د. محمد عباس ناجي

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

لم تكن الاحتجاجات التي شهدتها إيران بداية من 28 ديسمبر 2025، واستمرت نحو ثلاثة أسابيع، هى الأولى من نوعها، بل يمكن القول إن الاحتجاجات أصبحت رقماً مهماً في التفاعلات التي تجري على الساحة الداخلية الإيرانية لأسباب عديدة. ومع ذلك، فإن هذه الاحتجاجات الأخيرة اتسمت بخصائص عديدة أضفت عليها نوعاً من الخصوصية والتفردية عند مقارنتها بما سبقها من احتجاجات.

أهم هذه السمات أنها ارتبطت بتدخل خارجي سافر من جانب الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إضافة إلى إسرائيل، تضمن تهديدات مباشرة بتوجيه ضربات عسكرية ضد إيران، التي ردت بدورها بتوجيه تهديدات بالرد المضاد على القواعد والمصالح الأمريكية وإسرائيل.

تراجعت حدة الأزمة، لكنها ما زالت قائمة وقد تتجدد مرة أخرى لأن مُحفِّزاتها باقية. وربما يمكن القول إنها وفرت دروساً ووجهت رسائل لـ"من يهمه الأمر" داخل إيران وخارجها، ترتبط بالأجندة التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على المنطقة، وبالتغير المفاجئ في السياسات الأمريكية وما يمكن أن ينتجه من تداعيات على الأرض.

وتتمثل أهم هذه الرسائل والدروس في:

1- محاولة توفير بديل لنظام الحكم: نجحت السلطات الإيرانية في احتواء كل الاحتجاجات السابقة، وكان آخرها الاحتجاجات التي اندلعت في سبتمبر 2022 عقب وفاة الفتاة الكردية العشرينية مهسا اميني بعد احتجازها من قبل شرطة الأخلاق على خلفية اتهامها بمخالفة قواعد ارتداء الحجاب. وثمة أسباب عديدة يمكن من خلالها تفسير ذلك. لكن أحد أهم هذه الأسباب هو أن تلك الاحتجاجات افتقدت للقيادة التي يمكن أن تمثل نداً للنظام الحاكم ومصدر تهديد لبقاءه في السلطة.

ربما مثّلت احتجاجات عام 2009 استثناءً في هذا الصدد، حيث كانت لها قيادة ممثلة في رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي ورئيس مجلس الشورى الأسبق مهدي كروبي، لكنها احتجاجات لم تكن تهدف إلى إسقاط النظام بل انطلقت من جانب قيادات كانت جزءاً منه في الأساس وكانت تعترض على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في هذا العام وتنافست فيها. فضلاً عن أنها لم تحظ بدعم خارجي واضح ومباشر.

هنا، كان لافتاً في الاحتجاجات الأخيرة أنها تضمنت محاولات خارجية – إسرائيلية تحديداً - لتوفير قيادة بديلة تمثل نداً للنظام. ظهر نجل الشاه السابق رضا بهلوي – الذي سبق أن التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزار حائط البراق - على شاشات التلفزيون وعبر مواقع التواصل الاجتماعي ليوجه رسائل تدعو المحتجين إلى الاستمرار في الشارع، وتوعدهم بـ"الجنة" التي سيعيشون فيها بعد إسقاط النظام. ووصل الأمر إلى حد أنه أصبح مثار أسئلة توجه للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان حريصاً، بشكل لافت للنظر، على عدم تقديم دعم سياسي مباشر له، رغم إثنائه على بعض سماته الشخصية.

وبعد أن أدرك أن حدّة الأزمة تراجعت على المستويين الداخلي والخارجي، بدأ بهلوي – عبر حسابه على موقع "اكس" - في توجيه رسائل مباشرة بأنه في حالة عودته إلى الحكم بعد 47 عاماً من إسقاط نظام والده، سوف يبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل ويعيد تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة ويوقف برنامج إيران النووي.

هذا التوجه الأمريكي-الإسرائيلي يطرح دلالتين: الأولى، أن الولايات المتحدة ليست لديها خطة واضحة المعالم لما بعد سقوط النظام الإيراني الحالي، أو ما يمكن تسميته بـ"إيران اليوم التالي"، وهو متغير ربما يكون قد ساهم – إلى جانب أسباب أخرى - في تراجعها في الأخير عن توجيه الضربة العسكرية. والثانية، أن إسرائيل لن تتوانى عن محاولة إكمال ما تفتقده الاحتجاجات الإيرانية لكى تتحول إلى مصدر تهديد حقيقي لنظام الحكم. صحيح أنها فشلت، مؤقتاً، في ذلك، بعد أن بدا واضحاً أن محاولة "تعويم" بهلوي لم تلق استجابة واضحة. لكن الصحيح أيضاً أنها قد تحاول مرة أخرى - سواء في إيران أو في غيرها - عبر التواصل مع أطراف مُعارِضة لنظام الحكم ومحاولة تقديم "دعم مشروط" لها، بما يعني تهيئة نظام بديل يصل إلى الحكم ويتوافق معها في سياساته.

2- الارتدادات العكسية للتدخل الخارجي: قد لا يكون من باب المغامرة القول بأن التدخل الخارجي في الاحتجاجات خدم النظام في النهاية. صحيح أنه كانت هناك محاولات لإثارة الفوضى - يبدو أنها كانت بدعم خارجي بدليل أن الاحتجاجات السابقة لم تشهد عمليات التخريب التي جرت في الاحتجاجات الأخيرة -. لكن الصحيح أيضاً أن التصريحات والدعوات المتكررة للرئيس الأمريكي للمحتجين بالاستمرار في الاحتجاج حتى إسقاط النظام لم تلق استجابة واضحة، بل إن الاحتجاجات تراجعت بعدها بشكل واضح.

من دون شك، كان للنهج الأمني الذي اتبعه النظام تأثير على الأرض. لكن قد لا يشكل ذلك الصورة بكاملها. إذ لا يمكن استبعاد أن يكون قسم من المحتجين قد ترك الشارع لكى لا يخدم الهجوم الأمريكي المفترض، والأجندة الإسرائيلية الواضحة. وهنا، فإن ذلك معناه أن قسماً من الشارع الإيراني أثبت مرة أخرى أنه رغم معارضته لنهج النظام، لن يؤيد التحركات الخارجية لإسقاطه، وهو ما بدا واضحاً خلال حرب الإثنى عشر يوماً، عندما التف الشارع حول القيادة الإيرانية رغم معارضة قسم منه للسياسة التي تتبعها على المستويين الداخلي والخارجي.

3- ضرورة تبني مبادرة التغيير: كشفت الأزمة الأخيرة التي واجهها النظام في إيران أن التغيير على مستوى السياسات أصبح ضرورة مُلِحَّة. صحيح أن الأزمة تراجعت، لكنها قد تتجدد مرة أخرى، بفعل بقاء مُحفِّزاتها الحقيقية، فضلاً عن أن إسرائيل لن توفر فرصة لتأجيجها من جديد، إلى جانب أن التراجع الأمريكي عن توجيه الضربة العسكرية قد يكون مشروطاً أو مؤقتاً في ضوء التغير السريع في مواقف ترامب. وهنا، فإن هذا التغيير بات مطلوباً على المستويين الداخلي والخارجي.

وقد بدأت دعوات إيرانية عديدة تظهر في هذا السياق. فعلى سبيل المثال، كان هناك اقتراح لافت من الخبير الاقتصادي الإيراني سعيد ليلاز، في مقابلة مع موقع "يورنيوز فارسي"، يوم 3 يناير الجاري، قال فيها أنه من الضروري البحث عن شخصية قيادية "بونابرت إيراني" يقود عملية التغيير لإنقاذ إيران وتجاوز الاختبارات الصعبة التي يمكن أن تواجهها في حالة ما إذا أصر النظام على مواصلة السياسة نفسها.

فقد كان للاحتجاجات التي شهدتها إيران أسبابها الداخلية الواضحة، ممثلة في تفاقم الضغوط التي تفرضها الأزمة الاقتصادية على المواطنين، بما يعني أنه لا يمكن حصرها في نطاق وصفها بأنها مخطط خارجي لتقويض دعائم النظام ونشر الفوضى داخل إيران، على غرار السردية التي تبنتها السلطات وهى سردية لا تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض. وكانت مشاركة طبقة التجار (البازار) – الحليف التقليدي للنظام - فيها واضحة ودليلاً على أن هناك عوامل داخلية لا يمكن تجاهلها يمكن أن تؤدي إلى تجدد الأزمة مرة أخرى.

هنا، فإن عزوف النظام عن تبني مبادرة التغيير على المستويين الداخلي والخارجي يمكن أن يكون هو السبب القادم لتأجيج الأزمة مرة أخرى، وربما بشكل أكثر تأثيراً مما حدث على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية.

والأخطر من ذلك أن التراجع الأمريكي عن توجيه الضربة العسكرية قد يمنح النظام "ثقة زائفة" بنجاح مقاربته في التعامل مع الاحتجاجات والضغوط الخارجية التي رافقتها في آن واحد، على نحو قد يدفعه إلى المضي قدماً في النهج الحالي. وربما يكون ذلك هو "الفخ" الذي قد يقع فيه، والذي قد تكون كُلفته أفدح من تلك التي كان من الممكن دفعها في حالة نشوب مواجهة عسكرية مباشرة.

4- دلالات مواقف القوى الإقليمية: لم تكن القوى الإقليمية الرئيسية في المنطقة، مثل مصر ودول مجلس التعاون الخليجي وتركيا، بعيدة عن ما يجري على الساحة. وقد توافقت على أن التدخل العسكري الأمريكي المباشر، ومن ثم اندلاع حرب جديدة قد تكون واسعة النطاق مقارنة بما جرى في يونيو 2025، يمثل خطراً كبيراً على المنطقة، التي لا تبدو في حاجة إلى مزيد من الأزمات.

وقد بذلت تلك القوى جهوداً ووجهت رسائل إلى طرفى الأزمة بضرورة تبني نهج تهدوي يساعد في تجنب اندلاع حرب جديدة ويعزز فرص الوصول إلى حلول وسط يمكن أن توفر على المنطقة مواجهة عواقب سلبية خطيرة تضاف إلى ما تعانيه من تراكمات الأزمات والحروب القائمة. وحسب ما نشر من تقارير، فإن هذه الجهود كان لها دور في نزع فتيل الأزمة، مؤقتاً.

هنا، فإن على إيران أن تمعن النظر في تلك المواقف وتعيد صياغة سياستها إزاء تلك القوى بناءً عليها، خاصة أن تلك المواقف تطرح دلالات مهمة، تتمثل في أن هذه القوى ترى أن اندلاع حرب جديدة يمكن أن يفرض عواقب وخيمة ليس على إيران فحسب بل على المنطقة برمتها، ويخدم في الأساس أجندة إسرائيل التي تسعى لفرض رؤيتها وتكريس أمر واقع جديد على مستوى المنطقة، وهو هدف فشلت في تحقيقه سابقاً لكنها لن تتوانى عن المحاولة من جديد.

ختاماً، يمكن القول في النهاية إن إيران بعد هذه الأزمة قد لا تكون كما كانت قبلها. لكن ما سوف يحكم ذلك هو سياسات النظام الذي ألقى تراجع الأزمة الكرة في ملعبه، فإما أن يستغل الفرصة ويستوعب الدروس، وإما أن يواصل نهجه الحالي ويغامر مرة أخرى بمواجهة ما هو أصعب.