السفير/ أحمد فاضل يعقوب

مساعد وزير الخارجية سابقاً -عضو المجلس المصري للشئون الخارجية

 

منذ أن صدر قرار مجلس الأمن رقم 2803 حول غزة فى 17 نوفمبر 2025، لا يزال الجدل حوله قائمًا بين منتقد ومتخوف، أو مؤيد بقوة أو على استحياء وتحفظ. ومن المتوقع أن يستمر الأمر كذلك فى الإعلام الدولي والعربي، إلى أن يبدأ تنفيذه بخطوات عملية على أرض الواقع.

والملاحظة الرئيسية هنا أن غالبية الدول أعضاء مجلس الأمن التي صوتت لصالح القرار وعددها 12 دولة (إذا استثنينا الولايات المتحدة باعتبارها مقدمة مشروع القرار، والصين وروسيا باعتبارهما امتنعتا عن التصويت) قد انتقدت، فى كلمات مندوبيها الشارحة للتصويت، وبعد أن أيدته، جوانب كثيرة في القرار سواء من حيث الصياغة الغامضة وغير الواضحة، أو من حيث بعض التعديلات الجوهرية التي طالبت بها ولم تأخذ بها الولايات المتحدة، ومنها غياب دور واضح للسلطة الفلسطينية، وعدم تحديد مرجعية الكيانات التي يشكلها، وعدم إشراف الأمم المتحدة كشرعية دولية، وافتقاد لغة صريحة لحل الدولتين، وهو طموح مشروع.

يضاف إلى ذلك أن الدولتين الأخريين: الصين وروسيا، واللتين كانتا من أشد المعارضين للمشروع الأمريكي حتى في صيغته النهائية المعدلة، وكان بإمكان إحداهما أو كلتاهما، أن تجهض هذا القرار باستخدام حق النقض (الفيتو) الذي يتمتعان به كعضوين دائمين، لم تفعلا ذلك وفضلتا الامتناع عن التصويت بما يسمح بتمرير هذا القرار.

أما الدول العربية والإسلامية الثمانية، وهى (مصر والسعودية وباكستان وتركيا وإندونيسيا وقطر والإمارات والأردن)، والتي مارست دوراً مهماً منذ اجتماع مسئوليها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نيويورك فى 23 سبتمبر2025 وحتى إصدار هذا القرار، والتي سبق وأصدرت بياناً مشتركاً فى 13 نوفمبر 2025 يطالب ببعض التعديلات الجوهرية على مشروع القرار الأمريكى فى نسخته الأولى، عادت وأصدرت بياناً آخر فى 15 نوفمبر، أى بعد يومين، وبالاشتراك مع الولايات المتحدة هذه المرة، وطالبت بسرعة اعتماد هذا المشروع والموافقة عليه، بعد قبول بعض طلباتها وأهمها الإشارة إلى حق تقرير المصير والدولة، حتى وإن لم تكن الصياغة مثالية،  ولا تعكس بوضوح ما طالبت به، وهي طلبات أو طموحات مشروعة أيضًا. فلماذا إذن تم تمرير مشروع القرار رغم كل الانتقادات والمثالب هذه، حتى من الدول التي صوتت لصالحه من أعضاء المجلس؟

الإجابة المنطقية والمباشرة تكمن فى فكر الواقعية السياسية، والتي تمثلت فيما يلي:

1- إن الولايات المتحدة عبرت بوضوح على لسان مندوبها الدائم بأن التعديلات التى أجرتها هو أقصى ما لديها، وقد ذكر صراحة أن التصويت بلا هو تصويت بالعودة للحرب (الإسرائيلية على غزة)، وهو ما لا يريده المجتمع الدولي والأمم المتحدة، بعد عديد من مشروعات القرارات المقدمة إلى مجلس الأمن خلال عامين، وأجهضتها الولايات المتحدة ذاتها.

2- أدركت هذه الدول المنخرطة، سواء أعضاء المجلس، أو الدول العربية والإسلامية، أن المشروع به العديد من العناصر الإيجابية المهمة، بل والتى تعد تطورًا تاريخيًا بالنسبة للقضية الفلسطينية كما سنوضح فيما بعد.

3- الأخذ فى الاعتبار الأوضاع على أرض الواقع، والمجازر الإسرائيلية التى استمرت لمدة عامين، والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة ضد المدنيين، رغم وقف إطلاق النار، والحاجة لوقف هذه المجازر، وإدخال المساعدات بشكل فورى، وكذلك إعادة الإعمار، وهى جميعها عناصر مهمة وعملية تضمنها القرار.

تقييم أهم عناصر قرار مجلس الأمن

أولاً: حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية: جاء نص قرار المجلس بصيغة وكأنها تضع شروطًا لا يمكن قياسها، وفضفاضة، لممارسة حق تقرير المصير، وإنشاء الدولة الفلسطينية، حيث تضمن "وبعد تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية على نحو أمين، وتقدم أعمال إعادة تطوير غزة، قد تتوافر الشروط أخيرًا لبلورة مسار موثوق نحو تقرير المصير وقيام دولة".

وقد كان أبلغ رد قانونى منتقد لهذا النص على لسان مندوب سيراليون التى ترأس مجلس الأمن حسب دورها هذا الشهر، حيث ذكر النقاط التالية:

1- إن حق الشعوب فى تقرير مصيرها هو حق مطلق، غير قابل للتصرف، ولا يجوز لمجلس الأمن تعليقه، ولا وضع أى شروط لممارسته، وأنه حق ثابت حسب القواعد العامة للقانون الدولي، كما حددته المفوضية الدولية للقانون، وأحكام محكمة العدل الدولية.

2- تعتبر سيراليون لذلك وبوضوح أنه لا يوجد فى هذا القرار ما يخالف الحق غير القابل للتصرف Inalienable للفلسطينين فى تقرير مصيرهم، وإنشاء دولة مستقلة، وأن هذا الحق هو مستقل فى وجوده عن أى خطط سلام أو ترتيبات حكم أو برامج إصلاح، وحسب الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية حول الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، فإن الأمم المتحدة، بما فيها مجلس الأمن، مطالب بأن يُفعِّل هذا الحق لا أن يؤجله أو يزيله.

3- يفسر ما ورد في القرار بأنه نص يؤكد- ولا يشترط - على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإنشاء دولتهم.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن ما جاء في القرار حول حق تقرير المصير وإنشاء دولة، رغم هذه الصياغة، هو تطور مهم وإيجابي في تاريخ القضية الفلسطينية، خاصة وأنها في مشروع أمريكي أقره مجلس الأمن، رغم المواقف المعلنة سابقًا لإدارة ترامب والرفض الدائم من حكومة بنيامين نتنياهو.

ثانيًا: إنشاء مجلس السلام (Board of Peace): رحب مجلس الأمن فى قراره بإنشاء (مجلس السلام) بصفته إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، ويقوم بدور وضع الإطار وتنسيق التمويل لإعادة تطوير غزة، وفقًا للخطة الشاملة، وبما يتفق مع مبادئ القانون الدولى ذات الصلة، وذلك إلى أن تتم السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها على نحو مرضٍ، كما ورد فى مقترحات مختلفة، بما فيها خطة السلام للرئيس ترامب لعام 2020، والمقترح السعودي الفرنسي، وبما يمكنها من استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعال".

وكما أعلن ترامب، فإنه من المقرر أن يرأسه شخصيًا، ولكن كيفية تشكيله غير واضحة، وإن كانت اختصاصاته تشير إلى أنه سيكون المسئول عن الإشراف على إدارة حكم غزة، وإنشاء كيانات تشغيلية داخل القطاع، وتنفيذ إدارة حكم انتقالية هى التى تشرف على لجنة فلسطينية من تكنوقراط غير سياسية من سكان القطاع، تتولى مسئولية الإدارة المدنية والخدمات فى القطاع، كما سيكون من مسئولياتها إعادة الإعمار، وتنسيق وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومن إيجابيات إنشاء هذا المجلس ما يلي:

1- يعد تشكيله من أهم إيجابيات هذا القرار، فرغم تخوف البعض، وخاصة حماس، من أن يكون سلطة احتلال جديدة، أو معاونًا ومكملاً للاحتلال الإسرائيلي، الا أن دوره مؤقت ومحدد حتى نهاية عام 2027، ومعه قوات الاستقرار الدولية، ولن يجدد إلا بقرار جديد من مجلس الأمن.

2- أشرك إنشاء هذا المجلس المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها شخصيًا، بشكل مباشر في القضية الفلسطينية، وإعادة الإعمار، وإدخال المساعدات الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والمسار نحو عودة السلطة الفلسطينية للقطاع. وبالرغم من عدم تحديده لمعايير العضوية به، أو مرجعية عملها، إلا أنه نظرًا لدوره الضخم في الإشراف على حكم القطاع، وتشكيل كيانات تعمل بإشرافه وخاصة قوات تحقيق الاستقرار، وحتى لا تستأتر به أطراف قد تعمل أكثر لصالح الاحتلال الإسرائيلي، ومنها عملية الإشراف على دخول وخروج الغزاويين، بما قد يؤدى إلى استمرار تهجير عدد كبير منهم، فإن على الدول العربية والإسلامية الثمانية، إضافة لجامعة الدول العربية، أن تسارع لإبداء رغبتها فى عضوية هذا المجلس، بما قد يجعله يحوز رضا وثقة الفصائل الفلسطينية والشعب الفلسطيني بشكل عام، وبما يمكنها من المشاركة في التطورات المصيرية لفلسطين بل والمنطقة بحكم اختصاصاته.

ثالثًا: قوة تحقيق الاستقرار الدولية المؤقتة (I.S.F): أذِن مجلس الأمن، في قراره، بإنشاء (قوات تحقيق الاستقرار) من الدول المشاركة في مجلس السلام، أو من خارجه، وتعمل تحت قيادة موحدة مقبولة من مجلس السلام، وبالتعاون مع مصر وإسرائيل، ومع قوات فلسطينية جديدة مدربة.

وإذا كان البعض قد انتقد تضمين هذه القوات مهمة نزع السلاح، وتدمير البنية التحتية العسكرية والهجومية، ومنع إعادة بنائها، والإخراج الدائم للأسلحة لدى الجماعات المسلحة من الخدمة، وهو ما رفضته حماس، كما تخوفت منه بعض الدول الإسلامية التى كانت تعتزم المشاركة فى هذه القوات، ومنها باكستان على سبيل المثال، حتى لا تكون أمام الرأي العام فى بلدها وكأنها تنفذ الاستراتيجية الإسرائيلية، إلا أن هذه ليست المهمة الوحيدة لهذه القوات، حيث لديها مهام أخرى لازمة للشعب الفلسطيني وهى:

1- المساعدة فى تأمين المناطق الحدودية.

2- استقرار البيئة الأمنية فى غزة.

3- حماية المدنيين والعمل الإنسانى.

4- تدريب قوات الشرطة الفلسطينية.

5- التنسيق مع الدول المعنية لتأمين ممرات إنسانية.

6- سيكون دورها مهمًا لتحقيق الانسحاب الإسرائيلى من غزة.

7- مساعدة مجلس السلام فى رصد تنفيذ وقف إطلاق النار.

ومن جانب آخر، فإن القرار لم يحدد الكيفية التى يتم بها نزع سلاح الفصائل المسلحة، أى ليس بالضرورة أن يكون ذلك بالقوة وبالاشتباك معها، بل قد يكون بالتفاوض، كما أن حماس ذاتها قد لا تحتاج للظهور بسلاحها إذا تواجدت قوات تثق فيها من دول عربية وإسلامية، وبدء أجواء إيجابية نتيجة استمرار الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، واستمرار عملية إعادة الإعمار.

لذلك، فإن بدء الدول العربية والإسلامية اتخاذ إجراءاتها للمشاركة فى هذه القوات، يكتسب أهمية خاصة، لاسيما أنه يمثل حدثًا تاريخيًا مهمًا فى إطار طريق تحقيق الانسحاب الإسرائيلى الكامل، وحماية المدنيين، وتثبيت وقف إطلاق النار ووقف إراقة دمائهم، وكى لا يكون البديل قوات من دول تميل لصالح إسرائيل وأهدافها.

رابعًا: انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة: وضع القرار تصورًا، وليس بصيغة آمرة، لانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع حينما تحقق القوات الدولية (ISF) السيطرة والاستقرار، وذلك وفق جداول زمنية معينة، ولكنه ربط ذلك بعملية نزع السلاح، واتفاقات بين القوات الدولية وإسرائيل والولايات المتحدة والضامنين، وإن كان إقرار مبدأ الانسحاب أمرًا إيجابيًا، إلا أنه استثنى محيطًا لغزة غير محدد المساحة، تظل فيه إسرائيل لحين تأمين غزة على نحو كافٍ من تجدد أي تهديد إرهابي حسب نص القرار، وهو ما يفتح الباب لعدم الانسحاب الكامل من القطاع لفترة.

ختامًا، فإن قرار مجلس الأمن كان من المأمول من غالبية الدول الأعضاء والدول العربية والإسلامية أن يكون أفضل، وهو طموح مشروع، ولكن الواقعية السياسية تفرض أن يتم التفاعل مع الإيجابيات فيه وهي عديدة، وأن تكون هذه الدول جزءًا فاعلاً مما يرتبه من إجراءات.