د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

يمكن لأى دولة أن تستورد محطات توليد كهرباء. ويمكن لأى دولة التوقيع على عقود شراء غاز طبيعي، أو بناء محطات شمسية ورياح في وقت قصير نسبياً. لكن أن تدخل دولة ما مجال الطاقة النووية… فهذه قصة أخرى تماماً. فالنووي ليس صفقة، بل "خيار استراتيجي".

في صباح يوم 19 نوفمبر 2025، شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في فعالية تركيب وعاء ضغط المفاعل الأول، في محطة الضبعة النووية، وتوقيع أمر شراء الوقود، ليؤكدان أن هذه المحطة تجاوزت طور البدايات، ودخلت المرحلة التي تتكلم فيها الأفعال أكثر مما تتكلم البيانات. وكان المشهد كله يقول إن مصر تفتح صفحة جديدة في كتاب طاقة لا يكتب في يوم ولا سنة، بل عبر عقود ممتدة.

ولذلك، لم يكن غريباً أن يقول الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته، خلال هذا الاحتفال، أننا "اليوم نطوي صفحة حلم استمر لعقود… ونبدأ مرحلة جديدة من المستقبل"، مضيفاً أن "ما نراه اليوم صرح وطني عملاق… خطوة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة، ودعم لرؤية مصر 2030، وإسهام في جعل مصر مركزاً إقليمياً للطاقة، واستثمار في جيل جديد من الكوادر".  وكانت هذه الكلمات أقرب إلى خريطة طريق مستقبلية، تحدد لماذا تسير مصر نحو الطاقة النووية، وما الذي تراهن عليه الدولة في هذا الخيار.

من الحلم القديم إلى مشروع الدولة الحديثة

حين تعود مصر إلى مشروعها النووي بعد نصف قرن من التوقف والترقب، فهى لا تعيد إحياء فكرة قديمة، بل تعيد ترتيب أولوياتها، وتعزيز سيادتها، داخل عالم يعاد تشكيله على وقع تحولات الطاقة. فالعالم الذي كان يدار بالبترول والغاز الطبيعي، ينتقل اليوم إلى معادلة جديدة، لا مكان فيها للدول التي تكرر ما فعلته بالأمس.

وبهذا المعنى، لا تصبح محطة الضبعة النووية مجرد محطة كهرباء، بل "خيار استراتيجي" يسعى إلى تحقيق عدة أهداف، من أبرزها:

1- بناء أمن طاقة مصري مستقل نسبياً عن تقلبات الأسواق العالمية للبترول والغاز الطبيعي.

2- تحرير جزء من الغاز المصري للتصدير أو الاستخدام الصناعي، خاصة في البتروكيماويات والأسمدة.

3- دعم الصناعات الثقيلة والتوجه نحو الهيدروجين الأخضر.

4- توفير مصدر مستقر للكهرباء على مدى عقود.

وفي خطاب الرئيس السيسي ظهر هذا المعنى واضحاً. إذ تحدث الرئيس عن آلاف فرص العمل، وعن مشروع "يتجاوز التصريحات إلى إنجازات ملموسة"، وهى عبارة بدت وكأنها تعبير عن فلسفة دولة بنت الكثير، لكنها تريد الآن أن تنتقل من العمران إلى الصناعة الثقيلة والتكنولوجيا المتقدمة.

من جهة أخرى، عكس هذا الخطاب أيضاً أن مشروع الضبعة يمضي على الأرض بخطوات ثابتة. ففي العام الجاري، شهد هذا المشروع العملاق إنجازات مهمة، من بينها إتمام الصبة الخرسانية للمرحلة الثانية للمستوى الثاني من مبنى الاحتواء في الوحدة الثانية قبل موعدها المحدد، وهو أمر نادر في مشروعات نووية ذات حساسية عالية. كما أعلنت شركة روساتوم الروسية، وهى الجهة المصممة والمنفذة، أيضاً استكمال تصنيع المعدات الأساسية للوحدة الثالثة، وتصنيع وعاء ضغط مفاعل الوحدة الثانية، تمهيداً لإرسالها خلال عام 2026. وهذه التفاصيل، التي قد تبدو تقنية، هى في الحقيقة دليل انتظام في الجدول الزمني، وهو ما يعزز الثقة في أنه خلال النصف الثاني من 2028 ستدخل أولى وحدات المحطة مرحلة التشغيل.

هنا، تكتسب شهادة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أهمية خاصة، حين قال: "ما تقومون به نقطة تحول لمصر والعالم". فالطاقة النووية في العالم تعود بقوة، ومصر من الدول القليلة التي بدأت مشروعاً كبيراً من "الجيل الثالث بلس" في العقد الحالي.

مكونات المشروع

تضم محطة الضبعة النووية أربع وحدات قدرة كل منها 1200 ميجاوات، من مفاعلات VVER-1200، أحد أكثر المفاعلات تقدماً في العالم من حيث الأمان والمردود. وعند اكتمال المشروع بحلول 2030، ستوفر المحطة نحو 35 مليار كيلووات/ساعة سنوياً، وهو رقم يعادل إنتاج مدن صناعية كاملة.

لكن الأهم من رقم الكهرباء المولدة هو طبيعة البيئة الاقتصادية التي تولد حول هذا المشروع الضخم. إذ توجد 600 شركة تشارك في التنفيذ، 25% منها مصرية، ونسبة العمالة المصرية فيها تصل إلى 80%. وبالاضافة إلى ذلك، يوجد نمو اقتصادي سريع على أطراف موقع الضبعة، كما تم بناء بنية تحتية جديدة تشمل طرقاً وميناء تخصصياً ومنشآت تدريب. وهذا ما يطلق عليه الخبراء "اقتصاد ما بين السطور"، وهو الاقتصاد الذي لا تكتبه البيانات الرسمية، بل يظهر من أثر مشروع كبير على المناطق المحيطة، وعلى سلسلة الصناعة والخدمات التي تتشكل حوله.

ماذا يعني أن تصبح مصر دولة نووية سلمية؟

الجواب ليس في الكهرباء. فالكهرباء مجرد العائد الأول… العائد السريع. أما المكسب الطويل فهو شيء آخر:

أولاً: هذا مشروع يبني أجيالاً. إذ يتدرب عشرات الآلاف من المهندسين والفنيين الآن على تكنولوجيا لم تكن متاحة لهم من قبل. تُبنى خبرات… وتُصنع كفاءات… ويتكون جيل جديد يرى التكنولوجيا النووية المتقدمة جزءاً من مستقبله الطبيعي. وبالتالي، فإن ما يجري في الضبعة يمثل تأسيساً لمدرسة نووية مصرية حديثة.

ثانياً: صناعات جديدة ستنشأ. فالصناعة النووية ليست مفاعلاً فقط؛ بل شبكة صناعات تمتد من تصنيع المعادن الثقيلة إلى أنظمة التحكم الدقيقة. ومصر، بتصنيعها نسبة متزايدة من مكونات هذا المشروع، تبدأ رحلة دخول هذا المجال بثبات.

ثالثاً: السيادة الطاقية لم تعد رفاهية. فحين تنتج مصر 35 مليار كيلووات/ساعة سنوياً من الكهرباء المولدة من محطة الضبعة، فإن ذلك يخفف الضغط على الغاز الطبيعي، وبالتالي، تزدات الكميات المتاحة للتصدير. وهذا ينعكس على الموازنة العامة للدولة بالإيجاب… وعلى موقع مصر في سوق الغاز العالمية.

رابعاً: تعزيز مكانة مصر الإقليمية. إذ يجعل موقع الضبعة على ساحل المتوسط مصر جزءاً من تصور أكبر يتسع إلى ما وراء حدود الطاقة النووية ذاتها، خاصة إذا ما اتفقنا على أن الجغرافيا تصنع السياسة. فمصر اليوم لاعب رئيسي في الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، وقوة صاعدة في الطاقة المتجددة، وتعمل على مشروعات للربط الكهربائي مع ثلاث قارات. وحين تكتمل وحدات الضبعة، ستصبح مصر الدولة العربية الوحيدة، إلى جانب الإمارات، التي تمتلك برنامجاً نووياً سلمياً واسع النطاق، ما يمنحها وزناً إضافياً في معادلات الطاقة الإقليمية.

تحديات محتملة

هل هناك تحديات أمام مشروع الضبعة النووي؟ بالتأكيد. إذ لا يعرف العالم مشروعاً استراتيجياً عملاقاً واحداً بلا تحديات. ومحطة الضبعة ليست استثناء، بل هى مشروع يحمل حساسية سياسية واقتصادية وأمنية عالية.

التحدي الأول، هو الاستمرار بنفس وتيرة التنفيذ. فالمشاريع النووية تتعثر عادة بسبب التمويل أو السياسة. وحتى الآن، وبحمد الله، يسير مشروع الضبعة بانتظام لافت… واستمرار ذلك هو الاختبار الحقيقي.

والتحدي الثاني، هو قبول المجتمع للفكرة النووية. فرغم أن المشروع آمن وفق المعايير الدولية، إلا أن خلق "ثقافة نووية" مجتمعية تحتاج وقتاً وتوعية دائمة.

أما التحدي الثالث، فيتمثل في استدامة المعرفة. فالمهندسون الذين يتلقون التدريب حالياً يجب أن يجدوا منظومة تحافظ على خبراتهم داخل مصر، لا أن يهاجروا إلى مشاريع أخرى في الشرق الأوسط أو أوروبا.

وهذه التحديات ليست عوائق، لكنها أسئلة يجب أن تبقى مطروحة كى يستمر المشروع على الطريق الصحيح.

على أية حال، يمكن القول إن ما حدث في 19 نوفمبر 2025، كان إعلاناً بأن مصر تدخل عصر الطاقة النووية بالفعل، لا بالتصريحات، وأن الحلم الذي بدأ قبل ستة عقود وجد أخيراً طريقه إلى التنفيذ. وإذا وضعنا العاطفة جانباً، وقرأنا الأرقام والمنطق الاقتصادي والسياسي، فسنصل إلى النتيجة التالية:

الضبعة ليست مشروعاً يضيف كهرباء… بل مشروع يضيف مكانة متميزة لمصر. مكانة في سوق الطاقة، ومكانة في مسار الدول الساعية إلى مزيج طاقة متنوع، ومكانة في استخدام التكنولوجيا المتقدمة، ومكانة في الإقليم الذي يبحث عن مركز مستقر للطاقة. ومصر تريد أن تكون هذا المركز… والضبعة جزء أساسي من هذا الطموح.

من ناحية أخرى، تكشف محطة الضبعة النووية أن مصر تتحرك وفق رؤية شاملة لمستقبل الطاقة، تستهدف الوصول بمساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول عام 2030، ثم رفعها تدريجياً إلى 60% بحلول عام 2040. وفي هذا السياق، تعمل الطاقة النووية كعنصر توازن، يضمن استقرار الشبكة ويدعم دمج نسب أكبر من الطاقة المتقطعة مثل الشمس والرياح. كما تمهد الكهرباء النووية لخطط إنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات، ودعم الصناعات الثقيلة ذات الاحتياجات الكهربائية العالية مثل الحديد والبتروكيماويات.

وبهذا المعنى، الضبعة تقول شيئاً واضحاً، وهو أن مصر قررت ألا تكتفي بالحلول القصيرة، ولا بالمشاريع السهلة، ولا بالاعتماد على مصدر واحد للطاقة. بل قررت أن تبني مشروعاً طويل المدى، ومرتفع الكلفة، ودقيق التنفيذ، لكنه قادر على تغيير مستقبل الدولة المصرية لعقود. والدول، كما نعرف من التاريخ، لا تُبنى بالقرارات السريعة… بل بالرهانات الكبرى. والضبعة، بكل ما فيها من تعقيد وضخامة وأمل، هى أحد هذه الرهانات.