عقدت وحدة الدراسات الأمنية والعسكرية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ورشة عمل بعنوان "مستقبل الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط"، بحضور نخبة من الخبراء، وافتتح الورشة الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، مدير المركز، حيث قال أن الورشة تركز على ثلاثة مفاهيم محورية تبدأ بترشيد استخدام مفهوم الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن النطاق الجغرافي لمنطقة ما يسمى بالشرق الأوسط غالباً ما ترسمه الدول الكبرى وفقاً لمصالحها. والمفهوم الثاني هو الأمن الإقليمي، الذي يستدعي التحليل نظراً لتعدد تعاريفه والقوى الفاعلة فيه. أما الثالث فهو النظم الإقليمية وعلاقتها بالتكامل الإقليمي، ومن ثم بمستقبل الشرق الأوسط.

وأدارت الورشة د. إيمان رجب، رئيس الوحدة، والتي استهلت بأن الشرق الأوسط يعاني من "النقص في الترتيبات الأمنية" (Security Deficit)، مشيرة إلى أهمية مراجعة أطروحات باري بوزان حول الأمن الإقليمي. وطرحت تساؤلات جوهرية حول كيفية تشكل مفاهيم العداء والصداقة في الإقليم، ودور القوى العسكرية والذكاء الاصطناعي في إعادة التفاعلات الأمنية بين دول المنطقة وفي تشكيل التصورات الأمنية الجماعية لدولها.

وفي الجلسة الأولى، أكد اللواء أ ح هشام الهناوي أن مفاهيم الصداقة والعداء شهدت تحولات جذرية، حيث لم يعد هناك "صديق للأبد أو عدو للأبد"، بل تحكم المصالح هذه العلاقات. وأشار إلى ظاهرة "صناعة العداء" التي تمارسها القوى الدولية الكبرى تجاه الشرق الأوسط لتحقيق مصالحها، مستشهداً بالتدخل الأمريكي في المنطقة إبان احتلال أفغانستان والعراق وتصعيد الخطاب العدائي ضد إيران وسوريا.

كما أكد اللواء أ ح د. محمد قشقوش أن القوة العسكرية ستظل مهمة في تحديد مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، بفعل تنامي القدرات العسكرية لكل من إيران وتركيا ومصر وإسرائيل، بالتوازي مع فقدان جزء من محصلة القوة العسكرية العربية نتيجة الصراعات الداخلية، أو الانقسام، أو الاستقطاب لصالح إيران. ولكن الديناميكيات الأمنية الإقليمية ستستمر في التمحور حول هذه التوازنات العسكرية، سواء الناتجة عن دول الإقليم ذاتها أو عن التدخل والدعم الخارجي، من القوى الكبرى.

وحول أهمية الذكاء الاصطناعي في تحديد المستقبل الأمني للمنطقة، أكد د. عادل عبد الصادق أن امتلاك هذه القدرات أصبح يحدد التراتبية في النظام الدولي وقد يُغني عن امتلاك الموارد الطبيعية التقليدية. وأشار إلى خطورة امتلاك الفاعلين من غير الدول، مثل الميليشيات، لهذه التقنيات، مما يهدد الأمن الإقليمي.

وفي الجلسة الثانية، أوضح د.عبد العليم محمد أن أحداث "طوفان الأقصى" تسببت في انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، مما دفع تل أبيب لإعادة صياغة عقيدتها الأمنية من "الردع التقليدي" إلى "الردع الهجومي الدائم" عبر استخدام القوة المفرطة، بهدف تحقيق "النصر المطلق" وليس "النصر الكافي"، معتمدة في ذلك على الاغتيالات الممنهجة والضربات الاستباقية المتحررة من أية قيود أخلاقية، لمنع ظهور التهديد من الأساس، والسعي لفك الارتباط بين المقاومة وحاضنتها الشعبية عبر جعل المقاومة مرادفاً للخراب.

وقدم د.حسن أبو طالب عرضاً عن حجم الدور التركي في معادلة الأمن الإقليمي، وأوضح أن تركيا رسخت مكانتها كفاعل إقليمي نشط يتحرك وفق رؤية تطمح لأن تكون "دولة قائد" في المنطقة، مستندة إلى إرثها العثماني ومفاهيم مثل "العمق الاستراتيجي" و"الوطن الأزرق" لمد نفوذها عبر تحالفات مرنة، وسياسات "التدخل الحميد" والشراكات العسكرية، في الصومال وليبيا، ثم التحول الاستراتيجي في العلاقات مع مصر.

وحول مستقبل دور إيران في المنطقة، أوضح د. محمد عباس ناجي أن ايران تعيش حالياً في حالة  "الصدمة" نتيجة تعرضها لحرب مباشرة لأول مرة منذ الحرب مع العراق في ثمانينات القرن العشرين وهي الحرب مع اسرائيل التي وقعت في يونيو 2025. وأوضح أن البرنامج النووي الإيراني بعد هذه الحرب قد يكون تباطأ لكنه لم يتوقف نهائياً، وأن إيران تواجه خيارات صعبة بين المجازفة بتصعيد جديد أو الدخول في صفقة غير مضمونة مع الإدارة الأمريكية. وحذر أيضاً من أن ضعف إيران قد يكون أخطر على النظام الإقليمي من قوتها، نظراً لاحتمالات الفوضى. كما أشار إلى التأثيرات الواسعة للضربات الصاروخية الإيرانية داخل إسرائيل، والتي كان لها دور في إنهاء الحرب.

وحول أهمية دور دول الخليج في تحديد مستقبل المنطقة، أوضح د. محمد عز العرب أن تفاعلات دول الخليج مع التطورات الإقليمية الراهنة تشير إلى تجاوز الدور المركزي لمنظمة مجلس التعاون الخليجي في الحفاظ على الأمن الإقليمي، وزيادة الاعتماد على الإمكانات الذاتية لكل دولة. وأشار إلى أن التحدي الرئيسي يكمن في ضبابية مدركات التهديد لدى القيادات السياسية والأجهزة الأمنية في دول المجلس، وأن التحركات غالباً ما تكون فردية ومرتبطة بمصلحة كل دولة، وليس في سياق المنظمة، مما يخلق التباساً في البيئة الأمنية القلقة.

وشهدت الورشة نقاشاً مفتوحاً حول نقاط عدة، مثل إدارة الحروب عن بعد، ومحو الفوارق بين مستويات الأمن الداخلي والإقليمي والعالمي بفضل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي ستحقق قفزة في معدلات الإنتاجية في كل القطاعات مع تجنب المبالغة في تقدير تأثير الذكاء الاصطناعي كبديل عن قطاع النفط كمحرك اقتصادي لبعض الدول، وأخيراً ضرورة بلورة "مشروع مصري" يقدم تصورات حول أمن النظام العربي، وتأسيس "عقل استراتيجي" تقوده دول متكاملة تعيد التوازن للمنطقة، متجاوزاً الترتيبات الأمنية التي تفرضها قوى خارجية.