السيد صدقي عابدين

باحث في العلوم السياسية - متخصص في الشئون الآسيوية

 

كانت الصين واضحة منذ البداية في رفضها المطلق ومعارضتها الشديدة لما أقدمت عليه إسرائيل من اعتراف بما يعرف بـ"حمهورية أرض الصومال". هذا الوضوح في الموقف الصيني يستند إلى مجموعة من المبادئ القانونية الدولية، كما أنه شديد الصلة بما تواجهه الصين بالنسبة لقضية تايوان، أضف إلى ذلك أنه يتسق مع حالة الإجماع الإقليمي والدولي على رفض الخطوة الإسرائيلية.

لم تقف الصين عند مجرد الرفض والمعارضة للخطوة الإسرائيلية، وإنما وجّهت رسائل واضحة لكل من المُعترِف والمُعترَف به. كما أن القرار الإسرائيلي وما أثاره من مواقف دولية من بينها الموقف الصيني يطرح الكثير من التساؤلات المرتبطة بقضايا كثيرة ذات أهمية حالية ومستقبلية.

مسألة مبدأ

تنطلق الصين في رفضها للخطوة الإسرائيلية من مبدأ أساسي في القانون الدولي متمثلاً في  أن سيادة الدول ووحدة أراضيها يجب أن تحترم طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، وهذا المبدأ بمثابة الركيزة لكل من القانون الدولي والعلاقات الدولية، التي تذهب الصين إلى وصفها بالركيزة التي "لا تتزعزع"، ومن ثم "ينبغي لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الالتزام الصارم بها".

وعلى ذلك، فإن الصين أكدت على أن الصومال دولة ذات سيادة، وأرض الصومال جزء لا يتجزأ منها، ومن ثم فإنها تعارض "أي فعل يسعى لتقسيم" أراضي الصومال. ليس هذا فحسب، بل إنها أكدت على أن قضية أرض الصومال قضية داخلية يجب أن تُحصَّن من التدخل "غير المبرر" و"غير المناسب"، كما أنه "لا ينبغي لأي دولة مساعدة أو تأييد قوى انفصالية في دول أخرى لدفع مصالحها الجيوسياسية الخاصة"، أو تحقيقاً لما وصفته الصين أيضاً بـ"الأغراض الأنانية"

ومن ثم، فإن الصين طالبت إسرائيل بتصحيح خطأها المتمثل في خطوة الاعتراف بأسرع وقت ممكن، وأن تلتزم بميثاق الأمم المتحدة والقواعد القانونية الدولية، وأن تنصت إلى المطالب الدولية بهذا الخصوص، وأن تتصرف بمسئولية من أجل "محو الآثار السلبية" لاعترافها بأرض الصومال.

كما أن الصين ناشدت سلطات أرض الصومال بـ"فهم الوضع بشكل صحيح، والتوقف فوراً عن الأنشطة الانفصالية وعن التواطؤ مع القوى الخارجية والعودة إلى مسار الحوار مع الحكومة الفيدرالية الصومالية في أسرع وقت ممكن". وفي الوقت الذي طالبت فيه الصين المجتمع الدولي بـ"دفع الحوار السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية" في الصومال التي تمر بمرحلة سياسية وأمنية حاسمة، فإنها اعتبرت نفسها "صديقاً جيداً للصومال والدول الإقليمية" وستستمر في "دعم سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه بحزم"

هذه الأمور المبدئية في الموقف الصيني من الخطوة الإسرائيلية تشير إلى مجموعة من الدلالات من بينها الحرص الصيني في التأكيد على مركزية ميثاق الأمم المتحدة والتمسك بقواعد القانون الدولي، لكن لا يمكن إغفال أن الطرف الذي قام بالاعتراف قد مزَّق هذا الميثاق علانية وفي مقر الأمم المتحدة ذاتها، ويستهدف وكالات المنظمة وكبار مسئوليها، ويلقى في ذلك دعماً أمريكياً واضحاً فيما يتعلق بالملف الفلسطيني، وحتى في خطوة الاعتراف بأرض الصومال كان الموقف الأمريكي مدافعاً عما قامت به إسرائيل، يضاف إلى ذلك إدراك الصين لأهمية تعافي الصومال من حالة عدم الاستقرار الطويلة، وأن هذا سيساعد ليس فقط على حل قضاياه الداخلية، وإنما في إحلال السلام والاستقرار في مجمل منطقة القرن الأفريقي والمناطق المجاورة. ولعل هذا ما جعلها تؤكد على عملها من أجل المحافظة على "العدالة والإنصاف، والعمل مع المجتمع الدولي من أجل السلام والاستقرار والتنمية والازدهار في الصومال والمنطقة الأوسع".

ظل تايوان

المتفحص لموقف الصين، والمفردات التي تستخدم للتعبير عنه في حالة أرض الصومال والاعتراف الإسرائيلي بها يلاحظ مدى الارتباط بالقضية الجوهرية التي تضعها الصين على رأس أولويات سياستها الخارجية، وهي قضية تايوان، والتي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، ومن ثم فإنها ترفض أي شكل من أشكال الاعتراف الصريح أو الضمني بها، كما أنها تقف بالمرصاد لأي محاولات لتسليح الجزيرة، وتتصدى بحزم لأي خطوات من أي دولة كائنة من كانت ترى فيها تراجعاً عن الالتزام بمبدأ الصين الواحدة أو تلاعباً به أو التفافاً عليه، وهي تعلنها صراحة بأن كل الخيارات مفتوحة بما فيها الخيار العسكري لمنع استقلال تايوان، ومن ثم إعادتها إلى الوطن الأم.

إذن، فمن باب الاتساق مع هذا الموقف الواضح والصريح فيما يتعلق بقضية تايوان، والتي تصر الصين على تضمينه في كل البيانات الثنائية والجماعية التي تصدرها مع دول العالم، ما كان لها أن تذهب إلى موقف مغاير بخصوص قضايا مشابهة سواء في أرض الصومال أو في غيرها. ومن ثم، فإنها لم تعترف يوماً بما أقدمت عليه روسيا من ضم لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014، كما لم يصدر عنها أي اعتراف بما قامت به روسيا من ضم لأقاليم أوكرانية أخرى في ظل الحرب الدائرة منذ فبراير عام 2022. يأتي ذلك على الرغم من التفهم الصيني لمنطلقات روسيا فيما يتعلق بتهديد الغرب للأمن القومي الروسي.

على الرغم من عدم الاعتراف الصيني بضم روسيا لكل من شبه جزيرة القرم ومناطق أخرى في أوكرانيا، إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار تنامي العلاقات بين البلدين، على الرغم من المعارضة الغربية الشديدة والاتهامات التي توجه للصين بدعمها غير المباشر لروسيا في حربها في أوكرانيا.

وبعيداً عن الجدل الدائر بين الصين والغرب على خلفية مسألة دعم روسيا، فإن هناك مسألة مهمة تتمثل في أن الالتزام بالمسائل المبدئية من قبيل سيادة الدول ووحدة أراضيها لا ترتب بالضرورة على الدول التي تنتهك هذه المسائل عقوبات صينية إذا تعلق الأمر بغير الحالة التايوانية بطبيعة الحال، ومن ثم فإن هذا الموقف الصيني الواضح والصريح في رفضه ونقده للخطوة الإسرائيلية لا ينتظر أن يترتب عليه تخفيض في مستوى العلاقات مع إسرائيل، أو ممارسة ضغوظ ذات تأثير واضح عليها تجعلها تفكر فعلياً في التراجع عما أقدمت عليه في ظل الخسائر التي تعود عليها إذا استمرت على موقفها، بما في ذلك الفرص التي يمكن أن تضيع عليها في صفقات جديدة مع الصين.

قد يجادل البعض بأنه ليس مطلوباً من الصين أن تضحي بمصالحها من أجل قضايا لم يقم أصحابها بما يطالبون به الآخرين، خاصة في ظل ما تؤكد عليه الصين من طابع برجماتي في سياستها الخارجية منذ سنوات، وطالما أن الإرادة الدولية لم تجتمع على الانتقال من مرحلة بيان المواقف المبدئية إلى اتخاذ الإجراءات العملية.

قياس الإجماع

من بين ما بنت عليه الصين موقفها حيال الخطوة الإسرائيلية حالة الرفض الجماعي الفوري لتلك الخطوة، وهو ما اتضح - على حد قول لين جيان المتحدث باسم الخارجية الصينية - ليس فقط من البيان الفوري للحكومة الفيدرالية الصومالية والرافض بشكل قاطع لها، وإنما تجلى ذلك في مواقف منظمات إقليمية من بينها جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي. وفيما بعد عندما اجتمع مجلس الأمن الدولي لمناقشة القضية، كان هناك إجماع دولي على التمسك بسيادة ووحدة وسلامة أراضي الصومال، وحتى الولايات المتحدة التي لم تعترض على الخطوة الإسرائيلية مثل باقي الدول الأعضاء، فإنها قالت إن موقفها فيما يتعلق بعدم الاعتراف بأرض الصومال لم يتغير.

بؤرة أوسع

الموقف الصيني من الخطوة الإسرائيلية تجاه أرض الصومال يطرح الكثير من التساؤلات حول أكثر من قضية من بينها بؤر التوتر طويلة المدى، وما يمكن أن تلعبه بعض القوى الخارجية في تلك البؤر. وفي الحالة الصومالية تحديداً، يلاحظ أن الجهد الدولي الجماعي على مدار عقود لم يكن على مستوى التحدي الموجود، وأن المجال قد ترك لتحركات فردية وجماعية فيما يتعلق بمكافحة القرصنة، بينما ظلت حالة البؤس تزداد في الداخل.

كما أنه لا يمكن الفصل بين ما أقدمت عليه إسرائيل تجاه أرض الصومال، وما تقوم به في كل من فلسطين ولبنان وسوريا وعموم المنطقة، وقد كان مندوب الصومال وممثل جامعة الدول العربية واضحين في الربط بين هذا وذاك في كلمتيهما أمام مجلس الأمن الدولي عند مناقشة القضية، عندما حذرا صراحة من استخدام إسرائيل لأرض الصومال كمكان لتهجير الفلسطينيين. ومرة أخرى، فإن الصين كانت لها مواقفها المبدئية الواضحة طوال فترة الحرب على غزة، بما في ذلك رفض أي تهجير للفسطينيين، وما صاحبها من عمليات عسكرية في الإقليم.

وتبقى المسألة المتعلقة بطبيعة النظام الدولي في المرحلة الراهنة، وما يمكن أن يؤول إليه هذا النظام على ضوء السياسة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي لم تعد معنية بمسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج قدر اهتمامها بالحصول على الموارد الطبيعية بما في ذلك الموارد النادرة ومصادر الطاقة حتى لو أدى الأمر إلى اختطاف رئيس دولة ذات سيادة كما حدث في فنزويلا، والأكثر من ذلك أن ما تراه واشنطن اعتبارات أمن قومي خاصة بها يسوغ لها المطالبة بضم أراضي دول أخرى حتى لو كانت ضمن قائمة حلفائها كما هو الحال بالنسبة لجرين لاند.

في مثل هذه الأجواء، من المهم جداً ما تقوم به الصين من تأكيد على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. لكن يبقى السؤال المطروح: هل هذا يكفي؟، ولا يجب إغفال أن الصين ذاتها ظلت لسنوات تتهم بأنها تعمل على تقويض النظام الدولي القائم على القواعد. وإذا كانت أوروبا واقعة تحت الضغط الأمريكي على أكثر من جبهة، إلا أنها ما زالت تتشكك في الصين، كما أنها تتعرض لضغوط أمريكية بحيث لا تندفع في علاقاتها مع بكين.

هذا الاضطراب وعدم اليقين فيما يتعلق بطبيعة النظام الدولي وقواعده وأسس العلاقات بين أقطابه يؤثر بشدة على النظم الإقليمية، ويزداد تأثيره في الدول الضعيفة والهشة والتي توجد فيها حركات انفصالية كما هو الحال بالنسبة للصومال التي تقع في منظقة ذات أهمية استراتيجية لدول فاعلة في الإقليم، ربما يذهب بعضها إلى أن تقسيمها من مصلحتها كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل.

يلفت هذا النقاش النظر إلى واقع النظام الإقليمي العربي، ومدى قدرته على التعامل مع التحديات الخانقة التي تحيط بمراكزه قبل أطرافه، وما إذا كان بمقدور الفاعلين في هذا النظام السير قدماً نحو خيارات واضحة فيما يخص علاقاتهم مع الأطراف المُهدِّدة لنظامهم الإقليمي وتلك التي على الحياد وأولئك الذين على استعداد للتعاون.

وتبقى مسألة مهمة فيما يتعلق بمبدأ القياس بين ما هو قياس منطقي واقعي مفيد، وقياس مغاير لذلك أو ما يمكن تسميته بالقياس الفاسد. وقد ظهر ذلك واضحاً في حالة التعامل مع القرار الإسرائيلي الذي اعترف بأرض الصومال من قبل كل من الصين والولايات المتحدة، فبينما اتضح ما هو المقصود بمبدأ القياس الصيني، وإلزام نفسها بموقفها نفسه من قضيتها الأم تايوان، فإن واشنطن تحدثت عن قياس آخر عندما قارنت بين الاعترافات الدولية المتوالية بدولة فلسطين، وعدم عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن للإعراب عن الغضب من ذلك كما حدث في حالة القرار الإسرائيلي من أرض الصومال، متهمة المجلس بازدواجية في المعايير، والأكثر من ذلك أنها ذهبت إلى أن مجرد اجتماع المجلس لمناقشة القرار الإسرائيلي فيه "تشتيت للانتباه عن العمل الجاد لمعالجة قضايا السلم والأمن الدوليين، بما في ذلك في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي".

مثل هذه المواقف وتلك الحجج يجب على الأطراف صاحبة المصلحة أخذها في الاعتبار عند التفكير في مستقبلها وخيارات سياساتها الخارجية، خاصة أن ما حدث في أرض الصومال قد يعبر عن ما يمكن تسميته بـ"كرة ثلج" التي قد تتطور وتنتقل إلى حالات أخرى.

وهكذا، فإن مسألة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كاشفة لكثير من الأمور بما في ذلك مواقف الأطراف الدولية الفاعلة، ومن بينها الطرف الصيني من القضية وما يرتبط بها من قضايا قد يراها البعض متناثرة، لكنها تنتظم في متواليات. ولا يمكن فصل ما يحدث الآن عما حدث في الماضي القريب، كما أنها ستكون ذات تأثير على المستقبل البعيد.