رانيا مكرم

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

يشهد المجال الديني والإعلامي في مصر تحولات عميقة تعكس توجه الدولة إلى إعادة تقديم خطاب ديني منضبط وعصري قادر على مخاطبة شرائح اجتماعية متباينة في سياق محلي وإقليمي شديد التعقيد. وفي هذا الإطار، جاء برنامج "دولة التلاوة" بوصفه أحد أبرز المشروعات الإعلامية التي تتعامل مع التراث الديني ليس باعتباره موروثًا جامدًا، بل باعتباره عنصرًا من عناصر القوة الثقافية المصرية التي يمكن إعادة تفعيلها وتقديمها بمفردات جديدة لتكون أحد محددات القوة الناعمة المصرية.

ويكتسب البرنامج خصوصيته من كونه إنتاجًا مشتركًا بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ووزارة الأوقاف المصرية، وهو ما يعكس توجهًا مؤسسيًا نحو دمج الخبرات الإعلامية الحديثة بالهيئات الدينية التقليدية، في سياق يمكن من خلاله إعادة صياغة المحتوى الديني وفق معايير مهنية وجمالية تتسق مع متطلبات اللحظة الراهنة.

وتتجاوز أهمية البرنامج حدود كونه عملاً توثيقيًا أو احتفاليًا ليصبح جزءًا من تحرك أوسع هدفه إعادة ضبط وتشكيل المجال الديني، وبناء سردية دينية وثقافية تتوافق مع مشروع الدولة في إعادة تنظيم المجال العام، والتركيز على القوة الناعمة المصرية بوصفها رصيدًا تاريخيًا يعاد توظيفه في الحاضر. ويأتي توقيت إطلاق البرنامج في أكثر من قناة مصرية وإذاعة كاستثمار ذكي لحالة الزخم التي يمر بها المجتمع المصري، عقب افتتاح المتحف المصري الكبير، بما يشير إلى أن مصر مثلما تمتلك تاريخًا لا يمكن إنكار وجوده، فإنها تمتلك أيضًا حاضرًا لا يمكن تجاهل تأثيره.

سياق عام متطلع للتغيير

تزامن إطلاق برنامج "دولة التلاوة" مع سعى الدولة إلى ضبط المجال الديني، وتعزيز دور المؤسسات الدينية الرسمية، لمواجهة عشوائية الخطاب الديني على مدار سنوات. وفي هذا السياق، تبرز وزارة الأوقاف باعتبارها الجهة المختصة بتنظيم الشئون الدينية في مصر، بينما تمثل الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية أحد الفاعلين في إعادة صياغة المحتوى الإعلامي المصري بمختلف أنواعه. وقد أتاح هذا التعاون إعادة إنتاج التراث الديني عبر لغة بصرية حديثة ومتطورة قادرة على مخاطبة وجذب الجمهور الشاب، الذي أصبح استهلاكه للمحتوى قائمًا على الصورة والسرد السريع أكثر من ميله إلى السماع لخطاب وعظي تقليدي.

وبالتالي، جاء البرنامج ليملأ فجوة واضحة في المشهد الإعلامي الديني، حيث لم تعد البرامج التقليدية قادرة على التأثير في جمهور يعيش داخل فضاء رقمي سريع ومتغير، بينما يتطلب التواصل الفعّال معه إعادة تقديم التراث عبر صيغ فنية بصرية قادرة على إثارة الانتباه وإعادة بناء الارتباط العاطفي والرمزي بهذا التراث.

 ومن هنا، يصبح "دولة التلاوة" مشروعًا يتجاوز منطق العرض إلى منطق إعادة البناء. إذ يتكامل البرنامج مع مشروع الدولة في إعادة ضبط المجال الديني –كما سبقت الإشارة- عبر تقديم خطاب ديني مسئول في إطار المؤسسة الرسمية، يتسم بالاعتدال ويقدم التلاوة بوصفها فنًا وروحًا ومكونًا ثقافيًا، وليس مجرد أداء فردي.

ويحمل البرنامج في مجمله دلالات تتصل بإعادة ترسيخ المدرسة المصرية في التلاوة بوصفها أحد أعمدة الهوية الدينية والثقافية، لاسيما بعد تراجع حضور المدرسة المصرية في المحيط العربي خلال العقدين الأخيرين لصالح مدارس أخرى، ما ولّد قناعة بضرورة إعادة تقديم القرّاء المصريين ضمن سردية جديدة تسترجع قيمة هذه التجربة وتعيد تموضعها في مكانها المناسب. ومن خلال هذه المقاربة، لم يكتف البرنامج بتوثيق الماضي، بل عمل على إعادة بناء صورة مصر بوصفها مركزًا تاريخيًا للإبداع الديني والصوت القرآني، وليؤكد، حسب كثيرين، أن "القرآن نزل في مكة وتُلِىَ في مصر".

فلا يخف أن للمدرسة المصرية في التلاوة أثرًا كبيرًا في تعليم فنون التلاوة وجمالياتها في العديد من الدول، لاسيما تلك غير الناطقة بالعربية، إذ ظهر ذلك بشكل جلي في تجارب برامج مشابهة في كل من إيران وتركيا وإندونيسيا، حيث يتم الاحتفاء في هذه البرامج بالقرّاء المصريين المؤسسين للمدرسة المصرية في التلاوة، أمثال الشيوخ الأجلاء: محمد رفعت، محمد صديق المنشاوي، محمود علي البنا، عبد الباسط عبد الصمد، ومصطفى إسماعيل.

تناول جديد

جمع البرنامج بين صورة جذابة، وطريقة عرض مؤثرة، فمع الإخراج البصري الحديث جاء المحتوى ليضيف طابعًا إنسانيًا وروحانيًا، وذلك عندما يُسأل المتسابق عن رحلته مع حفظ وتلاوة القرآن، والتي تأتي أغلبها لتؤكد على مدى تعلق المصريين بالقرآن الكريم في محافظات مصر المختلفة، حيث عرض البرنامج قصصًا إنسانية مؤثرة عن عائلات تكرس كل مدخراتها لهدف تعليم الإبن وتحفيظه القرآن فقط.

وبهذا الأسلوب، يقدم البرنامج تجربة روحية لا تعتمد على الصوت وحده، بل تستخدم تجارب إنسانية لبناء حالة وجدانية تعيد علاقة الجمهور بالتلاوة، من خلال سردية تمزج بين التاريخ الشخصي للقراء المصريين المتسابقين ومسار التلاوة ذاته داخل الثقافة المصرية، وهو الأمر الذي منح المادة الدينية المقدمة عمقًا سرديًا يتجاوز النمط التقليدي للبرامج الدينية، لاسيما مع التفسير المبسط للآيات القرآنية، أو الحديث عن أسباب نزولها، فضلاً عن عرض الحلقات لقطات أرشيفية وأصوات نادرة تعيد بناء الذاكرة الجمعية لمدرسة التلاوة المصرية.

وتشير مستويات الإعداد للبرنامج قبل إطلاقه إلى جهود غير مسبوقة في مجال الإعلام الديني، في محاولة للتأكيد على قدرة الإعلام المصري على تقديم محتوى جيد وهادف، وقادر على جذب الجمهور. فحسب تصريحات أسامة رسلان المتحدث باسم وزارة الأوقاف، فإن عملية اكتشاف المواهب الصوتية ببرنامج "دولة التلاوة"، قد شملت كل محافظات الجمهورية بلا استثناء، مع تنظيم تصفيات في سبع محافظات مركزية لاستقبال المتسابقين من المحافظات القريبة، وأن عدد المتقدمين كان قد وصل إلى أكثر من 14 ألف متقدم قبل الانتقاء للوصول إلى 300 متسابق تم اختيارهم لإجراء مراحل تدريبية وإقامات في أكاديمية الأوقاف الدولية، تلتها تصفيات أخرى للوصول إلى 32 متسابقًا فقط، وهو مجهود كان مردوده فوريًا عبر الشاشات، حيث لاقى البرنامج حفاوة كبيرة منذ إطلاق الحلقة الأولى، كما تصدر قائمة الأعلى تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي.

كما تعكس جوائز البرنامج في حد ذاتها قيمة ما يقدمه، حيث خصصت وزارة الأوقاف ما قيمته 3.5 مليون جنيه كجوائز نقدية للفائزين، فضلاً عن فرصة الفائز بالمركز الأول تسجيل كامل المصحف الشريف وإذاعة هذا التسجيل على قناة "مصر قرآن كريم"، إلى جانب جائزة معنوية لا تقل دافعية وهي إمامة المصلين في مسجد الإمام الحسين خلال شهر رمضان.

تأثير متوقع

من المتوقع أن يترك برنامج "دولة التلاوة" أثرًا ملموسًا على المجتمع المصري، ليس فقط باعتباره برنامجًا إعلاميًا، بل كأداة استراتيجية لإعادة تشكيل المجال الديني والثقافي. فعلى الصعيد الديني، يحاول البرنامج ترسيخ خطاب ديني معتدل ومتوازن، يعيد بناء العلاقة بين المواطن والتراث الديني من خلال لغة بصرية وجمالية حديثة، تتيح للمشاهدين، خاصة الفئة الشابة، فهم المعاني الدينية بأسلوب متجدد يتجاوز النمط التقليدي للوعظ والخطب، ويخلق إحساسًا بالانتماء الرمزي والعاطفي لهذا التراث.

أما على المستوى الثقافي، يعزز البرنامج القدرة على توظيف القوة الناعمة المصرية، بإظهار الموروث الديني كمكون حاضر في الهوية الوطنية، قادر على الإسهام في صناعة صورة إيجابية لمصر داخليًا وخارجيًا. ويأتي هذا في إطار مشروع الدولة الأكبر لإعادة ضبط المجال العام، ما يجعل البرنامج جزءًا من عملية شاملة لتحديث البنية الرمزية والثقافية للمجتمع.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يمكن للبرنامج أن يقلل من انتشار الأفكار المتطرفة أو التفسيرات العشوائية التي ظهرت نتيجة غياب خطاب ديني معاصر، ويعزز الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية، ويشجع على الحوار المجتمعي القائم على قيم الاعتدال والانفتاح. كما يفتح البرنامج مساحة لإشراك الجمهور في تجربة ثقافية مشتركة، ما يعزز الهوية الجماعية ويقوي الروابط بين مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.

وعلى المستوى الإعلامي، يأتي البرنامج في إطار اهتمام ملحوظ من الدولة بتطوير المحتوى الإعلامي، بما يخدم المشروع الوطني لبناء الإنسان والوطن، فيما يمثل "دولة التلاوة" نموذجًا لتكامل الخبرات بين الإعلام الحديث والمؤسسات الدينية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى إعادة صياغة محتوى ديني وثقافي أكثر احترافية وجاذبية، ويتيح إمكانية إعادة التجربة في مجالات أخرى من محددات القوة الناعمة المصرية المتعددة، مثل التراث الفني والموسيقي واللغوي، ما يعزز مكانة مصر كفاعل ثقافي مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.

في النهاية، يمكن القول إن برنامج "دولة التلاوة" يقف عند تقاطع مهم بين الإعلام والدين والسياسة الثقافية في مصر، كونه مشروعًا يطمح إلى إعادة تعريف موقع مصر الديني والروحي في العالم الإسلامي عبر محتوى منضبط، معاصر، يربط بين الماضي والحاضر، ويعكس توجهات الدولة في إدارة الخطاب الديني.