أدخل إعلان الولايات المتحدة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في 3 يناير 2026 القارة اللاتينية مرحلة غير مسبوقة من "السيولة الاستراتيجية". فالحدث يتجاوز إسقاط رأس نظام سياسي، ليكشف عن تحول نوعي في أدوات إدارة الصراع في الإقليم، يقوم على الجمع بين الضغط العسكري المباشر و"الهندسة السياسية" القسرية، بما ينذر بتداعيات تتجاوز حدود فنزويلا إلى مجمل النظام الإقليمي في أمريكا اللاتينية.
وفي هذا السياق، يؤكد كثير من خبراء العلاقات الدولية أن هذه الخطوة من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل "أخطر اختبار" لاستقرار القارة منذ نهاية الحرب الباردة، ليس فقط لأنها تضرب مبدأ سيادة الدول، بل لأنها تعيد إحياء منطق "الحديقة الخلفية" في السياسة الأمريكية، حيث تُستبدل آليات الاحتواء الدبلوماسي والاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية باستخدام القوة الصلبة كأداة مركزية لإعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية.
صدمة الداخل وفراغ السلطة
جاء اعتقال مادورو متزامنًا مع ضربات عسكرية استهدفت مواقع سيادية وعسكرية حساسة في كاراكاس، في مقدمتها مجمع "فورتي تيونا"، وهو القلب الصلب للمؤسسة العسكرية الفنزويلية، بما أحدث صدمة مركبة للنظام والدولة معًا. هذه الصدمة لم تقتصر على البعد الرمزي، بل مسّت مباشرة البنية الصلبة للسلطة، ووضعت فنزويلا أمام فراغ قيادي حاد في لحظة تعاني فيها أصلًا من هشاشة اقتصادية واجتماعية عميقة.
إعلان حالة الطوارئ والدعوة إلى "تعبئة شعبية مسلحة" يعكسان حجم الارتباك داخل مؤسسات الدولة في كاراكاس، ويؤشران إلى غياب توافق واضح حول آلية انتقال السلطة لإدارة مرحلة ما بعد مادورو. فالغياب المفاجئ لهذا الرجل لا يعني فقط شغور منصب الرئاسة، بل يهدد شبكة معقدة من التحالفات والمصالح التي ربطت بين النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية. ومع تآكل هذه الشبكة، تبرز احتمالات التفكك أو الصراع الداخلي بين مراكز القوة، بما قد يحول الدولة إلى ساحة تنازع مفتوح، على حد تعبير كثير من الخبراء في الشأن اللاتيني.
التحول في المقاربة الأمريكية
يمثل اعتقال مادورو ذروة مسار أمريكي طويل اعتمد على مزيج من العقوبات الاقتصادية الخانقة، والحصار النفطي، والضغوط الدبلوماسية، والعمليات العسكرية المحدودة. وبررت واشنطن هذا المسار باتهامات تتعلق بتهريب المخدرات والإرهاب، معتبرة أن بقاء النظام الفنزويلي يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
غير أن هذه الذرائع لا تنفصل عن تحول أوسع في السياسة الأمريكية تجاه الإقليم، يقوم على استعادة أدوات الردع الصلب واستخدام القوة العسكرية المباشرة لتغيير سلوك الأنظمة أو إسقاطها. كما لا يمكن تجاهل البعد الداخلي في الحسابات الأمريكية، حيث يوظف الرئيس ترامب خطاب "الحزم" في الخارج لتعزيز صورته داخليًا، وإعادة إنتاج سردية القيادة القوية القادرة على فرض الإرادة الأمريكية خارج الحدود وعبر قارات العالم المختلفة. ورغم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن احتمال وقف العمليات العسكرية في فنزويلا، فإن الإبقاء على خيار التصعيد يشي بأن واشنطن ترى في فنزويلا ملفًا مفتوحًا قابلًا لإعادة التوظيف سياسيًا وأمنيًا.
مأزق الانتقال السياسي وحدود الدستور
نظريًا، ينص الدستور الفنزويلي على تولي نائبة الرئيس السلطة مؤقتًا والدعوة إلى انتخابات خلال فترة زمنية محدودة، تصل إلى 30 يومًا. غير أن هذا المسار يبدو أقرب إلى إطار قانوني مثالي منه إلى سيناريو قابل للتطبيق على أرض الواقع. فالنخب المرتبطة بالنظام، خصوصًا داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، لا تبدو مستعدة للتخلي عن امتيازاتها، وقد تسعى إلى إدارة انتقال شكلي يضمن استمرار نفوذها وتجنب مساءلتها في المستقبل.
وفي المقابل، تعاني المعارضة السياسية المدنية من ضعف بنيوي وانقسامات حادة، فضلًا عن وجود معظم قياداتها في الخارج، ما يجعل قدرتها على ملء الفراغ السياسي محدودة ومحفوفة بالمخاطر.
وبين الطرفين، العسكري والمدني، يظل الشارع عنصرًا غير قابل للتنبؤ، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية ونقص السلع الأساسية، بما يجعل الانفجار الاجتماعي احتمالًا قائمًا لا مجرد سيناريو نظري.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبقى الجيش هو العامل الحاسم. فإما أن ينجح في فرض انتقال مضبوط نسبيًا، أو ينقسم إلى أجنحة متنافسة، أو يتدخل مباشرة لتولي السلطة. كما لا يمكن استبعاد سيناريو تداخل الاحتجاجات الشعبية مع نشاط الميليشيات البوليفارية والجماعات المسلحة العابرة للحدود، ما قد يدفع البلاد إلى دوامة عنف أهلي منخفض الحدة لكنه طويل الأمد.
ارتدادات إقليمية وخطر العدوى
لن تتوقف، على الأرجح، تداعيات اعتقال مادورو عند حدود فنزويلا. فالبلاد تعاني أصلًا من انهيار في الخدمات الأساسية والبنية التحتية، ما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية واندلاع موجة هجرة جديدة قد تكون الأوسع منذ سنوات في القارة اللاتينية. وقد بدأت دول الجوار، وفي مقدمتها كولومبيا، بالفعل في اتخاذ إجراءات احترازية تحسبًا لتدفق اللاجئين، في مؤشر على هشاشة الإقليم أمام أي انهيار داخلي فنزويلي.
الأخطر أن العملية الأمريكية توجه رسالة واضحة إلى دول أمريكا اللاتينية مفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة ضد أنظمة تعتبرها معادية أو متورطة في الجريمة المنظمة. وهذا النهج يثير مخاوف حقيقية من توسيع مفهوم "الحرب على المخدرات" ليصبح مظلة لتدخلات عسكرية أوسع، بما يقوض مبدأ السيادة ويعيد إنتاج أنماط تدخلية طالما زعزعت استقرار القارة.
وفي هذا السياق، تبدو كوبا من أكثر الدول عرضة للتداعيات، سواء عبر تشديد الحصار أو فقدان الإمدادات النفطية الفنزويلية، ما قد يفاقم أزمتها الاقتصادية.
وعلى الصعيد الدولي، تراقب قوى كبرى مثل روسيا والصين التطورات بحذر، خشية تحول ما جرى إلى سابقة لتغيير الأنظمة بالقوة، مع سعيها لحماية مصالحها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، وهو الأمر الذي قد يزيد من احتمالات قيام موسكو وبكين بتقديم أشكال الدعم المختلفة للأجنحة الموالية لها في فنزويلا وباقي دول أمريكا اللاتينية، لجر الولايات المتحدة إلى "مستنقع" يستنزف قواها العسكرية والاقتصادية بعيدًا عن أوروبا وآسيا، حيث المصالح الأساسية لهاتين الدولتين.
خيارات الرد غير المتكافئة
ومما يزيد من احتمالات الفوضى وعدم الاستقرار أيضًا في القارة اللاتينية في المدى المنظور، إدراك كاراكاس محدودية قدرتها على الرد العسكري التقليدي في ظل اختلال ميزان القوة مع واشنطن، ما يفتح الباب أمام خيارات غير متكافئة، من مضايقة المصالح الأمريكية بشن هجمات عليها، إلى استخدام أوراق ضغط قانونية أو أمنية، وصولًا إلى تبني أنماط مقاومة غير نظامية إذا توسع الوجود العسكري الأمريكي في البلاد. ومثل هذه الخيارات قد تحول فنزويلا إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، بما يزيد كلفة التدخل البشرية والمالية لإدارة الرئيس ترامب من جهة، ويعمق عدم الاستقرار في البلاد وفي القارة اللاتينية برمتها.
على أية حال، ، لا يمثل اعتقال مادورو حلًا لأزمة فنزويلا بقدر ما يؤذن ببداية مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة. فهو يفتح نافذة محتملة للتغيير، لكنه في الوقت ذاته يطلق ديناميات فوضى قد تتجاوز قدرة إدارة الرئيس ترامب والفاعلين المحليين والإقليميين على الاحتواء. وبين فراغ السلطة، والهشاشة الاجتماعية، وتنافس القوى الكبرى، تقف فنزويلا ودول أمريكا اللاتينية أمام لحظة مفصلية. فإما إدارة الأزمة عبر مسار سياسي جامع يحد من الانزلاق، أو الدخول في موجة جديدة من عدم الاستقرار تعيد إلى الأذهان أشباح التدخل والفوضى، ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا وكلفة على الجميع.