تتناول هذه الدراسة الفكر الاستراتيجي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتأثير الناتج عنه فى السياسة الخارجية الروسية، من خلال مدخلين رئيسيين: أولًا، تحليل النسق العقيدي لبوتين باستخدام منهج (SNA) Şuay Nilhan Açıkalın الذي يأخذ في اعتباره الأبعاد المتكاملة للظاهرة الاجتماعية وتأثيراتها فى تكوين القيادة السياسية، ومن ثم صنع القرار الخارجي. وثانيًا، من خلال الإطار النظري المستند إلى طرح ميرشايمر وروساتو النقدي لمفهوم "العقلانية" في العلاقات الدولية، مستعرضين للخلل المنهجي والإصطلاحي لدى القيادات التنفيذية ومراكز الفكر في استخدام مصطلح "العقلانية" في السياسة الدولية، ما يؤدي إلى قصور في فهم تحركات بعض الفاعلين الدوليين، مثل فلاديمير بوتين.
تستعرض الدراسة السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى نشأ فيها بوتين، وتأثير النشأة والتعليم والهوية الدينية والرياضية والمهنية فى تكوين شخصيته، وصولًا إلى تحوله إلى رئيس الاتحاد الروسي. وتحلل الدراسة الخطابات السياسية لفلاديمير بوتين فى أثناء فترات مختلفة لحكمه، بالاستناد لخطابات مختلفة بين المقابلات الشخصية والبيانات الرسمية، وتستخلص من هذه الخطابات ملامح الفكر الاستراتيجي لبوتين الذي تكون لديه بعد خبرة طويلة في التعامل مع ظاهرة السياسة الخارجية، وتنظر في المنطق الكامن خلف هذا الفكر.
ثم تنتقل الدراسة إلى تحليل تأثير هذا الفكر فى السلوك الخارجي للسياسة الروسية من خلال الحالات التطبيقية في ثلاثة ملفات كبرى في سياسته الخارجية، بالإضافة إلى ثلاثة صراعات كبرى، هى: الحرب في جورجيا 2008، وضم القرم 2014، والحرب الروسية - الأوكرانية 2022. وقد ساعدت هذه الحالات التطبيقية الدراسة على فهم وتفسير بعض السلوكيات والتحركات الروسية في العلاقات الدولية، بالإضافة إلى تقييم الفكر الاستراتيجي الروسي لبوتين خارج حدود السياق الروسي، ومعرفة الحالات التي يكون فيها لمقولاته العامة فعالية كبيرة فى تحقيق الأهداف، والتحديات والقصور التي يواجهها في بعض الحالات الأخرى.
وتخلص الدراسة إلى أن قرارات بوتين، وإن اعتبرها البعض غير "عقلانية"، تعكس رؤية استراتيجية متماسكة تعبر عن تصور واضح للحياة والظاهرة الاجتماعية، ودوافع السلوك الاجتماعي، وطرق التعامل مع التهديدات والفرص في النظام الدولي. كما تقوم الدراسة بتوضيح الاستراتيجية الكبرى لبوتين التي يدور في فلكها، بدءا من وصوله إلى السلطة حتى مفاوضاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2025. وقد برز ذلك في ملفات رئيسية، مثل أوراسيا، والشرق الأوسط، وأفريقيا، إلى جانب العلاقة المتشابكة مع الصين.
ففي أوراسيا، يرى بوتين أن هذا الفضاء يمثل الامتداد الطبيعي للهوية الروسية ويعدّه الخط الدفاعي الأول ضد الغرب. لذلك، دعم إنشاء منظمات، مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وشن تدخلات عسكرية في جورجيا والقرم وأوكرانيا لحماية «الوجود الروسي». أما في الشرق الأوسط وأفريقيا، فقد وظف مزيجًا من القوة والدبلوماسية لتعزيز الحضور الروسي باعتبارها قوة عظمى في الشرق الأوسط. وفي علاقاته مع الصين، تبنى بوتين نهج «الشراكة الحذرة» لضمان إحداث توازن مع قوة اقتصادية صاعدة، مع السعي للحفاظ على استقلال موسكو في المشروع الأوراسي. كما أسهمت أزمات كبرى، مثل حروب جورجيا، والقرم، وأوكرانيا، في صياغة هذا الفكر وتطويره عبر اختباراته الواقعية.
كما توضح الدراسة خطوات التفكير الاستراتيجي لدى بوتين في تحقيق الأهداف على الساحة الدولية، بدءًا من القيم المركزية لديه، وهي الاستقرار والقدرة على التنبؤ، مرورًا بآليات التعامل مع الدرجة العالية من التعقيد التي يتسم بها الواقع، وصولًا إلى الحالات التي يجب فيها اللجوء إلى الصراع. أيضًا، تعرض الدراسة تصور بوتين لمستقبل النظام الدولي بوصفه نظامًا عالميًا متعدد الأقطاب يقوم على التعددية الحضارية واحترام السيادة الوطنية، وتناغم الأصوات لا مراكز الهيمنة؛ إيمانا منه أن من أهم أدوات تحقيق الأهداف الخارجية المساهمة في تشكيل رؤى المستقبل، فيدعو إلى تكثيف التفاعلات غير المسيسة، إذ تعد التفاعلات المسيسة آفة الواقع الدولي اليوم.
يتم توضيح رأي بوتين في العلاقة بين الخصوصية والعالمية التي يرى أنهما لا يتعارضان، بل إن إدراك التنوع الحضاري هو أساس الوحدة العالمية، وهو يؤكد على معيارين: لا نموذج يُفرض على الجميع، ولا قانون يصلح للأبد. فالعالم ديناميكي، وإغفال ذلك أدى لأزمة في القانون الدولي. ولمراعاة التعقيد الذي تتسم به الظاهرة السياسية يحذر بوتين من التبسيط في فهم الواقع الدولي، ويشدد على ضرورة إشراك جميع الأطراف في وضع وتنفيذ القواعد الدولية لضمان العدالة والاستدامة، منتقدًا آلية الفيتو التي أصبحت وسيلة لعرقلة الحلول وفرض المصالح. ويقترح تطوير آليات تعزز القرارات الجماعية بمشاركة الجهات الفاعلة الحقيقية، لأن أمنها وازدهارها مرهونان بحل القضايا.
وتعرض الدراسة نهج بوتين في مخاطبة الأوروبيين (صديق العدو) لتفكيك -ما يراه- وهمًا أمريكيًا حول الخطر الروسي على أوروبا، ويرفض منطق التكتلات العسكرية، ويقدم رؤية أمنية تقوم على التعاون والتكامل، حيث إن أمن أحد الأطراف يعزز أمن الجميع، ويدعو إلى فهم شامل للأمن يشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والروحية والرقمية. كما يرى أن غياب العدالة والتنمية الحقيقية يؤدي إلى تزايد التوترات وتدفقات الهجرة وإذكاء الصراعات، ويشدد على حق الشعوب في التنمية وضرورة إزالة العوائق المصطنعة ذات الدوافع السياسية. ويؤكد بوتين أن المساواة في السيادة شرط لاستدامة النظام العالمي، رغم التفاوت في القدرات، فلا يدعو إلى مساواة مطلقة، وإنما إلى حرية تقرير المصير من دون تدخل، ويطرح مفهومًا جديدًا للقوة يقوم على الجدارة لا الهيمنة.
ورغم أهمية طرح بوتين وقدرته التفسيرية الكبيرة على فهم آليات عمل النظام الدولي وتناقضاته، وكيف يمكن استغلال هذه التناقضات لتحقيق الأهداف الدولية، إلا أن أطروحته للنظام العالمي البديل عن النظام الحالي مازالت تفتقر إلى محفزات أساسية وتحديات يجب التغلب عليها على المستويين: التنظيري للفكرة والسلوك الدولي. تدور هذه التحديات حول جاذبية نموذجه وأطروحته للنظام العالمي الجديد، فهذه الأطروحة رغم قدرة بوتين على شرحها وبيان جوانبها النظرية، بل وحتى في تفاعلاته الدولية الناشئة عنها مازالت تفتقر إلى جاذبية النموذج التي تدعو الدول الأخرى إلى تبنيه، ولعل هذا يرجع إلى الصعوبات التي ستتكبدها الدول في سبيل بناء نموذجها الحضاري/ السيادي بعيدًا عن النموذج الغربي، سواء على المستويين الاقتصادي أو السياسي، والتداعيات التي قد تنتج عن تبني الدول للنموذج الحضاري وآلية اتفاقها على شكله وطريقة تنفيذه.