السبب الأبرز في سقوط هذا النظام بعد اضطرارهما لرفع الحماية عنه والتفرغ للمواجهة المباشرة مع إسرائيل.

3- إرسال إنذار مبكر للنظام الذي سيخلف النظام الحالي، بأن إسرائيل مثلما نجحت في الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية لن تعجز عن الإطاحة بخليفته إذا لم يقبل بتفكيك مشروعه النووي والصاروخي بشكل كامل.

ولكن حتى أكثر المتفائلين في إسرائيل بقرب سقوط النظام الإيراني والذين يطالبون بالتدخل الأمريكي أو الإسرائيلي أو كليهما معاً، لتسريع هذا الأمر، يبدون عجزاً واضحاً في الإجابة على العديد من التساؤلات مثل: ماذا يعنى تعبير "سقوط النظام الإيراني"؟، هل يوجد بديل جاهز لتسلم السلطة بعد سقوط هذا النظام؟، والأهم هل سيؤدي سقوط النظام إلى معالجة أهم قضية تهم إسرائيل وهي تفكيك المشروعين النووي والصاروخي لإيران؟

فيما يتعلق بسقوط النظام، يبدو معناه غير واضح لإسرائيل، وهو ما عبر عنه آفى كالو الرئيس السابق لقسم الأسرى والمفقودين في شعبة المخابرات الحربية الإسرائيلية، في مقال نشره بصحيفة يديعوت أحرونوت في 13 يناير الجاري بقوله: "حتى لو اهتز النظام، فهناك سيناريوهات أقل تفاؤلاً لا تزال ممكنة، وعلى رأسها سيطرة الحرس الثوري على الحكم، عبر فرض نوع من الحكم العسكري، بما يضمن تعميق قبضة التيار الديني المحافظ في قيادة الجمهورية الإسلامية".

 إن المعني الحقيقي لتعبير سقوط النظام، هو أن تسقط كل مؤسساته بما في ذلك الحرس الثوري، ولكن المحللين الإسرائيليين يبدون شكوكاً كبيرة في أن يحدث ذلك حتى في جولة قادمة من الاحتجاجات الحاشدة في إيران، وبالتالي لا تكفي فرضية يقين إسرائيل من سقوط  النظام الإيراني، لتفسير بيان الموساد السالف ذكره.

وبمعني أكثر وضوحاً، في ظل غياب بديل حقيقي لنظام خامنئي، بسبب ضعف المعارضة الخارجية، وعدم وجود قيادة للمعارضة في الداخل، فإن سقوط النظام الإيراني يمكن أن يُخلِّف فوضى عارمة في ايران ستكون تداعياتها أخطر على إسرائيل من بقائه، ولا يمكن للموساد أن يتجاهل هذا السيناريو الذي تتمثل خطورته في التالى:

1- المصير المجهول للمخزون النووي الإيراني والذي تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد الضربات التي تلقتها المنشآت النووية الإيرانية في العام الماضي، إلى أنه يبلغ أكثر من 440 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب بمستوى 60% وهو ما يسمح لإيران بالوصول إلى مرحلة إنتاج أسلحة نووية في غضون فترة قصيرة. وتخشى إسرائيل من وقوع هذا المخزون في أيادي آخرين إذا ما بادر النظام الإيراني، قبل سقوطه، إلى نقله لدول معادية لإسرائيل مثل تركيا.

2- حتى لو لم يتمكن النظام الإيراني من نقل هذا المخزون للخارج، فإن بقاء أماكن تخزينه داخل إيران مجهولة سيشكل قلقاً مستمراً لإسرائيل حتى يمكن العثور عليه، وثمة مخاوف أكبر من أن تتمكن منظمات إرهابية وجماعات الجريمة المنظمة – التي قد لا يصعب عليها تجنيد خبراء في الطاقة النووية – من الوصول إلى هذا المخزون واستغلاله لصالحها سواء بالاستخدام الفعلي له ضد إسرائيل، أو بيعه لدول تخشى إسرائيل من طموحاتها النووية مستقبلاً.

3- الهروب المحتمل لآلاف من العلماء والفنيين الإيرانيين الذين عملوا لسنوات طويلة في المشروع النووي إلى خارج البلاد حال سقوط النظام، مع احتمال وصول بعضهم إلى دول أخرى في الشرق الأوسط وتقديم خبراتهم لتلك الدول مقابل الحماية من المطاردات الإسرائيلية لهم.

لكل هذه الأسباب، يصعب تقبل فرضية أن الموساد عندما أصدر بيانه الذي يدعم الاحتجاجات في أيران كان راغباً حقاً في إسقاط النظام الإيراني، بل العكس هو الصحيح، فإسرائيل يمكنها أن تستمر في مطاردة المشروع النووي الإيراني مثلما فعلت في السابق، في ظل وجود منشآته تحت سيطرة سلطة حاكمة، حتى لو كان نظام خامنئي، خاصة بعد تضرر المشروع نتيجة الضربات الأمريكية – الإسرائيلية في العام الماضي، ولكن الأخطر بالنسبة لها (أي لإسرائيل) هو فقدانها القدرة على تتبع مسار اليورانيوم المخصب في حالة نشوب فوضى عارمة في إيران سواء بقى هذا المخزون داخل أراضيها أو تم نقله للخارج سراً.

ثانياً: فرضية الحرب النفسية

في 13 يناير الجاري، كتب يونا جيرمي بوب مراسل جريدة جيروساليم بوست للشئون العسكرية والاستخباراتية قائلاً: "لم يكن من الواضح ما إذا كان الموساد يكشف عن المزيد من اختراقاته لإيران لأنه يعتقد حقاً أنه يمكن أن يساعد الاحتجاجات الحالية في الإطاحة بالنظام، أو إذا كانت التصريحات جزءً من حرب نفسية أوسع وأطول أجلاً".

تبدو فرضية تفسير بيان الموساد بأنه لا يستهدف المساعدة في إسقاط النظام الإيراني، بل يعتبر مجرد جزء من الحرب النفسية التي تشنها إسرائيل ضد هذا النظام الحاكم وشعبه على حد سواء هي الفرضية الأكثر إقناعاً لسلوك الاستخبارات الإسرائيلية، إذ أنها تحقق الأهداف التالية بالنسبة لإسرائيل:

1- استمرار الضغط على النظام الإيراني بزرع الشكوك داخله بسبب ما احتواه بيان الموساد من مزاعم بأن رجاله لا يزالون متواجدون داخل إيران، على الرغم من الحملة الشديدة التي شنتها أجهزة الأمن الإيرانية في أعقاب حرب الـ12 يوماً بينها وبين إسرائيل في العام الماضي للكشف عن هؤلاء العملاء.

2- الإيحاء للشعب الإيراني بأن نظامه عاجز ليس فقط عن حمايته، بل إنه غير قادر على الدفاع عن نفسه، خاصة وأن الموساد أعلن على يد مديره ديفيد برنياع – كما ذكرنا من قبل – بأن الجهاز كان وسيظل حر الحركة في العمل داخل الأراضي الإيرانية، الأمر الذي كما مكنه في السابق من اغتيال عشرات من العلماء والقادة العسكريين الإيرانيين، فسوف يمكنه أيضاً من الاستمرار في سياسة الاغتيالات نفسها في الفترة المقبلة.

3- حتى لو تمكن النظام الإيراني من التصدي للتظاهرات الحاشدة بشكل سريع، سيبقى تجدد المواجهات قائماً في المستقبل القريب، طالما لم يستطع النظام تخفيض حدة الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية في المدى المنظور.

4- إن خوف النظام الإيراني من تجدد الاضطرابات في وقت قصير، قد يدفعه لتوجيه مزيد من الموارد لتخفيف الأزمة الاقتصاديه، وهو ما سيؤدي حتماً لتقليل مخصصات صناعة السلاح وإصلاح المنشآت النووية لاستئناف العمل فيها قريباً. وسواء اختار النظام الإبقاء على ميزانية التسليح الحالية، أو اتجه نحو تقليلها بشكل كبير من أجل تخفيف الأزمة الاقتصادية، فإن إسرائيل ستكون أكبر المستفيدين في الحالتين.

5- يمكن لإسرائيل استغلال فرصة انشغال النظام الإيراني بمحاولة استعادة توازنه، والتي من المحتمل أن تطول لعدة أشهر، في التخطيط لتنفيذ عملية جريئة داخل إيران – على غرار عملية الاستيلاء على أرشيف المشروع النووي الإيراني التي نفذها الموساد عام 2018- تستهدف الوصول إلى مواقع تخزين اليورانيوم المخصب ومحاولة تدميره أو نقله خارج إيران بمساعدة الولايات المتحدة.

خلاصة القول، مع تراجع حدة التظاهرات في إيران، وتقليص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتهديداته بتوجيه ضربة أخرى لإيران إذا ما استأنفت أنشطتها النووية، تبقى كافة الأمور مؤجلة، فلن تتوقف إسرائيل عن شن حروب الظل التي تجيدها ضد إيران، كما لم يسقط الرئيس ترامب الخيار العسكري من حساباته، في انتظار التداعيات المحتملة للأزمة الداخلية في إيران، التي قد تكون في صالح تجنب المواجهة العسكرية بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة مقابل تخلى إيران عن طموحها النووي والقبول بتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب لأى طرف ثالث يمكن الاتفاق عليه. ولكن إذا ما استمر الرفض الإيراني لذلك، فإن إسرائيل لن يكون أمامها إلا تفعيل خيار الدفاع الذاتي عن أمنها حتى لو لم تشاركها الولايات المتحدة في أي هجوم على ايران مستقبلاً.