اندلعت في حلب منذ الثلاثاء 6 يناير 2026 اشتباكات بين القوى الأمنية السورية وبين قوات سوريا الديمقراطية – "قسد" - المتمركزة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب. أسفرت هذه الاشتباكات - التي امتدت لنحو 5 أيام - عن مقتل نحو 23 مدنياً وإصابة أكثر من 100 آخرين، بينما لم يتم الإعلان بوضوح عن أعداد القتلى من العسكريين من الطرفين. كما تم تهجير ما يزيد عن 140 ألفاً من قاطني هذه الأحياء، وهم خليط من أكراد وعرب وسريان وتركمان مسلمين ومسيحيين، اضطروا لمغادرتها إلى أحياء أكثر أمناً. فيما أعدت وزارة الشئون الاجتماعية 64 مأوى مؤقتاً في حلب لاستقبال الأسر النازحة من هذه الأحياء، والتي خرجت بمساعدة القوى الأمنية السورية على مدار يومى الأربعاء والخميس 7 و 8 يناير الحالي[1].
كانت آخر جولة من المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية –"قسد"- والحكومة السورية قد عقدت في دمشق في 4 يناير الجاري دون الخروج بنتائج ملموسة عن الجدول الزمني الفعلي لدمج قوات "قسد" ضمن قوات الحكومة المركزية[2]. بينما كانت الجولة التي تسبقها قد خرجت باتفاق مبدئي يفيد باندماج "قسد" في القوات الحكومية بشكل فردي مع بحث الاحتفاظ بقوام بعض قواتها كما هو وخاصةً القوات النسائية التي لا يوجد لها مثيل ضمن القوات الحكومية كي تندمج فيها بالإضافة إلى فرقة أخرى لمكافحة الإرهاب. ولكن يبدو أن هذا الاتفاق المبدئي قد تعثر مما أسفر عن وقوع تصعيد عسكري في الحييّن اللذين تتمركز فيهما قوات من الأمن الداخلي لـ"قسد" (الأسايش) وتفرض السيطرة الأمنية فيهما.
ورغم عدم تحديد المسئولية المباشرة عن بدء هذه الاشتباكات، ولكن درج خلال الشهور الماضية إطلاق قذائف أو قنص أو تفخيخ حواجز أمنية للسلطات السورية كلما تعثرت المفاوضات بين الطرفين، حيث كان ذلك بمثابة رسائل نارية ترسلها "قسد" لحكومة دمشق لتؤكد بها قدرتها على تعكير صفو الاستقرار الأمني الذي كانت تحاول الحكومة ترسيخه.
أجواء ما قبل الاشتباكات
وكانت "قسد" قد تكونت في أكتوبر 2015 من خليط من قوات كردية وعربية عشائرية بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية كي تؤازرها في المعارك البرية ضد داعش التي كانت في أوج قوتها آنذاك. ورغم أن القيادة الواضحة لـ"قسد" كانت لحزب الاتحاد الديمقراطي وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الانفصالي، إلا أن "قسد" ضمت أيضاً قوات من العشائر العربية في الحسكة والرقة ودير الزور. ولكن لم يفلح ذلك في تخفيف السخط الشعبي ضد "قسد" من السكان العرب في المناطق التي استعادتها من تنظيم داعش. فيما كان التجنيد الإجباري الذي فرضته "قسد" في مناطق سيطرتها يثير سخط السكان العرب والكرد على حد سواء خاصةً أنه كان ينتزع مراهقين بعمر 16 عاماً من دراستهم كي يؤدوا خدمة عسكرية إجبارية في صفوفها.
وبعد سقوط الأسد نهاية 2024، أرادت "قسد" الاحتفاظ بحكم الإدارة الذاتية بشمال شرق سوريا في محافظة الحسكة وأجزاء واسعة من الرقة ودير الزور، حيث منعت السوريين من الاحتفال بسقوط الأسد وحافظت على الحواجز الأمنية التي تفصلها عن مناطق الحكومة. كما تشككت في نوايا السلطات السورية الجديدة بسبب تحالفها مع تركيا التي تصنف حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية. ولم تفلح مبادرة عبد الله أوجلان بإلقاء السلاح بإقناع "قسد" بالحذو حذوه، ولكن بضغط من الحليف الأمريكي، وقّع مظلوم عبدي القائد العام لقوات "قسد" في 10 مارس 2025 اتفاقاً للاندماج ضمن مؤسسات الدولة سواء للقوات العسكرية أو الإدارة المدنية. كان الاتفاق من بنود عامة وفضفاضة يضمن حقوق الأكراد في المجتمع السوري ويقضي باندماج مؤسسات شمال شرق سوريا في مؤسسات الدولة الناشئة على أن تتحدد تفاصيل الاندماج بموجب جولات أخرى من المفاوضات[3].
كان هذا الاتفاق بمثابة طوق النجاة للطرفين آنذاك، حيث بدت معه "قسد" متأقلمة مع التغيرات في سوريا الجديدة وقادرة على الاحتفاظ بالدعم الأمريكي طالما ستكون جزءاً من الدولة. بينما استفادت الحكومة من الزخم الذي أحدثه هذا الاتفاق للتخفيف من شأن الانتهاكات التي وقعت من فصائل موالية لها ضد مدنيين علويين في ريفيّ اللاذقية وطرطوس قبل ذلك بأيام في مارس 2025. وفيما كانت مهلة تنفيذ الاتفاق تمتد حتى نهاية 2025، مضى العام دون الوصول إلى اتفاق بجدول زمني تفصيلي للاندماج.
وكانت السلطات السورية قد عقدت اتفاقات مشابهة مع فصائل عسكرية في الجنوب والوسط والشمال، لتنهي بذلك التشرذم العسكري الناشئ عن الحرب الأهلية وتدمج كل الفصائل في قوات الجيش والشرطة المركزية والمحلية. فالفصائل المشاركة في السلطة قد حلّت نفسها في 29 يناير 2025 واندمجت في قوات وزارتيّ الدفاع والداخلية الجديدتين، بينما رفضت فصائل مسلحة درزية هذا الاندماج وماطلت في تنفيذ اتفاق مشابه حتى تصادمت معها القوات الحكومية في يوليو 2025 في السويداء، مما أسفر عن وقوع تصفيات متبادلة خارج القانون بحق مدنيين ومسلحين من الدروز والعشائر العربية. وبعد وقوع انتهاكات بواسطة القوات الحكومية في حملات عسكرية لضبط الأمن بمحافظات الساحل في مارس ثم في محافظة السويداء في يوليو 2025، كان التخوف كبيراً من تكرار مثل هذه الانتهاكات بحق الأكراد إذا ما تصادمت "قسد" مع القوات الحكومية. ولذا كانت الحكومة حريصة على توضيح موقفها والإعلان بشفافية عن خطواتها في حييّ الشيخ مقصود والأشرفية بحلب منعاً لوقوع أي انتهاكات جديدة تضر بصورتها كدولة تحمي كل السوريين دون تفرقة أو تمييز.
روايتان عن تطور اشتباكات حييّ الشيخ مقصود والأشرفية
أصدرت الحكومة السورية عدداً من البيانات الدقيقة المتلاحقة خلال أيام الاشتباكات، منها ما صدر عن هيئة العمليات بالجيش السوري ووزارة الدفاع، ومنها ما صدر عن محافظة حلب أو وزارة الشئون الاجتماعية والعمل أو وزارة الخارجية السورية. وكان التعامل الدقيق مع تطور الأحداث لافتاً للغاية، حيث أعلن أن رئيس أركان الجيش السوري على النعسان متواجد في حلب من أجل ضبط الأوضاع الأمنية ومنع وقوع أية انتهاكات[4]. واتسم أداء القوات الحكومية بقدر من الاحترافية والسرعة واستخدام تكتيكات أمنية تُحيّد المدنيين وتركز على الأهداف العسكرية. وأعلنت وزارة الدفاع السورية عن مهلة وممرات إنسانية لتشجيع المدنيين على مغادرة الحيين خلال يومي الأربعاء8 والخميس 9 يناير الجاري، ثم مددت الهدنة ليوم الجمعة لست ساعات إضافية للسماح لقوات "قسد" الراغبة بمغادرة الحيين دون قتال بالخروج إلى مناطق الشمال الشرقي.
قبل أن تعلن وزارة الخارجية السورية في بيان شامل عصر السبت 10 يناير الحالي أن التعامل مع الحييّن في حلب يتم ضمن عملية إنفاذ قانون محدودة رداً على انتهاك اتفاق الترتيبات الأمنية بين "قسد" والحكومة السورية في شأن الإدارة الأمنية لهذين الحييّن الذي وُقع في 1 أبريل 2025، حيث نفت الخارجية السورية تنفيذ أية عملية عسكرية واعتبرت أن الهدف هو إنهاء المظاهر العسكرية ضمن الحييّن السكنيين بعد سقوط متكرر للضحايا من المدنيين. كما نفت أن ينطوي هذا الإجراء على أي تمييز ضد الأكراد أو أي تغيير ديموجرافي بل إنها أعطت الأولوية لإجلاء المدنيين وفتح ممرات آمنة بالتعاون مع المنظمات الانسانية حتى تعود الحياة المدنية لهذه الأحياء السكنية[5].
على التوازي مع هذه الإجراءات، كانت الوساطة الدولية قد دخلت على الخط منذ يوم الجمعة، حيث تبادل الرئيس السوري أحمد الشرع الحديث تلفونياً مع مسعود بارزاني القائد الكردي البارز بإقليم كردستان العراق وطمأنه أن حقوق الأكراد السوريين مصانة[6]. ومن المعروف أن بارزاني من القيادات التاريخية لأكراد العراق وهو على النقيض السياسي من "قسد" وحزب العمال الكردستاني ويتمتع بعلاقات مميزة مع الأتراك. فيما بدأت اتصالات أمريكية مع "قسد" من أجل قبول الهدنة والاستجابة لطلب إجلاء مقاتليها من حلب.
على الجانب الآخر، لم تكن قوات "قسد" متحسبة لتداعيات هذه الاشتباكات أو مستعدة لامتدادها لعدة أيام. فسابقاً كان إطلاق قذيفة واحدة من داخل الحييّن على أحياء حلب الأخرى أو تفخيخ حاجز أمني للقوات الحكومية كفيلاً بدفع الأخيرة لتكثيف اتصالاتها مع قيادة قسد لوقف الاشتباك سريعاً وتطويقه. ولكن يبدو أن الحكومة كانت عازمة هذه المرة على إنهاء الوجود العسكري لقسد في حلب، لوقف دائرة الابتزاز التي باشرته هذه الأخيرة عند تعثر المفاوضات كل مرة.
من جهتها، كان لـ"قسد" رواية أخرى عن الأحداث، حيث كذّبت البيانات الحكومية تباعاً ونفت مسئوليتها عن البدء في الاشتباكات، بل اعتبرت أن القوات التابعة لها والمتمركزة في حييّ الشيخ مقصود والأشرفية هي قوات أمن "الأسايش" ولا تمتلك أية قذائف ثقيلة أو متوسطة ولم تنفذ أي قصف ضد أحياء حلب الأخرى أو الحواجز الأمنية فيها. ثم رفضت "قسد" الالتزام بالهدنة التي أعلنتها وزارة الدفاع يوم الجمعة 9 يناير الحالي أو إجلاء مقاتليها ونقلهم إلى مناطق شمال شرق على متن حافلات وفرتها الحكومة لهذه الغاية. ثم تراجعت وقبلت بذلك في اليوم التالي بعد التدخل الأمريكي للوساطة وووقف إطلاق النار. وكان المبعوث الأمريكي توم باراك قد اجتمع بالرئيس الشرع يوم السبت 10 يناير الجاري لحثه على إعلان الهدنة في حلب ثم أصدر بياناً يقدم فيه الدعم بشكل متوازن للحكومة السورية التي تسعى لتوحيد القوات العسكرية في سوريا الجديدة ولمبدأ حفظ حقوق كل السوريين من عرب وكرد وغيرهم بشكل متساوٍ، كما عرض جهود الوساطة الأمريكية لتيسير التفاوض بين الجانبين[7]. وكان البيان متوازناً بشكل لا يوحي بأنه ينتصر لطرف على حساب آخر، فقد أفصح عن دعمه لجهود الحكومة السورية لإرساء الاستقرار، واعتبر أن تضحيات "قسد" في الحرب ضد الإرهاب مقدرة، ولابد من عودة الطرفين للحوار ووقف الأعمال العدائية بينهما.
وكانت الحكومة السورية قد أعلنت عن استسلام العشرات من مقاتلي قسد وخروجهم خارج حي الأشرفية بما أسهم في تسليمه دون قتال عنيف للقوات الحكومية، ولكن "قسد" نفت وأعلنت استمرار مقاتليها في المقاومة. ثم لاحقاً رحبت القيادية في "قسد" إلهام أحمد بجهود الوساطة الأمريكية لوقف الاشتباكات يوم السبت 10 يناير الحالي قبل أن تعترف "قسد" تباعاً بمغادرة قواتها وبمقتل عدد من قياداتها الأمنية والعسكرية خلال الاشتباكات وخاصة زياد قدور ووضاح بلال.
انتهت الأزمة العسكرية بدخول قوات الجيش السوري إلى حي الأشرفية منذ السبت ثم السيطرة التامة على حي الشيخ مقصود الأحد، وكشفت عن تفكيك بعض العبوات الناسفة المعدة للتفجير ثم أفسحت الطريق لدخول قوات الشرطة والدفاع المدني لتأمين الحي استعداداً لعودة الأهالي إليه. ولكن وبالتزامن مع أخبار تهيئة حي الأشرفية لاستقبال الأهالي مرة أخرى يوم السبت، وأثناء انعقاد مؤتمر صحفي لكل من وزيرة الشئون الاجتماعية ووزير الإعلام ومحافظ حلب، انفجرت طائرات مسيرة في مبنى محافظة حلب كما انفجرت طائرتان مسيرتان في أحياء سكنية محيطة منها حي الفرقان والفردوس[8]. وأعلنت الحكومة السورية أن هذه المسيرات الانتحارية أطلقتها "قسد" من مناطق نفوذها في أطراف ريف حلب الشرقي في دير حافر، ولكن الأخيرة نفت مسئوليتها عن هذا التصعيد وتنكرت لملكيتها لهذه الطائرات المسيرة التي وصفتها الحكومة بأنها مسيرات انتحارية مفخخة إيرانية الصنع.
ماذا بعد الاشتباكات: هل من فرصة للعودة للتفاوض؟
يرى البعض أن الاشتباكات الأخيرة في حلب قد نسفت المفاوضات وصعّبت من وصولها لحل شامل للاندماج. بل إنها قد تفتح المجال لمواجهات عسكرية أخرى في الرقة ودير الزور والحسكة خاصةً بالتزامن مع زيارة رئيس أركان الجيش السوري إلى أنقرة عقب انتهاء الاشتباكات. فضلاً عن تحذير الحكومة السورية من تجهيز "قسد" لحشود عسكرية تستقبل ضباطاً من النظام السابق[9] في ريف حلب الشرقي رغم نفي الأخيرة. بينما يرى آخرون أن الاشتباكات لم تنسف المفاوضات بل أفقدت "قسد" قدرتها على استخدام حلب كورقة ضغط في التفاوض. فيما يذهب رأى ثالث إلى أن المفاوضات ستكون أيسر بعد أن أدت الاشتباكات إلى التخلص من القيادات المتشددة داخل "قسد" التي كانت تُعطِّل إتمام الاندماج.
ولكن الحقيقة أن الانضباط والاحترافية النسبية التي أبدتها القوات الحكومية مقابل العشوائية وتردد القرار والتصعيد الاستعراضي الذي استخدمته "قسد" قد كشف عن تفاوت إدراك الطرفين لمعايير المرحلة الجديدة بسوريا. فكلا الطرفين قادم من ذهنية الحرب الأهلية وبه مكونات أجنبية غير سورية تدفع به للتطرف ورفض الاندماج تحت السقف السوري. ينطبق ذلك على المقاتلين الأجانب في صفوف "هيئة تحرير الشام" قبل حلها في يناير 2025، وينطبق أيضاً على المقاتلين الكرد غير السوريين في صفوف "قسد". ولكن الفارق أن الفصائل المندمجة في الحكومة السورية الجديدة تعلمت من أخطائها وعدّلت سلوكها وأدركت أن الحل لابد أن يكون سورياً لإنهاء الحرب الأهلية. فيما ماطلت "قسد" للاحتفاظ بمكاسبها ونفوذها وسيطرتها على الموارد في الشمال الشرقي فضلاً عن سيطرتها على القرار الكردي وصبغته بصبغة عسكرية وتهميش القوى السياسية الكردية الأخرى. وأمام الأمريكيين الذين يرعون المرحلة الجديدة، يتسابق كل من الحكومة السورية و"قسد" لإثبات أنهما الحليف الأمثل لواشنطن في سوريا، ولم تكن هذه الاشتباكات إلا وسيلة لاستعراض إمكانيات كل منهما في تقديم الإجابة الأفضل لسوريا الجديدة.
ولكن السؤال الأهم الذي يجب طرحه هو كيف ستتكيف "قسد" مع المرحلة الراهنة في سوريا وهي رقم رئيسي في مرحلة سابقة كانت فيها الحاجة ملحة لفصيل عسكري ينشط ضمن قوات برية لمكافحة داعش على التوازي مع الضربات الجوية للتحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية قبل عشر سنوات. وقد أدت "قسد" مهمتها بشكل جيد ضمن هذا السياق السابق، ولكن السياق الحالي مختلف كلياً، فالحاجة الملحة اليوم في سوريا هي توحيد البلاد تحت سلطة حكومة موحدة قادرة على فرض الاستقرار وفتح المجال لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين. وهذه الحاجة ليست سورية فحسب ولكنها أيضاً إقليمية ودولية، بعد أن أرهق الإقليم والعالم من سوريا المفتتة والمقسمة التي تقاتل بعضها بعضاً. وفيما كان مسار التفاوض حول تنفيذ اتفاق 10 مارس مساراً مناسباً لدمج "قسد" في هياكل وقوات الدولة السورية الجديدة، كانت المماطلة والمراهنة على سيناريوهات التقسيم عائقاً أمام تقدم المسار التفاوضي وسبباً في نسف الثقة بين الطرفين.
فليس خافياً أن "قسد" حاولت استنساخ مسار موازٍ للمسار السياسي الذي أطلقته حكومة دمشق، وفتحت قنوات اتصال مع فلول نظام الأسد من ضباط وقيادات عسكرية وأمنية. كما دعمت ورعت مسار السيطرة الأمنية الموازية التي بدأت في السويداء منذ يوليو 2025 بعد وقوع انتهاكات وتصفيات متبادلة خارج القانون بواسطة فصائل عشائرية موالية لسلطة دمشق وأخرى درزية معارضة لها. فإذا كان التخوف من انتهاك حقوق الأقليات ضمن سوريا الجديدة محقاً ويحتاج لضمانات دستورية ومؤسسية راسخة، فإن التعامل مع هذه المخاوف بالدفع إلى سيناريوهات التقسيم واستدامة الحرب لا يفيد فعلياً في ضمان حقوق الأقليات بل يهدد سلامتهم ويعمق من الشرخ الوطني ويؤخر الالتئام.
حازت الحكومة السورية الجديدة على شرعية إقليمية ودولية على أساس توحيد سوريا وتمتع كل مكوناتها الاجتماعية والدينية بالحقوق والحريات، ولهذا رُفعت تباعاً كل العقوبات الاقتصادية لفتح المجال لبناء سوريا جديدة موحدة. ولكن مشاريع التقسيم ظلت قائمة برعاية عدد من الفواعل الطامحة إلى زعزعة الاستقرار في سوريا بشكل شامل وأبرزهم إسرائيل. وكان الأثر الإسرائيلي بارزاً في رعاية الحالة الانفصالية في السويداء وليس بعيداً عن رعاية نفس الحالة في الشمال الشرقي أو الساحل. فإسرائيل تريد من ذلك خلق اتصال جغرافي بين الأقاليم الثلاثة كي تُبقي على سوريا مقسمة ومستنزفة. ورغم جدية المخاوف بشأن الانفتاح الكامل على كل المكونات السورية في تكوين مؤسسات الدولة الناشئة، فإن اختبار مدى صدق الحكومة يكمن في الدخول فعلياً في هذه المؤسسات على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص والشراكة بين السوريين من كافة الانتماءات.
من جانبها، تعتبر "قسد" أنها قد تعرضت لكمين محكم في حييّ الشيخ مقصود والأشرفية وأنها لم تبدأ الاشتباكات. بل إن رواية قسد تعتبر أن ممثليها كانوا على وشك إقرار تفاصيل الاندماج في الاجتماع الأخير مع الحكومة في دمشق، ولكن مسئولاً سياسياً رفيعاً أوقف الاجتماع بشكل مفاجئ قبل التوقيع وطالبهم بالرحيل، فيما بدا إجهاضاً للحل السياسي وفتحاً للمجال للحل العسكري. ورغم عدم التحقق من رواية "قسد" من مصادر أخرى، فهذا الأمر قد يكون مرتبطاً بتنسيق سوري-تركي لإنهاء الوجود العسكري المنفرد لـ"قسد" في الشمال الشرقي بعد استنفاد مهلة الاندماج طوال عام 2025، أو ربما قد يكون مرتبطاً برد فعل لحكومة دمشق على ترتيبات واتصالات قادها ضباط من النظام السابق للاستيلاء على الحكم قبل نهاية عام 2025 وتم الكشف عنها عبر اختراق مخابراتي سوري رفيع المستوى. ولعل هذا الاختراق قد كشف عن انخراط ما لـ"قسد" في هذه الجهود على غير ما هو معلن ضمن جولات التفاوض من أجل الاندماج مع حكومة دمشق. وهنا يمكن فهم مماطلة "قسد" في تنفيذ الاندماج خلال عام 2025 باعتبارها رهاناً على سيناريو آخر يطيح بالشرع وحكومته ويسمح لـ"قسد" بالانفراد بالحكم مع ما تبقى من فلول النظام السابق.
على أي حال، فإن حالة "قسد" تعبر عن استجابة لمرحلة ماضية وانقضت ولا تعبر عن المرحلة الحالية التي تعكس حرصاً دولياً وإقليمياً على وحدة سوريا وإنهاء الحرب بها. ولكن انقطاع التفاوض بين "قسد" والحكومة بشكل مفاجئ يُنبِئ بإمكانية توسع الحسم العسكري إلى مناطق أخرى خارج أحياء حلب. فالريف الشرقي لحلب في دير حافر يعد مرشحاً ليكون الفضاء القادم للمعركة المحتملة، يليه الرقة ثم دير الزور وربما وصولاً إلى الحسكة في الشمال الشرقي حيث المعقل الأساسي لـ"قسد". وهنا ستكون "قسد" تحت اختبار حاسم للكشف عن مدى تماسكها وهي المُشكّلة من مكونات متعددة لم يعد يجمعهم هدف واحد، خاصةً مع تغير مزاج العشائر العربية بعد سقوط الأسد وتحول ولائهم لحكومة دمشق. كما ستكون "قسد" على المحك لإثبات أحقيتها بتمثيل الأكراد في سوريا وهي التي تماهت مع النظام السابق في قمع الأكراد ومنعهم من الالتحام مع قوى الثورة في بدايتها، فضلاً عن تهميشها لكل الأصوات الكردية المخالفة لها وتفردها بالقرار الكردي في سوريا خدمةً لمصالح حزب العمال الكردستاني.
بينما قد يتوارى الحليف الأمريكي عن تقديم المزيد من الدعم لـ"قسد" في ظل انتفاء دورها الوظيفي بعد القضاء على تنظيم داعش وبعد عقد شراكة أمريكية جديدة مع حكومة دمشق لمواصلة جهود دحر ما تبقى من عناصره. فبالنسبة للأمريكيين، سيكون الحليف المسيطر على مناطق أكثر في سوريا في سبيل توحيدها هو الحليف الأقدر على هزيمة داعش على المدى الطويل، وهو الحليف الأجدر بالدعم دون غيره. ورغم وجود شعور عام بالخذلان من الأمريكيين في الأوساط الكردية، فإن واشنطن قد لا تدعم "قسد" في مواجهة محتملة مع حكومة دمشق بقدر ما ستشجعها على الشراكة معها ولو بحصيلة مكاسب أقل مما حازته في السنوات العشرة السابقة.
وفي المقابل، ستكون الحكومة السورية تحت اختبار إقليمي ودولي مشابه يتعلق بمدى قدرتها على ضم كل الكفاءات السورية بصرف النظر عن انتماءاتهم، ومدى قدرتها على إنتاج خطاب وأداء جامع لكل السوريين دون تمييز، يفكك شرعية "قسد" في تمثيل الأكراد بشكل أحادي ويفتح المجال لبناء سوريا الجديدة في إطار من الشراكة بين جميع مكوناتها. وربما هذا ما اعتمدته الحكومة السورية خلال الاشتباكات الأخيرة وحقق نجاحاً كبيراً، حيث اعتمدت على كفاءات حكومية وإعلامية وإنسانية كردية واكبتها في عمليتها العسكرية وجهود الإغاثة كي تنفي عن نفسها أي تمييز أو عنصرية ضد الأكراد. ولكن ستظل أيضاً الانتهاكات التي وقعت في الساحل والسويداء خلال عام 2025 ماثلة في الأذهان لضمان عدم تكرارها ولقياس كيف طورت الحكومة السورية من أدائها وانضباط مؤسساتها لتعبر عن مرحلة جديدة في سوريا تقطع مع تاريخ الحرب الأهلية والذهنية الفصائلية المتطرفة.
[2] الشرق الأوسط، "انتهاء اجتماع قسد في دمشق والتفاصيل تعلن لاحقاً"، 4-1-2026، t.ly/M69nT
[3] ثائر المحمد، "اتفاق 10 آذار بين دمشق وقسد البنود الكاملة ومدى تنفيذها ميدانياً"، موقع تلفزيون سوريا، 7-10-2025، t.ly/qLQ5q
[4] الشرق الأوسط، "رئيس هيئة الأركان العامة يصل يصل حلب للإشراف على العمليات في مواجهة قسد"، 8-1-2025، t.ly/MzzB1