عادة ما يكون الخطأ القاتل في الأدب البوليسي مجازياً للدلالة على وقوع هفوة أو زلة بسيطة تقود إلى كشف مرتكب الجريمة، كما في الحبكات المتخيلة لأجاثا كريستي التي تلجأ لذكاء المحقق هيركيول بوارو للربط بين الأحداث المتناثرة، والتدقيق في سلوك المتهمين لمعرفة من الجاني. أما في الواقع الحقيقي، فهو فعل غير متعمد قد يؤدي إلى إزهاق حياة إنسان، كما في الإهمال الطبي الجسيم أو الحوادث المميتة.
في السياسة، يكتسب هذا النوع من الخطأ المعنيين المجازي والحقيقي، فهو خيار سلبي غير مقصود، أياً يكن حجمه، لكنه يطرح آثاراً فادحة قد تصل إلى القضاء على مستقبل القادة والحكومات والجماعات، والإضرار العام بالدول والمجتمعات، كما قد يترك ورائه جراحاً غائرة في الذاكرة الجماعية لا يضمدها النسيان أو يحجبها تشويش متعمد لمنع مساءلة المتسببين فيه، مثل قرارات خاطئة تقود لحرب خاسرة أو صراع أهلي مدمر، أو ثورة شعبية أو أزمة اقتصادية حادة، أو تهديد ممتد للمصالح الحيوية للأمن القومي.
من رحم تلك الأخطاء القاتلة، تتشكل محركات التدافع والتغيير في السياسة العالمية والمحلية، فلولاها ما طوى التاريخ صفحة قادة استبداديين كهتلر وصدام أو حتى ديمقراطيين فشلوا في إعادة انتخابهم مرة أخرى، وما انزوت دول وإمبراطوريات قوية وتفوقت أخرى عليها في موازين القوى الدولية، وما أعادت مجتمعات مدمرة بناء نفسها، مثلما صوبت كل من ألمانيا واليابان أخطائيهما بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، لتعودا إلى مصاف القوى الكبرى المتقدمة.
المفارقة هنا، أنه ليست كل الأخطاء السياسية، بما فيها القاتلة، حقائق موضوعية، حتى مع وجود أدلة على آثارها الفادحة، فقد يحدث بشأنها جدالات، أي تتحول من حقائق معترف بها إلى رؤى متنازعة في الخطابات السياسية يغيب عنها المعايير المتفق عليها في التقييمات، ما يجعل البعض يصور قراراً أو تصرفاً ما على أنه خطأ أو هزيمة، والآخر يعتبره صواباً أو نصراً، فيما يسوغه اتجاه ثالث كفعل لا مفر منه، أو خارج عن الإرادة أو السيطرة، عندما تكون الآثار الوخيمة للخطأ لا يمكن التعمية عليها.
يظهر هذا الجدال في بعض القرارات والأحداث الكبرى التي يرافق تقييمها انحيازات قيمية وأيديولوجية ومصلحية تجعل أحكام الخطأ والصواب مجالاً للاستقطاب السياسي. بعد قرابة أربع سنوات على الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، لا تزال الإجابة عن تساؤل: هل أخطأ بوتين في قرار الغزو أم لا محل تقييمات متباينة. ينسحب ذلك الجدال على هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، حتى مع الإقرار بمبدأ حق المقاومة في مواجهة الاحتلال. بل إن توسيع إسرائيل لدائرة العنف الإقليمي سعياً لاستعادة الردع على مدى عامين من حرب غزة، بدا هو الآخر مختلفاً على نتائجه وآثاره بين النخب والرأي العام الداخلي.
المفارقة الأخرى في مجال الأخطاء السياسية، تتعلق بأثر الزمن في تقييم قرار أو تصرف ما، فمع تكشف دوافعه وآثاره، بشكل أكثر وضوحاً بمضي الوقت، قد يتغير الحكم عليه سلباً أو إيجاباً، لكونه يرتبط بتطور حجم المعرفة المتاحة والتبعات الزمنية والمكانية. يتجلى ذلك في أحداث أخرى جرت في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، كالثورات والصراعات الأهلية والتدخلات الخارجية، فمع الامتداد الزمني لتلك الأحداث وآثارها تختلف الرؤى حول القرارات والتصرفات التي أفضت لنشوبها، وما أنتجته أيضاً من دروس وخبرات للدول والمجتمعات.
صحيح أن طبيعة التفاعلات اللاخطية المعقدة واللايقينية والضبابية للظواهر السياسية قد تنتج أحياناً مفاجآت غير متوقعة قد تتسبب في حدوث مثل هكذا أخطاء، لكن الأخيرة تنجم غالباً عن قرارات أو تصرفات لصناع القرار والسياسات يشوبها سوء تقدير ناتج بالأساس عن تضافر عوامل معرفية وقيادية ومؤسسية ونظمية وسياقية، وبالتالي يمكن فحصها وتعلم الدروس منها، كي يتم تصحيح مسار الدول والمجتمعات.
من هنا، يحاول هذا التحليل فهم ماهية الخطأ السياسي، خاصة عندما يكون قاتلاً أو فادحاً أو كارثياً، مع الاستدلال عليه في مجالات مختلفة، ثم طرح العوامل المفسرة لوقوعه. الأهم، لماذا ينشأ الجدال حوله بين المنظورات الموضوعية والذاتية والزمنية، وأخيراً، من يمكن مساءلته – إذن- عندما يتحول الفشل والإخفاق من حقائق لا تخطأها عين الرائي إلى وجهات نظر جدلية؟
معنى الخطأ السياسي بين القاتل وغير القاتل
عندما لا يصيب المرء هدفه أو ينحرف قراره أو تصرفه عن المسار الصحيح، بما لا يتفق مع إرادته أو رغبته، فذلك مما يعد خطأ، وهو ما لا يختلف في مجال السياسة، إلا من حيث طبيعة الفاعل المخطيء (قادة، حكومات، جماعات) الذي قد يقدم على اتخاذ قرارات وتصرفات تفاقم مشكلة ما ولا تعالجها، أو نمط القضايا العامة التي يقع في نطاقها الخطأ كإدارة السلطة والأمن والتنمية وشئون المجتمعات والمصالح الخارجية للدول، أو ما يرتبه الخطأ من مساءلة لأولئك الفاعلين كونهم ممثلون سياسياً للمجتمعات في إدارة الشأن العام.
يتأسس هذا المعنى العام للخطأ السياسي على افتراضين جوهريين: الأول، أنه غير مقصود، أي لا يعكس نية مبيتة من الفاعل السياسي تنطوي على إدراك وتوقع مسبق بعدم القدرة على إصابة الهدف، وإلا أصبح عندها فعلاً عمدياً يصنف في دائرة التواطوء السياسي، وهو ما لا يدخل في مناقشة هذا التحليل. أما الثاني، أنه نتاج عملية تفكير سواء أكانت عقلانية أو عاطفية أو فردية أو مؤسسية أو مزيج بين كل ذلك، لكنها، في كل الأحوال، لم تتوقع عواقب القرارات[1].
مع وقوع ذلك الخطأ، تنكشف عدم قدرة الفاعل السياسي على التنبؤ واستشراف المستقبل وهي القدرة التي تمثل محدداً أساسياً لمدى ضعف أو كفاءة من يديرون السياسة في بلد ما. وعندما يتكرر الخطأ، دون إيلاء أهمية لدروس الماضي، فإنه يتحول إلى حالة فشل. صحيح أن مفردتي الخطأ والفشل تُستخدمان بالتبادل للدلالة على الأفعال السلبية، لكن البعض يفرق بينهما، فبينما يركز الخطأ على الفاعلين وخياراتهم السلبية، يتعلق الفشل بنتيجة تلك الخيارات، كأن يشار إلى أن الدول الفاشلة نتاج سلسلة أخطاء فادحة تقترفها الأنظمة الحاكمة على صعيد السياسات الداخلية والخارجية[2].
غير أن الأخطاء في السياسة ليست كلها متماثلة أو ذات طبيعة واحدة، بل عديدة ومنتشرة بما لا يمكن حصرها، فهنالك أخطاء خطابية (تصريحات غير منضبطة أو وعود مضللة أو مبالغ فيها)، أو إدراكية (سوء إدراك أو توهم أمر ما على خلاف حقيقته)، أو معرفية (فهم منقوص أو منحاز)، أو منطقية (أخطاء المنطق والعقل)، أو أخلاقية (انتهاك القيم والمعايير). في الحالة الأخيرة، تميز الأدبيات بين ما هو خطأ أخلاقي وآخر سياسي، على أساس أن المعايير الحاكمة للسلوك الاخلاقي للفرد قد لا تكون مناسبة للدول والجماعات، لكن هذا التمييز بدا نسبياً، مع تصاعد قضايا قيمية ومعيارية عالمية بات يمثل خرقها خطأ سياسياً أخلاقياً، كانتهاكات حقوق الإنسان، وجرائم الإبادة الجماعية[3].
على مستوى نطاق وشدة أثر الخطأ السياسي، يميز البعض بين أخطاء تكتيكية (خيارات سلبية ظرفية قصيرة الأمد ذات حجم ونطاق صغير وشدة منخفضة وأثر محدود) وأخرى استراتيجية (خيارات سلبية طويلة المدى ذات حجم ونطاق كبير وشدة عالية وأثر ممتد)، وثالثة نظامية، أي تتعلق بفشل بنيوي، حيث تصبح خيارات الدول ومؤسساتها غير قادرة على تلبية احتياجاتها الحيوية من بقاء وسيادة وأمن وتنمية وتماسك مجتمعي. فيما يميز آخرون بين الخطأ، على أساس معيار مدى القدرة على إصلاحه، فثمة خطأ بسيط simple يمكن تصحيحه سريعاً في مدى زمني قصير، وآخر جسيم أو خطير serious لا يمكن تصحيحه بسهولة، إلا في مدى زمني متوسط، وثالث قاتل أو كارثي fatal لا يمكن إصلاحه، إلا في مدى زمني طويل[4].
من ذلك، يمكن القول إن الخطأ القاتل في السياسة هو انحراف عميق وغير مقصود عن الأهداف من قبل قرار أو تصرف ما للفاعل السياسي، بما يقود إلى نتائج وآثار بالغة الحدة. تتخذ هذه الآثار عدة سمات أساسية، أولها، هيكلية، أي تُحدث اختلالات في أبنية الدول والمجتمعات. ثانيها، واسعة النطاق، أي تنتقل من موضع عدم إصابة الهدف إلى سياقات أوسع مرتبطة به. ثالثها، ممتدة زمنية، أي تنتقل آثارها من الحاضر لتعيد تشكيل المستقبل. عادة ما ترتبط الأخطاء القاتلة بسياقات الحروب أو التدخلات العسكرية أو الأزمات الاقتصادية أو الصراعات الأهلية أو الثورات الشعبية أو الأوبئة أو الكوارث الطبيعية.
تتنوع الآثار الحادة للأخطاء القاتلة في تلك السياقات بين إسقاط القادة وأنظمتهم السياسية أو حتى اغتيالهم، ونشر الفوضى وعدم الأمن، واضعاف الشرعية السياسية، ومقتل أعداد كبيرة من السكان، وإثارة الانقسامات الداخلية، والانتقاص من سيادة الدول، والإضرار بالبنية الاقتصادية ورهن الموارد الوطنية لمؤسسات مالية دولية أو قوى خارجية، وتغيير توازنات القوى الخارجية لغير صالح الفاعل السياسي، بما يحد من قدرته على حماية مصالحه الحيوية.
يتطلب التعافي من تلك الآثار وقتاً أطول وتغييرات جذرية، وهو ما يجعل الأخطاء القاتلة تختلف عن غير القاتلة، أي التي يمكن تداركها في مديات قصيرة أو متوسطة كون نطاقها وشدتها وأثرها السلبي أقل زمنياً وأضيق مكانياً، كقرارات أو أفعال أو زلات خطابية يمكن التراجع عنها أو التعافي منها عبر عمليات إصلاحية. مع ذلك، فإن تراكم وتزامن الأخطاء غير القاتلة خلال فترة زمنية معينة بلا علاج، بفعل التصلب الإدراكي وضعف كفاءة صناع القرار والسياسات قد يقود إلى إنتاج ذات التداعيات الحادة للأخطاء القاتلة.
بالتالي، يمكن فهم المعنى المتصور للخطأ القاتل، في هذا التحليل، بطريقتين: الأولى، إما كقرار أو تصرف سلبي قد يقود لآثار فادحة. والثانية، كسلسلة قرارات سلبية غير قاتلة تتراكم زمنياً ومكانياً بما يقود إلى تلك الآثار نفسها أيضاً، وقد يتداخل الأمران في وقت ومكان واحد على نحو ما يظهره الواقع أكثر.
مجالات الخطأ القاتل من الحروب إلى الاقتصاد
الحروب هي المجال الأكثر ذيوعاً في مجال الأخطاء القاتلة في مجال السياسة، كونها تطرح تبعات وخيمة بشرية ومادية أو تحفز على تغيير السلطة أو توازنات القوى الخارجية. لكن قرار شن الحرب ليس خطأ قاتلاً في حد ذاته، إنما ينظر له كذلك، عندما يرتبط بعدم تقدير عواقبه، بما يحوله إلى هزيمة أو استنزاف ممتد، أي يصبح معيار تقييم الخطأ أو الصواب في قرار الحرب رهناً بنتيجته[5].
لهذا، يُنظر مثلاً إلى قرار الحكومات العربية بشن حرب 1948 على أن خطأ قاتل أضر بالقضية الفلسطينية، كونه اتخذ دون الاستعداد والتنسيق الكافيين، فضلاً عن الاستهانة بالقدرات العسكرية للمنظمات الصهيونية التي تفوقت على العرب[6]. قادت تلك الحرب إلى تكريس وضعية إسرائيل كدولة احتلال، وهزيمة العرب، ونشوء النكبة الفلسطينية الأولى، ما مهد لحدوث تغيير هيكلي أعاد تشكيل المنطقة بعد الحرب، خاصة مع ثورة 23 يوليو 1952 وتصاعد المد القومي في مصر والمنطقة، ثم نشوب حروب ممتدة بين العرب وإسرائيل، على مدى العقود الماضية، سواء أكان فواعلها من الدول أو دون الدول، كحماس وحزب الله.
بالمثل، شكل قرار غزو العراق للكويت في عام 1990 لحظة كارثية أخرى في تاريخ المنطقة بدأ فيها صدام حسين حفر قبره بيده، بفعل ثقته المفرطة في فرض الأمر الواقع، والتقليل من إمكانية التدخل الأمريكي لمواجهته بسبب عقدة حرب فيتنام. لكن تقديراته كانت خاطئة، حيث شكلت واشنطن تحالفاً دولياً بقيادتها لتخرج القوات العراقية من الكويت عام 1991، ثم تتمركز بالمنطقة لحماية تدفق النفط ودعم حليفتها إسرائيل. ومن بعدها، باتت واشنطن القوة الأكثر تأثيراً في ديناميات المنطقة، خاصة مع تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة في ذلك العام. بلغ الأمر أقصى آثاره الوخيمة بعد أكثر من عقد، عندما غزت واشنطن العراق عام 2003، ثم القبض على صدام وإعدامه.
عالمياً، دفعت غطرسة هتلر إلى ارتكاب أخطاء قاتلة أسهمت في هزيمة وتدمير ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية بل ونهايته هو نفسه منتحراً. فقد غزا الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941 برغم وجود اتفاق معه، ثم أعلن الحرب على الولايات المتحدة في ديسمبر من العام نفسه بعد أيام من هجوم اليابان على الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر، والذي عُد هو الآخر خطأ قاتلاً أخرج واشنطن من عزلتها ودفعها لدخول تلك الحرب. أساء حينها هتلر وقادة اليابان تقدير القدرات العسكرية الأمريكية التي غيرت موازين القوى لصالح معسكر الحلفاء، بما قاد إلى هزيمة دول المحور[7]، ثم صعود واشنطن بعد الحرب لتصوغ قواعد النظام الدولي ومؤسساته.
على الجانب الآخر، برزت نماذج أخرى للأخطاء غير القاتلة التي تراكمت زمنياً لتنتج آثاراً فادحة تماثل شدة الخطأ القاتل. فقد اشتعلت موجة الثورات العربية نهاية عام 2010، إثر واقعة فردية لبائع تونسي (محمد بوعزيزي) حرق نفسه محتجاً على مصادرة السلطات البلدية لعربته لبيع الخضروات التي تشكل مصدر رزقه، بما استفز المجتمع ودفعه للخروج الجماعي لإسقاط نظام بن علي.
هنا، فإن خطأ السلطات المحلية التي اعتادت روتينياً على التعسف ضد الباعة الجائلين، مدفوعة بسياقات القمع الأمني والفشل التنموي للنظم التسلطية، تحول أثره من نطاق محدود إلى واسع ليصبح بمثابة قرار قاتل مفاجئ يكشف الغطاء عن احتقانات كامنة وأخطاء متراكمة لسياسات النظام التونسي لفترة زمنية طويلة، وهو ما فسره حينها علماء السياسة بمنطق البجعة السوداء لنسيم طالب، أي أن أحداثاً نادرة قد تقود إلى عواقب وخيمة غير متوقعة[8].
لكن الشرارات الصغيرة التي تجر خلفها الأخطاء المتراكمة قد لا تقود دائماً إلى آثار فادحة، إن جرى احتوائها مبكراً أو تباينت طبيعة السياقات. على مدى أكثر من عقد في المغرب، جرت احتجاجات عديدة تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، مثل: حركة 20 فبراير 2011 (المطالبة بإصلاحات دستورية)، حراكات الريف في الحسيمة عام 2016 (دهس بائع سمك وهو يحاول إنقاذ مصدر رزقه) أو جراده (وفاة ثلاثة شباب في مناجم الفحم) عام 2018 أو جيل زد في سبتمبر2025 (وفاة ثمانية نساء في مستشفى أغادير ذات الوضع المتردي في وقت تنفق فيه الحكومة بسخاء على تجديدات ملاعب كرة القدم).
لم تتحول تلك الاحتجاجات إلى موجة ربيع عربي جديدة تسقط النظام المغربي، وهو ما قد يرجع إلى عوامل متعددة، كقدرة القيادة والنظام على الاحتواء الإصلاحي السريع، فبعد نشوب الثورات في المنطقةـ، جرت إصلاحات سياسية ودستورية، وفي الاحتجاجات الأخيرة لجيل زد، خرج الملك محمد السادس نفسه ينتقد سياسات الحكومة من حيث نقص التنمية الاقتصادية والتفاوتات الجهوية. إضافة إلى ذلك، تغلب مطالب الإصلاح أكثر من التغيير في معظم الاحتجاجات، فضلاً عن طبيعة السمات الاستيعابية المرنة نسبياً في الفضاء السياسي المغربي أو حتى نتاج خبرات فشل الثورات العربية على مدى العقد الأخير والتي جعلت التغيير قد يرادف أحياناً الفوضى[9].
إذ وقعت تلك الثورات العربية في سلسلة أخطاء امتزج فيها ما هو قاتل بآخر غير قاتل لتحولها في الأخير إلى صراعات أهلية أنتجت آثاراً وخيمة، حيث قسمت الدول وسلطاتها بين فرقاء متنازعين، على النحو الذي برز في ليبيا واليمن وسوريا والسودان. فالفاعلون السياسيون، الذين تصدروا مشهد تلك الثورات بعد سقوط الأنظمة فشلوا في بناء توافق سياسي وسمحوا باختراق القوى الخارجية، بما أفشل المسارات الانتقالية في الأخير، لتكشف بذلك مرحلة الثورات عن إشكالية تجذر ثقافة التسلط في بنية المنطقة لدى مختلف الأطراف السياسية، أي لا تخص من يمسكون بزمام السلطة إنما أيضاً معارضيهم عندما يخضعون لاختبار الصراع على تلك السلطة، بما قد يجعل الفريقين عرضة لارتكاب نفس الأخطاء سواء في إقصاء الآخر، أو اللجوء للعسكرة، أو الاستقواء بالخارج. كما جرى في حالة نظام بشار الأسد في سوريا الذي استدعى روسيا طوعاً لابقاء نظامه عام 2015 برغم قتل مئات الآلاف في الصراع الأهلي، لكن ذلك لم يحل دون سقوطه بعد سنوات ممتدة أمام هيئة تحرير الشام التي أزاحته بدعم تركي مضاد في ديسمبر 2024.
يظهر أيضاً منطق الأخطاء المتصلة زمنياً التي تقود إلى الأثر الفادح للخطأ القاتل في مجال الأزمات الاقتصادية. هنا يبرز نموذج الكساد الكبير في عام 1929، الذي نتج عن أخطاء متتابعة كالأزمة المصرفية، وتزايد المديونية، وفرض تعريفات جمركية حينها. كذلك، عرفت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 أخطاء متسلسلة، كالرهون العقارية عالية المخاطر والمبالغة في إصدار الأصول المالية، والتلاعب المالي بسبب نقص الإشراف على سلوك المؤسسات المالية.
بوجه عام، تشي تجارب الأزمات الاقتصادية الحادة في الدول بأن الأخطاء الحادة التي تقود لنشوبها وتمدد آثارها على المجتمعات تتركز عادة في الديون المفرطة، خلل أولويات الإنفاق العام، سوء إدارة السياسة النقدية والمالية، انهيار العملة والتضخم، عجز الموازنة العامة، تجاهل القطاع الإنتاجي، الاعتماد على إيرادات قابلة للتقلب بفعل الأزمات الخارجية.
سوء التقدير.. عوامل متضافرة تقود للأخطاء
لا تقترن الأخطاء سواء القاتلة، أو غير القاتلة بسياقات سياسية معينة، فهي تظهر لدى مختلف الفاعلين والأنظمة السياسية أو حتى الدول متفاوتة القوة في النظام الدولي بفعل سوء التقدير، أي فشل الحكم على الواقع، وتقييمه والتنبؤ بمساراته المحتملة، والذي ينتج بدوره عن سلسلة أخطاء تترابط فيها المقدمات والنتائج في عملية صنع القرار، فالتشخيص الخاطئ للمشكلات يضعف كفاءة التفسير والقدرة على توقع التداعيات والعواقب، ويقود إلى خيارات غير واقعية للتعامل معها.
قد ينظر البعض إلى سوء التقدير على أنه يتعلق فقط بعيوب معرفية في طريقة صنع القرار، لكنه يعبر عن سياق أوسع تتلاقى فيه العوامل المعرفية والقيادية والمؤسسية والنظمية والدولية، حيث تفضي في الأخير لوقوع الأخطاء السياسية أياً تكن شدتها[10].
1- سمات القادة: قد تؤثر الأبعاد الشخصية والنفسية والفكرية للقادة في تسهيل حدوث الأخطاء السياسية، حيث يصبح تبني الخيارات السلبية أكثر احتمالاً إن برزت لديهم سمات من قبيل: الاستخفاف بقدرات الخصوم، المبالغة في تضخيم التهديد، الثقة المفرطة في القدرة على السيطرة على الأحداث، الميل إلى التعامل مع المعلومات عبر معتقداتهم وانحيازتهم، الانغلاق ومحدودية الخبرة وضيق الأفق ورفض الحجج المضادة، النفور من الخسارة والرهان على استراتيجيات مكلفة تتجاوز المنطق العقلاني في الكلفة والعائد، الرضوخ لضغوطات الرأي العام أو العكس إهماله في حسابات القرار، الارتهان لذاكرة الفشل، أي يتحول الماضي من فرصة لتعلم الدرس إلى قيد مرضٍ يرافق التفكير في القرارات والسياسات[11].
يمكن تلمس بعض وليس كل السمات في أمثلة سابقة لقرارات قاتلة لصدام وهتلر أنتجت حروباً خاسرة بسبب الاستخفاف بالخصوم والثقة المفرطة، بل إن أحد عوامل التسرع في حرب 48 دون الاستعداد الكافي لها هو رضوخ قادة المنطقة حينها لضغوطات الرأي العام لمواجهة إسرائيل. في سياقات مغايرة، أظهر القادة الأمريكيون أيضاً استهانة بإصرار الفيتناميين على النضال ضدهم دون إدراك خبراتهم السابقة في المعارك مع الاستعمار الفرنسي، ما قاد إلى تورط أمريكي مباشر كلفه خسائر وخيمة، بفعل النفور من الخسارة التي حدثت مع ذلك في الأخير، ودفعت واشنطن للانسحاب عام 1975.
في حالة الغزو الروسي لأوكرانيا، بدا أن اختلال توازن القوى شكل محفزاً عقلانياً لقرار بوتين بالحرب، فضلاً عن نظرته بأن انضمام أوكرانيا لحلف الناتو خط أحمر، كونه قد يدفع دولاً أخرى في محيطه للانضمام بفعل أثر الدومينو[12]. مع ذلك، رأى مراقبون آخرون أن هوس بوتين بالسيطرة على أوكرانيا كان وراء قرار الغزو، وأن ثقته بقدراته على إسقاط نظام كييف سريعاً جعلته يقلل من تقدير مقاومة الأوكرانيين أو ردات الفعل الأوروبية والأمريكية التي فرضت عقوبات اقتصادية على موسكو، ودعمت كييف بالمساعدات التي منعت سقوطها[13].
2- البعد المؤسسي: قد تحفز المشكلات المؤسسية في صنع القرار والسياسات على تسهيل ارتكاب الأخطاء إما بسبب انحياز المعلومات أو سوء التنظيم أو عدم التنسيق أو تغلغل جماعات المصالح أو بطء الاستجابة للأحداث المفاجئة، ناهيك عن خطر الاستدعاء الروتيني للشواهد السابقة للتعامل مع أزمات آنية قد لا تنطوي على تشابه بفعل تغير السياقات، أو نمط التفكير الجماعي المفتقد لوجود "محامي الشيطان" كوسيلة لفهم الخصوم، بما قد يؤدي الي العزلة عن الواقع أو المبالغة أو التهوين في تقدير المشكلات، خاصة إذا أضيف لذلك معضلة التحيزات السلبية[14].
على سبيل المثال، اعتمد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 على معلومات استخباراتية مضللة قادت إلى تضخيم المعضلة الأمنية، فيما لعب سوء التقدير المؤسسي دوراً أساسياً في فشل كل من الغزو الأمريكي لخليج الخنازير عبر مرتزقة لإسقاط فيدل كاسترو في كوبا عام 1961، ومهمة إنقاذ الرهائن الأمريكيين في إيران عام 1980. أيضاً، أسهم بطء استجابة المؤسسات الأمنية الإسرائيلية في إنجاح المفاجأة المصرية وخطة الخداع الاستراتيجي في حرب أكتوبر 1973.
كذلك، لم تؤد عقدة فيتنام التي هيمنت على المؤسسات الأمريكية إلى الحد من التدخلات الخارجية، حيث أقدمت إدارة جورج بوش على غزو أفغانستان والعراق بعد أحداث 11 سبتمبر. هنا، قادت التحيزات السلبية المؤسسية والاعتماد المفرط على منطق تفوق ميزان القوى إلى بروز أخطاء قاتلة في العراق بعد الغزو على غرار حل الجيش العراقي واجتثاث حزب البعث، ما تسبب في حالة فوضى وإرهاب. فيما، لعبت المعرفة القاصرة بالواقع دوراً هي الأخرى في فشل التدخل الأمريكي في أفغانستان، حيث انسحبت واشنطن من هذا البلد عام 2021 بعد عقدين كاملين لتعود حركة طالبان مرة ثانية إلى السلطة[15].
3- طبيعة النظم السياسية: قد تؤدي المركزية الشديدة للقيادة واعتماد سياسة الصوت الواحد في عملية صنع القرار والسياسات في بعض وليس كل النظم التسلطية[16] إلى عدم مراجعة خيارات القادة من قبل المستشارين والنخب الحاكمة. بالتالي، قد تزداد احتمالية وقوع الأخطاء السياسية، خاصة في ظل ضعف آليات المساءلة والمحاسبة.
لذلك، قد تتعرض تلك النظم إلى خطر الجمود الإدراكي وعدم إدراك ما يجري من تغيرات في السياقات المحيطة. ينظر مثلاً إلى أن أحد الأخطاء القاتلة التي وقع فيها النظام الجزائري هو الإصرار على ترشح بوتفليقة من على كرسي متحرك لولاية رئاسية خامسة في الجزائر في عام 2019، بما قاد إلى انتفاضة أجبرته على الاستقالة. اعتمد ذلك القرار على رؤية جامدة للنخب الحاكمة تتعلق بصمت المجتمع على ترشح بوتفليقة بذات الوضع الصحي لولاية رابعة في عام 2014، ناهيك عن تصورات غير دقيقة عن أثر إرث العشرية السوداء (عندما واجهت الدولة الإرهاب في التسعينيات) في انتشار الخوف من التغيير. لكن الواقع بدا مختلفاً، بفعل غلبة جيل الشباب الجزائري الذين لم يعايشوا تلك العشرية، ولم يستدمجوا الخوف بفعل تفاقم أزماتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن التأثر بالسياقات الثورية في المنطقة[17].
نظرياً، قد تختلف الأنظمة الديمقراطية عن التسلطية، خاصة أنه يحكمها قادة منتخبون يخضعون للمساءلة، لكن الواقع يشير إلى أنها ليست محصنة من حدوث الأخطاء مع صعود أنماط من القادة الشعبويين الساعين للهيمنة على مؤسسات النظام السياسي كحالة ترامب وغيره. هنا، يحصر ستيفين والت[18] عشرة أخطاء لترامب اعتبرها إنهاء طوعياً لمكانة الولايات المتحدة منها: شن حروب تجارية، أطماع غير عقلانية في جرينلاند وكندا، توحيد الخصوم خاصة بكين وموسكو ضد واشنطن، الدعم غير المشروط لإسرائيل، الاعتماد على شخصيات أكثر ولاء وليس خبرة، والإضرار بالقوة الناعمة بفعل قراراته في مجال الهجرة والجامعات والمساعدات الخارجية. مع ذلك، يظل الفارق أن الديمقراطيات أكثر قدرة من الأنظمة التسلطية على إصلاح الأخطاء بفعل آليات التغيير السلمي للسلطة، وفاعلية المحاسبة.
4- السياقات الدولية: باعتبار أن توزيعات القوة في النظام الدولي قد تحدد سلوكيات الدول من وجهة نظر الواقعيين الجدد، فإن ذلك السياق مثلما قد يطرح فرصاً، فإنه يسهل ارتكاب أخطاء سياسية. فقد تدفع فجوات القوة في النظام الدولي لصالح الدول المنتصرة في مراحل ما بعد الحروب إلى فرض تسويات مختلة على المهزومين، بما قد يؤدي إلى إشعال الصراع مجدداً، كما برز في اتفاقية فرساي في عام 1919 التي أهانت حينها ألمانيا ومهدت لصعود هتلر ليؤجج الحرب العالمية الثانية.
من هذا الدرس التاريخي، تسعى أوروبا لمنع بوتين من تحقيق أهدافه في تسوية الأزمة الأوكرانية في ظل ميل موازين القوى الميدانية لصالحه، خشية التمهيد لحرب أكبر في المستقبل. إذ لوحظ مؤخراً أن خطة ترامب المقترحة للسلام في أوكرانيا تمنح روسيا أراضٍ في شرق أوكرانيا والقرم، وتمنع انضمام أوكرانيا للناتو، وتقيد الجيش الأوكراني، ما دفع الأوروبيين إلى طرح خطة مضادة ترفض تلك التنازلات. ويخشى الأوروبيون تكرار خطأ قاتل جرى في الماضي مع هتلر وشجعه على التوسع العدواني، عندما حاولت بريطانيا وفرنسا استرضاء ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية بالتنازل عن إقليم السوديت في تشيكوسلوفاكيا في اتفاقية ميونيخ عام 1938، مقابل وعد بعدم مهاجمة هذا البلد، لكن هتلر خالف ذلك وغزاها في العام التالي[19].
على الجانب الآخر، قد يدفع اختفاء تهديدات خارجية للدول إلى المبالغة في تهديدات أخرى قد لا تتماثل معها في إطار "ملء فراغ الخوف"، ما قد يسهل ارتكاب الأخطاء. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم أحداث 11 سبتمبر، تحولت الولايات المتحدة إلى مواجهة تهديد الإرهاب، كجزء من تحفيز هيمنتها على السياسة العالمية، الأمر الذي أدى إلى بروز أخطاء كبرى تتعلق بتضخيم المعضلات الأمنية، كما جرى في حالتي العراق وأفغانستان المشار لها سلفاً.
كذلك، قد يدفع انتقال النظام الدولي من الأحادية إلى تعددية الأقطاب الدول إلى انتهاج سياسة التحوط، لكنه قد يحفز على وقوع الأخطاء حال إساءة فهم الحوافز الهيكلية لذلك النظام. هنا، يستدعى الواقعيون الجدد "فخ ثيوسيدس" الذي يفترض أن الصراع يكون حتمياً، عندما تتحدى قوة صاعدة أخرى مهيمنة في النظام الدولي. لهذا، يذهب البعض إلى أن المبالغة في مخاوف واشنطن من نمو الصين السريع قد تمهد الطريق لأخطاء كبرى محتملة قد تصل للصدام بينهما[20].
المنظورات الموضوعية والذاتية والزمنية للأخطاء
لا يمنع تفسير الأخطاء السياسية سواء قاتلة أم غير قاتلة من بروز جدالات حول ما إذا كانت أخطاء أم لا، حيث قد تنشأ سرديات متباينة بشأن بعض القرارات والتصرفات. هنا، تبرز ثلاثة منظورات تفسر ذلك الجدال، وهي الموضوعية والذاتية والزمنية، حيث لكل منها طريقته في التقييم، وهو ما يمكن تطبيقه على هجوم حماس في السابع من أكتوبر على إسرائيل الذي تعرض للتنازع في تقييمه لما أحدثه من نتائج وآثار حادة على صعيد القضية الفلسطينية أو المنطقة بشكل عام.
1- المنظور الموضوعي Objectivist perspective: يعتمد في الحكم على مدى خطأ قرار أو تصرف ما على أدلة وحقائق ملموسة قابلة لقياس النتائج والتحقق من الفشل، أي يتجرد من الانحيازات والمدركات الشخصية والذاتية. يقترن هذا المنظور أيضاً بنظرية الاختيار العقلاني عند تقييم مدى فعالية القرارت، أي مدى تعظيم المنفعة عبر الموازنة بين العوائد والتكاليف، وما إذا كان هنالك بدائل أكثر فائدة من عدمه. بالتالي، يمكن التحقق من الأخطاء سواء أكانت قاتلة أم غير قاتلة، عبر تقييم مدى عقلانية حسابات القرار، وقياس نتائجه في الواقع[21].
يرى المتبنون لهذا المنظور، أن حسابات هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر شابها سوء تقدير سواء لعدم النظر لاختلال توازن القوى أو لعدم القدرة على توقع التبعات الوخيمة بدقة. فقد أحدثت قوة ذلك الهجوم غير المسبوق من حيث عدد قتلاه وأسراه وطريقته انكشافاً حاداً لأمن إسرائيل وقدرتها على الردع الإقليمي، بما دفعها إلى رد فعل ليس متناسباً أو حتى مماثلاً للحروب السابقة التي خاضتها مع حماس.
قد تكون حماس توقعت هذا الرد غير المتناسب، لأنه ليس منطقياً أن تقوم بعملية كبيرة الحجم والأثر كـ"طوفان الأقصى"، دون إدراك ما قد يترتب عليها من ردود فعل حادة من إسرائيل. لكن ربما اعتمدت في حساباتها على الإسناد الإقليمي من "محور المقاومة"، خاصة حزب الله والحوثيين وإيران، واستنفار الفلسطينيين في الداخل، فضلاً عن توظيف ضغوطات الرأي العام العربي والغربي لدفع دول وحكومات أخرى للضغط وتحجيم رد الفعل الإسرائيلي المتوقع، في ظل تصورات حول صعوبة محاربة تل أبيب على جبهات متعددة أو تحملها الحرب لمدة زمنية طويلة قياساً على حروبها السابقة في المنطقة.
ما جرى في الواقع كان مغايراً لتلك الحسابات، حيث حوّلت إسرائيل، بدعم أمريكي كامل، الحرب على قطاع غزة إلى إبادة جماعية، ثم حاربت على أكثر من جبهة، ولمدة زمنية طويلة، حيث وسّعت الحرب لإضعاف "محور المقاومة"، خاصة حزب الله في لبنان، فضلاً عن التوغل في جنوب سوريا إثر سقوط نظام بشار الأسد، بل والدخول مع إيران في مواجهات إقليمية مباشرة ألحقت أضراراً بالبرنامج النووي، ومن ثم غيرت تل أبيب البيئة الأمنية الاستراتيجية المحيطة بها، حيث باتت توازنات القوى - وفقاً لرؤيتها - نسبياً لصالحها.
بالتالي، فالمنظور الموضوعي ينظر إلى أن كلفة هجوم حماس كانت فادحة على مستوى خسائرها نفسها أو خسائر حلفائها، خاصة حزب الله أو إيران أو خسائر الفلسطينيين، حيث قتل أكثر من 70 ألف فلسطينياً، ودمر قطاع غزة وتحول غالبية سكانه إلى نازحين، فضلاً عن إضعاف القدرات العسكرية لحماس وإنهاء حكمها لقطاع غزة، ناهيك عن احتمال تقسيم القطاع نفسه، لا سيما أن إسرائيل تسيطر فعلياً على نصفه عند الخط الأصفر، حتى بعد اتفاق وقف اطلاق النار في أكتوبر 2025 بعد وساطة مصر وقطر والولايات المتحدة.
بل إن ما لم تحققه إسرائيل بالحرب، خاصة تفكيك كامل القدرة العسكرية لحماس تحاول تحقيقه عبر خطة ترامب التي تتضمن نزعاً لسلاح الحركة أو القرار الأممي الذي تبنته واشنطن في نوفمبر الماضي، ويجعل هنالك مجلس سلام وقوة استقرار دولية وحكومة تكنوقراط تدير القطاع، بينما لم يتضمن أي مساءلة لإسرائيل على ارتكابها لجرائم الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. تستدمج بعض وجهات النظر الإسرائيلية هذا المنظور الموضوعي، حيث ترى أن أهداف الحرب تحققت عسكرياً، خاصة استعادة الرهائن وإضعاف حماس وحزب الله وإيران، بما حسّن أمن إسرائيل[22].
2- المنظور الذاتي Intersubjective perspective: يرى أن الخطأ هو حكم سياسي من طرف على آخر، أي ليست حقائق موضوعية يمكن التحقق منها، إنما ظواهر مبنية اجتماعياً، وبالتالي تخضع تحديدها وعواقبها إلى نزاع في الرؤى، فما قد يعتبره البعض نجاحاً أو نصراً يراه الآخر فشلاً أو هزيمة، حيث تتأثر الأحكام بقيم ومعتقدات وتصورات ومصالح وعلاقات القوة في المجتمعات وتحيزات ثقافية. من ثم، يؤطر المنظور الذاتي تقييم القرارات في سياق عوامل معرفية ونفسية وقيمية وإدراكية، بالتالي تصبح الحسابات الموضوعية المعتمدة على الاختيار العقلاني أو النتائج القابلة للقياس، ليست دائماً المحدد الوحيد فقط في الحكم على الفعل السياسي أو حتى غير ملائمة لبعض الحالات[23].
بالتالي، فمن وجهة نظر ذاتية، فما قامت به حماس في السابع من أكتوبر يعبر عن سردية الدفاع عن الكرامة وتقرير المصير في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي يحاصر غزة منذ سنوات، حيث سعى قبل الهجوم إلى تمويت القضية الفلسطينية في ظل تصاعد مسار التطبيع المجاني في المنطقة، عبر اتفاقات إبراهام، ناهيك عن أن منطق توازنات القوى الذي تعتمد عليه الحسابات العقلانية قد لا يلائم تجارب حركات التحرر والمقاومة الساعية للتحرر من الاستعمار، خاصة أن الحرب معه تكون غير متماثلة وممتدة زمنياً ولا تعتمد على جولة واحدة.
على هذا المنطق، يرى البعض أن النصر في معارك حركات التحرر مع الاحتلال لا يقاس فقط بنتائجها المادية بل المعنوية، أي مدى القدرة على كسر الإرادة وإفقاد القدرة على المقاومة والصمود، وهو ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه في حرب غزة الأخيرة برغم تفوقها العسكري، حيث لم تستعد أسراها إلا عبر التفاوض، كما فشلت في القضاء على حماس أو تهجير الفلسطينيين الذين صمدوا على أرضهم برغم الأثمان الباهظة التي دفعوها. أيضاً، أعاد هجوم حماس القضية الفلسطينية للاهتمام الدولي، فضلاً عن تشويه صورة سمعة إسرائيل كدولة قاتلة ومنبوذة وغير أخلاقية، ومساندة الرأي العام العالمي للفلسطينيين وحقهم في دولة مستقلة[24].
يستدمج أيضاً بعض المراقبين الإسرائيليين جوانب من هذا المنظور الذاتي عند تقييم حرب غزة، حيث يرون أنه دون نزع سلاح حماس، فإن ما تدعيه إسرائيل من نصر، ليس إلا مؤقتاً. بل إن آخرين يجادلون على العكس بأن إسرائيل قد تعرضت لهزيمة استراتيجية، بالنظر إلى أنها أضعفت فقط حماس وحزب الله وإيران، لكنها لم تقض على قدرتهم على التعافي أو العودة لتهديدها مجدداً، ناهيك عن إضعاف وحدتها الداخلية[25].
3- المنظور الزمني Time prospective: يعتمد على إيلاء أهمية لعامل الفترة الزمنية في تقييم القرارات السياسية، عبر مقارنة الفوائد الآنية مقابل نتائجها المستقبلية. هنا، فإن بعض القرارات قد ينظر لها كصواب في الأمد القصير أو حتى لحظة وقوعها، لكنها قد لا تكون كذلك مع تطور نتائجها في الأمد الطويل. في حالة هجوم حماس على إسرائيل، لعب مرور الوقت على مدى العامين الماضيين دوراً في التأثير على حكم الفلسطينيين أنفسهم على الهجوم من حيث مدى صوابه أو خطئه.
فقد أجرى المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عدة استطلاعات للرأي في قطاع غزة والضفة الغربية على مدى عامي الحرب تضمنت سؤالاً ثابتاً للمشاركين حول رأيهم في هجوم حماس هل كان صائباً أم لا؟، اعتبرت نسبة تقدر بـ53% في أكتوبر 2025 أن القرار كان صائباً، مقارنة بـ50% في مايو 2025، و54% في سبتمبر 2024 و67% في يونيو 2024، و71% في مارس 2024 و72% في ديسمبر 2024. في المقابل، جاءت نسب من يعتبرون القرار خطأ 39% في أكتوبر 2025، مقارنة بـ40% في مايو 2025، و35% في سبتمبر 2024، و26% في يونيو 2024، و19% في مارس 2024، و22% في ديسمبر 2023[26].
يدلل تطور المسار الزمني العام لتلك النتائج على وجود زيادة مطردة زمنياً لنسب الذين يرون أن هجوم حماس كان خطأ على مدار عامين من الحرب الإسرائيلية، مقارنة بتراجع نسب من يعتبرونه صواباً. ولا يمكن فصل هذا التطور في الأحكام عن تزايد وطأة تلك الحرب وتمدد تداعياتها الإنسانية زمنياً ومكانياً سواء على قطاع غزة والمنطقة، فضلاً عن الاستقطاب السياسي الحاد على الساحة الفلسطينية.
تشي إجمالاً المنظورات السابقة بأن الحكم على الخطأ، بما فيه النوع القاتل، في السياسة قد يتعرض لجدالات بفعل اختلاف طريقة تقييم القرارات أو التصرفات. مع ذلك، هنالك محددان أساسيان لا يمكن إغفالهما في عملية الحكم تلك: الأول، حجم العواقب للقرارات أو السياسات الخاطئة، فكلما كانت بالغة الحدة والتأثير على أبنية المجتمع فضلاً عن امتدادها الزمني من الحاضر للمستقبل، بات من الصعب اعتبارها صائبة، وإن ظل هنالك مجال لتفسيرات ذاتية، أي الاعتراف بالنتائج السلبية الكارثية مع محاولة تبريرها. الثاني، مدى تغير سلوك الفاعل السياسي الذي أقدم على القرار الخاطئ، بمعنى أنه لو قبل بتنازلات لتسوية الأزمة قد تضعف قوته مقارنة بوضعه السابق، فذلك مما يدلل على إقراره غير المباشر بأنه ارتكب خطأ قاتلاً، حتى لو إن كانت خطاباته وسردياته تنظر له كصواب أو كفعل مبرر، كجزء من محاولة الحفاظ على شرعيته أمام جمهوره أو حتى إفلاته من محاسبة المجتمعات.
تصحيح المسار من المساءلة إلى اللوم الذاتي
يترتب على ارتكاب أخطاء قاتلة أو غير قاتلة وما يتبعها من آثار سلبية مساءلة الفاعلين السياسيين، بحكم ما أوكل لهم من مسئولية عامة، حيث تستهدف تلك العملية تقييم القرارات والعوامل التي أدت إلى الإخفاق وضمان محاسبة المسئولين عن الأخطاء، فضلاً عن اضطلاع الرأي العام على نتائج التحقيق لضمان شرعية الحكومات وثقة الجمهور والأهم تحسين الأداء المستقبلي.
تنعكس تلك المساءلة في تصحيح المسار السياسي للدول، فلجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر خلصت إلى نتائح كتقصير أجهزة الأمن الأمريكية في مواجهة التهديد الأمني، وهو ما قاد إلى تغييرات كبرى في مؤسسات الاستخبارات والسياسة الأمريكية. بالمثل، فإن لجان التحقيق في مشاركة بريطانيا في غزو العراق، انتهت إلى أن تلك المشاركة أضرت بسمعتها وكلفتها خسائر مادية ومعنوية وجيوسياسية، ما أسهم في عدم موافقة البرلمان على نشر قوات بريطانية في سوريا عام 2013[27].
غير أن المساءلة عن الأخطاء السياسية تطرح بشكل عام عدة إشكاليات أساسية: أولها، تظهر في الأنظمة التسلطية، بفعل اختلال توازنات القوة، حيث قد تتهرب الجهات القوية المسئولة عن اتخاذ القرار الخاطيء في تلك الأنظمة لصالح تحميل المسئولية لمن صنعه أو حتى أساء تنفيذه. ثانيها، أن الجدال بين السرديات السياسية المتنافسة على مدى خطأ أو صواب قرار ما، يترتب عليه نزاع في إسناد المسئولية قد يقود إلى إفلات المخطيء من العقاب. ثالثها، أن مساءلة الفاعلين السياسيين عن أخطائهم قد تقود إما إلى إجراءات تحسينية أو جذرية، ويرتبط حدوث أي منهما بمدى وجود قوى وشبكات مصالح مقاومة للتغيير والتعلم من الأخطاء أم لا.
في الأخير، يظل أن الخطأ السياسي، سواء أكان قراراً قاتلاً أو سلسلة قرارات غير قاتلة تقود أيضاً لآثار فادحة، ليس قاصراً فقط على فاعلين سياسيين كالقادة أو الحكومات والجماعات، بل إن المجتمعات نفسها قد تتبنى خيارات سلبية جماعية عندما تختار قادة أو أحزاب أو تؤيد مواقف في الانتخابات العامة ثم يثبت فشل تلك الخيارات، كتأييد البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي في عام 2016، الذي خلّف ورائه نتائج سلبية اقتصادية. هنا، لا يمكن مساءلة المجتمعات عن تلك الخيارات، إنما يتولد لديها آلية للوم الذاتي الجماعي بفعل المعاناة من آثار الأخطاء السياسية، والتعلم من ذاكرة الإخفاقات لتصحيح مساراتها في المستقبل.
[1] Andreas Kruck, Kai Oppermann, Alexander Spencer, Introduction: Mistakes and Failures in International Relations. In: Kruck, A., Oppermann, K., Spencer, A. (eds) Political Mistakes and Policy Failures in International Relations. Palgrave Macmillan, Cham. 2018 https://doi.org/10.1007/978-3-319-68173-3_1
[2] Robert I. Rotberg, Failed States, Collapsed States, and Weak States: Causes and Indicators July 7, 2011, https://www.brookings.edu/wp-content/uploads/2016/07/statefailureandstateweaknessinatimeofterror_chapter.pdf
[3] Pascal Nouve , Errors in Politics: An analysis of the concept of political error Nordicum-Mediterraneum Journal volume & issue Vol. 15, no. 2 (Aug 2020) https://doi.org/10.33112/nm.15.2.11
[5] Md Abul Hasan, H. M. Towhidur Rahman , Is War Rational or Miscalculation and Misperception Matter? IJSRP, Volume 10, Issue 8, August 2020 https://www.ijsrp.org/research-paper-0820.php?rp=P10410338
[6] محمد عزت، 75 عاما على النكبة.. الأسباب الحقيقية للهزيمة الغامضة، الجزيرة .نت، 14 مايو 2023، https://shorturl.at/scrCQ
[7] Klaus H. Schmider ,Hitler's Fatal Miscalculation: Why Germany Declared War on the United States , Cambridge Military Histories 2021.
[8] نسيم طالب، البجعة السوداء تداعيات الأحداث غير المتوقعة، ترجمة حليم نسيب نصر، الدار العربية للعلوم ، بيروت، 2009.
[9] Sarah Yerkes and Kathryn Selfe, Why Morocco’s Gen Z Protests Aren’t a Second Arab Spring,October 21, 2025 https://carnegieendowment.org/emissary/2025/10/morocco-gen-z-212-protests-arab-spring-healthcare-education-world-cup?lang=en
[11] Radosław Arkady Fiedler Miscalculations of Leaders and Wars in International Politics. Robert Jervis legacy August 2022 DOI:10.13140/RG.2.2.11461.12000
[12] يتحدى ميرشايمر وروساتو في كتابهما "كيف تفكر الدول" الافتراضات التقليدية في فهم عقلانية الدول، حيث رأيا أن القرارات العقلانية في السياسة الدولية تعتمد على نظريات ذات مصداقية حول كيفية عمل العالم، وأنها ترتبط بعملية التداول في صنع القرار، وطرح نماذج منها قرار روسيا بغزو أوكرانيا معتبرا أنه كان عقلانياً، حيث أشارا إلى أن بوتين تشاور مع مستشاريه في قرار الغزو على عكس تصورات غربية أخرى تعتبره قراراً منفرداً عكس طموحاته الشخصية.
John J. Mearsheimer, Sebastian Rosato How States Think: The Rationality of Foreign Policy Yale University Press, 2023 .
[13] Keren Yarhi-Milo Why Smart Leaders Do Stupid Things Is Foreign Policy Rational? , foreign affairs, November/December 2023 https://www.foreignaffairs.com/reviews/why-smart-leaders-do-stupid-things
[14] Dominic D.P. Johnson, Dominic Tierney , Bad World: The Negativity Bias in International Politics International Security 43(3): February 2019 DOI:10.1162/isec_a_00336
[15] Mark Moyar, The White House’s Seven Deadly Errors Why have so many of America’s military interventions failed over the past decade? February 12, 2016 https://www.hoover.org/research/white-houses-seven-deadly-errors-0
[16] من الأهمية إدراك أن الصورة النمطية عن انغلاق النظم التسلطية قد لا تكون دقيقة في كل الحالات، حيث قد يكون هنالك نوع من الانفتاح والتعددية داخل عملية صنع القرار أو السياسات العامة. يشير تحليل لتشاتم هاوس إلى نمط التسلط الذكي smart authoritarianism الذي أسهم في صعود قوة الصين بفعل قدرة الحزب الشيوعي الحاكم على الانفتاح المحدود على تبادل ونشر الأفكار لجعله أكثر قدرة على تشخيص المشكلات والإصلاحات المطلوبة.
Jennifer Lind China’s ‘smart authoritarianism’ has upended ideas about autocracies’ limitations. The West must cooperate to respond, chatham house,27 NOV 2025 https://www.chathamhouse.org/2025/11/chinas-smart-authoritarianism-has-upended-ideas-about-autocracies-limitations-west-must
[17] Khaled Hanafi Ali Small sparks, big bangs , Ahram weekly ،15 Dec 2020
https://english.ahram.org.eg/NewsContentPrint/50/0/396953/AlAhram-Weekly/0/Small-sparks,-big-bangs.aspx
[18] Stephen M. Walt, The Top 10 Trump Administration Foreign-Policy Mistakes So far, foreign policy, September 10, 2025, https://foreignpolicy.com/2025/09/10/top-10-trump-administration-foreign-policy-mistakes/
[19] Chris Lunday, Jacopo Barigazzi and Veronika Melkozerova, Why Munich 1938 concessions to Nazi Germany haunt Washington 2025 talks, politico, August 18 2025: https://www.politico.eu/article/donald-trump-vladimir-putin-russia-war-in-ukraine-adolf-hitler-czechoslovakia/
[20] Radosław Arkady Fiedler, op.cit.
[21] Andreas Kruck, Kai Oppermann, Alexander Spencer ,op.cit.
[22] أنظر وجهة النظر تلك في:
Tamir Hayman Between Victory and Decisive Defeat: Evaluating Israel’s Ability to Achieve Its War Objectives Against Hamas November 23, 2025https://www.inss.org.il/publication/israel-victory/
Federico Toth Hamas's October 7 Attack: Analysis of an “Antagonistic” Crisis, 9 April 2025 https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/puar.13955
Frida Ghitis What Hamas wrought December 12, 2024 https://www.politico.eu/article/hamas-palestine-middle-east-syria-oct7-aqsa-idf-israel-war-lebanon/
[23] Andreas Kruck, Kai Oppermann, Alexander Spencer ,op.cit.
[24] أنظر وجهة النظر تلك في: محسن الشوبكي ، بين النصر والهزيمة في حرب الإبادة على غزة: قراءة في مفاهيم الانتصار ومعاييرهhttps://pravdatv.org/archives/25285
محمد غازي الجمل، ، ماذا تقول نظريات حروب التحرر عن النصر والهزيمة في غزة؟ يونيو، https://url-shortener.me/224H2025
[25] Nehemia Shtrasler, Total Victory? Netanyahu Brought Strategic Defeat on Israel haaretz, Nov 25, 2025https://url-shortener.me/224M
[26] المركز الفلسطيني للدراسات المسحية، نتائج استطلاع الرأي العام رقم (96): البيان الصحفي، 28 تشرين أول (أكتوبر) 2025 ، أزمة مزدوجة - الرأي العام الفلسطيني بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي وسندان فراغ القيادة: https://www.pcpsr.org/ar/node/1001
[27] Turner, M., & Doyle, C.. Deadly Decisions: How the UK parliament voted for war against Iraq: Lessons learned 20 years later. Caabu. 2023 https://www.caabu.org/sites/default/files/2023-03/Caabu_Deadly%20Decisions%20Iraq_March%202023_Pages.pdf