في تناقض واضح مع سيرة ومسيرة أميلكار كابرال الثورية، أضحت غينيا بيساو في عام 2007، وهي إحدى أشد دول العالم فقراً، أول دولة مخدرات في أفريقيا. فقد تسللت عصابات تهريب الكوكايين الدولية إلى أجهزة الدولة ولا سيما في الدوائر العسكرية النافذة، وهو ما اتضح بجلاء في انقلاب عام 2012 الذي أطلق عليه "انقلاب الكوكايين"، حيث أنه وقف حجر عثرة أمام الجهود الدولية المطالبة بإحداث إصلاحات جوهرية في المؤسسة العسكرية لمحاربة تجارة المخدرات. كما حصلت الشبكات الإجرامية في أمريكا اللاتينية على الحماية اللازمة لتهريب المخدرات عبر ممر غرب أفريقيا المتجه إلى أوروبا. والأدهى من ذلك أن هذه الشبكات ارتبطت برباط غير مقدس بجماعات إرهابية في منطقة الساحل، الأمر الذي انعكس سلباً على الأمن الإقليمي والدولي.
ويطرح الانقلاب الأخير الذي شهدته غينيا بيساو في 26 نوفمبر 2025 تساؤلات عدة حول عودة موجة الانقلابات العسكرية مرة أخرى في أفريقيا. فقد شهدت القارة على مدى الخمسة أعوام الماضية 11 انقلاباً ناجحاً، ناهيك عن المحاولات الفاشلة. بل إن منطقة غرب أفريقيا وحدها شهدت وقوع سبع انقلابات ناجحة حتى أضحت تعرف بحزام الانقلابات الجديد. ولعل تلك التطورات تعني في حقيقتها ودلالاتها غير الخافية تراجع موجة التحولات الديمقراطية وزيف ادعاءات الانتخابات التعددية التي أضحت وسيلة تتلاعب بها النخب الحاكمة للتمسك بأهداب السلطة. وربما يدفعنا ذلك لتجنب الحديث عن الاعتبارات الأخلاقية والقانونية عندما يتم التمييز بين الانقلابات المشروعة والانقلابات غير المشروعة استناداً إلى مزاج الرأي العام الأفريقي.
ماذا حدث إذن لسؤال النهضة الأفريقية؟، وهل نحن إزاء عِقد ضائع من التنمية في أفريقيا على غرار فترة الثمانينيات من القرن الماضي التي شهدت فشل المبادرات التنموية الأفريقية وتطبيقاً لسياسات التكيف الهيكلي المفروضة من الخارج؟، ذلك ما تُنبِئنا به حالة غينيا بيساو-على غرابتها- نظراً لارتباطها بعوامل متشابكة تجعل من دوائر الجريمة المنظمة العالمية على رأسها.
أزمة مستعصية
إن الانقلاب العسكري الذي وقع في 26 نوفمبر 2025 في غينيا بيساو - وهو التاسع في عدد المحاولات الناجحة أو الفاشلة منذ الاستقلال عام 1974 - يتجاوز بكثير كونه مجرد حلقة أخرى في تاريخ طويل من عدم الاستقرار؛ فهو يُجسّد التناقضات الهيكلية التي جعلت من غينيا بيساو صورة مصغرة لفشل عمليات بناء الدولة الأفريقية وترسيخ الديمقراطية. لا زلت أتذكر عندما بدأت أدرس الدور السياسي للجيوش أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. قال لي أحدهم: إن "عصر الانقلابات قد ولّى" في أفريقيا. بالطبع أثبتت الأيام عدم صواب هذا الرأي، ليس فقط بشأن أفريقيا عموماً، بل أيضاً فيما يتعلق بحالة غينيا بيساو تحديداً، وهي دولة ستُثبت أن الظروف المُولّدة للانقلابات هيكلية وليست طارئة، كما أنها مستمرة عبر عقود من التحول الديمقراطي الرسمي، والوساطة الدولية، والإصلاح الدستوري الشكلي.
يُظهر انقلاب نوفمبر 2025، الذي دبره الجنرال دينيس نكانها، قائد الحرس الرئاسي، والرجل المُكلَّف بحماية الرئيس بدلاً من عزله، أن عسكرة غينيا بيساو للسياسة ليست من مخلفات الفوضى التي أعقبت الاستعمار، بل هي سمة راسخة في الحكم نفسه، متشابكة بعمق مع الشبكات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية، وضعف المؤسسات المدنية، والانقسامات العرقية داخل الجيش، والحوافز المُضلِّلة التي أوجدتها سيطرة الدولة كمصدر للتراكم الرأسمالي للفصائل المُتنافسة. لقد جاء الانقلاب عشية الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات في 27 نوفمبر 2025، بعد أن أعلن كل من الرئيس الحالي عمرو سيسوكو إمبالو ومنافسه المُعارض فرناندو دياس داكوستا الفوز في 24 نوفمبر، عقب انتخابات 23 نوفمبر التي اتسمت بمخالفات دستورية عميقة وأزمة سياسية حادة.
انتهت ولاية إمبالو رسمياً في 27 فبراير 2025، لكن المحكمة العليا مددتها حتى 4 سبتمبر، وإذا به يعلن من جانب واحد استمرار ولايته حتى انتخابات 30 نوفمبر، وهو نمط من تجاوز السلطة التنفيذية يعكس الانتهاكات الدستورية التي ارتكبها أسلافه، وينزع الشرعية عن الحكومة المدنية في نظر ضباط الجيش. رفضت المعارضة، بقيادة الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا وكيب فرد المحظور، عبر وكيله فرناندو دياس دا كوستا، شرعية إمبالو، محولةً ما كان ينبغي أن يكون انتقالاً انتخابياً ديمقراطياً إلى أزمة دستورية وجودية حسمها الجيش في النهاية بالاستيلاء على السلطة بالقوة. إذ تم تعطيل العمل بالدستور وعزل الرئيس وفرض حالة الطوارئ وإغلاق الحدود وتشكيل القيادة العسكرية العليا لاستعادة الأمن الوطني. ويوضح تبرير الجيش - اكتشافهم "خطة محكمة" تضم سياسيين و"تجار مخدرات معروفين" للتلاعب بنتائج الانتخابات - مدى تشابك الأزمات السياسية في غينيا بيساو مع شبكات الاتجار بالمخدرات العابرة للحدود الوطنية.
محاولة فهم السياق والجذور
ثمة كلمات مفتاحية تجعل المرء قادراً على استيعاب تلك الظواهر التي تبدو متناقضة في الواقع الأفريقي المعاصر. ومن ذلك خروج الناس مهللين مرحبين في مشهد متكرر باستيلاء العسكريين على السلطة والإطاحة بحكومات يفترض أنها منتخبة. كل ذلك في مشهد عبثي من تصريحات الإدانة من كل حدب وصوب والمطالب الكلامية بعودة الحكم الدستوري. لكن النظام الدولي القائم على القواعد بات هو نفسه لا يحترم القواعد. يصبح لزاماً علينا والحالة هذه العودة إلى السياق والجذور مثل الفقر والإرث الاستعماري والدولة الفاشلة وتسييس الجيش وتدخلات الخارج، وفي حالة غينيا بيساو شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة. إذ تعد هذه الدولة واحدة من أكثر دول غرب أفريقيا اضطراباً وفقراً، حيث يبلغ عدد سكانها 1.9 مليون نسمة، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 840 دولاراً أمريكياً فقط، لتحتل المرتبة 177 من بين 191 دولة على مؤشر التنمية البشرية. ومع ذلك، ورغم هامشيتها الواضحة على الساحة العالمية، فقد استحوذت على اهتمام دولي من خلال سلسلة من الانقلابات والتمردات العسكرية، والصراعات العنيفة على السلطة التي ميّزت مشهدها السياسي منذ استقلالها عام 1974. ويتطلب فهم جذور هذا الاضطراب المستمر دراسة العوامل التاريخية والهيكلية والمؤسسية والعابرة للحدود الوطنية المترابطة التي شكلت مسار غينيا بيساو.
1- الإرث الاستعماري وضعف مؤسسات الدولة: ترتبط أسس المشاكل السياسية في غينيا بيساو بميراث أكثر من أربعة قرون من الحكم الاستعماري البرتغالي. منذ عام 1449 فصاعداً، لم تُحافظ البرتغال إلا على وجود استعماري محدود، مقتصرة على مراكز تجارية ساحلية في بيساو، وكاشيو، وبولاما، حيث كانت تجارة العبيد والسلع الزراعية عملاً رائجاً. ولم تبذل الدولة الاستعمارية جهداً يُذكر لتطوير البنية التحتية، أو التعليم، أو القدرات الاقتصادية في الإقليم. وبحلول عام 1950، ومع بلوغ عدد سكانه أكثر من نصف مليون نسمة، كان معدل الأمية 99٪ بين السكان الأصليين، مما يعكس تقصير الحكومة الاستعمارية البرتغالية المتعمد في الاستثمار في التنمية الاجتماعية.
بعد مؤتمر برلين عامي 1884-1885، شنت البرتغال حملات "تهدئة" منهجية - وهي عمليات عسكرية عنيفة في جوهرها تهدف إلى سحق المقاومة المحلية وإرساء السيطرة الإقليمية. وبالفعل استمرت هذه الحملات من عام 1878 إلى عام 1915 في البر الرئيسي ولم تمتد إلى جزر بيجاغوس إلا بعد ثلاث حملات عسكرية إضافية في أعوام 1917 و1926 و1936. والأهم من ذلك، استغلت السلطات البرتغالية التنافسات العرقية والاجتماعية القائمة بين جماعات مثل البالانتا والفولاني والماندينكا، باستخدام تكتيكات فرق تسد التي عمقت التوترات التاريخية. وقد خلقت هذه المواريث الاستعمارية مجتمعاً مجزأً بهويات عرقية متنافسة وتماسك وطني ضعيف وتنمية مؤسسية ضئيلة، وهو مزيج من شأنه أن يثبت أنه مزعزع للاستقرار بعد الاستقلال.
ظل جهاز الدولة الاستعمارية محدوداً واستخراجياً، مصمماً لتوجيه الموارد إلى البرتغال بدلاً من تطوير القدرات المحلية. ونتيجة لذلك، عندما حصلت غينيا بيساو على استقلالها في عام 1974، ورثت دولة ذات نطاق محدود خارج العاصمة وقدرة تقنية ضئيلة وسكان منقسمين عرقياً مع مطالبات متنافسة على السلطة والموارد. وعليه فقد ترك الإرث الاستعماري اقتصاداً يعتمد على محاصيل نقدية بغرض التصدير - الفول السوداني أساساً - دون تنويع أو إمكانية نمو مستدام ذاتياً.
2- عيوب الدولة ما بعد الكولونيالية: بعد الاستقلال في ظل حكم الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا وكيب فرد وزعيمه أميلكار كابرال، بدت فترة ما بعد الاستعمار المبكرة واعدة. نظّم كابرال نضالاً تحريرياً جمع بين المقاومة المسلحة وبناء إدارة بديلة في الأراضي المحررة، مما أظهر إمكانات حقيقية لبناء الدولة. إلا أن اغتيال كابرال عام 1973، والانقلاب الذي تلاه عام 1980 بقيادة رئيس الوزراء آنذاك جواو برناردو "نينو" فييرا، كانا بمثابة بداية عقود من صراعات السلطة والانهيار المؤسسي.
وللمفارقة، خلقت مراجعة الدستور عام 1993، التي كان الهدف منها منع التركيز المفرط للسلطة من خلال نظام شبه رئاسي، نفس المشاكل التي سعت إلى منعها. فقد منح الدستور الرئيس صلاحيات واسعة، بما في ذلك حل البرلمان، وإقالة الحكومة، وتشكيل الوزارات وحلها، ورئاسة مجلس الوزراء. والأهم من ذلك، أن البند الذي ينص على أن الرئيس "يمثل جمهورية غينيا بيساو" فُسِّر من قبل الرؤساء المتعاقبين على أنه تفويض لتشكيل "سلطة مضادة" أو حكومة موازية، مما أدى إلى صراع مزمن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. استمر هذا الغموض الدستوري كعامل مزعزع للاستقرار منذ عام 1993، مساهماً بشكل مباشر في الأزمات السياسية التي شهدتها البلاد بين عامي 2015 و2018، عندما أقال الرئيس خوسيه ماريو فاز رئيس الوزراء دومينغوس سيمويس بيريرا، مما أدى إلى شلل حكومي مطول ترك البلاد بدون ميزانية فعالة أو سلطة تشريعية
3- تسييس الجيش وانقسامه: ينبع مصدر ثانٍ حاسم لعدم الاستقرار من تسييس الجيش وانقساماته الداخلية. فخلال فترة الاستعمار ونضال التحرير، تشابك العمل العسكري والسياسي. وبعد الاستقلال، قامت الحكومات المتعاقبة - وخاصة في عهد نينو فييرا- بتحويل الفصائل العسكرية إلى جهات مستقلة قوية، وكثيراً ما كانت تتدخل في السياسة وتفرض النتائج من خلال الانقلابات والتمردات. وكان من الواضح أن جماعة البلانتا العرقية، التي تُشكل 30% من السكان ولعبت دوراً محورياً في النضال ضد الاستعمار، أضحت تُسيطر على الرتب العليا في الجيش بعد الاستقلال، في عملية عُرفت بـاسم "التوازن" في القوات المسلحة. وقد أثار هذا التمثيل المفرط استياءً عميقاً لدى الجماعات العرقية الأخرى، ولدى ضباط البلانتا المُستبعدين، مما أدى إلى محاولات تطهير وانقلابات واغتيالات. على سبيل المثال، بعد حرب 7 يونيو 1998-1999 ، اعتُبرت محاولات إصلاح الجيش والحد من هيمنة البلانتا تهديداً ليس فقط لضباط البلانتا، بل لوصول الجماعة العرقية بأكملها إلى السلطة والموارد في العاصمة.
كما عانى الجيش من أزمات مالية هيكلية. وتفاقمت متأخرات رواتب الجنود والمقاتلين السابقين، وعانت القوات من "هرم مقلوب" يفوق فيه عدد الضباط العاملين عدد المجندين النظاميين، مما أدى إلى بيروقراطية ضخمة عاجزة عن أداء وظائف الدفاع الأساسية. هذا المزيج - الشقاق العرقي، وانعدام الأمن المالي، والخلل الهيكلي - جعل الجيش سلاحاً للصراعات الداخلية بدلاً من أن يكون حامياً لسيادة الدولة، مما أدى إلى انقلابات ناجحة في أعوام 1980 و1999و2003 و2012 وأخيراً في 2025. كما أنه ساهم في محاولات انقلاب متكررة.
4-الانفصال بين الدولة والمجتمع: يُمثل ضعف الصلة بين الدولة في بيساو والمجتمعات الريفية في جميع أنحاء أراضي غينيا بيساو بُعداً حاسماً ثالثاً. ويشير الباحثون إلى أن الدولة الهشة كانت تاريخياً منفصلة عن المجتمعات الريفية القوية التي قاومت التدخل في شئونها. ويعني هذا "الانفصال في الصلة" أنه في حين تجذب الانتخابات إقبالاً كبيراً من الناخبين ونجاح بعض الاحتجاجات الشعبية في تحقيق المطالب، فإن قدرة الدولة على تقديم الخدمات، أو فرض القواعد، أو الحفاظ على سلطتها خارج العاصمة لا تزال ضئيلة. أفسح هذا الضعف المجال لحكمٍ استبدادي، حيث تتركز السلطة في يد الرئيس، الذي يوزّع الموارد أو الغنائم على دائرةٍ ضيقةٍ من المؤيدين، مهمشاً منافسيه. كان نينو فييرا رائداً في هذا النهج، وواصله الرؤساء اللاحقون، من كومبايالا إلى خوسيه ماريو فاز إلى عمر سيسوكو إمبالو. وكان تبني عقلية "الفائز يحصد كل شيء" تعني أن كل تغيير في الحكومة يؤدي إلى إعادة ترتيب شاملة للمواقف، وتعطيل لمبادرات التنمية، وتجدد لدورات من الانتقام والإقصاء. ويتجلى هذا النمط بوضوح في الفترة 2015-2018، عندما أدى الصراع السياسي بين فاز وبيريرا إلى عجز الحكومة عن اتخاذ أي إجراء، وحجب المانحون الدوليون أكثر من مليار يورو من المساعدات التي تعهدوا بها.
5- دولة المخدرات، والجريمة العابرة للحدود، والتشابك الدولي: منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، اشتهرت غينيا بيساو بكونها أول "دولة مخدرات" في أفريقيا، حيث يُزعم تورط نخب عسكرية وسياسية في شبكات دولية لتهريب الكوكايين. في عام 2007، حدد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة غينيا بيساو كنقطة الشحن الرئيسية للكوكايين من أمريكا اللاتينية المتجه إلى أسواق أوروبا وأمريكا الشمالية. ومع ذلك، فإن الاتجار بالمخدرات ليس سبباً لضعف الدولة، بل هو أحد أعراضه، فضعف قدرة الدولة، وحدودها غير المحكمة، وموقعها الجغرافي، وعزلتها عن أجهزة إنفاذ القانون الدولية، تجعلها منطقة عبور مثالية للسلع غير المشروعة.
المهم سياسياً هو أن اتهامات التورط في المخدرات أصبحت أسلحة خطابية في صراعات السلطة. خلال الأزمة السياسية عام 2009، أقال الرئيس نينو فييرا الجنرال باتيستا تاجمي نا واي بسبب تورطه المزعوم في تهريب المخدرات؛ اغتيل كلاهما بعد أيام، وانتشرت شائعات بأن الصراع متعلق بالمخدرات. وبالمثل، ضمت حكومة إمبالو (2020-2023) أفراداً يُشتبه في صلتهم بالاتجار بالمخدرات، ودارت شائعات عن عنف بدافع المخدرات حول المحاولة الانقلابية في فبراير 2022 والهجوم على مقر الحكومة. وقد جذب هذا التقاطع بين الاتجار بالمخدرات والعنف السياسي اهتماماً وتدخلاً دوليين مكثفين، حيث توسطت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بشكل متكرر في الأزمات وهددت بفرض عقوبات.
6-العوامل الخارجية والاعتماد على الدعم الخارجي: اعتمدت غينيا بيساو على المساعدات المالية والعسكرية والتقنية الخارجية منذ الاستقلال. وقد منح هذا الاعتماد الجهات الدولية نفوذاً كبيراً على السياسة الداخلية، ولكنه لم يُسفر عن الاستقرار. وبدلاً من ذلك، تدخلت الدول المجاورة - وخاصة السنغال وغينيا كوناكري - في سياسات بيساو، داعمةً الفصائل المتنافسة بناءً على مصالحها الخاصة. خلال حرب عام 1999، تلقى الرئيس فييرا دعماً من السنغال وغينيا كوناكري بموجب اتفاقية دفاعية، بينما تلقى الجنرال ماني دعماً من المؤسسة العسكرية. كما أسفرت الوساطة الدولية عن نتائج متباينة. فقد نشرت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) قوات حفظ سلام (إيكومو) في الفترة 1998-1999، لكنها لم تتمكن من منع انقلاب عام 1999. وأسفرت التدخلات الدولية اللاحقة في الأعوام 2012، و2015-2018، و2022-2023 عن اتفاقيات مؤقتة - مثل اتفاقية كوناكري لعام 2016 – والتي ظلت إلى حد كبير حبراً على ورق دون تنفيذ. كما علّق المانحون الدوليون مساعداتهم مراراً وتكراراً عند اندلاع الأزمات السياسية، مما زاد من نقص الموارد اللازمة للدولة للعمل ودفع الرواتب.
ختاماً، ينبع عدم الاستقرار السياسي في غينيا بيساو من دورة متفاقمة من الضعف الهيكلي، والثغرات المؤسسية، والانقسام العسكري، والتبعية الخارجية. وقد ترك الحكم الاستعماري دولة مجزأة وقليلة التطور. كما ركز دستور عام 1993 السلطة مع خلق صراع مؤسسي. وفي نهاية المطاف، أدت الهيمنة العسكرية، والانقسامات العرقية، ولا سيما التمثيل المفرط لجماعة بالانتا، ونقص التمويل المزمن، إلى تحويل القوات المسلحة إلى طرف سياسي مزعزع للاستقرار. على أن عقلية الزبائنية السياسية وتركيز الموارد بين النخب السياسية، أفضت إلى فصل الدولة عن المجتمع الأوسع، وإلغاء حوافز التطوير المؤسسي. ومن جهة أخرى، أدت التبعية الدولية والتدخل الإقليمي، إلى جانب موقع غينيا بيساو الجاذب للاتجار بالمخدرات عبر الحدود الوطنية، إلى تكريس بيئة عدم الاستقرار أكثر فأكثر بتحويل مواقع الدولة إلى جوائز قيّمة في منافسات صفرية على الموارد والدعم الدولي.
إن الانقلاب الذي شهدته غينيا بيساو في 26 نوفمبر 2025 ليس مجرد أزمة وطنية، بل معضلة قارية مصغرة. إنه صيحة تحذير من أن "العِقد الضائع" من التنمية في أفريقيا قد بدأ بالفعل، مدفوعاً بموجة انقلابات عسكرية من المرجح أن تستمر حتى عام 2030 ما لم تتم إعادة هيكلة الظروف الأساسية التي تولد الانقلابات. كما أن كسر هذه الحلقة المفرغة لا يتطلب مجرد إصلاح عسكري، أو جهود لمكافحة الفساد، أو حفظ سلام دولي -مع أهمية هذه الأمور- بل يتطلب أيضاً إعادة هيكلة جذرية للمؤسسات، وآليات حقيقية لتقاسم السلطة تشمل الفئات المهمّشة، والاستثمار في قدرات الدولة خارج حدود بيساو. وإلى أن تحدث هذه التغييرات الجذرية، من المرجح أن تظل غينيا بيساو أسيرة دورات من الأزمات والتدخل العسكري والشلل المؤسسي الذي يُخضع التنمية للصراع الدائم على السلطة.