* المقال منشور ضمن العدد رقم 134 من دورية "الملف المصري" الإليكترونية، يانير 2026.
طوال عام 2025 واجهت مصر العديد من التحديات الإقليمية وفق منظور رئيسي قوامه عدم التورط في حالة الاستقطاب الدولي، والتمسك باستقلالية القرار المصري، مهما تكن الضغوط من أي مصدر كان، والحرص على حل الأزمات التي تتعرض لها دول عربية شقيقة بالحوار، والتسويات السياسية التي ينتجها أهل البلد أنفسهم، والتمسك بالدولة الوطنية الفاعلة ومؤسساتها القادرة على القيام بأعبائها لحماية الوطن والمواطنين، مع التدخل في تلك الأزمات تدخلاً حميدًا يُعني بالوساطة دون انحياز، وتقديم الضمانات الفردية، وبالتعاون مع دول شقيقة وصديقة، وبما يدفع نحو التسويات المستدامة، وينهي حالات الاحتراب الداخلي.
في الوقت نفسه، تتمسك مصر بالتصرف من منظور إنساني يدعم أبناء دول الأزمات، ويوفر لهم مساعدات توجه إلى المنكوبين، كما توفر ملاذًا مؤقتًا للاجئين لحين تسوية أوضاع بلدانهم. كذلك، يحتل المنظور الأمني حيزًا مهمًا لا غنى عنه يحفظ حدود البلاد، ويحول دون إعادة تشكيل خريطة جيوسياسية في المحيط الإقليمي تسمح بتقسيم الدول وانفراط عقد الدولة وسطوة جماعات مسلحة محلية أو عابرة للحدود، نظرًا لأن هذا التغيير الذي يسعى إليه البعض هو من قبيل المغامرة الخاسرة، أو تطبيقًا لتوجيهات خارجية، أو بحثًا عن مشروعات غير واقعية، بما يتصادم مع مبادئ السياسة المصرية من جانب، ويشكل خطرًا جسيمًا على التوازن الإقليمي من جانب آخر، وهو ما تعمل مصر على مواجهته بمختلف السبل.
فقد شكلت التحركات المصرية تجاه البيئة الإقليمية اتجاهًا رئيسيًا يصعب تجاهله في الكثير من الأزمات العربية، وتجلى ذلك في السعي وراء وقف إطلاق النار، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتقديم التصورات الكبرى لليوم التالي في غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي كاملاً من القطاع، والعمل بجدية وحرفية عالية في مجال الوساطة بمشاركة قطرية، ثم انضمت إليهما تركيا، والتنسيق مع الولايات المتحدة بين حركة حماس وتل أبيب من أجل هُدن إنسانية تُقود إلى وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى والانسحاب الإسرائيلي من القطاع وإعمار غزة وفق إطار صارم يرفض تهجير الفلسطينيين من أراضيهم. كما تبذل مصر جهودًا دبلوماسية متعددة المسارات حتى تقود خطة ترامب للسلام إلى مسار سياسي يتعلق بتسوية تاريخية فلسطينية - إسرائيلية تحقق حل الدولتين الذي يُعد أحد أهم أهداف الدولة المصرية في الوقت الحاضر.
تطرح هذه المقالة تساؤلًا مهمًا، هو كيف تساعد المبادئ وآليات عمل السياسة الخارجية المصرية في التعامل مع القضايا الجيوسياسية التي تدخل في صميم الأمن القومي المصري في عام 2026، وبما يصب في تحقيق الهدف الأسمى للسياسة المصرية المتعلق ببناء حالة سلام إقليمي متوازن، يسمح للشعوب في كل الدول أن تركز على تحقيق طموحاتها وحقوقها الأصيلة في الأمن والتنمية والسلام والتعايش وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وكل ما يتعلق بسياسات حُسن الجوار؟ ومن أجل ذلك تناقش هذه المقالة أبرز الاتجاهات المتوقعة التي ستحكم السياسة الخارجية المصرية تجاه أزمات الإقليم في عام 2026.
أولاً: تثبيت اتفاق غزة والانتقال للمرحلة الثانية
سوف تولي مصر اهتمامًا كبيرًا بتطبيق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تواجه عقبات الانتقال من المرحلة الأولى للخطة، نحو المرحلة الثانية بسبب التعنت والمماطلة الإسرائيلية، والخروقات المستمرة منذ وقف إطلاق النار، والتي بلغت وفقًا لمعطيات وثَّقها المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، حتى يوم 28 ديسمبر 2025، 969 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر 2025، ما أدى إلى استشهاد 418 فلسطينيًا وإصابة 1141، وأدخلت مساعدات لا تتجاوز 42 بالمئة من المتفق عليه. وتأتي تلك الخروقات رغم الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية على الحكومة الإسرائيلية من أجل الانتقال إلى التزامات المرحلة الثانية دون إبطاء أو ابتزاز سياسي للأطراف الوسيطة، بما في ذلك الولايات المتحدة صاحبة الخطة.
من المتوقع أن تستمر مصر في التواصل مع الولايات المتحدة وكل من تركيا وقطر وحركة حماس والسلطة الوطنية الفلسطينية وحكومة تل أبيب، لمتابعة تطبيق التزامات المرحلة الثانية، التي تتضمن إنشاء إدارة فلسطينية تكنوقراطية، تتولى إدارة الشئون اليومية للقطاع كبديل لإدارة حماس للقطاع؛ حيث لدى مصر قائمة من الشخصيات الفلسطينية الموثوق بها في قدراتها التقنية والإدارية، وتقوم بالتداول بشأنها مع الشركاء، وصولاً إلى صيغة مناسبة يتم التوافق عليها من كل الأطراف المعنية.
يُعد تشكيل قوة الاستقرار الدولية إحدى النقاط البارزة والمهمة، التي يفترض أنها تتولى حفظ إطلاق النار في القطاع، والإشراف على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، سواء على مرحلتين أو على مرحلة واحدة، حتى خارج حدود القطاع، ومن المرجح أن يكون لمصر مشاركة أساسية فيها ودور قيادي في هذه القوة الدولية، جنبًا إلى جنب مشاركة تركيا، وربما مشاركة قطرية أيضًا، ما يتطلب من هذه الدول الثلاث تداول الأفكار والخطط، وصولًا إلى صيغة متوازنة قابلة للتطبيق، وفق ضوابط تحول دون تورط تلك القوة في مواجهة الفصائل الفلسطينية، مع ترقب مشاركة قوات من دول أخرى، لا سيما إندونيسيا.
يتعلق تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب بالتزامات متبادلة وحساسة من كلا الفريقين المتصارعيْن، وهو ما تدركه القاهرة جيدًا، الأمر الذي يتعين على مصر بذل المزيد من الجهد في أكثر من اتجاه، ونحو أكثر من عاصمة دولية، وأخرى عربية؛ بغرض تمرير رؤيتها الاستراتيجية بشأن هذه القضايا الحساسة، بحيث يكون إنشاء هذه القوة بمنزلة نقلة كبرى في تسوية الحرب في غزة من جانب، ومن جانب آخر تثبيت الرؤية المصرية في تمكين الفلسطينيين من أرضهم، وعدم السماح بتهجيرهم.
من المؤكد أن مصر لن تتراجع عن موقفها المعلن بعدم قبول تهجير الفلسطينيين، ومن ثم سوف تتمسك -حال الاتفاق- على تشغيل معبر رفح للأفراد أن يكون في اتجاهيْن، وليس اتجاهًا واحدًا. كما ستولي اهتمامًا مكثفًا بتنظيم مؤتمر دولي لإعمار غزة، مع أولوية التنسيق مع الولايات المتحدة وفرنسا دوليًا، وكل من السعودية والأردن والإمارات عربيًا.
في هذا السياق، ستؤكد مصر للولايات المتحدة ولكل الأطراف المعنية، رفضها التام للفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، كما سترفض أية أفكار تطرحها إسرائيل ودوائر أمريكية أخرى بشأن تقسيم غزة لمناطق تخضع للاحتلال وإعادة إعمار، وأخرى لا تحصل على حقها في الإعمار بزعم سيطرة حماس.
ثانيًا: وحدة السودان وخطة الرباعية
تحتل تسوية الأزمة السودانية وإنهاء حالة الاقتتال الداخلي بين القوات المسلحة وتنظيم "الدعم السريع" اهتمامًا خاصًا من قِبل مصر، التي تحرص على احتواء الأزمة وإنهاء أي تصور أو احتمال يسعى إلى تقسيم السودان أو تشكيل سلطتين حكوميتين متنازعتين بأي شكلٍ كان؛ إحداهما شرعية والأخرى كأمر واقع في مناطق التمرد غرب البلاد. ومن المرجح أن تستمر مصر في المشاركة الفعالة في إطار الرباعية الدولية التي تضم أيضًا الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، التي أطلقت خطة في 12 سبتمبر 2024، أكدت سيادة السودان ووحدة أراضيه، وعدم جدوى الحلول العسكرية ورفض أي نتائج تترتب على تحركات عسكرية غير مشروعة، ودعوة الأطراف المتحاربة إلى تسهيل وصول المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء البلاد، وأن مستقبل حكم البلاد يقرره الشعب السوداني دون تدخل خارجي.
تدعو الخطة إلى وقف نار فوري، وهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر بصورة أولية، يتم بعدها إطلاق عملية انتقالية شفافة تقود إلى إنهاء الأزمة وتشكيل حكومة مستقلة بقيادة مدنية تتمتع بشرعية ومسئولية واسعة النطاق. وهي الخطة التي ترى فيها مصر ما يحقق أمن السودان واستقراره، شريطة التزام الأطراف السودانية المعنية، وكذلك تحفظ أمن مصر القومي، وإبعاد شبح التقسيم.
أخذًا في الاعتبار الخطوط الحُمر التي أعلنتها القاهرة بشأن رفض تقسيم السودان، فإنه من المرجح أن تستمر القاهرة في التواصل مع أطراف الرباعية الدولية والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المعنية ومجلس السيادة السوداني للتجاوب مع المتطلبات المُشار إليها، فضلًا عن مراقبة ومتابعة الموقف الذي سوف تلتزم به قوات "الدعم السريع" وحلفاؤها سياسيًا وعمليًا على الأرض، مع اتخاذ كل الإجراءات التي تحول دون تجرؤ أي عناصر تابعة لها لتجاوز خط الحدود بين مصر والسودان في منطقة المثلث الحدودي الذي يجمع مصر وليبيا والسودان.
داخليًا، سوف تستمر مصر في استضافة اللاجئين السودانيين في إطار عملية تنظيم الاستضافة في حدود ما تقره القوانين المصرية والإجراءات الحكومية، مع مساعدة هؤلاء الذين يرغبون في العودة إلى السودان، وتسهيل انتقالاتهم مجانًا من القاهرة إلى أسوان.
ثالثاً: مساندة خطة الحوار المُهيكل الأممية في ليبيا
نظرًا للتداخل والتشابك المجتمعي والمصالح المشتركة، توجه مصر اهتمامًا خاصًا للأوضاع الليبية، وتضع في مقدمة أولوياتها مساعدة القوى الليبية على الانتقال من الفترة الانتقالية القائمة، التي طالت أكثر من اللازم، إلى مرحلة مستدامة يحددها الدستور وإنجاز الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بما يفتح لليبيا أبواب الاستقرار والتخلص من الأزمات التي توغلت في المرحلة الماضية كانقسام المؤسسات السيادية، وتغول الجماعات المسلحة، وهشاشة الوضع الأمني في العديد من المناطق الليبية.
من المرجح أن تستمر مصر في التشاور مع كل من تونس والجزائر فيما يعرف بلقاءات الجوار الليبي لتنسيق المواقف المشتركة الداعمة لوحدة ليبيا واستقرارها. ونظرًا لما تنطوي عليه خطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بشأن "الحوار المُهيكل" بين الأطراف الليبية من فرصة حقيقية، تمهد في مدى زمني محدد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، تقف مصر وراء تطبيق الخطة بكل شفافية، وستواصل القاهرة اتصالاتها مع جميع الأطراف الليبية من أجل الاستجابة المسئولة للخطة وإجراءاتها والمدى الزمني لها. في الوقت نفسه، من المرجح أن تكثف مصر مشاركتها -عبر الشركات المصرية المتخصصة في تشييد البنية الأساسية- في جهود إعمار ليبيا.
رابعًا: دعم لبنان وقرار حصرية السلاح بيد الدولة
لا تعد الجبهة اللبنانية أقل خطورة من جبهة غزة التي تشهد خروقات مستمرة من جانب إسرائيل منذ وقف إطلاق النار. ووفقًا للتقارير الصادرة عن قوة الأمم المتحدة المؤقتة فى لبنان (يونيفيل) وعدد من الهيئات الدولية والإخبارية، فقد تجاوزت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان 10.000 خرق منذ دخوله حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024. هذه الخروقات أسفر عنها 330 شهيدًا و940 مصابًا؛ وفق وزارة الصحة اللبنانية. وتنظر مصر إلى لبنان نظرة خاصة، تستند إلى مجمل الصفات التي يتمتع بها والقضايا الشائكة التي فُرضت عليه في السنوات الأربعين الماضية. لذلك، تحرص مصر على مساعدة لبنان للصمود أمام العدوان الإسرائيلي، وتضع في اعتبارها مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها الفاعلة كأساس لدعم لبنان في الكثير من القرارات المصيرية، وأبرزها قرار حصرية السلاح بيد الدولة، الذي يوجه أساسًا لسلاح حزب الله، والذي تتذرع به إسرائيل لمواصلة عدوانها على لبنان.
من المرجح أن تستمر مصر في موقفها الداعم للجيش اللبناني، ومواصلة اتصالاتها مع القوى اللبنانية المختلفة لضمان أعلى مستوى من مستويات الوحدة الداخلية اللبنانية. ومن جانب آخر، يُرجح أن تتواصل مصر مع دول عربية، لضمان أكبر مساندة عربية للدولة اللبنانية ضد العدوان الإسرائيلي وتوفير إمكانيات مناسبة للجيش اللبناني لمواصلة دوره المهم والحيوي في تطبيق قرار حصرية السلاح، كما ستواصل مصر اتصالاتها مع فرنسا بخصوص محاصرة الاعتداءات الإسرائيلية المتوقعة ومنع حدوثها. كما ستوفر العديد من المساندة التنموية للحكومة اللبنانية، وتقديم التوصيات للجهات اللبنانية الرسمية، وفى مقدمتها الرؤساء الثلاثة للدولة والبرلمان والحكومة، للاستفادة من تجربة مصر التفاوضية مع إسرائيل.
خامسًا: توصيات ضرورية لسوريا
في إطار متابعة التطورات السياسية والأمنية في سوريا والتدخلات الإسرائيلية التي تهدد وحدتها الإقليمية، تحرص مصر على التواصل مع المسئولين السوريين، وإبداء النصائح والتوصيات التي تراها القاهرة ضرورية لمساعدة السلطات السورية الجديدة في معالجة بعض القضايا الداخلية المتعلقة بالسيطرة على المجموعات المسلحة من غير السوريين التي نشأت في المرحلة السابقة، وضرورة إبعادها خارج البلاد، وألا تتحول سوريا إلى بؤرة تتوالد فيها مجموعات إرهابية تهدد دولًا أخرى.
في هذا السياق، سوف تواصل مصر اتصالاتها مع الجهات السورية للتحقق من العناصر المصرية الإرهابية التي ما زالت تقيم في سوريا بهدف تسليمها ومحاكمتها في مصر. كما ستواصل مصر النصح بسبل تعزيز العلاقة بين المركز في دمشق والمكونات السورية المختلفة طائفيًا ودينيًا وعرقيًا، لما في ذلك من ضرورة قصوى لحماية وحدة سوريا وتعزيز قدرتها على مواجهة مطالبات بعض المكونات المجتمعية بإعلان دولة منفصلة برعاية إسرائيلية.
مع سريان إلغاء قانون قيصر الأمريكي، وتحرر سوريا من القيود التي عزلت البلاد اقتصاديًا، فإنه من المرجح أن تهتم بعض شركات القطاع الخاص المصرية باستكشاف فرص المشاركة في جهود إعادة إعمار سوريا، وبدء التبادل التجاري، لا سيما توريد السلع المصرية من المنتجات الكهربائية.
سادسًا: مواصلة الاتصالات مع إيران
بالرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية مع طهران، فقد شهدت العلاقة مع إيران قدرًا من التواصل المستمر في عام 2025، ركزت على تبادل المواقف بشأن أمن الإقليم، وحرصت مصر على أن تمارس دورًا مباشرًا بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتيسير التفاهم بينهما بشأن عملية التفتيش على المواقع النووية الإيرانية التي تعرضت للضربات الأمريكية في يونيو 2025؛ حيث اتفق الطرفان، في 9 سبتمبر 2025، بالقاهرة، على اتفاق يمهد لاستئناف التعاون بينهما، وهو الاتفاق الذي دعمته القاهرة انطلاقًا من سياسة مصر في خفض التصعيد والتهدئة بعيدًا عن المواجهات العسكرية، ومن ثم الحرص على إنهاء المبررات التي قد تلجأ إليها الولايات المتحدة وإسرائيل لاستئناف المواجهة العسكرية ضد إيران، وما يشكله ذلك من مخاطر على أمن الإقليم.
امتدادًا لهذا الدور، فإنه من المرجح أن تواصل القاهرة، في عام 2026، اتصالاتها مع إيران والولايات المتحدة ليس كوسيط، وإنما كطرف معني مباشرة بالأمن الإقليمي، لإقناع الطرفين بالتفاوض الشفاف حول برنامج إيران النووي، وصولاً إلى اتفاق يرضي الطرفين، ومحاصرة احتمالات المواجهة العسكرية التي تلوح بها حكومة تل أبيب المتطرفة. ومن المرجح أيضًا أن تسعى القاهرة لترسيخ تفاهمات التعاون البناء بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران، وإتاحة الفرصة للدبلوماسية والحوار المباشر والبنَّاء.
تعد الاتصالات المتكررة بين وزير الخارجية المصري ونظيره الإيراني أمرًا مسلمًا به سوف يستمر في عام 2026، تُناقش فيها قضايا مشتركة، منها أمن البحر الأحمر، وإقناع إيران بممارسة دور إيجابي ومباشر لتحفيز حلفائها، لا سيما الحوثيين في اليمن لمراعاة المصالح المصرية وحرية الملاحة في البحر الأحمر، وحزب الله في لبنان من أجل التجاوب مع قرار الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح، كامتداد لاهتمام مصر بحماية لبنان واستقراره، وإبعاد شبح العدوان الإسرائيلي على أراضيه.
سابعًا: السد الإثيوبي وحقوق مصر المائية
تضع مصر نصب أعينها هدفًا وجوديًا يتمثل في الحفاظ على حقوقها المائية من نهر النيل، وتنظر إلى التعنت الإثيوبي بشأن عدم توقيع اتفاق قانوني ملزم ينظم إدارة السد بما لا يضر الحقوق المائية المصرية، باعتباره موقفًا عدائيًا، أجهض العديد من محاولات التفاوض طوال العقد الماضي.
من المرجح أن تستمر مصر في جهودها الدبلوماسية من أجل الضغط على إثيوبيا للعودة إلى طاولة التفاوض المحدد بمدة زمنية إما بمشاركة طوعية، أو من خلال التعامل الجاد مع أي مبادرة وساطة جادة لإحدى القوى الكبرى أو أية منظمة دولية تعني بالاستقرار والسلام الدوليين. وقد سبق للقاهرة أن رحبت بتصريحات الرئيس ترامب التي أبدى فيها موقفًا مؤيدًا للموقف المصري تجاه التعنت الإثيوبي. وفي حال أقدمت إدارة الرئيس ترامب على طرح مبادرة تخص إدارة السد والتوصل إلى اتفاق ملزم بين إثيوبيا وكل من مصر والسودان، فإنه من المؤكد أن مصر ستؤيد مثل هذه المبادرة إن وجدت، وستعمل على تفعيلها وصولًا إلى الحفاظ على الحقوق المائية المصرية.
غير أن المشاهد المُحتملة قد تأخذ مسارًا آخر، من قبيل استمرار تجاهل إثيوبيا المطلب المصري واتخاذها إجراءات فنية تمنع جزئيًا وصول المياه إلى مصر. في هذه الحالة، من المرجح أن تتحرك مصر دبلوماسيًا لتفعيل آليات القانون الدولي، لا سيما الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتيح للدول الواقع عليها ضرر جسيم، أن تأخذ الإجراءات المناسبة لدرء هذا الضرر. والواضح أن صبر مصر تجاه إثيوبيا آخذ في النفاد، مع التأكيد على أن الأولوية للتفاوض والحلول السلمية، وانتفاء أي نية للإضرار بحق إثيوبيا في التنمية. لذلك، فإنه من المرجح ألا تلجأ مصر إلى إجراءات عنيفة، إلا إذا وصلت الأمور إلى حد التأثير الوجودي المباشر على مصر. حينها، يصبح الخيار العنيف مطروحًا بقوة، على أن يسبقه حملة دبلوماسية أفريقيًا ودوليًا، توضح الحقائق كاملة، وأهمها حق مصر في الدفاع عن مصالحها العليا الوثيقة الصلة بحياة الشعب المصري كافة.
من المرجح أيضًا أن تستمر مصر في الاستعداد لأي طارئ في بنية السد الإثيوبي قد يترتب عليه اندفاع كميات هائلة من المياه، وأهم تلك الاستعدادات توسيع مفيض توشكى وتخطيط مسارات مائية إضافية فيما بعد السد العالي، تحسبًا لأي تحرك مائي إثيوبي متعمد أو غير متعمد. كما أنه من المرجح بقوة أن تعمل مصر مع دول أفريقية مختلفة لإفشال الجهود الإسرائيلية والإثيوبية التي تدفع نحو تقسيم الصومال، بما له من تداعيات خطيرة للغاية على وحدة الصومال ودول أفريقية أخرى. كما ستلجأ مصر إلى جميع المنظمات الأفريقية لبلورة موقف مضاد للسلوك الإسرائيلي.
ثامنًا: اليمن ووحدته
تلتزم مصر بدعم الحكومة الشرعية التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وتمسكه بحصرية القرارات المتعلقة بمصير البلاد في عهدة الحكومة المعترف بها، ومطالبته بعودة الأوضاع في المحافظات الجنوبية إلى ما كانت عليه قبل مغامرة المجلس الانتقالي الجنوبي في 2 ديسمبر 2025، بالسيطرة العسكرية على محافظتي حضرموت والمهرة، تمهيدًا لإعلان دولة الجنوب العربي وفصل شماله عن جنوبه، وهو المبدأ الذي ترفضه مصر بقوة. كما تؤيد مصر خطوات التحالف بقيادة السعودية والمعِني بسلامة اليمن ووحدته، ورفضه للتوجهات الانفصالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، مع الحرص على ألا تتطور الأمور إلى مواجهات ستضر حتمًا بالشعب اليمني. ومن المرجح أن تواصل مصر اتصالاتها مع الأطراف المتدخلة في الأزمة اليمنية لتغليب لغة الحوار، والابتعاد عن الحلول العسكرية.
تاسعًا: حوكمة البحر الأحمر وأمنه
يحتل أمن البحر الأحمر حيزًا مهمًا ضمن أولويات السياسة الخارجية المصرية؛ نظرًا لتأثيره المباشر في الملاحة الدولية العابرة لقناة السويس. والمرجح أن تستمر مصر في تعزيز علاقتها مع كل الدول المشاطئة للبحر الأحمر، تطبيقًا لرؤيتها الخاصة بأن أمن وحوكمة البحر الأحمر هو مسئولية دوله المطلة عليه، مع استبعاد أي تأثير لدول خارج هذا التصنيف، وهو الأمر الذي ينطبق على إثيوبيا، التي تعمل على الحصول على وجود بحري من خلال إقليم أرض الصومال المنشق عن الحكومة الصومالية الشرعية، والمرجح أن تراكِم مصر علاقاتها التعاونية مع كل من الصومال وجيبوتى وإرتيريا، وتقدم كل ما هو ممكن من دعم تنموي لهذه الدول، يسهم في ترسيخ حكوماتها الشرعية ويدعم مواجهتها لأي تحركات أو تجمعات عسكرية متمردة وإرهابية.
في هذا السياق، من المرجح أن تكثف مصر مساعداتها الخاصة بتطوير ميناء أوراليه في جيبوتي، واستكمال بناء مقر لوجيسيتي للتجارة المصرية، وكذلك المساعدة في تطوير الموانئ الرئيسية في كل من الصومال وإريتريا، كما ستقدم خبراتها العسكرية والأمنية لهذه الدول، مع دعم مباشر من السلاح المناسب.
في سياق أمن وحوكمة البحر الأحمر، تبدو مصر حريصة على استمرار وقف العمليات العسكرية التي تقوم بها جماعة أنصار الله الحوثية في شمال اليمن ضد بعض السفن المارة في البحر الأحمر، والتي أثرت سلبًا وبشدة في حركة الملاحة في قناة السويس وعائداتها. وسوف تواصل القاهرة اتصالاتها غير المباشرة مع هذه الجماعة من خلال دول شقيقة كسلطنة عمان، والأمم المتحدة ومبعوثها الخاص لليمن، كما ستواصل اتصالاتها مع إيران لما لها من تأثير في الحوثيين.
ويُعد اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال المنشق عن الحكومة الشرعية، المُعلن 26 ديسمبر 2025، بُعدًا خطيرًا، سواء لوحدة الصومال وسيادتها، أو ما قد يترتب عليه من وجود عسكري إسرائيلي مباشر على سواحل الإقليم المنشق، والتي تصل إلى أكثر من 650 كم، ويزداد الأمر خطورة مع احتمال تنسيق إسرائيلي - إثيوبي مع سلطات الإقليم المنشق للحصول على منفذ بحري لإثيوبيا. والمرجح أن مصر التي أدانت هذا التطور الإسرائيلي باعتباره يزيد من حدة المخاطر على أمن البحر الأحمر ويشرعن انقسام دول ذات سيادة، سوف تكثف جهودها واتصالاتها مع الحكومة الصومالية من أجل رفع قدراتها الذاتية عسكريًا واقتصاديًا لمواجهة هذا التطور الخطير. كما ستتجه مصر إلى ترسيخ تعاونها مع جيبوتى، ومزيد من التنسيق مع تركيا التي أدانت بدورها الاعتراف الإسرائيلي بـ "أرض الصومال" المنشق.
عاشرًا: تعزيز العلاقات التنموية مع دول أفريقيا
من أجل الحد من الآثار السلبية المتوقعة لقرار اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال، وتداعياته على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر معًا، فإنه من المتوقع أن يكون المجال الأفريقي خلال عام 2026 ساحة لنشاط مصري مكثف، من خلال تعزيز علاقاتها التعاونية والتنموية مع معظم الدول الإفريقية. ومن المرجح أن يكون للإسهام المصرى الكبير في بناء سد جولويوس نيريرى في تانزانيا دافعًا قويًا لترسيخ دور مصر كقوة تنموية كبرى للدول الإفريقية، بما لها من خبرات وشركات كبرى يمكنها أن تُنشِئ وتدير مشروعات السدود والكهرباء بما يفيد الشعوب الإفريقية، ومن ثم يرفع من النفوذ المعنوي لمصر أفريقيًا، ويحاصر الصور السلبية التي تتعمد تداولها دول أفريقية مناوئة للدور المصري.
أيضًا، من المرجح أن تطلب بعض الدول الأفريقية التعاون مع مصر تنمويًا في مثل هذه المشروعات الكبرى، بداية من دراسات الجدوى والتشييد والإدارة ورفع مستوى المعيشة. وهو ما سيتيح فرصًا واعدة للشركات المصرية المتخصصة في هذه المشروعات الكبرى، لا سيما شركتي المقاولون العرب والسويدي للكهرباء، اللتين أنجزتا بمهارة عالية واحترافية مشهودة سد جوليوس نيريرى في تنزانيا.
ختامًا، يمكن القول إن التحركات المصرية قد شكلت، طوال عام 2025، تجاه البيئة الإقليمية اتجاهًا رئيسيًا يصعب تجاهله في الكثير من أزمات المنطقة؛ وقد تجلى ذلك في تحركات مصر ومواقفها بشأن قطاع غزة، الذي يُعد نموذجًا تكرر في عدة أزمات أخرى كالسودان واليمن وليبيا وسوريا وحقوق مصر المائية في نهر النيل، بالإضافة إلى ضبط الاندفاع نحو مواجهة أخرى بين إيران وإسرائيل. وفى واقع الحال إن الكثير من أزمات الإقليم وتطورات بعضها غير المتوقع والحامل لأخطار استراتيجية متنوعة، ما زالت تفرض نفسها كأولويات للسياسة المصرية خلال عام 2026.