مقدمة
في ظل ما يشهده النظام الدولي من ضبابية وما يمر به العالم من تغيرات تؤثر بدورها على المعايير والقيم الدولية السائدة، تبحث هذه المقالة في احتمالية تنامي تأثير مراكز الفكر العالمية، على أن يتم ذلك من خلال مقارنة نماذج لأدوار مراكز الفكر التقليدية بنموذجٍ حديثٍ تمثَّل في اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بترأس رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مجلس سلام Board of Peace لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب، وهو ما جاء في سياق طرح مركز الفكر التابع لتوني بلير Tony Blair's Institute for Global Change لفكرة إنشاء سلطة انتقالية دولية بغزة (GITA). ويطرح هذا النموذج تساؤلاً نقدياً حول إمكانية انتقال هذه المراكز من طور "مراكز الفكر (Think Tanks) " إلى طور "مراكز التنفيذ " (Do Tanks).
فعلى الرغم من الطبيعة النظرية لهذا المقترح، الذي قوبل بالرفض والتحفظ من جانب عدة أطراف، إلا أنه يفتح بابًا للنقاش حول طبيعة عمل هذه المؤسسات وتأثيرها. ويأتي هذا التحول المحتمل في سياق ما يسمى بـ"الترامبية الجديدة" التي تتبنى سياساتٍ أحادية، وتتسم بالعزوف عن العمل المؤسسي متعدد الأطراف.
التأثير غير المباشر: آليات وحدود دور مراكز الفكر في صنع السياسات
لطالما مارست مراكز الفكر والأبحاث أدوارًا مهمة في صنع السياسات والتأثير عليها سواء على المستويات العالمية أو الإقليمية أو الوطنية. ورغم اختلاف الهدف الخاص لكل منها، إلا أنها تتشارك جميعًا في رؤيتها الرامية إلى تطوير أفكار ودراسات قابلة للتطبيق. كما ينصب اهتمامها حول السعي للتأثير على الرأي العام والسياسات العامة، وهو ما يمثل اختلافًا جوهريًا عن غالبية الأبحاث الأكاديمية التقليدية في الجامعات. على غرار ذلك، قد تسعى لعقد اجتماعات خاصة مع الوزراء، ورجال الأعمال، والمؤسسات المشاركة في عملية صنع السياسات.[1]
وبالحديث عن مراكز الفكر الغربية، يمكن رصد العديد من الأمثلة التطبيقية لتبني صانعي أو متخذي القرار للأفكار التي طرحت من قبل مراكز الفكر. فعلى سبيل المثال، أصدرت مؤسسة Heritage Foundation في يناير 1981 كتابها الشهير "تفويض القيادة Mandate for Leadership" والذي وضع رؤية محافظة لإدارة شئون الولايات المتحدة في عهد الرئيس رونالد ريجان. وقد تحول هذا الكتاب إلى دليل سياسي مؤثر، إذ تبنت إدارة ريجان نحو نصف ما جاء فيه من مقترحات خلال عامها الأول في الحكم.[2]
الجدير بالذكر أنه قد تم نقل ما لا يقل عن ثلاثين ممن ساهموا في "التفويض" إلى وظائف في الإدارة. ومن بينهم نورمان ب. توري، وكيل وزارة الخزانة للسياسة الضريبية، وتشارلز ل. هيذرلي الذي انتقل للعمل في وزارة التعليم.[3]
وفي سياق مشابه، أسهم "مشروع القرن الأمريكي الجديد" Project for a New American Century (PNAC)، وهو مركز فكر أمريكي مؤثر ظهر في أواخر التسعينيات، في صياغة تحولات جذرية في السياسة الخارجية الأمريكية، مهَّدت لغزو العراق.
وقد شارك في الترويج لذلك شخصيات من المحافظين الجدد، أبرزهم ويليام كريستول وروبرت كاجان، اللذين دعيا إلى قيادة أمريكية عالمية وانخراط عسكري نشط تحت شعار تعزيز الديمقراطية. وكان أحد المحاور الرئيسية لأجندتهما هو ضرورة إحداث تحول جذري في الشرق الأوسط لإعادة تنسيق المنطقة مع المصالح الأمريكية، خاصة في مجالات الأمن. [4]
ثم تحقق ما دعيا إليه عندما انضم عدد من أعضاء المشروع إلى إدارة الرئيس جورج دبليو بوش في مناصب وزارية واستشارية رفيعة. والأهم من ذلك، أن أعضاء المشروع لم يعملوا داخل أروقة الحكومة فحسب، بل امتد نفوذهم إلى وسائل الإعلام أيضاً، ليكون "مشروع القرن الأمريكي الجديد " (PNAC)، قد تمكَّن بالتعاون مع وسائل إعلام موالية، من تبرير الحرب على العراق، عبر الترويج لحملة دعائية مكثَّفة حول "الحرب على الإرهاب" عقب أحداث 11 سبتمبر.[5]
وعليه، تعكس تلك الحالات تزايد أهمية مراكز الفكر خلال العقدين الماضيين في صياغة خيارات السياسات، سواء من خلال إجراء الدراسات المتخصصة أو استخدامها كمصادر للمعلومات، مما يؤدي بدوره إلى تعزيز تأثيرها في تشكيل الأجندات السياسية وبلورة الرؤى.
من تقديم الاستشارات إلى تنفيذ الرؤى
يجدر التأكيد على أنه وبالرغم من التأثير الكبير الذي مارسته مراكز الفكر في صياغة الأفكار وتوجيه الرأي العام، إلا أن دورها، تقليديًا، بقى في إطار التأثير غير المباشر والاقتراح، دون أن تملك صلاحية التنفيذ الفعلي للسياسات. فعندما استساغ متخذو القرار الأفكار المطروحة، تبنوها ثم دمجوا طارحيها في المؤسسات الرسمية والتنفيذية القائمة بالدولة لتنفيذها، أي لم يتركوا الأمر لمراكز الفكر نفسها.
إلا أن خطة الرئيس ترامب ذات الـ21 بندًا،[6] والتي تتضمن ترشيح توني بلير رئيسًا لكيان جديد يُدعى "السلطة الانتقالية الدولية لغزة" (GITA)[7]، وهي سلطة سياسية وقانونية عليا جاءت لتكون مسئولة عن وضع الإطار التمويلي في خضم إدارة "اليوم التالي "-والذي يمتد لسبع سنوات- لما بعد الحرب في غزة، من شأنها أن تطرح تساؤلاً عن مدى إمكانية حدوث تحول للدور التقليدي لمراكز الفكر.
فعلى الرغم من الرفض والتحفظ العربي والدولي الذي قوبل به توني بلير لأسباب عدة في مقدمتها دوره في الحرب على العراق والرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين، إلا أن ترشيحه، وإن كان على المستوى النظري، يطرح إشكالية جديدة عن احتمالية انتقال مراكز الفكر من دورها الاستشاري خلف الكواليس إلى طرف فاعل في الميدان، وهو ما يمكن التعبير عنه بمقولة A Shift from Advising Power to Exercising Power.
من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن جريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي ترامب هو من كلَّف المركز الفكري لبلير بوضع التصور لتلك السلطة الانتقالية GITA، ليقوم ترامب لاحقًا بدعم هذا المقترح والموافقة عليه رسميًا، حسبما نقلت صحيفة "تليجراف" البريطانية،[8] وهو ما يمكن اعتباره استمرارًا لنهج ترامب القائم على الدبلوماسية العائلية ودبلوماسية الشركات Corporate Diplomacy – بديلاً للدبلوماسية الرسمية- أي التوفيق بين المصالح الاقتصادية والتجارية لعائلة ترامب في الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية.
وقد كان تكليف كوشنر لمركز بلير نتيجة للعمل التمهيدي الذي سبق وقام به المركز ميدانيًا داخل غزة والضفة والقدس الشرقية. إذ نشر مركز بلير دراسة ميدانية أجراها بالتعاون مع شركة زغبي لخدمات الأبحاث حول القيادة والحرب ومستقبل غزة في الفترة التي امتدت من 9 أبريل إلى 12مايو 2025.
ولاحظ المراقبون أن مركز بلير عمل على تجهيز خطة لتنمية غزة بناءً على نتائج تلك الدراسة، تلاها ظهور لتوني بلير في البيت الأبيض لمناقشة خطة إنهاء الحرب في 27 أغسطس 2025، وتقديمه للخطة التي عمل عليها المركز، وهو ما لاقى استحسانًا كبيرًا من قبل ترامب، حتى طرح اسمه لرئاسة الهيئة الانتقالية.[9]
وفي هذا الصدد، يمكن طرح عدة تساؤلات: هل يمكن أن يكون ذلك بداية لتحول في أدوار مراكز الفكر وتوسيع نفوذها From Think Tanks to Do Tanks؟، فهل يكون لها آليات تنفيذية وبذلك تجمع بين دوري الاستشارة والتنفيذ؟، بل وهل يمكن أن يكون لها – ولو بدرجة محدودة – دور يشبه أدوار الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة، التي تجمع التخطيط والتنفيذ في آنٍ واحد؟
تفتح هذه التساؤلات بابًا لمراجعة دور مراكز الفكر وحدود تأثيرها، وعلاقتها بالسلطة التنفيذية، وإمكانية ظهور نماذج جديدة تجمع بين الفكر والممارسة في آنٍ واحد، وهو ما سيكون له تداعيات على صنع السياسات وتنفيذها.
ويستدعي هذا تأملاً في المقومات التي قد تؤهل مؤسسة مثل مركز توني بلير لمثل هذا الدور. فلو افترضنا جدلاً إمكانية مشاركة مراكز الفكر في المهام التنفيذية، لمثل المركز نموذجًا هجينًا يجمع بين البحث والتنفيذ. إلا أن هذا يبقى في إطار الفرضية النظرية التي تفتح مجالاً للتأمل الفكري، دون أن يعني ذلك بالضرورة قابليته للتحقق العملي.
دراسة في الشروط والمقومات
1- طبيعة الدور الوظيفي: يتضح الطابع التنفيذي لمراكز الفكر من خلال طريقة توصيفها لدورها. إذ يصف مركز توني بلير للتغير العالمي مهمته كالآتي: "نحن لا نتكلم بل ننفذ"، مؤكدًا أن دوره يتمثل في "مساعدة الحكومات والقادة على إنجاز المهام"، وذلك عبر تقديم الاستشارات في المجالات الاستراتيجية والسياسية والتنفيذية.[10]
2- القدرة التمويلية: تعتبر الميزانية الضخمة لهذه المراكز أحد العوامل الحاسمة في إضفاء ثقل إضافي. فبعد أن بدأ مركز بلير بهِبة شخصية قدرها 8.8 ملايين دولار، استطاع جذب تبرعات ضخمة مثل تبرع رجل الأعمال لاري أليسون البالغ 257 مليون جنيه إسترليني في عام 2021. كما بلغت إيرادات المركز 145.3 مليون جنيه إسترليني في عام 2023، وهو رقم يزيد بأكثر من 30 ضعفًا عن متوسط إيرادات مراكز الفكر التقليدية في المملكة المتحدة الذي لا يتجاوز 4.3 مليونًا.[11]
3- الجمهور المستهدف: ركز المركز على قادة العالم كهدف له، معتبرًا نفسه شريكًا ذا خبرة عملية تمكنه من "تحويل الأفكار الصماء للقادة إلى واقع".[12]
4- الهيكل الإداري الضخم للمركز: مع توسّع نشاط مركز بلير، بلغ عدد موظفيه نحو900 موظف يعملون في أكثر من 45 دولة. وقد حرص المركز على اختيار كوادره بمعايير تتجاوز المهارات البحثية التقليدية وتمتد لامتلاك الخبرات التنفيذية وشبكات العلاقات مع المؤثرين في مختلف المجالات. وأظهرت مقابلات استقصائية أُجريت مع 29 موظفًا من المركز أن سبب فعاليته هو قيامه بدور فاعل سياسي، فلا يكتفي بتقديم الاستشارات لعملائه بل لديها شبكة واسعة يمارس من خلالها الضغط على الفاعلين المؤثرين.[13]
ختامًا، على الرغم من جاذبية فكرة تقليص الفجوة بين المعرفة والسلطة، إلا أن قيام مراكز الفكر بأدوار تنفيذية من شأنه أن يواجه تحديات كبيرة متعلقة بما يترتب على ذلك من تسييس وتضارب للمصالح؛ مما يتسبب في تقويض مصداقيتها البحثية. يضاف إلى ذلك افتقار مراكز الفكر إلى التكييف المؤسسي الذي يضمن شفافيتها ومسئولياتها القانونية تجاه ما تقوم به من أدوار.
وقد تجسدت هذه التحديات، عملياً، في طرح بلير لإدارة الهيئة الانتقالية بغزة، حيث واجه إشكاليات متعددة، تأتي في مقدمتها المعضلة الأخلاقية المتمثلة في إبعاد أصحاب الأرض وحرمانهم من حقهم المشروع في تقرير المصير.
ويمثل إنشاء كيان فوق وطني مثل "السلطة الانتقالية الدولية لغزة" (GITA) بصلاحيات إشرافية وتمويلية واسعه، انتهاكًا صارخًا لمبدأ السيادة الوطنية الفلسطينية، ويختزل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مجرد أزمة حوكمة وإدارة، وهو ما يمكن اعتباره آليه من آليات ما بعد الاستعمار أو الكولونيالية الجديدة.
علاوة على ذلك، كان من شأن هذا الطرح أن يحدث تغييرًا في نمط التعامل مع المشكلات الإقليمية ويحولها إلى صفقات أو مشاريع إدارية قابلة للخصخصة والاقتسام.
[3] Kathy Sawyer, “Heritage Foundation Gives Reagan Passing Grade,” The Washington Post, November 22, 1981, https://2u.pw/cqWEOy
[4] David L. Altheide and Jennifer N. Grimes, “War Programming: The Propaganda Project and the Iraq War,” The Sociological Quarterly 46, no. 4 (September 1, 2005): 617–43,
[6] Jacob Magid, “Revealed: Tony Blair’s US-Backed Proposal for Ending the Gaza War and Replacing Hamas,” The Times of Israel, September 18, 2025, https://2u.pw/UVVYOJ
[7] Mariel Ferragamo, “A Guide to the Gaza Peace Deal,” Council on Foreign Relations, October 29, 2025, https://2u.pw/pO927Q
[8] Kieran Kelly, “Trump Backs Blair to Lead Gaza Peace Plan,” The Telegraph, September 18, 2025, https://2u.pw/MuNA8G
[9] Tony Blair Institute for Global Change, “TBI Comment on New Polling by Zogby Research Services on Attitudes of Palestinians Towards the War, the Palestinian Leadership and the Future of Gaza,” May 29, 2025, Tony Blair Institute for Global Change, https://2u.pw/jqoOQe
[11] Kiran Stacey, “The Complex and Corporate Rise of the Tony Blair Institute,” The Guardian, September 17, 2023, last modified November 8, 2024, https://2u.pw/kT2Cp2
[12] Tony Blair Institute for Global Change, OP.CIT.
[13] Kiran Stacey, OP.CIT.