تفيد التطورات في منطقة البحر الأحمر، منذ ربع قرن، بتحول عميق في الوضعية الدولية لهذا البحر، وحالته الجيوسياسية والملاحية؛ بعد أن شهد أزمات وحوادث وهجمات بشكل متواتر، وبعد أن تفجرت صراعات داخل بعض دوله وفيما بينها، واضطربات على حواضنه في اليمن والقرن الأفريقي والسودان.
يحتاج التعامل مع أمن البحر الأحمر لمفهوم أشمل ورؤية جديدة، لا تنكر أهمية التعاون العسكري والأمني، الذي غاب عن الطرح الأول لفكرة مجلسه الذي أعلن عنه عام 2020، وفي الوقت نفسه لا تكتفي بالطرح السياسي لهذا المجلس، ولا بتصور خاص بهيكل عسكري وأمني - لم يكن مطروحاً عند إنشائه - إنما تسعى لتعزيز ما يمكن تسميته بـ "الحاضنة الجيوسياسية والأمنية" للبحر الأحمر، بما يقلل من الرسميات والشكل والبروتوكول، ويكثف من المضمون القيمي والمجتمعي الذي يستبطن مكنون حضارات شعوبه ودوله وعمق تاريخه.
أولاً: البحر الأحمر.. اتساع رقعة الاضطرابات والقلاقل
لا يمكن إنكار أن البحر الأحمر كان أكثر الممرات البحرية العالمية اضطراباً في السنوات الأخيرة؛ بعد أن تعرض لمختلف المخاطر والأحداث الأمنية؛ على سبيل المثال -وليس الحصر-، فمن هجوم تنظيم القاعدة على المدمرة الأمريكية "يو إس إس كول" في ميناء عدن أكتوبر 2000، إلى أزمة القرصنة قبالة السواحل الصومالية التي استمرت منذ 2006 وبلغت ذروتها في 2011 وتجددت في 2022، إلى التنافس على القواعد العسكرية للدول الكبرى والإقليمية في جنوب البحر الأحمر وعند مداخله، إلى نشاط تنظيم القاعدة في جزيرة العرب داخل اليمن قبل وبعد 2011، إلى الصراع المسلح اليمني - اليمني (والكثيف في منطقة الساحل الغربي) منذ استيلاء الحوثيين على صنعاء في 2014 متبوعاً بحرب التحالف العربي منذ 2015، إلى هجمات السفن بين إيران وإسرائيل، إلى تحالفات عسكرية دولية تحت لافتات أمن البحر الأحمر ("حارس الازدهار" الأمريكي الذي أعلن عنه في ديسمبر 2023 وعملية أسبيدوس العسكرية البحرية التي أطلقها الاتحاد الأوربي في فبراير 2024)، إلى صراعات مسلحة داخل الدول في حواضن البحر الأحمر (إثيوبيا) أو على سواحله (السودان)، إلى حرب وهجمات على السفن بين الحوثيين وإسرائيل قلّصت حركة الملاحة في قناة السويس، إلى مذكرة تفاهم في يناير 2024 بين إثيوبيا وأرض الصومال تمنح الأولى منفذاً بحرياً وقاعدة عسكرية في ميناء بربرة. وحتى أخيراً الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى "جمهورية أرض الصومال"، الذي جاء ليطرح كل أشكال التهديد لاستقرار البحر الأحمر. ووسط كل ذلك، هناك مشروعات اقتصادية عملاقة ومستقبل يجري بناؤه والتأسيس له في كل من مصر والسعودية، يرتبط بالاقتصاد الوطني والتنمية الشاملة في البلدين، ويراهن بالأساس على استقرار البحر الأحمر.
جاء الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال"، ثم التطور الأخير في الأزمة اليمنية على إثر أحداث محافظتي حضرموت والمهرة، ليؤكدا أهمية التوافق على صيغة أمنية، ليس فقط لأجل استقرار الممر الملاحي، وإنما استقرار "الحاضنة الجيوسياسية والأمنية للبحر الأحمر"، كأساس ومدخل لاستقرار هذا الممر العالمي. فمن المنظور الطبيعي اللازم لأمن البحر الأحمر، وكاستنتاج وخلاصة أشمل لتاريخ أزماته المشتعلة منذ ربع قرن، فإن جميعها يفيد بنتيجة واحدة؛ هي أنه لا استقرار للبحر الأحمر دون استقرار حاضنته الجيوسياسية الأمنية التي تشمل الدول الثماني الموقعة على ميثاق إنشاء مجلسه منذ خمس سنوات، فضلاً عن الحزام المحيط بها من دول الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وحتى ليبيا في الشمال، ذلك أن مختلف الأفكار والمشروعات الخارجية التي تعاملت مع أمن البحر الأحمر كانت أفكاراً منقوصة، أساسها الرؤية الأمنية والمصالح الخارجية، ونشأت للتأمين ضد الحوادث المسلحة لأهداف خاصة مرتبطة بمصالح دول من خارج حزام هذا البحر ومن خارج إقليمه، ولم تسع لتحقيق أمن البحر الأحمر فعلياً أو أمن دوله كمدخل لأمنه.
يحتاح البحر الأحمر الآن إلى تطوير صيغة مجلس البحر الأحمر؛ صحيح أنه منذ إطلاق فكرة هذا المجلس لم يكن في وارد دوله بناء هيكل عسكري لأمنه، على نحو ما أكد وزير الخارجية السعودي حينذك، وكان هذا الطرح السياسي قبل سنوات مناسباً لأطروحة مؤسسة على النظرة الماضوية لتاريخ البحر الأحمر كبحر هادئ ووديع، ولم تكن حالته الأمنية عام التوقيع على وثيقة إنشاء مجلسه على هذه الدرجة من السخونة التي أصبحت عليها الآن، والتي تكرسها محاولات نشر الاضطراب المتعمّد، من قبل دول مختلفة لأجل إزعاج دوله عبر تفتيت الدول المهيأة لذلك وتوظيف صراعات الداخل، على نحو ما تفعل إسرائيل وإثيوبيا (وهناك دول أخرى لا تزال تترقب تفيد تصريحاتها بأنها في الطريق إلى الخطوة الإسرائيلية الإثيوبية ذاتها).
ثانياً: بناء "الحاضنة الجيوسياسية والأمنية"
تدعو الرؤية الجديدة لأمن البحر الأحمر إلى العمل وفق خطة تتأسس على ما يلي:
1- التفعيل السياسي لمجلس البحر الأحمر: أصبحت إعادة إطلاق المجلس المسمى "مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، والمكون من 8 دول عربية وأفريقية (مصر والمملكة العربية السعودية والأردن والسودان واليمن وإريتريا والصومال الفيدرالية وجيبوتي)، والذي وقع وزراء خارحية الدول الثماني على ميثاقه ضرورة ملحة، في ضوء التطورات بالبحر الأحمر. أصبحت كلمة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان -عند توقيع ميثاق المجلس بالرياض في 6 يناير 2020- أكثر تعبيراً وتجسيداً للواقع الحالي للبحر الأحمر؛ حين شبّه المرحلة (قبل 5 سنوات) من حياة البحر الأحمر بـ "المرحلة الحساسة" التي "نحن أحوج ما نكون فيها إلى تسريع وتيرة تعاون دولنا وتعزيز قدراتنا بما يمكننا من مواجهة أي مخاطر أو تحديات تواجه منطقتنا.. وتحيط بالجميع من كل جانب". مرت خمس سنوات منذ توقيع ميثاق مجلس البحر الأحمر ولم يجتمع المجلس لأجل إكمال بنيته التأسيسية. مضت هذه السنوات دون أي خطوات تتعلق بأمن البحر الأحمر. الآن أصبح إعادة إحياء الهيكل السياسي لهذا المجلس أمراً ضرورياً، ومن دون ذلك، سوف تضيع سنوات قادمة تصبح بعدها دوله في وضعية أخطر بكثير مما تجد نفسها فيه الآن.
2- وضع تصور بالهيكل الأمني العسكري الإقليمي: تبدو الآن أيضاً أهمية التفكير في التأسيس لتصور هيكل أمني إقليمي للبحر الأحمر، معزِّز للكيان السياسي لمجلسه؛ فلم تعد الأوضاع على نحو ما كانت عليه في 2020، عندما لم يكن هناك تفكير في بناء الهيكل الأمني العسكري، وكان التصور للمجلس على أنه كيان سياسي فقط، حيث أكد وزير الخارجية السعودي -عند توقيع الميثاق- على أنه "لا يوجد تصور لإنشاء قوة عسكرية جديدة.. تحت مظلة هذا الكيان". الآن أصبح من الضروري بناء الرؤى التوافقية حول التصور بأشكال وصور التعاون العسكري الثنائي والجماعي وأشكال وصور التفاعل وردود الفعل المنسّقة ساعة حلول الأخطار، وتكثيف التدريبات والمناورات العسكرية بين دوله للتعامل مع أشكال وصور التهديد التي يمكن أن تتطور تالياً.
3- الاستثمار في الحاضنة الأمنية والجيوسياسية للبحر الأحمر: تبدو الآن أهمية طرح مفهوم "الاستثمار في الحاضنة الجيوسياسية والأمنية للبحر الأحمر"، وهي الحاضنة التي تمثل بيئة ومحيط المجلس. ذلك يتضمن طرح مبادرات من جانب دوله المستقرة والكبيرة، لأجل استقرار دوله التي تعاني من أزمات وصراعات مسلحة، وهموم اقتصادية كثيرة. صحيح أن هناك أطراً أطلقتها دول البحر الأحمر كمصر والسعودية لأجل تسوية النزاعات داخل دوله المأزومة وحلها، لكن المهم هو التوافق بين الدول الكبيرة على رؤية وأجندة تمكنها من الوقوف القوي ضد من يناهض هذه الأجندة ويعمل ضد التسويات ويدفع لاستمرار الصراعات داخل هذه الدول، بحيث يكون التعامل مع صراعات دول البحر الأحمر على رأس أولوية السياسة الخارجية لدوله الكبيرة في مختلف الأروقة والمنابر الدولية وتحملها معها بهدوء وصبر على الصعيد العالمي، وهناك بوادر على الحركة في هذا الاتجاه. ويمكن أن يساعد على ذلك إنشاء مراصد وطنية وإقليمية للإنذار المبكر بالأزمات داخل دول البحر الأحمر وفيما بينها. ومهم أن يرافق الخطة السياسية خطة اقتصادية، في شكل استثمارات تعود على الشعوب والمجتمعات.
4- الاستثمار في الحاضنة الفكرية والحضارية: قد يرى البعض أن مصطلح الاستثمار في الحاضنة الفكرية والحضارية للبحر الأحمر هو مفهوم دخيل على قضايا الأمن، لكنه يشكل في الحقيقة ربما أهم مفهوم لا تنتبه إليه بعض الأجهزة المتخصصة، التي تحصر الأمن عند مفاهيمه الضيقة. مفهوم "الحاضنة الفكرية" هو المفهوم الناعم للتعامل مع قضايا الأمن عبر تفاهمات وأفكار المثقفين والخبراء والمؤرخين والعلماء. فلأجل نجاح أي مؤسسة أو مشروع من المهم صهر الأفكار حوله والتواصل المفاهيمي بين العاملين عليه، عبر الأطر الثقافية والفكرية التي تطلق تشابكات مفاهيمية مؤطرة للمصالح، تكون ضرورية لنجاح أي إطار سياسي أو أمني ناشئ. فلا يمكن ضمان نجاح مجلس البحر الأحمر دون تمهيد الأرضية الثقافية عبر لقاءات فكرية ونقاشات بين المفكرين والمثقفين والعلماء وندوات وفعاليات ثفافية واجتهادات سياسية، تغربل تاريخ المجتمعات وتعبئ من قيمها الضاربة في العمق وتغرف من تراث الماضي السحيق، بحثاً عن كل ما يستعيد التواصل التاريخي والبشري والحضاري ويعززه. هنا يمكن للجامعات ومراكز التفكير والبحث أن تخلص -ولو بعد خمسين عاماً- إلى عناصر هوية جامعة للبحر الأحمر تتسم بالتنوع والثراء؛ ففي النهاية فإن الهويات لا تبنى على التاريخ الفعلي، إنما التاريخ الذي يجري إعادة تغذيته واختزانه وإدراكه في الأدمغة والعقول.
بذلك يخرج التفكير لأمن البحر الأحمر من أطر وأحزمة التفكير الغربية الضيقة، التي تتعامل بمنطق الأمن والمصالح الخارحية، وبذلك أيضاً تتسع رؤية أمن البحر الأحمر لتشمل أبعاداً لم تكن مطروحة عند إعلان إنشاء مجلسه عام 2020، وبهذا أيضاً يمكن ضمان استمرار هذا المجلس وليس تعطله بعد إعلان إنشائه. وهذا المنهج هو -في الأخير- أفضل منهج يمكن أن يتصدى لإسرائيل وإثيوبيا، وهو أفضل بكثير من بيانات الشجب والإدانة.