تبدو آسيا اليوم وكأنها تمشي على أطراف أصابعها. القارة التي عاشت أكثر من ثمانين عامًا على بقايا نظام خرج من حرب عالمية كبرى، تدخل الآن مرحلة انتقال لا يخلو من القلق. وكما يحدث دائمًا قبل ولادة نظام جديد، ترتفع الأصوات حينًا، وتخفت حينًا آخر، لكن الحقيقة تبقى أن خطوط التوتر تُعاد رسمها، وأن الخط الأكثر حساسية منها جميعًا هو الخط الفاصل بين الصين واليابان، وهو خط لا يهدأ مهما تغيّرت الحكومات أو تبدّلت الخطابات.
ولعل أكثر المؤشرات الدالة على هذا التوتر هو المكالمة التي جرت في الرابع والعشرين من نوفمبر 2025 بين الرئيسين الصيني شي جينبينج والأمريكي دونالد ترامب. فقد كانت هذه المحادثة، في ظاهرها، نقاشًا حول ملفات متزاحمة بين بكين وواشنطن، وفي باطنها اعترافًا بأن مرحلة جديدة تتشكل في آسيا. فالرئيس الصيني استخدم كلمة "العسكرة" اليابانية في حديثه مع الرئيس الأمريكي، وهو أمر لم يحدث من قبل. الخطير في الأمر أن هذه الكلمة تختزن تاريخًا طويلاً. فهي، من ناحية تعد تذكيرًا بأن بكين وواشنطن كانتا في خندق، واحد، خلال الحرب العالمية الثانية، ضد الفاشية والنزعة العسكرية اليابانية. كما أنها، من ناحية أخرى، تعد تلميحًا صريحًا بأن ذلك التاريخ لم يغادر الذاكرة، وأنه قد يُستدعى كلما بدا أن طوكيو تريد اختبار حدود الدور المسموح لها. ولعل ما يؤكد ذلك التقدير أن وزارة الخارجية الصينية أشارت، خلال شهر نوفمبر 2025 فقط، إلى "العسكرة اليابانية" ثماني مرات في تصريحات رسمية، وهو تكرار غير مألوف، يعكس ارتفاع منسوب القلق داخل دوائر صنع القرار الصينية من التحركات العسكرية والتصريحات السياسية للمسئولين اليابانيين.
اليابان: عودة المحارب القديم
خلال السنوات الأخيرة، بدأت طوكيو تتصرف وكأنها تريد تصفية حساب خفيّ مع دستور ما بعد الحرب العالمية الثانية، والصادر في عام 1947 أثناء الاحتلال الأمريكي لليابان. ذلك الدستور، ومادته التاسعة الشهيرة، قيّد دور اليابان العسكري أكثر من نصف قرن، لكنها تتحرك اليوم بثبات نحو إعادة تعريف نفسها، دولة تريد أن تقول إنها ليست فقط اقتصادًا ضخمًا، بل أيضًا قوة عسكرية تعرف كيف تدافع، وكيف تردع.
من تغيير العقيدة الدفاعية للجيش الياباني، إلى تجربة الذخيرة الحية للمدفع الكهرومغناطيسي المثبت على سفينة الاختبار "جيه إس أسوكا"، وهو سلاح ذو طبيعة هجومية واضحة، إلى التخطيط لنشر صواريخ أرض–جو متوسطة المدى في جزيرة يوناجوني القريبة من تايوان، كلها خطوات بدت لكثيرين في آسيا بشكل عام، وفي الصين بشكل خاص، كأنها قرع ياباني خفيف على أبواب "المارد العسكري" الياباني في قمقمه الذي وضع فيه بعد الحرب العالمية الثانية.
والخطير في الأمر، أن التحركات اليابانية ليست محصورة في الجانب العسكري فقط، بل تمتد أيضًا إلى الجوانب القانونية والسياسية والتعليمية. فالحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم يسعى منذ سنوات إلى تعديل المادة التاسعة من الدستور الياباني، وهي المادة التي تمثل حجر الزاوية في النظام الأمني السلمي لليابان بعد الحرب. ومع وصول ساناي تاكايتشي إلى منصب رئيس الوزراء عام 2025، عاد مشروع التعديل الدستوري إلى الواجهة بقوة، في محاولة لتجاوز القيود المفروضة على استخدام القوة العسكرية. ويضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته بـ"العسكرة الاجتماعية الناعمة"، من خلال إعادة صياغة المناهج التعليمية وتخفيف التركيز على جرائم الحرب اليابانية، وتعزيز صورة "قوات الدفاع الذاتي" باعتبارها قوة وطنية إيجابية، وهي خطوات تسعى إلى تهيئة الرأي العام الياباني إلى قبول دور عسكري أكبر في المدى القريب.
الخطوات اليابانية المذكورة أثارت قلقًا مكتومًا في المنطقة، لم يلبث أن أصبح صريحًا مع توالي ردود الفعل. فلم تكن الصين وحدها التي تصاعدت نبرة تحذيراتها، من خطر "العسكرة اليابانية"، بل انضمت إليها دول أخرى لها تجربة مريرة مع التوسع العسكري الياباني في حقبة ما قبل الحرب، كروسيا الاتحادية وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية وماليزيا وميانمار. وجميع هذه الدول رأت في التحركات العسكرية اليابانية الأخيرة ما يهدد جوهر النظام الأمني الذي تشكل في آسيا منذ 1945.
الصين تستند في موقفها الرافض للعسكرة اليابانية إلى أن "إعلان بوتسدام"، الصادر في 26 يوليو 1945، عن رئيس الولايات المتحدة هاري ترومان، ورئيس وزراء المملكة المتحدة ونستون تشرشل، ورئيس الصين شيانج كاي شيك، بشأن شروط استسلام إمبراطورية اليابان، قد نصّ صراحة على ضرورة "القضاء نهائيًا على سلطة أولئك الذين دفعوا اليابان إلى غزو العالم"، وأن اليابان يفترض، وفقًا للنظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، أن تظل دون قدرات هجومية. كما لوحت بكين أيضًا بما يسمى "بنود الدولة المعادية" في ميثاق الأمم المتحدة، والتي تعطي للدول المؤسسة للأمم المتحدة، وبينها الصين والولايات المتحدة، حق اتخاذ إجراءات مباشرة ضد الدول التي يعاود فيها الفاشيون أو العسكريون السعي لسياسات عدوانية.
ومن جهتها، تقدم اليابان تفسيرًا مختلفًا لتحركاتها العسكرية الأخيرة. فطوكيو تعتقد أن التهديدات المحيطة بها تتزايد، سواء في شبه الجزيرة الكورية أو في بحر الصين الشرقي، أو في ما يتعلق بملف تايوان. ومن ثم، تتأسس رؤيتها الجديدة على دعامتين أساسيتين. الدعامة الأولى هي تعديل العقيدة الدفاعية. فبعد عقود من الالتزام الصارم بمبدأ "الدفاع الذاتي الحصري"، ترى طوكيو ضرورة تبني قدرات "الهجوم المضاد"، وهو تحول يسمح لها بالرد على مصادر التهديد المحتملة قبل وصولها إلى الأراضي اليابانية. أما الدعامة الثانية فهي تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة، حيث تعتبر طوكيو أن أية إعادة بناء للنظام الأمني الآسيوي لن تكون ممكنة إلا بوجود مظلة أمريكية قوية في مواجهة الصين.
مشروعان يتقدمان
في ضوء ذلك، يبدو لكثير من المراقبين للشئون الآسيوية أن المنطقة تشهد تحولات جيوسياسية عميقة، حيث تتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين القوى الإقليمية في إطار إعادة تعريف الأدوار والنفوذ. وفي هذا السياق، تبدو آسيا اليوم قائمة بين مشروعين كبيرين. الأول هو المشروع الصيني، الذي يقوم على تثبيت بكين باعتبارها قوة لا ينازعها أحد في جوارها الجغرافي المباشر، وقادرة على فرض إيقاعها الأمني والسياسي، على دول الجوار. أما المشروع الثاني فهو الياباني، والذي يسعى إلى إعادة صياغة دور طوكيو ليس كقوة اقتصادية فحسب، بل كفاعل أمني قادر على الردع والمبادرة.
وقد ازداد هذا التنافس بين المشروعين تعقيدًا بدخول الولايات المتحدة شريكًا كاملاً في المعادلة، حيث ترى في اليابان حجر زاوية في استراتيجيتها لاحتواء الصين. ولهذا، تتحول أية خطوة بين بكين وطوكيو إلى جزء من لعبة أكبر بكثير من حجمهما الثنائي.
تايوان: العقدة التي لا تنفك
تُعدّ تايوان الملف الأكثر حساسية في العلاقات الصينية–اليابانية اليوم. فطوكيو ترى أن أي صراع عسكري في مضيق تايوان سيهدد أمنها القومي مباشرة، بحكم الموقع الجغرافي والاعتماد على خطوط الملاحة الدولية. أما بكين فتعتبر الجزيرة مسألة سيادة لا تخضع للنقاش، وتمثل "خطًا أحمر" لا يمكن تجاوزه. وهنا، بالضبط، تتقاطع صورتان لمستقبل آسيا. الصورة الأولى تريد احتواء القوة الصينية، والأخرى ترى أن التدخل الخارجي في الشئون الصينية، خصوصًا الياباني، هو تجاوز لخط أحمر لا يقبل التأويل من جانب بكين.
إلى أين تتجه آسيا؟
لن يتسم النظام الأمني الآسيوي في المدى القريب، في الغالب، بالاستقرار، خاصة مع تأثره بفعل ثلاث قوى أساسية. القوة الأولى هي الصعود الصيني، والذي يبدو أنه تجاوز مرحلة "القوة الإقليمية". أما القوة الثانية فهي ما يمكن تسميته "اليقظة اليابانية"، والتي تقترب من إعادة تعريف القوة العسكرية وضرورة امتلاكها في ظل التهديدات المتنامية من الصعود العسكري والاقتصادي الصيني من جهة واستمرار كوريا الشمالية في تطوير برامجها النووية والصاروخية من جهة أخرى. أما القوة الثالثة فهي التواجد العسكري الأمريكي، والذي يبدو مصممًا على ألا يترك الساحة للصين منفردة، من خلال تعزيز التحالف مع اليابان.
وفي هذا السياق، من المرجح أن يظهر نظام أمني آسيوي جديد. ويوجد سيناريوهان محتملان في هذا الخصوص. السيناريو الأول هو سيناريو "آسيا المنقسمة" إلى محاور أمنية متقابلة، حيث تتعمق الانقسامات وتتصاعد المنافسة الاستراتيجية، في إطار يشبه "الحرب الباردة" الإقليمية. أما السيناريو الثاني فهو سيناريو "آسيا الباحثة عن صيغة توازن جديدة"، تكون أكثر قدرة على احتواء التنافس بين القوى الثلاث (الصين واليابان والولايات المتحدة) دون انفجار، وسيكون ذلك، على الأرجح، من خلال تعزيز الآليات الإقليمية القائمة مثل منتدى شرق آسيا، وآليات الحوار التي تقودها آسيان. وربما يكون النموذج الآسيوي للأمن الذي تروج له الصين، أيضًا، إطاراً محتملاً للسيناريو الثاني، خاصة وأنه يرتكز على مفاهيم الأمن المشترك والتعاون الإقليمي، بدلاً من منطق التحالفات العسكرية والمواجهة، وهو الأمر الذي قد يلقى قبولاً كبيرًا في الثقافات الآسيوية السائدة في المنطقة. لكن أيًا كان الاتجاه، سوف يبقى فهم العلاقة الصينية - اليابانية هو مفتاح فهم مستقبل الأمن الآسيوي كله.
على أية حال، يمكن القول إن العلاقة بين اليابان والصين تعد من أكثر العلاقات الثنائية تعقيدًا وتشابكًا في النظام الدولي الآسيوي، بل وفي السياسة العالمية عمومًا. فهي علاقة تجمع بين الجوار الجغرافي، والتاريخ المثقل بالصراعات، والتنافس الاقتصادي الحاد، والاعتماد المتبادل في الوقت ذاته، إضافةً إلى تباين واضح في النظرة إلى النظام الدولي ودور كل دولة فيه.
وفي هذا السياق، يبدو للكثير من الخبراء أن الصين واليابان تسيران نحو مواجهة غير معلنة، حول "شكل آسيا المقبلة". فطوكيو التي تسعى إلى التحرر من قيود الماضي، تواجه ذاكرة شعبية وإقليمية ترى في كل خطوة عسكرية لها ظلالاً من زمن مظلم لم تُمحَ آثاره بالكامل. والصين، التي عانت من الاحتلال الياباني أكثر من أي دولة أخرى، ما زالت تعيش، سياسيًا على الأقل، تحت وطأة ذلك التاريخ، توظفه حين تشعر بالخطر، وتستحضره حين تريد أن تذكّر العالم بأن الأمن الآسيوي ليس ملفًا يمكن التعامل معه وكأنه بدأ أمس.
وبالتالي، يجب الانتباه إلى أن ما يجري في آسيا اليوم ليس مجرد تفاعل وتصعيد بين دولتين، بل هو إعادة صياغة لنظام أمني كامل، يشارك فيه التاريخ كما تشارك القوة، وتفرض الجغرافيا حضورها كما يفرض الاقتصاد منطقه. وهكذا تبدو آسيا الآن في شكل قارة تعيد ترتيب أوراقها، وفاعلين يعيدون تعريف أدوارهم، ونظام أمني في طور التشكل… بين ذاكرة لا تموت وطموحات لا تهدأ.