د. صدفة محمد محمود

باحثة متخصصة في شئون أمريكا اللاتينية

 

تسببت العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة في فنزويلا، في فجر يوم 3 يناير 2026 والتي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في صدمة كبيرة في الأوساط الدولية، وقوبلت بردود فعل متباينة من مختلف دول العالم. فقد أعربت وزارة الخارجية الصينية عن "صدمة عميقة وإدانة شديدة لخطوة واشنطن، وأدانتها باعتبارها "انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والمعايير الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية". ودعت الوزارة في بيان إلى الإفراج الفوري عن الرئيس مادورو وزوجته. فيما أصدرت وزارة الخارجية الروسية بسرعة بيانات تدين العملية الأمريكية بوصفها "عملاً عدوانياً مسلحاً" و"انتهاكاً غير مقبول لسيادة دولة مستقلة". ووصفت الذريعة التي استخدمتها واشنطن، والتي كانت تهدف بشكل أساسي لمكافحة تهريب المخدرات وتنفيذ لوائح الاتهام ضد مادورو، بأنها "غير قابلة للدفاع" ومدفوعة بـ "العداء الأيديولوجي".

في هذا السياق، كان موقف كل من الصين وروسيا من الإطاحة بمادورو والعملية العسكرية الأمريكية، مفاجئاً لكثير من المراقبين، بالنظر للشراكة الاستراتيجية التي ربطت البلدين بفنزويلا في عهده، حيث اقتصر هذا الموقف على الدعم الدبلوماسي الرمزي، دون تقديم مساعدات عسكرية أو مالية ملموسة لفنزويلا، مما أثار تساؤلات على محددات هذه المواقف التي يمكن وصفها بالمنضبطة نسبياً، والتداعيات المحتملة لرحيل مادورو على علاقات البلدين بفنزويلا، ومصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية في البلاد.

عوامل متداخلة

هناك عدة عوامل يمكن أن تفسر الموقفين الصيني والروسي من الإطاحة بمادورو في فنزويلا، من بينها:

1- محدودية الأهمية النسبية لفنزويلا: يُجادل العديد من المحللين بأن فنزويلا تمثل شريكاً رئيسياً للصين في مجال الطاقة. ومع ذلك، فإن الأمر يبدو أكثر تعقيداً. إذ تُعد بكين أكبر مشتري للنفط الفنزويلي، خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، حيث ذهب 80% تقريباً من صادرات فنزويلا من النفط الخام إلى الصين. ومع ذلك، شكل هذا النفط حوالي 4% فقط من إجمالي الواردات النفطية الصينية في عام 2025. ويمكن أن تستبدل بكين تلك الكميات بالتوجه إلى شركاء أكثر استقراراً سياسياً وقابلية للتوسع مثل البرازيل، أو الاعتماد على بدائل أخرى من روسيا والشرق الأوسط خاصة إيران والعراق. في الوقت نفسه، فإن الانتقال السريع للصين إلى الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية يعني أن واردات النفط الصينية من المرجح ألا تتأثر بشكل جدي بسبب العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا ودفع ترامب لإعادة تنشيط البنية التحتية النفطية هناك. وعلى المدى الطويل، لا يمكن للتدخل الأمريكي في فنزويلا إلا أن يعزز سعي الصين لتحقيق استقلال الطاقة – في محاولة لإنتاج المزيد من طاقتها المحلية وكسر الاعتماد على مصادر الطاقة الأجنبية التي يمكن تعطيلها.

2- ارتفاع تكلفة دعم مادورو: تكشف التطورات الأخيرة أن فنزويلا أصبحت ذات أولوية أقل بكثير لكل من بكين وموسكو، خاصة منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث تبنى سياسة أكثر ليونة تجاه روسيا وبذل جهوداً مهمة لإنهاء الصراع في أوكرانيا، مع أخذ المخاوف الروسية على محمل الجد. في هذا السياق، فإن روسيا لم تكن في موقع يمكنها من التضحية بالتقدم الذي أحرز حتى الآن في تطبيع العلاقات الأمريكية-الروسية، أو المخاطرة بالتعرض لعقوبات أكثر مما لديها بالفعل، من أجل التدخل لإنقاذ مادورو. بالنسبة لبكين، فإنها لم تقدم دعماً حيوياً لمادورو خشية أن يفرض عليها ترامب مزيداً من الرسوم الجمركية الأمريكية. وقد كانت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين متوترة بشكل خاص منذ أن فرض ترامب تعريفات جمركية على عدة دول. لكن اجتماعاً بين ترامب ورئيس الصين شي جين بينج في كوريا الجنوبية في أواخر أكتوبر 2025 - الذي وصفه الطرفان بأنه إيجابي - فتح الباب أمام اتفاقيات جديدة وخفض الرسوم الجمركية على بعض المنتجات. لذا، فإنه من الواضح أن دفاع الصين عن مادورو قد يعرض المكاسب الدبلوماسية الأخيرة بين بكين وواشنطن للخطر.

3- أولوية الاهتمام بالجوار الإقليمي: من بين العوامل التي تفسر عزوف روسيا عن دعم فنزويلا عسكرياً، أن جيشها متورط بشكل كبير في أوكرانيا. هذا الصراع المستمر استنزف بالفعل موارد كبيرة وعرَّض موسكو لعقوبات دولية شديدة، مما يحد من قدرة البلاد على تحمل التزامات جديدة في مسارح أخرى بعيدة جغرافياً عنها، بما في ذلك أمريكا اللاتينية. وقد أشار مسئولون أمريكيون، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى أن الانشغال بأوكرانيا يقلل من احتمال التصعيد في مناطق أخرى.

خسائر محتملة

من المرجح أن يؤدي رحيل مادورو عن السلطة في فنزويلا، إلى إلحاق أضرار جوهرية بالمصالح الصينية والروسية في البلاد، وذلك كما يتضح فيما يلي:

1- تراجع النفوذ السياسي في أمريكا اللاتينية: منذ عودته إلى السلطة، سعى الرئيس ترامب لإعادة تأكيد مبدأ مونرو لعام 1823، الذي يستهدف إبقاء القوى الأجنبية خارج نصف الكرة الغربي، بما يعنيه ذلك من فرض الهيمنة الأمريكية على الأمريكتين. تسلط الإطاحة بمادورو الضوء على فشل آخر للكرملين في دعم حليف، بعد سقوط الرئيس السوري السابق بشار الأسد في 2024 والهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران العام الماضي. وقد اتهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو القيادة الفنزويلية السابقة بتحويل البلاد إلى مركز لجهات أجنبية معادية، مهددة الأمن القومي الأمريكي، وقال الرئيس ترامب: "لن نسمح لروسيا أو الصين باحتلال فنزويلا".

ومع إصرار الولايات المتحدة على فرض السيطرة على فنزويلا، من المتوقع أن تفقد الصين وروسيا موطئ قدم استراتيجياً في نصف الكرة الغربي. وربما يزداد خفوت نفوذ البلدين في المنطقة في حال فقدتا حلفائهما الإقليميين القلائل، وفي مقدمتهم كوبا، التي تتعرض لضغوط أمريكية متزايدة. ومن المرجح أن أي خليفة لمادورو سيختار العمل مع الولايات المتحدة لضمان بقائه، وسيكون ذلك على حساب المصالح الصينية والروسية القائمة. ومن المتوقع أن تكون دول أمريكا اللاتينية الأخرى أكثر حذراً في التعاون مع الصين وروسيا، في ظل المخاوف من ردود فعل الولايات المتحدة.

2- تهديد المصالح الاقتصادية: وصفت وزارة الخارجية الصينية العلاقة التجارية بين الصين وفنزويلا بأنها "شرعية ومتوافقة مع مصالح الطرفين"، مشددة على أن تعاون البلدين "لا علاقة له بأي طرف ثالث، ولا يخضع لتدخل طرف ثالث". من جانبه، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 يناير 2026 دفع واشنطن لإحياء صناعة النفط الفنزويلية بأنه مناورة استراتيجية لمنع الصين وروسيا من تعميق نفوذهما في نصف الكرة الغربي، محذراً من أن منافسي بلاده على وشك التحرك بسرعة للسيطرة على قطاع الطاقة في كاراكاس لو بقيت الولايات المتحدة على الهامش. بينما أصر ترامب على أن الولايات المتحدة لا تزال منفتحة على بيع النفط للصين ودول أخرى، مشدداً على أن السيطرة على الإنتاج الفنزويلي يجب أن تتماشى في النهاية مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية. ووفقاً لبعض التقارير الصحفية، فإن إدارة ترامب أبلغت الرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريجيز بأن البلاد يجب أن تقطع علاقاتها مع الصين وروسيا وكذلك إيران وكوبا، والموافقة على الشراكة الحصرية مع الولايات المتحدة في إنتاج النفط، مما قد يُعرِّض طموحاتهم الاقتصادية في الأمريكتين للخطر. وعلى مدار السنوات الماضية، نشطت روسيا في مشاريع مشتركة في حقول نفط حزام أورينوكو وقدمت مليارات الدولارات من القروض لفنزويلا، والتي من غير المرجح استردادها على المدى القريب. إضافة إلى أن وصول الولايات المتحدة إلى احتياطيات فنزويلا الهائلة قد يؤدي إلى خفض الأسعار العالمية، مما يهدد أحد أهم مصادر دخل روسيا. وإذا ظهرت حكومة صديقة للولايات المتحدة في كراكاس، يمكن للمتخصصين العسكريين والدفاعيين الأمريكيين الوصول إلى أجزاء كبيرة من ترسانة القوات المسلحة الفنزويلية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة الروسية التي تم تزويدها لفنزويلا خلال العقد الماضي.

بالمثل، لدى الصين استثمارات مهمة في مشاريع الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، مع تقديرات بتقديمها حوالي ستين مليار دولار قروضاً رسمية لفنزويلا مقابل السداد بمدفوعات من النفط، مما يجعل بكين أكبر دائن لفنزويلا مع حوالي مائة مليار دولار عند احتساب جميع الاستثمارات الصينية في البلاد. وتشير أفضل التقديرات إلى أن فنزويلا مدينة حالياً لبكين بحوالي عشرة مليارات دولار إلى خمسة عشر مليار دولار من شحنات النفط المتبقية. وتخشى بكين من أن يواجه الدائنون الصينيون مخاطر أكبر من التأخير في المدفوعات مع معاناة الحكومة الفنزويلية والشركات الحكومية لتلبية المطالب الأمريكية واحتياجات الإنفاق المحلي.

في سياق متصل، يمكن أن يؤدي دفع إدارة ترامب الشركات الأمريكية إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي، إلى منح هذه الشركات ميزة تنافسية مقارنة بالشركات الصينية والروسية. ويبدو أن إدارة ترامب ستعمل على ضمان استمرار فنزويلا في إرسال النفط إلى الصين، سعياً إلى استفادة الشركات الأمريكية من المبيعات إلى أكبر مشتري للنفط الخام في العالم. لكن هذه المبيعات لن تكون على الأرجح بأسعار تفضيلية أو مقابل سداد الديون الفنزويلية، ولكن ستتم  من خلال معاملات بسعر السوق. بالمثل، فإن المشروعات الاقتصادية والاستثمارات الصينية في أمريكا اللاتينية ستكون موضع تدقيق صارم من قبل دول المنطقة، مع زيادة النفوذ الأمريكي. مع تحول هذه الاستثمارات، على الأرجح، من مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق إلى مبادرات في مجالات مثل الزراعة ومصادر الطاقة الجديدة والسلع الاستهلاكية لتقليل التوترات الجيوسياسية.

3- إضعاف الطموحات الدولية للصين وروسيا: تُعد أمريكا اللاتينية سوقاً ناشئة مهمة ومصدراً رئيسياً للسلع وساحة اختبار استراتيجية لتأثير الصين وروسيا العالمي. لم تكن فنزويلا في عهد مادورو مجرد شريك تجاري لبكين وموسكو، بل كانت حليفاً استراتيجياً ودعمت الدول الثلاث بعضهم البعض في الأزمات الدولية. وتشكل الإطاحة بمادورو ضربة رمزية لتطلعات الصين وروسيا على المستوى العالمي، كما أنها تمثل مقياساً مهماً لمدى استعداد البلدين للدفاع عن شركائهما الدوليين على الساحة الدولية، في ظل نهج الولايات المتحدة الصارم لحماية نفوذها في نصف الكرة الغربي. فعقب القبض على مادورو، قالت الولايات المتحدة إنها صادرت ناقلتي نفط خاضعتين للعقوبات مرتبطتين بفنزويلا، من بينهما واحدة كانت موجهة إلى روسيا في شمال الأطلنطي، الأمر الذي يعكس إصراراً قوياً من قبل واشنطن على متابعة سياستها الرامية إلى إبعاد خصومها الاستراتيجيين عن مجال نفوذها المباشر. ومن المهم القول بأن فقدان روسيا لحليفها الرئيسي في أمريكا اللاتينية، ومن قبله الرئيس السوري بشار الأسد ومع تعرض النظام الإيراني، حليفها المحوري في الشرق الأوسط، لتحديات متزايدة، يعكس ضعف الموقف الدولي لروسيا، وربما يشير إلى افتقارها الموارد اللازمة لدعم الحلفاء. علاوة على ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن استقرار العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا في المستقبل المنظور سيتيح إنتاج كميات كبيرة من النفط، مما سيزيد من الضغوط على الاقتصاد الروسي، ويدفع موسكو لتقديم مزيد من التنازلات في المفاوضات الخاصة بأوكرانيا.

فرص محتملة

رغم ما يبدو من خسائر وأضرار محتملة للمصالح والنفوذ الصيني والروسي جراء القبض على مادورو، فإن الصورة في الواقع أكثر تعقيداً. وربما تقدم جهود واشنطن لتعزيز سيطرتها على فنزويلا، فوائد ومكاسب مهمة للصين وروسيا، وذلك على النحو التالي:

1-إضفاء الشرعية على تحركات الصين وروسيا في جوارهما الإقليمي: مع تغير الديناميكيات العالمية، من الضروري مراقبة كيف يؤثر موقف موسكو وبكين من العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا على الحرب في أوكرانيا والتوتر مع تايوان. ويُقدر بعض المحللين أن موسكو ربما تراجعت عن دعم فنزويلا أملاً في أن تمنحها الولايات المتحدة حرية كاملة في مواجهة أوكرانيا. ويعتقد البعض أن روسيا قد تستفيد بشكل غير مباشر من الأحداث في فنزويلا. ورغم أن التصعيد العسكري الأمريكي ضد فنزويلا يكشف عن نقاط ضعف الدفاعات التي توفرها روسيا (مثل أنظمة S-300) والقيود على تحالفات روسيا والصين في أمريكا اللاتينية، إلا أنه قد يصرف أيضاً انتباه الولايات المتحدة عن أوروبا وتايوان.

وتُثير تصرفات الرئيس دونالد ترامب في فنزويلا قلقاً لدى الدول الغربية، كونها قد تمنح الصين وروسيا الفرصة لتشديد موقفيهما من تايوان وأوكرانيا. وربما توفر تحركات واشنطن في فنزويلا، سابقة مهمة لاستخدام القوة العسكرية من قبل قوة كبرى لتغيير النظام في محيطها الإقليمي، وهو ما قد ترتكن إليه بكين وموسكو للدفاع عن مطالبهما الإقليمية بشأن تايوان وأوكرانيا، بزعم حماية مصالحهما القومية.

وربما يُجادل المتشددون في الصين وروسيا بأنه إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها من خلال العمل العسكري فيما يسميه الأمريكيون بـ"الحديقة الخلفية"، فإن الصين وروسيا تستطيعان أن تفعلا الشيء نفسه في منطقتيهما. في هذا الإطار، أثنى ديمتري ميدفيديف الرئيس الروسي السابق، على دفاع ترامب عن المصالح الأمريكية، رغم انتقاده لانتهاك واشنطن للقانون الدولي. إذ قال في هذا الصدد: "على الرغم من أن تصرف ترامب غير قانوني تماماً، لا يمكن إنكار وجود اتساق معين، فإنه هو وفريقه يدافعون بقوة كبيرة عن المصالح الوطنية لبلادهم". بالمثل، قد تستخدم الصين إجراءات الولايات المتحدة في فنزويلا لتعزيز خطابها المتشدد بشأن تايوان. ورغم أن السابقة التي وضعها ترامب في فنزويلا قد تكون خطيرة نظرياً، إلا أنها في الواقع ربما لا تُسرِّع من غزو الصين لتايوان. في الوقت الحالي، اختارت الصين بوضوح حملة من الإكراه والضغط وإعادة التوحيد لما تعتبره إقليماً متمرداً، لكن دون الانخراط في حرب مباشرة. وخلال الأزمات والصراعات الدولية، تتبنى بكين موقف الحياد دون الانحياز لأحد الأطراف بشكل حاسم، وتجعل الأولوية لحماية مصالحها، طالما أن الدول الشريكة لا تتخذ موقفاً صريحاً بشأن تايوان.

2-تجنب المستنقع الفنزويلي: من الواضح أن مستقبل فنزويلا يكتنفه نوع من الغموض، واقتصادها يعتمد بشكل كبير على إنتاج النفط الذي يتعثر. ولا يزال من غير الواضح من سيكون له شرعية سياسية في فنزويلا في المستقبل. ومن الناحية الدبلوماسية، دعمت الصين وروسيا مادورو رغم الأدلة التي أشارت إلى خسارته في الانتخابات الأخيرة، وهو ما أثار انتقادات دولية للبلدين. وفي الوقت الراهن، فإن تدخل الولايات المتحدة في فنزويلا، يمكن أن يكون بمثابة مستنقع لواشنطن، وسيبقيها مُقيَّدة (وبعيدة عن طريق الصين وروسيا) لعقود. ويمكن للدولتين أن تُلقيا اللوم على الولايات المتحدة في أي تدهور مستقبلي للأوضاع في فنزويلا. وفي الغالب، لم ينفق البلدان أي رأس مال سياسي حقيقي لمقاومة التحركات الأمريكية بشأن فنزويلا. وبدلاً من ذلك، تحافظ بكين وموسكو على علاقاتها الدبلوماسية الوثيقة مع النظام القائم بقيادة الرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريجيز، حيث تتركان الأمور تسير في الغالب لتريا كيف يمكن أن تستفيدا.

ومع دفع الرئيس ترامب لشركات النفط الأمريكية الكبرى، للعودة إلى العمل في فنزويلا وإصلاح البنية التحتية النفطية المتضررة بشدة، فإن التوقعات تشير إلى أن عودة إنتاج النفط إلى مستوياته في التسعينيات، والتي تقدر بنحو 3 مليون برميل يومياً، سيستغرق في أفضل الأحوال، عقداً من الزمان ونحو 100 مليار دولار. وقد حاولت الصين بالفعل تحقيق هذا، من خلال ضخها مليارات الدولارات وإدخالها شركات النفط الخاصة بها (التي تجيد العمل في بيئات محفوفة بالمخاطر) للعمل في فنزويلا. ومع ذلك، استمرت الصادرات في الانخفاض. ورغم تردد الشركات الكبرى الأمريكية في الاستثمار مجدداً في قطاع النفط الفنزويلي، فإنه إذا تقدمت لضخ المليارات في قطاع النفط الفنزويلي وذهب جزء كبير من هذا النفط إلى الصين، فقد تكون هذه أفضل فرصة لبكين لاسترداد الرصيد المتبقي من بعض استثماراتها وقروضها السابقة. لكن بالنسبة لواشنطن، ليس من الواضح إلى أين ينتهي هذا المشروع، أو كم عدد المليارات التي سيتكلفها. وقد تجد واشنطن نفسها تحمل العبء نفسه الذي تخلصت منه الصين للتو.

3-إضعاف التحالفات الغربية: من الواضح أن نصف الكرة الغربي أصبح مرة أخرى المسرح المركزي لواشنطن، حتى مع منح خصومها التقليديين حرية أكبر في مناطق أخرى. ويمكن أن يكون التدخل الأمريكي في فنزويلا مقدمة لتكراره في دول أخرى، وبعضها هددها ترامب مباشرة في تصريحاته. وعلى سبيل المثال، يهدد اهتمام ترامب بالسيطرة على جرينلاند من الدنمارك، بزعزعة استقرار حلف الناتو ويزيد من الانقسامات بين الولايات المتحدة وأوروبا. وقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن، أن أي تحرك أمريكي للسيطرة على الجزيرة سيعني النهاية الفورية لحلف الناتو، موضحة أن هجوماً من قبل القوة الأكبر في الحلف على أراضي دولة عضو يضرب صميم مبدأ الدفاع المشترك، ويقوض تماماً المظلة الأمنية التي استقرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واصفةً الضغوط الأمريكية الحالية بأنها "غير مقبولة" وتتجاوز حدود التحالف التاريخي. وتأتي هذه التوترات في اللحظة التي تدخل فيها جهود الولايات المتحدة للتوسط في السلام في أوكرانيا مرحلة محورية، مما يشتت انتباه أعضاء الناتو عن جهودهم لدعم كييف وتوفير ضمانات أمنية لها.

4- التمهيد لنشأة نظام عالمي جديد: في أوائل ديسمبر2025، نشرت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي، وهي وثيقة رسمية أسست لتحول جديد في السياسة الخارجية الأمريكية نحو رؤية عالمية قائمة على مجالات النفوذ وتطبيق شعار "أمريكا أولاً". وفي ضوء هذا، فإنه إذا خلص القادة الصينيون والروس إلى أن القبض على مادورو والسيطرة على فنزويلا هو جزء من تنفيذ استراتيجية تنسحب فيها الولايات المتحدة من لعب دور عالمي في سبيل تعزيز هيمنتها الإقليمية في أمريكا اللاتينية، فقد يمهد هذا لنظام عالمي جديد لطالما دافع البلدان عنه، وهو نظام يتميز بمناطق نفوذ إقليمية تهيمن عليها القوى الإقليمية. ولطالما شدد الرئيس الروسي على أنه كما ستغضب الولايات المتحدة من أي وجود عسكري أجنبي في نصف الكرة الغربي، ترى روسيا توسع الناتو إلى حدودها تهديداً أمنياً كبيراً لها. وقد قال بوتين قبل إرسال القوات الروسية إلى أوكرانيا في 24 فبراير 2022: "لقد أوضحنا بشكل واضح أن التوسع الشرقي للناتو غير مقبول"، وأضاف: "هل نحن من نضع الصواريخ قرب حدود الولايات المتحدة؟ لا، الولايات المتحدة هي التي جلبت صواريخها إلى عتبة بيوتنا".

5- تعزيز النفوذ في الجنوب العالمي: أثارت العملية العسكرية الأمريكية التي أطاحت بمادورو وأفسحت المجال لفرض الولايات المتحدة سيطرتها على فنزويلا، مخاوف عميقة لدى العديد من الدول في الجنوب العالمي، بشأن تهديد السيادة الوطنية للدول واستخدام القوى الكبرى للأدوات العسكرية لتغيير النظم. وفي إطار معركة الصراع بين القوى الكبرى على كسب النفوذ في الجنوب العالمي، كانت إدانة بكين وموسكو للتحركات الأمريكية بشأن فنزويلا، باعتبارها عملاً عدوانياً صارخاً يُقوِّض مبادئ القانون الدولي، من خلال تصوير الأحادية الأمريكية كتهديد للنظام الدولي القائم على القواعد، مع الترويج لصورة الصين وروسيا كدولتين مسئولتين وأكثر موثوقية للقيادة العالمية. هذا السرد المصاغ بعناية مصمم لتقويض الهيمنة الأمريكية ومنح بكين وموسكو الحرية حال انتهكتا القواعد والمعايير الدولية. وسيجعل القبض على مادورو من الصعب على دول العالم إدانة تصرفات الصين في تايوان وروسيا في أوكرانيا.