استهلت الولايات المتحدة العام الجديد، وتحديداً في 3 يناير 2026، باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأمريكية عن طريق قوات خاصة، بعد أسابيع من حصار بحري للسواحل الفنزويلية، واستهداف عدد من زوارقها البحرية بدعوى تهريبها للمخدرات. وفي الأيام التالية لهذه الخطوة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحةً أن بلاده سوف تسيطر على النفط الفنزويلي، وستتحصل على 30 إلى 50 مليون برميل، وتتولى بيع الإنتاج في الأسواق إلى أجل غير مسمى. وزعمت الإدارة الأمريكية كون هذا النفط حقاً أمريكياً صادرته فنزويلا قبل عقود، في إشارة إلى موجات التأميم والقيود القانونية على أصول وأنشطة شركات النفط الأمريكية العاملة في فنزويلا في سبعينيات القرن الماضي، وعقد الألفينات من القرن الحالي.
تأتي هذه الخطوة في ظل متغيرات جيواقتصادية وجيوسياسية متشابكة، خاصة منذ تولي ترامب فترته الرئاسية الثانية، في مقدمتها تحولات إنتاج النفط الأمريكي، والنزاع التجاري مع الصين، وتصاعد التوترات مع إيران. وإذا لم تكن سيطرة الولايات المتحدة على النفط الفنزويلي خطوة استراتيجية مدفوعة بهذه المتغيرات، فهي بالضرورة ستؤثر على توازناتها وحسابات أطرافها المختلفة.
نفط فنزويلا وتاريخ الارتباط الأمريكي
لدى فنزويلا أكبر احتياطيات مثبتة من النفط الخام عالمياً، تُقدر بـ 303 مليار برميل، أي 17% من إجمالي الاحتياطيات العالمية.[1] وعلى الرغم من ذلك، فإن إنتاج فنزويلا من النفط محدود، ووصل إلى 1.2 مليون برميل يومياً فقط في أكتوبر من العام الماضي 2025،[2] وذلك نتيجة سنوات من العقوبات الأمريكية، وتدهور البنية التحتية والقدرات الإنتاجية والتقنية لقطاع النفط والطاقة بشكل عام، بسبب خروج الشركات الأجنبية قبل عقود.
ويحتاج النفط الفنزويلي على وجه الخصوص إلى تقنيات متقدمة لاستخراجه وتكريره، وذلك لأن معظم احتياطيات فنزويلا النفطية هي من الخام الثقيل جداً، الذي يعد من الأثقل عالمياً، إلى جوار الخام الكندي. يعني ذلك أنه خام شديد الكثافة ويحتوي على نسب مرتفعة من المعادن الذائبة، تجعل منه في حالة شبه صلبة، تتطلب مراحل تخفيف وضخ خاصة، على عكس الخام الخفيف الذي تنتجه أغلب حقول النفط العالمية، كتلك في بلدان الخليج العربي على سبيل المثال، أو من إنتاج النفط الصخري الأمريكي.
المصدر: أعده الباحث وفقاً لبيانات (Statistical Review of World Energy 2025) و(Joint Organizations Data Initiative).
* شهر أكتوبر من العام 2025.
أدت الطبيعة الخاصة للنفط الفنزويلي الثقيل إلى ارتباطه بصناعة التكرير الأمريكية، فهي ليست مصادفة أن يضم الجانب الأمريكي من ساحل خليج المكسيك أكبر تركز لمصافي تكرير الخام الثقيل وإنتاج فحم البترول في العالم. فقد طُورت هذه المصافي خصيصاً لتكرير الخام الفنزويلي الثقيل، وكذلك خام المايا المكسيكي الثقيل أيضاً، في ثمانينات القرن الماضي، وذلك باستثمارات ثابتة ضخمة، بغرض شراء الخام الثقيل منخفض السعر نسبياً – نظراً لصعوبة تكريره – ومعالجته في تلك المصافي لتحويله إلى منتجات نفطية عالية القيمة، ومنها الخام الخفيف. وقد بُنيت هذه الصناعة على ساحل خليج المكسيك بغرض توفير إمدادات نفطية إقليمية آمنة للولايات المتحدة، وتقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، وذلك قبل ثورة النفط الصخري الأمريكي في عقد الألفينات، والتي جعلت من الولايات المتحدة أكبر منتجي النفط عالمياً إلى الآن، وقفزت بإنتاجها من 5 مليون برميل يومياً في عام 2005، إلى 13.2 مليون برميل يومياً في عام 2024.[3]
استفادت الشركات الأمريكية التي نفذت استثمارات خليج المكسيك من فتح قطاع النفط الفنزويلي أمام الشركات الأجنبية في التسعينات من القرن الماضي، للاستفادة من رؤوس أموالها وقدراتها التقنية، وذلك بعد تأميم القطاع في عام 1976. ولكن بعد وصول الرئيس السابق هوجو شافيز للحُكم في عام 1999، ألغى تدريجياً الجزء الأكبر من إجراءات فتح القطاع النفطي، مما تسبب مجدداً في خروج عدد كبير من الشركات الأجنبية، وبالأخص الأمريكية، والدخول في نزاعات قضائية تسببت في تجميد أصول فنزويلية في الخارج، وتراجع إنتاجها النفطي. ونتيجة لذلك، فقد لجأت مصافي الخام الثقيل في ساحل خليج المكسيك لإمدادات الخام الثقيل الكندي كبديل، على الرغم من تكلفة نقله الأعلى، وذلك تجنباً للإغلاق وتكبد خسائر هائلة.
النفط الفنزويلي الثقيل .. لماذا الآن؟
إذا نجحت الولايات المتحدة في السيطرة على القطاع النفطي الفنزويلي كما تخطط، سواء عن طريق تواجد عسكري مباشر، أو بإذعان الإدارة الفنزويلية الجديدة، فسيستغرق الأمر وقتاً - ومليارات الدولارات – يتراوح بين 12 و18 شهراً، وفقاً للتقديرات، لإعادة تأهيل البنية التحتية الإنتاجية المهترئة في فنزويلا وزيادة إنتاجها. يعني ذلك بالتالي أن إمدادات النفط الفنزويلي ستتدفق بكميات كبيرة إلى مصافي ساحل خليج المكسيك بحلول منتصف العام المقبل 2027.
يتزامن ذلك مع التوقعات بوصول إنتاج النفط الصخري الأمريكي إلى ذروته في عام 2027 ليصل بإجمالي الإنتاج النفطي إلى 14 مليون برميل يومياً، ثم ينخفض بدءاً من عام 2030. وستعتمد حدة الانخفاض هذه على سيناريوهات مختلفة لأسعار النفط العالمية، قد تُسرِّع من وتيرة الانخفاض، أو تُبطِئها خلال العقود التالية.[4] قد يعني ذلك عودة الولايات المتحدة مجدداً إلى استيراد النفط للوفاء باحتياجات سوقها المحلية خلال أقل من عقدٍ، وهو ما يعيد إلى الواجهة نفط فنزويلا ومصافي خليج المكسيك، المخطط له منذ عقود ليسد فجوة الطلب المحلي، وذلك قبل تراجع هذه الخطة نتيجة التأميم ثم ثورة النفط الصخري.
من الممكن تحويل الخام الثقيل إلى خفيف في مصافٍ كتلك في خليج المكسيك، ولكن من الصعب تحويل الخام الخفيف إلى ثقيل، على الأقل بتكلفة معقولة وجدوى اقتصادية. وهنا من الضروري الإشارة إلى الاستخدامات المختلفة لهذه الأنواع من النفط. ففي حين تُستخدم مشتقات الخام الخفيف، كالبنزين، الأكثر وفرة عالمياً، في وسائل النقل الصغيرة كالسيارات الخاصة والدراجات البخارية، يُشتق من الخام الثقيل السولار أو الديزل، وهو أقل وفرة وأغلى سعراً، والذي يُستخدم في الشاحنات والجرارات الزراعية وماكينات الحفر والمدرعات الحربية الثقيلة كالدبابات، كما يُشتق منه أيضاً وقود الطائرات. أما الخام الثقيل جداً، كالفنزويلي، فيُشتق منه كذلك، علاوة على المشتقات السابقة، وقود سفن الشحن، والأسفلت، الذي يعد الفنزويلي منه الأعلى جودة عالمياً.
وخلال سنوات العقوبات على النفط الفنزويلي حتى اختطاف الرئيس قبل أيام، كانت الصين تستحوذ على أغلب صادرات الخام الفنزويلي الثقيل، وبأسعار مخفضة، وتكررها في مصافيها للحصول على الأسفلت ووقود السفن لإمداد توسعاتها الضخمة في البنية التحتية والإسكان والتجارة البحرية، وكذلك للحصول على وقود الديزل، والمشتقات الأخرى. وبالتالي، ومع سيطرة الولايات المتحدة على إمدادات الخام الفنزويلي الثقيل جداً، وعزمها تكرير هذا الخام في مصافي خليج المكسيك وتصدير مشتقاته، أو استخدامه محلياً، وبالأخص وقود الديزل، باتت الولايات المتحدة تتحكم في مصدر أساسي لإمدادات هذه المشتقات، وبالأخص الأسفلت، إلى الصين.
بدائل الخام الفنزويلي للصين هي محدودة وأقل جودة، كمصدر للأسفلت على وجه الخصوص، ويأتي في مقدمتها الخام الإيراني الثقيل. ولكن مع تزايد التوترات في الداخل الإيراني، والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية للنظام، ففي حال تضررت إمدادات النفط الإيراني الثقيل للصين كذلك، جراء ضربات عسكرية، أو تغيير للنظام، أو صفقة سياسية تضمنت تنازلات إيرانية وإذعان للاشتراطات الأمريكية، تكون الولايات المتحدة قد قطعت الطريق أيضاً أمام البديل الأساسي لإمدادات النفط الفنزويلي الثقيل ومشتقاته للصين.
سيكون بمقدور الولايات المتحدة بالتالي استخدام هذه الإمدادات كورقة ضغط على الصين، في مواجهة إمدادات المعادن النادرة التي تتحكم الصين فيها بصورة شبه كاملة، وتعد مكوناً أساسياً في الصناعات الإلكترونية والحربية والمعالجات الأمريكية، وهي المعادن التي مثلت أهم الأدوات الصينية وأكثرها فعالية في النزاع التجاري القائم مع الولايات المتحدة.
ختاماً، قد لا تكون هذه الحسابات الجيواقتصادية المعقدة هي بالضرورة المُحرِّك لاختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي والسيطرة على نفط البلاد. وقد لا يتخطى السبب الحقيقي ضغوط لوبي شركات النفط الأمريكية العملاقة المالكة لمصافي خليج المكسيك، على الإدارة الأمريكية، للسيطرة على النفط الفنزويلي لتحقيق هوامش ربح أعلى مقارنة بالنفط الكندي الثقيل. أو قد يكون الدافع هو توجيه رسالة قوية إلى بلدان نصف الكرة الغربي، بأن النفوذ والمصالح الأمريكية به، والتي باتت أولوية وفقاً لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة، ستتحقق بالقوة العسكرية إذا لزم الأمر.
ولكن في كل الأحوال، توشك الولايات المتحدة على تأمين مصدر ضخم لإمدادات النفط، استباقاً لتراجع الإنتاج المحلي والعودة للاستيراد. كما أصبح لديها ورقة ضغط قوية على الاقتصاد الصيني في النزاع التجاري الممتد بين البلدين – على الرغم من الهدنة القائمة - تعزز من القدرة الأمريكية على تحجيم أنشطته الإنتاجية وتوسعات البنية التحتية، أو رفع تكلفتها بصورة تُبطِئ من النمو، خاصة إذا تم الإضرار أيضاً بإمدادات النفط الإيرانية الأقل جودة.
تدرس الصين الآن خياراتها في مواجهة هذا التحول في توازناتها مع الولايات المتحدة، والتي من الأكيد أنها ستكون صعبة ومكلفة. تشمل هذه الخيارات التوسع في تأمين شبكة أقل كفاءة، من مصادر متعددة ذات إمدادات محدودة وأقل جودة لكل منها، أو العمل على تحجيم استهلاك بعض مشتقات الخام الثقيل محلياً عبر بدائل، خاصة لوقود الديزل. وقد يكون الخيار الأكثر واقعية للصين في الوقت الراهن، حتى إعادة ترتيب أوراقها، هو تثبيت ومد الهدنة التجارية مع الولايات المتحدة، لضمان تدفق مشتقات الخام الفنزويلي الثقيل لها، بما يتطلب على الجانب الآخر ضمان إمدادات المعادن النادرة للصناعة الأمريكية، والتوافق على تبادل تجاري مرُضٍ للطرفين.