تجاوزت وسائل التواصل الاجتماعي في إيران دورها التقليدي كأدوات للتواصل والترفيه، لتصبح فضاءات فاعلة لإعادة تشكيل الرأي العام، وتحدي القيود الاجتماعية والسياسية التي تفرضها الدولة. فعلى الرغم من القيود المستمرة على الوصول إلى الإنترنت، بما في ذلك حجب المواقع العالمية واستبدالها بمنصات محلية، وانقطاع الشبكة جزئيًا أو كليًا خلال كل موجة احتجاجية كبيرة، تمكنت هذه الوسائل من البقاء كأداة فعالة للتواصل الشعبي. على سبيل المثال، عززت الحكومة سيطرتها على المشهد الإعلامي التقليدي وزادت القيود بشكل ملحوظ بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009، التي أعقبتها احتجاجات الحركة الخضراء، إذ لجأت السلطات إلى إبطاء أو تشويه سرعة الإنترنت وعرقلة الوصول إلى منصات مثل تويتر وفيسبوك، في محاولة للحد من انتشار المعلومات والتنسيق الجماهيري.
وفي عام 2019، خلال الاحتجاجات التي اندلعت عقب رفع أسعار الوقود، قطعت السلطات الإنترنت شبه كاملًا لعدة أيام، ما عزل البلاد رقميًا في محاولة للحد من توثيق الأحداث وكبح نشر المعلومات عن حجم القمع داخليًا وخارجيًا. ولاحقًا، لوحظت نفس السياسات في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في العامين 2022 و2023 التي أعقبت وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق على خلفية اتهامها بانتهاك قواعد اللباس المفروضة على النساء، حيث استخدمت الحكومة انقطاعات جزئية أو كاملة للإنترنت، أو تباطؤ شديد في الشبكة، كأداة للسيطرة المعلوماتية.
إلا أنه رغم هذه الإجراءات الرقابية المشددة، استمر الإيرانيون في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن مطالبهم السياسية والاجتماعية، وتوحيد خطابهم الرقمي، متجاوزين الانقسامات الإثنية والسياسية داخل المجتمع. وقد ساهم هذا الوجود الرقمي في تعزيز الوعي الجماعي، وتحويل الفضاء الرقمي إلى أداة مقاومة وفضاء سياسي فعّال يمتد تأثيره إلى الداخل والخارج، مما يعكس قدرة المجتمع على الصمود والتعبير في مواجهة القيود الحكومية المستمرة.
وسائل التواصل الاجتماعي ليست أدوات محايدة
ينطلق تحليل دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام من فرضية مركزية مفادها أن وسائل الاتصال ليست أدوات محايدة، بل قوى بنيوية تعيد تشكيل الوعي الاجتماعي وأنماط التفاعل والسلطة. وتعد هذه الفرضية نقطة الالتقاء بين مختلف المقاربات النظرية التي تشكل هذا الإطار. ويمثل إسهام هارولد إينيس نقطة البداية في هذا الإطار، فقد ركز إينيس على تأثير طبيعة وسائل الاتصال على تنظيم المجتمع، موضحًا أن وسائل مثل الكتابة الهيروغليفية، رغم ثباتها وديمومتها، محدودة الانتشار ولا تتيح تواصلًا واسع النطاق بين البيئات الاجتماعية المتباعدة، ما يقيد اتساع المجتمعات التي تعتمد عليها. وبهذا المعنى، فإن اتساع المجتمع أو انغلاقه لا ينفصل عن الوسائط السائدة داخله.[1] تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند الانتقال إلى دراسة المجتمعات ذات البنى السياسية المقيدة، مثل إيران، حيث يصبح للتحكم في الوسائط دور مباشر في ضبط المجال العام ومنع اتساع دوائر التفاعل الاجتماعي خارج الإطار الرسمي.
طور مارشال ماكلوهان هذه الأفكار لتطبيقها على وسائل الإعلام في المجتمعات الصناعية الحديثة، مؤكدًا أن "الوسيلة هي الرسالة"، أي أن طبيعة الوسيلة الإعلامية تؤثر في بنية المجتمع أكثر من محتواها. فالتلفاز، على سبيل المثال، وسيلة بصرية إلكترونية تختلف تمامًا عن الكتاب المطبوع، ويغير تجربة الحياة اليومية للمجتمع ويجعل نقل الأخبار العالمية ممكنًا فورًا لملايين الناس، ما يحول العالم إلى "قرية كونية" يشارك فيها الناس متابعة الأحداث لحظة بلحظة.[2]
ومع تطور الوسائط الإلكترونية، لم يعد الاتصال مقيدًا بالجغرافيا، بل أصبح فوريًا وعابرًا للحدود، ما أدى إلى نشوء أنماط جديدة من الإدراك الجمعي. ويمثل هذا التحول التكنولوجي التمهيد النظري لفهم البيئة الرقمية المعاصرة، حيث تعيد وسائل التواصل الاجتماعي إنتاج مفهوم "القرية الكونية" على نطاق أوسع، وهو ما يضع إيران أمام تحدٍ مزدوج: انفتاح اتصالي لا يمكن احتواؤه بالكامل، وسعي سياسي دائم للضبط والسيطرة.
في سياق متصل، طرح آلفين توفلر تصورًا استشرافيًا لدور التكنولوجيا في تشكيل حياة الإنسان، مؤكدًا أن التكنولوجيا لا تقتصر على كونها وسيلة مساعدة في الحياة اليومية، بل تمثل قوة محركة لإحداث تحولات عميقة وشاملة جميع جوانب الحياة. وأوضح توفلر أن العالم يشهد انتقالًا تاريخيًا من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات، وهو انتقال يفرض على الأفراد والمجتمعات تحديات جديدة في القدرة على التكيف، أطلق عليها مفهوم "صدمة المستقبل". كما نبه إلى الآثار المحتملة للتقدم التكنولوجي على سوق العمل، محذرًا من تراجع الوظائف التقليدية نتيجة تصاعد دور الآلات والتقنيات المتقدمة، وهي رؤية استباقية بدأت ملامحها تتجسد اليوم مع الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي والأتمتة في العديد من القطاعات.[3] وتتجلى "صدمة المستقبل" التي تحدث عنها توفلر بوضوح في المجتمعات التي تشهد تحديثًا تكنولوجيًا دون انفتاح سياسي موازي، كما في الحالة الإيرانية، حيث تخلق الوسائط الرقمية وعيًا جديدًا لا يجد تمثيلًا مؤسسيًا داخل النظام السياسي.
في ظل هذا التحول، تبرز "نظرية وضع الأجندة" (Agenda-Setting Theory) بوصفها آلية تفسيرية لكيفية انتقال التأثير من الوسيلة إلى الرأي العام. فإذا كانت الوسائط الرقمية قد أعادت تشكيل الوعي، فإنها في الوقت نفسه أعادت توزيع سلطة تحديد القضايا ذات الأولوية. ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الأجندة تصاغ من أعلى إلى أسفل فقط، بل أصبحت نتاج تفاعل معقد بين الإعلام، والجمهور، والفاعلين الرقميين. غير أن هذه اللامركزية لا تعني بالضرورة تحرر المجال العام، إذ تفرز ظواهر مثل الاستقطاب، وغرف الصدى، وانتشار المعلومات المضللة، وهي ظواهر تتضاعف حدتها في البيئات الخاضعة للرقابة السياسية.
يقود هذا التفاعل بين الوسائط، والوعي، والأجندة إلى إعادة تشكيل المجال العام في صورته الرقمية. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تعمل فقط كمنصات للتعبير، بل كأدوات للحشد، وبناء الهوية الجماعية، وتحدي السرديات الرسمية.[4] وفي السياق الإيراني، يظهر المجال العام الرقمي بوصفه ساحة صراع مفتوحة بين فاعلين متعارضين: جمهور يسعى إلى كسر القيود المفروضة على التعبير، وسلطة تستخدم الرقابة، والمنصات البديلة، والملاحقة القانونية لإعادة ضبط الفضاء الاتصالي.
استراتيجية إيران في ضبط الفضاء الرقمي
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان إيران بلغ نحو 92.6 مليون نسمة في أكتوبر 2025. كما توضح البيانات أن البلاد شهدت نموًا سكانيًا ملحوظًا خلال الفترة الممتدة بين نهاية عام 2024 ونهاية عام 2025، حيث ارتفع عدد السكان بنحو 822 ألف نسمة، أي بنسبة 0.9%. وعلى صعيد التوزيع الجغرافي، تظهر الإحصاءات أنه بحلول أواخر عام 2025 كان ما يقرب من 78.2% من سكان إيران يقيمون في المناطق الحضرية، مقابل 21.8% في المناطق الريفية، وهو ما يعكس استمرار الاتجاه نحو التمدن. أما من حيث التركيبة السكانية بحسب النوع الاجتماعي، فقد شكلت الإناث 49.2% من إجمالي السكان، في حين بلغت نسبة الذكور 50.8% خلال الفترة نفسها، ويوضح الشكل يوضح التركيبة العمرية للسكان بنهاية عام 2025:
شكل رقم (1) التركيبة العمرية لسكان إيران في نهاية عام 2025
الشكل من إعداد الباحثة بالاعتماد على بيانات datareportal
https://datareportal.com/reports/digital-2026-iran
تظهر البيانات السابقة أن فئة الشباب تعد الشريحة السكانية الأكبر عددًا في إيران، وهي فئة تعتمد بشكل شبه كامل على الإنترنت بوصفه المصدر الرئيسي للحصول على المعلومات. وفي هذا الإطار، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في إيران نحو 73.8 مليون مستخدم بنهاية عام 2025، لترتفع نسبة انتشار الإنترنت إلى 79.6% من إجمالي عدد السكان. وبالمثل، وصل عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى قرابة 48.0 مليون مستخدم في أكتوبر 2025، وهو ما يعادل 51.8% من إجمالي السكان.
كما تشير تحليلات مؤسسة Kepios إلى أن قاعدة مستخدمي الإنترنت في إيران شهدت نموًا محدودًا خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2024 إلى أكتوبر 2025، إذ ارتفع عدد المستخدمين بنحو 655 ألف مستخدم فقط، بما يمثل زيادة نسبتها 0.9%. ورغم هذا الارتفاع الطفيف، تكشف البيانات عن استمرار فجوة رقمية ملحوظة؛ حيث تقدر أعداد غير المتصلين بالإنترنت بنحو 18.9 مليون شخص بنهاية عام 2025، أي ما يقارب 20.4% من إجمالي السكان ظلوا خارج نطاق الاتصال بالشبكة.[5] يعزى استمرار الفجوة الرقمية في إيران إلى مجموعة من العوامل يمكن إيضاحها في التالي:
1- حجب المجتمع عن البرمجيات العالمية: على الرغم من تمتع البلاد بمستويات مرتفعة من المعرفة التقنية وانتشار واسع للهواتف الذكية وخدمات الإنترنت، فإنها تصنف ضمن الدول الأكثر تشددًا عالميًا في فرض القيود على حرية الإنترنت. وتندرج هذه القيود ضمن إطار سياسة رقابة رقمية ممنهجة تهدف إلى التحكم في تدفق المعلومات والتأثير في تشكيل الرأي العام، من خلال حجب عدد كبير من منصات التواصل الاجتماعي العالمية وتقييد الوصول إليها، وملاحقة المستخدمين الذين يعتبر محتواهم مخالفًا للمعايير الدينية أو السياسية أو المرتبطًا بالتأثير الخارجي، بما في ذلك مشاهير الشبكات الاجتماعية الذين لديهم جمهور واسع. كما تعمل الحكومة على تطوير تطبيقات محلية ومنصات بديلة تهدف إلى الحد من تأثير المنصات الأجنبية، في محاولة للسيطرة على تدفق المعلومات وتوجيه النقاش العام وفق أولوياتها.
في هذا السياق، كشف استطلاع رسمي أجرته المؤسسة الحكومية لأبحاث الفضاء السيبراني في إيران عن مستويات مرتفعة من عدم الرضا بين مستخدمي الإنترنت، سواء من حيث جودة الخدمة أو شدة القيود المفروضة عليها. وأظهرت نتائج الاستطلاع أن الغالبية العظمى من المستخدمين يلجؤون إلى الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وأدوات تجاوز الحجب للوصول إلى المواقع والتطبيقات المحظورة. وأوضح ميثم غلامي، القائم بأعمال رئيس معهد أبحاث الفضاء السيبراني الحكومي، خلال مؤتمر وطني حول الإنترنت، أن 2.4% فقط من المستخدمين أفادوا بأنهم "راضون جدًا" عن جودة الإنترنت، في حين عبر 17% عن رضا جزئي. في المقابل، أشار 41% من المشاركين إلى أنهم "غير راضين كثيرًا"، بينما أكد 38% أنهم "غير راضين إطلاقًا"، في حين امتنع نحو 2% عن الإجابة، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الإيرانية. وأضاف غلامي أن نحو 61% من مستخدمي الإنترنت في إيران يعتمدون على شبكات الـVPN وأدوات تجاوز الحجب المجانية، موضحًا أن 10% منهم يستخدمون هذه الأدوات بشكل دائم، و53% يلجؤون إليها عند الحاجة فقط، في حين أفاد 14% بعدم استخدامها إطلاقًا. وتعكس هذه المؤشرات حجم التناقض بين البنية التكنولوجية المتقدمة نسبيًا في البلاد وسياسات التقييد الرقمي، وما يترتب على ذلك من آثار مباشرة في أنماط استخدام الإنترنت ومستويات الرضا العام عنه.[6] ويمكن تقسيم وضع المنصات على النحو الذي يوضحه الشكل التالي:
شكل رقم (2) المنصات العالمية المحجوبة داخل إيران والمنصات البديلة المحلية لها
الشكل من إعداد الباحثة بالاعتماد على عدة مصادر
وقد كشفت خاصية جديدة على منصة "إكس" عن بعدٍ جديد في سياسة حجب وسائل التواصل الاجتماعي في إيران، يتمثل في الطابع الطبقي للنفاذ إلى الإنترنت وتأثيره المباشر في تشكيل الرأي العام. فقد أظهرت ميزة تحديد موقع الاتصال وما إذا كان الحساب يستخدم شبكة افتراضية خاصة (VPN) أن مسئولين حكوميين، ووسائل إعلام رسمية، وشخصيات سياسية معروفة بنهجها المتشدد، يتمتعون بإمكانية وصول غير مقيدة إلى المنصات المحجوبة من داخل البلاد، في الوقت الذي يجبر فيه عموم المواطنين ولا سيما الشباب على اللجوء إلى أدوات تجاوز الحجب المكلفة وغير المستقرة، مع ما يصاحب ذلك من مخاطر أمنية.
أسهم هذا التناقض في إذكاء نقاش عام واسع حول ما بات يعرف بـ "الإنترنت الطبقي"، حيث انتشرت وسوم مثل "بطاقة الإنترنت الأبيض" (#سیم_کارت_سفید) و"الإنترنت الطبقي" (#اینترنت_طبقاتی)، معبرة عن إدراك شعبي متزايد بأن الحجب لا يهدف فقط إلى ضبط الفضاء الرقمي، بل إلى إعادة توزيع القدرة على التأثير في المجال العام لصالح نخب محددة. ومن بين المسئولين الذين يبدو أنهم يتمتعون بإمكانية وصول غير مقيدة إلى الإنترنت، وزير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ستار هاشمي. في منشور شهير، انتقد الصحفي المتخصص في التكنولوجيا، ماني قاسمي، الوزير بشدة، قائلًا: "كيف نتوقع منك أن تتفهم المعاناة التي نعيشها بسبب الإنترنت المقيد وأن تناضل من أجل رفع هذه القيود؟".[7] وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يخلق اختلالًا بنيويًا في تشكيل الرأي العام، إذ تمنح فئات بعينها أدوات الاتصال والتأثير العابر للحدود، بينما يحرم منها المواطنون العاديون، ما يضعف التعددية الرقمية، ويقوض الثقة في الخطاب الرسمي، ويعزز الإحساس بعدم المساواة في الوصول إلى المعلومات والمشاركة في النقاش العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إلى جانب القيود التنظيمية والرقابية المفروضة على الفضاء الرقمي، تلجأ السلطات الإيرانية في فترات النزاعات والاحتجاجات إلى قطع خدمات الإنترنت والاتصالات بشكل كامل أو جزئي، تحت ذريعة "حفظ الأمن القومي". ويعد هذا الإجراء أحد أبرز أدوات الرقابة الممنهجة، إذ يهدف إلى تقييد وصول المواطنين إلى المعلومات، والتحكم في تدفق الأخبار، وتعطيل قنوات التواصل بين المحتجين. وخلال موجات الاحتجاجات الأخيرة، عكست عمليات قطع الإنترنت اعتماد الدولة على استراتيجيات متعددة المستويات للسيطرة على المجال العام الرقمي، لا تقتصر على الضبط الداخلي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى حجب مشاهد الاحتجاجات عن أعين المراقبين الدوليين وشبكات الرصد المعنية بحرية الإنترنت، بما يسهم في إدارة الصورة الخارجية للأحداث وتقليص الضغوط الدولية المصاحبة لها.
2- هندسة الرأي العام: لم تقتصر سياسة السيطرة الإيرانية على الفضاء الرقمي على حجب منصات التواصل الاجتماعي أو تقييد وصول المستخدمين إليها، بل امتدت "كما تشير المعارضة" إلى "الهندسة النشطة للرأي العام" عبر تشغيل شبكات من الحسابات المنسقة سياسيًا. فقد كشفت ميزة تحديد موقع الاتصال في منصة "إكس" السابق الإشارة إليها، عن مئات الحسابات التي قدمت نفسها لسنوات على أنها أصوات معارضة في الخارج، لا سيما من المؤيدين لرضا بهلوي، بينما كانت تدار فعليًا من داخل إيران. وأظهرت أنماط نشاط هذه الحسابات خصائص معروفة لـ "اللجان الإلكترونية"، مثل النشر المتزامن، وتكرار الرسائل نفسها، واستخدام منسق للوسوم، وشن هجمات جماعية على منتقدين ومعارضين آخرين، بل والعمل على تأجيج الخلافات داخل أطياف المعارضة نفسها.[8] وتكشف هذه الممارسات عن استراتيجية مزدوجة الأبعاد، فمن جهة، يقيد النظام وصول المواطنين العاديين إلى منصات التواصل الاجتماعي، عبر الحجب، أو إبطاء الخدمة، أو قطع الإنترنت في فترات الأزمات؛ ومن جهة أخرى، يستثمر هذه المنصات ذاتها بوصفها أدوات للتضليل، واختراق المجال العام الرقمي، وإعادة توجيه النقاش العام بما يخدم أولويات السلطة. وبذلك لا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي فقط كوسائل مراقبة أو قمع، بل كأدوات هجومية في إطار حرب معلوماتية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
في هذا الإطار، تتحول وسائل التواصل الاجتماعي في السياق الإيراني من ساحة محتملة للتعبير الحر وتداول الآراء، إلى فضاء صراعي تعاد من خلاله صياغة الإدراك الجمعي، داخليًا وخارجيًا، عبر التشويش على الخطاب المعارض، وإضعاف الثقة في البدائل السياسية، وتقديم صورة مرتبكة عن طبيعة المعارضة وقدرتها على تمثيل الشارع الإيراني. ويسهم هذا النمط من "هندسة الرأي العام" في خلق حالة من الشك والارتباك لدى الجمهور، سواء داخل إيران أو في أوساط المتابعين الدوليين، ما يخدم في المحصلة هدفًا استراتيجيًا يتمثل في إطالة أمد السيطرة السياسية وتقليص فرص تشكل رأي عام ضاغط وموحد.
3- تشريعات وقوانين مشددة وملاحقة المؤثرين: يمكن القول إن الإطار القانوني الإيراني المنظم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يقوم على مقاربة متعددة المستويات تهدف أساسًا إلى إعادة ضبط المجال العام الرقمي والتحكم في ديناميكيات تشكّل الرأي العام. وتعتمد هذه المقاربة على مزيج من التشريعات العقابية، والإجراءات التنفيذية غير التشريعية، إلى جانب توظيف القوانين العامة القائمة لتوسيع نطاق المراقبة والملاحقة. وتشمل أدوات الدولة الرقابية الحجب الجزئي أو الكلي للإنترنت، وقطع خدمات الاتصالات خلال فترات الاحتجاجات، والرقابة التقنية الدائمة على الشبكات. كما تُستثمر قوانين الجرائم الإلكترونية والإجراءات الجنائية وقوانين الأمن القومي لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والقضائية، حتى في غياب تشريع خاص ومتكامل ينظم النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي.
في هذا السياق، اتجهت السلطات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز الأدوات القانونية بوصفها أحد محاور الضبط الأساسية للفضاء الرقمي، بالتوازي مع سياسات الحجب التقني والرقابة الأمنية. ويعد مشروع القانون الذي قدمته الحكومة الإيرانية إلى البرلمان في يوليو 2025، وأعد بالتنسيق مع السلطة القضائية، نموذجًا بارزًا لهذا التوجه، إذ استهدف تشديد القيود والعقوبات المفروضة على محتوى شبكات التواصل الاجتماعي تحت عنوان مكافحة "الأخبار الكاذبة والمضللة". ينص المشروع على فرض حزمة واسعة من العقوبات تشمل السجن، والغرامات المالية، والحرمان من بعض الحقوق الاجتماعية والسياسية، مع تشديد العقوبة في حال كان ناشر المحتوى من ذوي الشهرة أو النفوذ أو المنصب، أو من العاملين في المؤسسات الحكومية. كما اعتبر المشروع عددًا من الظروف "المشددة" عوامل مضاعفة للعقوبة، من بينها استخدام حسابات مزيفة، أو الاعتماد على الروبوتات الآلية، أو تكرار المخالفة، أو نشر المحتوى خلال فترات الأزمات والاضطرابات أو التهديدات الأمنية. ويعكس هذا التوسع في تعريف المخالفة توجهًا تشريعيًا يقوم على التأويل الواسع للمحتوى الرقمي، بما يمنح السلطات هامشًا كبيرًا في توصيف ما يعد تهديدًا للأمن أو مثيرًا للرأي العام.
يوسع المشروع كذلك من صلاحيات المؤسسات التنفيذية والرقابية، إذ يلزم وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بإنشاء منصة وطنية لتلقي البلاغات المتعلقة بالنشاط على شبكات التواصل الاجتماعي، وإصدار التنبيهات، وتحويل البيانات والمعلومات إلى السلطة القضائية. ويعكس هذا الترتيب المؤسسي نزعة واضحة نحو مأسسة الرقابة الرقمية وربطها المباشر بالمسار القضائي. وتظهر مواد المشروع تشددًا خاصًا تجاه المؤثرين الرقميين (Influencers) والمستخدمين ذوي الجمهور الواسع، إذ يفرض عليهم نظام عقوبات أشد في حال نشر محتوى يصنف على أنه "كاذب" أو "مثير للرأي العام". ففي هذه الحالات، قد تصل العقوبة إلى السجن من الدرجة الخامسة (من سنتين إلى خمس سنوات)، بدلًا من الدرجة السادسة (حتى سنتين)، فضلًا عن فرض غرامات مالية ومنع من مزاولة النشاط الإعلامي أو الرقمي لفترات زمنية محددة. ويعكس هذا التمييز إدراك السلطات للدور المتنامي الذي يلعبه المشاهير والمؤثرون في توجيه الرأي العام، ولا سيما بين فئات الشباب، وتحولهم إلى فاعلين مؤثرين خارج الأطر الإعلامية الرسمية.[9]
ورغم أن هذا المشروع أثار جدلًا واسعًا داخل إيران، وأعلن لاحقًا عن سحبه من البرلمان بعد اعتراضات من نواب إصلاحيين وأوساط المجتمع المدني باعتباره تهديدًا لحرية التعبير، فإن دلالته السياسية والقانونية تظل قائمة، إذ يعكس الاتجاه العام للسياسة التشريعية الإيرانية تجاه الفضاء الرقمي، حتى وإن تعثر تمريره بصيغته النهائية.
الفضاء الرقمي كأداة مركزية في ديناميات الصراع بين المجتمع والدولة في إيران
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا يتجاوز مجرد نقل الأحداث، لتصبح فضاءًا بديلًا لصناعة السياسة وتشكيل الرأي العام، خاصة في ظل انسداد المجال العام التقليدي وسيطرة الدولة على وسائل الإعلام. ورغم الانقطاعات المتكررة والشاملة للإنترنت، أثبتت التجربة أن الدولة لم تعد قادرة على احتكار السردية، وأن الفضاء الرقمي أصبح عنصرًا بنيويًا في ديناميات الصراع بين المجتمع والنظام، موفرًا منصة فعّالة للتعبير والمناورة السياسية. وذلك على النحو التالي:
1- التعبئة والتنظيم اللامركزي: تاريخيًا، اضطلعت وسائل الإعلام التقليدية بدور محوري في النشاط الاحتجاجي، حيث شكلت القناة الأساسية لنشر المعلومات وحشد الدعم. فقد أسهمت الصحف والإذاعة والتلفزيون في تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية، وتوفير منابر وإن كانت محدودة للفئات المهمشة. ومع ذلك، ظل هذا الدور مقيدًا ببنية الملكية الإعلامية وآليات الرقابة وحراسة البوابة، ما اضطر الحركات الاجتماعية إلى الاعتماد بدرجة أكبر على التنظيم القاعدي والتواصل المباشر داخل المجتمعات المحلية لتوسيع نطاق تأثيرها. ومع بروز وسائل التواصل الاجتماعي، شهد النشاط الاحتجاجي تحولًا بنيويًا، حيث أتاح الفضاء الرقمي إمكانات غير مسبوقة للتواصل المباشر مع جماهير واسعة، دون المرور بالوسطاء الإعلاميين التقليديين. فقد مكنت منصات مثل "تويتر" و"فيسبوك" و "إنستجرام" الحركات الاجتماعية من تسريع التعبئة، وتجاوز القيود الجغرافية، وبناء شبكات دعم عابرة للحدود.[10]
كما أن الشخصيات القيادية اضطلعت، سابقًا، بدور محوري في بلورة أهداف الحركات الاجتماعية، من خلال تحويل المظالم الفردية إلى مطالب جماعية منظمة وقابلة للتعبئة. غير أن هذا النمط القيادي، على الرغم من فاعليته في سياقات تاريخية معينة، جعل العديد من الحركات عرضة للتراجع أو التفكك في حال غياب القائد أو استهدافه من قبل السلطة. وقد أعادت منصات التواصل الاجتماعي صياغة مفهوم القيادة داخل الحركات الاحتجاجية المعاصرة. فبعد أن كانت القيادة تفهم تقليديًا بوصفها بنية مركزية ترتكز على شخصيات بارزة تتولى مهام التوجيه والتعبئة وصياغة الخطاب، باتت الأدوار القيادية اليوم أكثر سيولة وتوزعًا، وتتقاسمها مجموعات واسعة من الفاعلين الرقميين. وقد أتاح هذا التحول إمكانات جديدة للحشد والتنظيم والاستمرارية، دون الاعتماد الكامل على قيادات فردية واضحة المعالم، بما يقلل من قابلية الحركات للاختراق أو الإضعاف عبر استهداف رموز محددة، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في البيئات السياسية المغلقة أو عالية الرقابة، كما في الحالة الإيرانية. ويعكس هذا التحول تغيرًا أعمق في طبيعة العمل الاحتجاجي، حيث باتت الشبكات الرقمية تؤدي دورًا محوريًا في إعادة تشكيل العلاقة بين الأفراد، والحركات، والفضاء العام.[11]
فقد استخدمت هذه المنصات في تحديد مواعيد النزول إلى الشارع، وتوجيه المتظاهرين نحو مراكز المدن والمواقع الرمزية، والدعوة إلى الإضرابات، فضلًا عن نقل الخبرات الاحتجاجية من مدينة إلى أخرى، بما في ذلك تكتيكات الهروب، وسبل مواجهة الغاز المسيل للدموع، وتعطيل أدوات المراقبة. ويسهم هذا النمط من التنظيم الشبكي في تعقيد مهمة الأجهزة الأمنية، إذ يجعل من الصعب احتواء الحركة أو "قطع رأسها"، ويؤدي إلى حالة من الاستنزاف الأمني الممتد، بدلًا من المواجهات السريعة والحاسمة التي تميز الاحتجاجات ذات القيادة المركزية.
2- تفنيد الرواية الرسمية وإحراج النظام خارجيًا: تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في إيران إلى مصدر رئيسي لتكوين الرأي العام واستقصاء المعلومات، متجاوزة القيود المشددة على المواقع الإخبارية والصحف التقليدية. وقد وفرت هذه المنصات الرقمية متنفسًا جديدًا للعملية الإعلامية، نظرًا لضعف الثقة في الصحف التابعة للسلطة الرسمية، على الرغم من الجهود المبذولة من بعض هذه الصحف للحفاظ على حياديتها وبناء جسور من الثقة مع المواطنين. وقد أظهرت وسائل التواصل الاجتماعي في فترة قصيرة قدرتها على حشد وتنظيم حركات اجتماعية وسياسية، وهو ما أثار قلق السلطات الإيرانية. ومن خلال إتاحة فضاء للنقاش العام وتبادل الآراء حول القضايا الاجتماعية والسياسية، أعادت هذه المنصات الحيوية إلى حركات المجتمع المدني وأسهمت بشكل ملحوظ في تشكيل الوعي الجمعي وتحفيز المشاركة المجتمعية، بما في ذلك المشاركة في الاحتجاجات والتعبير عن المطالب الشعبية.[12]
وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي بدور محوري في توثيق أحداث العنف الرسمي المصاحبة للاحتجاجات في إيران، وفي تفكيك الرواية الإعلامية الرسمية وإعادة تشكيل صورة الأحداث على المستويين الداخلي والدولي. فقد تداول المستخدمون مقاطع مصورة تظهر إطلاق النار من قبل قوات الأمن، وسقوط قتلى ونقل جثامين إلى المستشفيات، واستخدام الغاز المسيل للدموع، فضلًا عن مشاهد استهداف الرموز الرسمية، بما في ذلك تحطيم تماثيل لشخصيات بارزة في الخطاب الرسمي. وقد وثّقت مقاطع فيديو حشودًا كبيرة من المحتجين في مدن رئيسية، من بينها مشهد، وطهران، وتبريز، وأصفهان، ودزفول، وكرمانشاه، وهم يرددون شعارات مناهضة للنظام وأخرى ذات دلالات سياسية واضحة، في وقت كانت فيه وسائل الإعلام الرسمية تنكر وقوع احتجاجات واسعة. وأظهرت بعض اللقطات محاولات المحتجين تعطيل أدوات المراقبة، مثل إزالة كاميرات مثبتة على الجسور، إلى جانب اشتباكات مباشرة مع قوات الأمن. وعلى الصعيد الخارجي، تحولت هذه المواد المصورة إلى مصادر أساسية لتغطية وكالات أنباء ووسائل إعلام دولية، مثل AFP وReuters وBBC Persian وIran International، ما أسهم في إحراج النظام الإيراني دوليًا وتعزيز الضغوط السياسية والحقوقية عليه. ويبرز ذلك الدور المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي كأداة لتوثيق الانتهاكات، وكقناة بديلة لكسر الاحتكار الرسمي للمعلومة والتأثير في الرأي العام العالمي.
3- تعزيز مشاركة النساء في النقاش العام: أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي في إيران خلال السنوات الأخيرة دورها المحوري في تعزيز مشاركة النساء في النقاش العام والسياسي، وكسر القيود الاجتماعية والثقافية التقليدية التي كانت تحد من حرية تعبيرهن ومشاركتهن في الحياة العامة. فقد برزت النساء كعنصر فاعل في المقاومة ضد ما يعتبرونه "قوانين القمع والاستبداد" لا سيما التي تتعلق بفرض الحجاب الإلزامي، كما تجلت مشاركتهن في سلسلة من الحركات الاحتجاجية البارزة، بما في ذلك حملة "المليون توقيع"، وحركة "المرأة، الحياة، الحرية"، وعلى الرغم من الملاحقات الأمنية استمرت النساء في مواجهة القيود الاجتماعية والسياسية، مستثمرات وسائل التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية لتعزيز أصواتهن ونشر رواياتهن والتعبير عن مطالبهن الفردية والجماعية. وقد أشعلت وفاة مهسا أميني في سبتمبر 2022 موجة احتجاجات واسعة في العديد من المدن الإيرانية ضد سياسات الحكومة المناهضة للمرأة، ومنذ ذلك الحين، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو توثق اتساع رقعة الاحتجاجات، وتظهر متظاهرات يحرقن الحجاب أو يتعرضن للقمع والضرب والسحل على أيدي قوات الأمن.
كما مكن الفضاء الرقمي الإيراني النساء من التعبير عن تجاربهن الشخصية ومناقشة "المحرمات الاجتماعية"، وهو ما كان من الصعب أو المكلف التطرق إليه في المجتمع التقليدي. وساهمت منصات مثل "إنستجرام" و"تويتر" في تعزيز الهوية الجماعية للنساء وتمكينهن من المشاركة في حملات رقمية، مثل حركة "#MeToo"، بما ساعد على فضح الممارسات غير العادلة وكشف الانتهاكات، بما في ذلك التحرش والتمييز، وخلق وعي جماعي بالقضايا النسوية.
إلى جانب البعد الاحتجاجي والاجتماعي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا أداة اقتصادية تمكن النساء الإيرانيات من تحقيق الاستقلال المالي، عبر تأسيس مشاريع تجارية رقمية دون الحاجة لرأس مال كبير أو مقرات فعلية، ما عزز قدرة النساء على الاعتماد على أنفسهن وإعادة توزيع مواقع القوة داخل المجتمع. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 47% من مستخدمي الإنترنت في إيران من النساء، وأن نسبة كبيرة من التجارة الإلكترونية تعتمد على منصة "إنستجرام"، وهو ما يبرز العلاقة الوثيقة بين الفضاء الرقمي وتمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا على حد سواء.[13]
4- صناعة الرموز والشعارات وتوحيد المزاج العام: لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في توحيد الخطاب الاحتجاجي في إيران، على الرغم من التعدد الإثني والسياسي داخل المجتمع. إذ يعكس هذا التعدد البنية الاجتماعية المعقدة للبلاد، ويصعب في الوقت نفسه صياغة خطاب احتجاجي موحد. في المقابل، يستفيد النظام من هذه الانقسامات لتعزيز سيطرته على المشهد السياسي واحتكار السردية الرسمية. إلا أن المنصات الرقمية أسهمت في تعميم شعارات مركزية أثناء الاحتجاجات مثل: "الموت للديكتاتور"، و"لا تخافوا، نحن جميعًا معًا"، و"هذه المعركة الأخيرة"، ما أتاح خلق خطاب احتجاجي موحد قادر على إنتاج هوية جماعية مشتركة، حتى بين المتظاهرين من خلفيات متباينة.
على هذا الصعيد، ساهمت المنصات في إعادة إحياء رموز ما قبل الثورة، مثل علم الأسد والشمس والشعارات الملكية، ليس بالضرورة كتعبير عن حنين واسع إلى الملكية، بل كأداة رمزية لمواجهة وإلغاء شرعية الجمهورية الإسلامية في الفضاء العام الرقمي والميداني. كما تحولت أفعال رمزية محددة، مثل تعليق مشانق على كاميرات المراقبة، أو إسقاط التماثيل الرمزية، إلى أيقونات رقمية قابلة للاستنساخ والنشر في مدن مختلفة، ما جعل كل فعل احتجاجي فردي يصبح جزءًا من حملة وطنية موحدة، يمكن للمتظاهرين مشاهدتها وإعادة تنفيذها في عدة مدن، بما يخلق تأثير انتشار العدوى الاحتجاجية. وخلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير 2026، ظهرت هذه الديناميات بوضوح. فقد أظهرت الفيديوهات والصور المنتشرة على منصات مثل "إنستجرام" و"تويتر" و"X" انتشارًا واسعًا لشعارات موحدة، وتصوير أفعال رمزية تكررت في مواقع متفرقة، من إزالة تماثيل، إلى وضع لافتات على الجسور والكاميرات. ما ساعد على توحيد المزاج العام بين المدن المختلفة وتوجيه الانتباه الدولي إلى الاحتجاجات.
5- الفضاء الرقمي كساحة صراع دولي: لم تقتصر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الاحتجاجات الإيرانية الحالية على دور داخلي يقتصر على توثيق الأحداث أو تنسيق التحركات، بل تحولت إلى منصة للصراع الرمزي والسياسي على المستوى الدولي. فقد ساهم الدعم المعلن والمتداول لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصات رقمية مثل "تروث سوشيال" في تعزيز إحساس بعض المتظاهرين بوجود غطاء خارجي، ما شكل دافعًا إضافيًا للمشاركة والمقاومة. على سبيل المثال، صرح ترامب قائلًا: "إيران تنظر إلى الحرية، ربما كما لم يحدث من قبل. الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة!!!"، بينما دعا رضا بهلوي، المحتجين إلى تنظيم احتجاجات مركزة، واستهداف مراكز المدن، والتمسك بها، مؤكدًا أن الهدف لم يعد مجرد النزول إلى الشوارع، بل استغلال نقاط ضعف النظام لدفع الشارع نحو التغيير. أيضًا دعت أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية التي تتخذ من العراق مقرًا، ومن بينها حزب "كومله" المحظور من سلطات طهران، إلى إضراب عام في المناطق ذات الغالبية الكردية في غرب إيران والتي شهدت حراكًا احتجاجيًا مكثفًا.
بجانب ما سبق، أظهرت الاحتجاجات الحالية قدرة الشركات العالمية على إعادة تشكيل الرموز السياسية وإعادة تأطير النقاش العام بقرارات أحادية، بما يؤثر في معنويات المحتجين، ويعزز سرديات المعارضة، ويعيد رسم ملامح الشرعية والهوية في المجال الرقمي، ويتجلى ذلك في خطوة منصة "X" المتمثلة في استبدال علم إيران الحالي إلى علم ما قبل ثورة 1979، وهي خطوة يمكن قراءتها بوصفها تدخلًا رمزيًا مباشرًا في المجال العام الرقمي يتجاوز الادعاء التقليدي بالحياد التقني الذي ترفعه منصات التواصل الاجتماعي. فرغم طابعها البصري الظاهري، حملت هذه الخطوة دلالات سياسية عميقة، خاصة مع ظهور الرمز الجديد على حسابات رسمية تابعة للنظام الإيراني، ما أسهم في تقويض رمزية الدولة داخل الفضاء الرقمي نفسه. وبذلك، تتجاوز المنصات الرقمية دور الوسيط المحايد لتغدو "فاعلين سياسيين غير رسميين" يمتلكون أدوات رمزية قادرة على التأثير في ديناميكيات الصراع والاحتجاج، وإعادة توجيه النقاش العام على المستويين الداخلي والدولي.
وفي المقابل، استغل النظام الإيراني هذا الحضور الرقمي الخارجي لتعزيز رواية المؤامرة الأمريكية-الإسرائيلية، كما ظهر في خطابات المرشد الأعلى علي خامنئي ورسائل السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، بهدف تأطير الاحتجاجات كتهديد خارجي وتقليص شرعيتها الداخلية. ورغم انقطاع الإنترنت، واصل خامنئي استخدام منصة "إكس" لنشر خطاباته، حيث وصف المتظاهرين بأنهم "مجموعة من الأفراد المصممين على التدمير"، وانتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونشر وحده 12 منشورًا على المنصة بعد يوم واحد من قطع الخدمة.[14]
في الوقت نفسه، كشفت التفاعلات الرقمية داخل إيران عن فجوة واسعة في الثقة تجاه المعارضة المقيمة في المنفى، بما في ذلك رضا بهلوي، مما يدل على أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أداة للحشد، بل أصبحت أيضًا منصة للمحاسبة الشعبية والمراجعة النقدية للمعارضة الخارجية، وهو ما يعكس تعقيد العلاقة بين النفوذ الرقمي والفاعلية السياسية في السياق الإيراني.
ختامًا، أثبتت منصات التواصل الاجتماعي فعاليتها في توحيد الخطاب الاحتجاجي وتجاوز الانقسامات الاجتماعية والسياسية داخل إيران، رغم القيود التقنية والرقابية المشددة المفروضة عليها. في المقابل، تكشف استراتيجيات الدولة القائمة على الحجب، وتقييد الوصول، والملاحقة القانونية عن إدراك عميق لدور المجال الرقمي كفضاء بديل للتعبئة وتشكيل الرأي خارج الأطر الرسمية للسلطة. ومن هذا المنطلق، يتشكل الرأي العام في إيران ضمن صراع مستمر بين ديناميكيات الاتصال الرقمي وآليات الضبط الحكومية، وهو صراع يحتمل أن يتصاعد مع اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة في ظل التحولات المتسارعة للعصر الرقمي، حتى وإن نجحت الدولة في احتواء الاحتجاجات الحالية.
[1] د. عبد الغني عماد، الثقافة وتكنولوجيا الاتصال التغيرات والتحولات في عصر العولمة... والربيع العربي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 2012، ص 80.
[7] فضيحة الإنترنت الأبيض في إيران.. حكومة "غرب آسيا" تتاجر في "في.بي.إن"، العرب اللندنية، 1 ديسمبر 2025، متاح على:
https://h7.cl/1hFYO
[8] خاصية جديدة في “إكس” تفضح المستور في إيران: “إنترنت أبيض” للنخبة الحاكمة وجيوش إلكترونية للنظام تتقمص دور المعارضة، شبكة إيران الحرة، متاح على: https://iranfreedom.org/ar/57533/
[12] عادل السالمي، مواقع التواصل الاجتماعي مصدر الرأي العام في إيران بعيداً عن الرقابة، الشرق الأوسط، 16 أبريل 2017، متاح على:
https://h7.cl/1hBpN
[14] خامنئي يواصل نشاطه بكثافة على مواقع التواصل رغم انقطاع الإنترنت في إيران منذ يومين، روسيا اليوم، 10 يناير 2026، متاح على:
https://shorturl.at/h6Ivj