صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

فى 22 ديسمبر 2025، وقعت عدة مواجهات مسلحة بين قوات الجيش السورى وبين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" فى مناطق التماس بينهما بمحافظة حلب. وفى 6 يناير 2026، تطورت هذه المواجهات لتشمل مناطق واسعة فى حى الأشرفية والشيخ مقصود، حيث تبادل الجانبان الاتهامات بشأن الطرف الذى بدأ باستخدام القوة العسكرية ضد الآخر، ما أسفر عن وقوع خسائر بشرية ونزوح جماعى للمدنيين من مناطق المواجهات المشتعلة، الأمر الذى عكس حالة الاحتقان المستمرة وانسداد أفق التفاوض بين الحكومة وبين قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، نتيجة لتأزم الوضع الأمنى بينهما نتيجة مماطلة "قسد" فى تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025 الذى كان مقرراً له دخول حيز التنفيذ أواخر عام 2025، والقاضى بدمج "قسد" ضمن قوات الجيش السورى وحصر ترسانتها من الأسلحة والذخيرة بيد المؤسسة العسكرية الرسمية.

تزامن التصعيد الثنائى مع لقاءات أمنية جمعت بين دمشق وأنقرة خلال زيارة وفد تركى مكون من وزير الخارجية والدفاع والاستخبارات لدمشق فى 22 ديسمبر 2025، وزيارة رئيس هيئة أركان الجيش السورى لأنقرة فى 30 من الشهر نفسه، ما فُسر على كونها اجتماعات تستهدف بحث تداعيات رفض تنفيذ "قسد" لاتفاق مارس 2025، خاصة بعد فشل آخر مفاوضات لتنفيذ القرار فى 4 يناير 2026.

ورغم تعدد دوافع التصعيد بين الجانبين فى الأشرفية والشيخ مقصود بمحافظة حلب وأهدافهما منه، إلا أن تطور الأوضاع والتصعيد العسكرى الذى شهدته كذلك منطقة دير حافر قد ألقى بظلاله على مستقبل العلاقة الأمنية بين دمشق وقوات "قسد"، وحمل العديد من الرسائل الضمنية المتبادلة بشأن اختبار القوة بينهما، ما استدعى تدخل قوى التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة - والتى تتمركز فى شرق الفرات - فى مناطق غرب الفرات للمرة الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد فى 8 ديسمبر 2024، بهدف تهدئة الأوضاع الأمنية بين الطرفين المتصارعين وممارسة ضغوط على كليهما لمنع مزيد من التصعيد فى المواجهات العسكرية بينهما.

وتزامن ذلك مع توقيع الرئيس السورى الانتقالى أحمد الشرع "مرسوماً رئاسياً" فى 16 يناير 2026، يعترف فيه بحقوق المكون الكردى الثقافية والتاريخية كمكون أصيل ضمن مكونات المجتمع السورى. ويعد هذا التطور – دخول قوات التحالف مناطق غرب الفرات وصدور مرسوم رسمى يعترف بحقوق الأكراد – متغيرات جديدة قد يكون لها تأثير على مسار التصعيد بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية مستقبلاً.

دوافع التصعيد فى حلب

تعددت أسباب التصعيد فى خطوط التماس بين مناطق انتشار القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" فى حلب التى تعتبر العاصمة الاقتصادية لسوريا؛ سواء فى الأشرفية أو فى الشيخ مقصود، وتشير بعض دوافع التصعيد إلى قراءة دمشق لمسار طويل من المماطلات التى أبدتها "قسد" تجاه تنفيذ اتفاق 10 مارس وتفاهماته الأمنية بشان دمج المؤسسات المدنية والعسكرية فى مناطق شمال شرقى سوريا ضمن إدارة الدولة، وإعادة فتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، لاسيما وأن "قسد" تشهد انقساماً بين فصائلها حيال تنفيذ الاتفاق؛ فثمة تيارات ترفض الاندماج داخل مؤسسة الجيش السورى ولديها رغبة فى تعطيل الاتفاق وهى نفسها التى تعطل تسليم المعابر والممرات والنقاط العسكرية إلى قوات الأمن الحكومية، بما قد يشير إلى غياب الإرادة السياسية لدى "قسد" تجاه خيارات الاندماج الشامل وطريقته وآلياته داخل المؤسسة العسكرية.

فى المقابل، ترى "قسد" أن عدم قبول دمشق لمطلبها بشأن الاندماج وفقاً لشروط محددة – الاندماج كهيئة وليس كفصائل أو أفراد – يعد تفكيكاً مباشراً لقدراتها العسكرية وتجريداً من "ميزتها النسبية" التى منحتها لها تطورات الأوضاع فى الشمال السورى خلال الفترة (2015-2017) وهى الفترة التى تكونت فيها "قسد" بفعل قوى التحالف الدولى والولايات المتحدة للمشاركة فى مهام محاربة تنظيم الدولة "داعش"، وشملت المزايا النسبية التى تخشى "قسد" فقدانها حال الاندماج فى الجيش السورى، الوضع السياسى والإدارى الذى تمتعت به مناطق سيطرتها فى شمال وشمال شرق سوريا حيث الإدارة الذاتية الكردية فى الحسكة والقامشلى والرقة، لأنها تدرك تماماً أن الاندماج يعنى انتهاء نمط "الإدارة الذاتية" لمناطقها السابقة، والذوبان ضمن الأطر السياسية والاجتماعية للدولة السورية. وجدير بالذكر أن ثمة مرونة واضحة أبدتها دمشق حيال آلية انضمام "قسد" للجيش السورى عبر تقسيمها إلى ثلاثة فصائل كبرى، وهو ما يعد تنازلاً حكومياً عن شرط الاندماج كمقاتلين فرادى، بل ومنحتهم حق التمركز فى مناطقهم المعتادة فى شرق الفرات ليست كهيئة عسكرية كاملة، وإنما كثلاثة فصائل مسلحة منفصلة.

ثمة قراءة أخرى تقول أن دمشق رصدت تعاوناً بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وبين فلول النظام السابق من العسكريين إلى جانب دعم إسرائيلى خفى، بما يعنى بروز مشروع التقسيم الذى تستحضره إسرائيل فى الجنوب السورى للاستنساخ فى الشمال السورى، فى الوقت الذى تسعى فيه الحكومة الانتقالية إلى إقرار مشروع "سوريا دولة واحدة وموحدة" والذى يتلاقى مع حالة التوافق الدولى والإقليمى بشأنها. ومن ثم فإن التعجيل – من وجهة نظر دمشق -  بحل "العقدة الكردية" – إن جاز التعبير – من شأنه إعطاء رسائل قوية للخارج بأن النظام الجديد فى سوريا قادر على الحفاظ على كيان الدولة من الانهيار، وأنه قادر على فرض سيطرته على أراضيه، ما يمكنه من الدخول فى مفاوضات قوية حيال الوضع فى الجنوب السورى خلال جولات جديدة قريبة؛ خاصة بعد الإعلان عن دخول الطرفين السورى والإسرائيلى جولة مفاوضات خامسة مطلع يناير الجارى لبحث ترتيبات أمنية مهمة فى الجنوب السورى.

وتجدر الإشارة إلى أن التعامل الأمنى من قبل الحكومة السورية مع أحداث حلب جاء مختلفاً إلى حد كبير عن المعالجات الأمنية السابقة فى الساحل والسويداء، لاسيما تأمين النازحين وتوفير ممرات آمنة لهم وتقديم المساعدات، مما عكس معالجة نوعية من قبل قوات الجيش وقوات الأمن الحكومية والتعامل بحرفية أمنية واضحة مع الأحداث فى الأشرفية والشيخ مقصود، فى الوقت الذى منعت "قسد" - وحسب الرواية الحكومية- خروج المدنيين من مناطق المواجهات كون وجودهم يمثل ورقة ضغط إنسانية فى يدها على النظام وصورته الذهنية أمام القوى الدولية والإقليمية.

التدخل الأمريكى فى دير الحافر وانعكاساته

تقع منطقة دير الحافر فى شرق مدينة حلب، وتعتبر منطقة مهمة كونها تقع غرب الفرات، وبالتالى فإن وجود "قسد" فى دير الحافر يعد جبهة قتال متقدمة عن مناطق تمركزها فى شرق الفرات، وجدير بالذكر أن انتقال "قسد" إلى دير الحافر جاء بعد خروجها من مناطق الأشرفية والشيخ مقصود تحت ضغط قوات الجيش السورى، مما جعلها منطقة ارتكاز مهمة فى ميزان المواجهات العسكرية بين الطرفين، وهو ما يفسر المطالبات العديدة التى أطلقتها القوات الحكومية بضرورة مغادرة قوات "قسد" المناطق الجديدة التى انتقلت إليها فى غرب الفرات والعودة إلى مناطق تواجدها شرقه. ولأن انتقال "قسد" إلى غرب الفرات يعد تهديداً مباشراً لمناطق انتشار قوات الجيش السورى الحكومية بعد دخولها التحالف الدولى لمحاربة الإرهاب، فقد رأت الولايات المتحدة أن تقدم "قسد" نحو غرب الفرات - مع احتمالية تجدد الصراع مع القوات الحكومية هناك - يعطى فرصاً محتملة أمام تنظيم الدولة "داعش" يمكن استغلالها فى إعادة انتشاره مجدداً، وبالتالى تدخلت الولايات المتحدة ضمن منظومة التحالف الدولى فى دير الحافر يوم 16 يناير 2026 بهدف الفصل بين قوات "قسد" والجيش السورى من ناحية، والعمل على بدء محادثات بين الجانبين لحثهما على خفض التصعيد بما يقلل من احتمالية المواجهة العسكرية الشاملة بينهما من ناحية ثانية، وتفويت الفرصة على تركيا لشن عملية عسكرية واسعة لاجتثاث "قسد" من ناحية ثالثة. ونتيجة لاختلال ميزان القوى بين الجيش السورى وبين قوات "قسد" فى دير الحافر غرب الفرات لصالح الجيش السورى، ونتيجة لضغوط الولايات المتحدة لإقرار تهدئة بين الجانبين، أعلنت "قسد" العودة إلى شرق الفرات صبيحة يوم 17 يناير 2026.   

فى السياق نفسه، توسط رئيس حكومة إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزانى لعقد لقاء بين المبعوث الأمريكى لسوريا توم براك مع مظلوم عبدى قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" فى أربيل يوم 17 يناير 2026، كما عقد براك لقاءً موازياً مع مسعود بارزانى زعيم الحزب الديمقراطى الكردستانى العراقى – المعروف بقربه من تركيا والأكراد السوريين - وهدفت تلك اللقاءات إلى بحث آليات تنفيذ اتفاق مارس الأمنى بين دمشق وقوات "قسد"، ومناقشة سبل تقويض حالة التصعيد المتزايدة بينهما، وجدير بالذكر أن حكومة الإقليم قد ثمنت المرسوم الرئاسى الذى أصدره الرئيس السورى أحمد الشرع بخصوص حقوق الأكراد السوريين، والذى اعتبرته مكسباً مهماً يجب البناء عليه مستقبلاً.

مرسوم الاعتراف بحقوق الأكراد ودلالاته

تزامن دخول قوات التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة إلى منطقة دير الحافر فى حلب مع إعلان الرئيس السورى أحمد الشرع فى 16 يناير 2026، عن مرسوم رئاسى يضمن الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد باعتبارهم "جزءً أساسياً وأصيلاً من الشعب السورى" و"أن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة". ورغم ردود الفعل الكردية التى قللت من أهمية المرسوم واعتبرته مجرد خطوة أولية فى مسار طويل من الاستحقاقات الكردية تجاه النظام الجديد فى سوريا، إلا أن "توقيت" إعلان المرسوم فُسر بكونه يستهدف أمرين: الأول، إبداء قدر من المرونة بالتزامن مع دخول الولايات المتحدة على خط خفض التصعيد بين الجيش السورى وبين قوات "قسد"، وفى الوقت نفسه توصيل رسالة داخلية للأكراد وخارجية للقوى الدولية التى كانت داعمة لها وهى الولايات المتحدة والتحالف الدولى بأن الحكومة السورية ليست بصدد محاربة المكون الكردى باعتباره "أقلية"، وإنما هى بصدد محاربة فصائل مسلحة تهدد الاستقرار والأمن الداخلى، ولا تلتزم بالاتفاق الأمنى الموقع بينها وبين الحكومة منذ مارس 2025. الثانى، محاولة القضاء على ذرائع قوات "قسد" التى تتخذ من عدم تنفيذ أحد البنود الواردة فى الاتفاق الأمنى المذكور - البند الخاص بالاعتراف الرسمى بحقوق الأقلية الكردية - ذريعة للتصعيد العسكرى فى مواجهة الحكومة؛ حيث نقل الشرع هذه الحقوق من مجرد كونها بنداً فى اتفاق مارس الأمنى، إلى كونها "مرسوماً رسمياً" له قوة القانون ويصبح العمل به ملزماً لجميع مؤسسات الدولة.  

ويحمل المرسوم اعترافاً بحقوق الأقلية الكردية من حيث خصوصية الهوية الثقافية واللغوية واعتبارها جزءً من الهوية الوطنية السورية، ويمنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصل كردى من المقيمين فى سوريا، كما أقر المرسوم "عيد النيروز" كعطلة رسمية فى الدولة، وبهذا المرسوم الرئاسى يكون الشرع قد كرس الاعتراف الرسمى بالمكون الكردى، مما قد يفتح الباب على مصراعيه أمام الأقليات الأخرى من التركمان والدروز وغيرهما للمطالبة بالمعاملة على أساس القاعدة نفسها، ما يعتبره البعض صورة أخرى من صور تشرذم الهوية الوطنية السورية الجامعة، وتفتيتها إلى هويات فرعية لمكونات عرقية ومذهبية قد يكون مدخلاً لصياغة دستور على أسس طائفية أو عرقية، بل يمكن القول أن ما تطمح إليه قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الكردية الذاتية يتجاوز حد الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، ليشمل المشاركة المباشرة فى عملية صنع القرار عبر تمثيل سياسى ممكن فى الحكومة السورية خلال المرحلة الانتقالية على سبيل المثال، والنص على تلك الحقوق عند صياغة الدستور الجديد، فضلاً عن إعادة تصدير فكرة "تقاسم الثروات" الخاصة بالشمال السورى، لاسيما النفط والغاز مع الحكومة المركزية فى دمشق، أو الوصول لما هو أبعد من ذلك بالنص دستورياً على الحق فى ممارسة نوع من العلاقة اللامركزية فى الحكم بين الأكراد والحكومة المركزية فى دمشق، وهو ما سيكون له صدى لدى الطائفة الدرزية فى الجنوب السورى أيضاً.

يمكن القول أن العلاقة الأمنية بين الحكومة السورية وبين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" لا تزال تعانى من تحديات صعبة تشكل عثرات كبيرة فى مسار تطبيق بنود اتفاق 10 مارس لعام 2025، انعكست بوضوح فى مواجهات حلب فى الأشرفية والشيخ مقصود ودير الحافر مطلع يناير 2026 الجارى، وإن كانت المعالجة الأمنية للقوات الحكومية بشأن المواجهات المسلحة مع "قسد" فى تلك المناطق عكست تطوراً نوعياً فى أداءها الأمنى من ناحية، كما عكست نمطاً نوعياً من الإدارة المرنة من قبل الحكومة لتلك التطورات من ناحية ثانية، وبدوره مثل إصدار الرئيس الشرع المرسوم الرئاسى الخاص بالاعتراف بالحقوق الثقافية للمكون الكردى قدراً من المرونة فى التعامل مع معضلة المكونات العرقية فى سوريا من ناحية ثالثة. ورغم ذلك، فإن العلاقة بين الجانبين - الحكومة وقوات "قسد" – لا تزال يكتنفها الغموض بصورة تشى بعدم قدرة الجانبين، فى المدى المنظور، على تجاوز الخلافات البنيوية المتعلقة بأهم بند من بنود اتفاق مارس وهو "ملف الدمج " الخاص بدمج المؤسسات العسكرية والسياسية والمدنية للإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، بل يبدو أن التباينات ستصل إلى حد مناقشة شكل الدولة السورية وطبيعة الحكم ودور المكونات ضمن النظام السياسى للدولة.

هذه التباينات العميقة فى الرؤى بين الحكومة السورية وقوات "قسد" تعيد الزخم لأهمية ومحورية دور العوامل المؤثرة من القوى الدولية والإقليمية على ساحة التفاعلات السياسية السورية الداخلية مجدداً، لاسيما تركيا والولايات المتحدة ؛ نظراً لدوريهما فى دعم المرحلة الانتقالية فى سوريا خلال السنوات الأربعة المقبلة.