صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تعد القارة الأفريقية إحدى أهم دوائر الأمن الإقليمى لمصر. وتنبع هذه الأهمية من عدة مرتكزات سياسة وأمنية واقتصادية تشكل فى مجملها مجموعة المصالح البينية التى تربط مصر بالقارة الأفريقية، سواء كانت المصالح الاقتصادية مع تكتلات وتجمعات ذات طابع اقتصادى وتجارى، تزخر بها القارة الأفريقية بهدف تنظيم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين بلدانها شمالا وجنوبا من ناحية، أو كانت مصالح سياسية وأمنية تستهدف تعزيز مستويات التعاون الثنائى فى مجالات الأمن الإقليمى بين دولها من ناحية أخرى.

فى كلتا الحالتين، فإن ما يحكم مسارات الاستراتيجيات المصرية تجاه أفريقيا يعتمد إلى حد كبير على البعدين الأمنى والاقتصادى وما يرتبط بهما من الأبعاد التنموية؛ حيث تعمل مصر مع غيرها من دول القارة على مواجهة التحديات التى تعرقل من معالجة قضايا التنمية فيها، الأمر الذى دفع مصر إلى إعادة صياغة مسارات التعاون والتفاعل مع دول القارة عبر المستويين الثنائى والجماعى من منطلق إعادة تفعيل مستويات التبادل التجارى، وتعزيز مستويات الاستثمار فى مشروعات البنى التحتية، لاسيما فى مجال النقل والطاقة والاتصالات، وذلك عبر مسار يقوم على دمج أهداف خطة التنمية المستدامة وفقا لرؤية مصر 2030، مع أجندة التنمية الأفريقية 2063، ما شَّكل إجمالا «الاستراتيجية المصرية تجاه أفريقيا»، التى تقوم على ربط المصالح الاقتصادية المصرية الأفريقية بشبكة مصالح متعددة المحاور تستهدف فى النهاية تعزيز خطط التنمية الشاملة لدول القارة الأفريقية.

تؤدى هذه الاستراتيجية إلى عدة نتائج تتمحور فى معالجة الإشكاليات الأمنية فى بُعدها الاقتصادى، خاصة إشكاليات الفقر، والأمن الغذائى والمائى، وأمن الطاقة، والتغيرات المناخية، والإرهاب والتطرف. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، تضع مصر عدة مرتكزات تمكِّنها من ممارسة دور فعال فى تطبيق استراتيجية تنموية واعدة فى القارة الأفريقية. فعلى مدى السنوات العشر الماضية، ارتكزت التحركات المصرية فى أفريقيا على محددين رئيسيين: الأول، تحقيق مصالح الأمن القومى المصرى. والآخر، العمل على دعم السياسات الأفريقية عبر أدوات اقتصادية وتكنولوجية وعلمية وثقافية.

استنادًا لذلك، قادت مصر مسار جهود التنمية فى القارة الأفريقية على مدار السنوات الماضية، ولعبت دورا رياديا فى هذا الشأن، وقد تكللت تلك الجهود فى عام 2024، خلال اجتماعات «النيباد» (مبادرة الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا، وتمثل رؤية أفريقية لاستراتيجية شاملة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالقارة) بمناقشة موضوع إنشاء «صندوق التنمية الأفريقى» باعتباره خطوة مهمة فى مسار دعم مشروعات التنمية فى القارة الأفريقية، خاصة فى مشروعات الصناعة والتكنولوجيا والتعليم والصحة والربط الكهربائى والطاقة المتجددة، فضلا عن تنفيذ عدد من مشروعات الربط التنموية داخل القارة، ومنها على سبيل المثال: مشروعات الطرق البرية، والسكك الحديد، والموانئ..الخ، بهدف تعزيز القدرات الاقتصادية المحلية لدول القارة من ناحية، وتعزيز التكامل الإقليمى بين تلك الدول من ناحية أخرى.

وبالرغم من أن استراتيجية مصر للتنمية فى أفريقيا تعد من الاستراتيجيات ذات الأهداف الطموح، إلا أن ثمة عدة تحديات ملموسة تواجه تلك الاستراتيجية، أبرزها: العوائق التى لا تزال تواجه آليات تنمية العلاقات الاقتصادية مع دول القارة، خاصة تلك المتعلقة بمحدودية دور مصر كدولة مانحة اقتصاديا، مقابل ازدياد دور فواعل دولية من خارج القارة تمتلك قدرات اقتصادية كبيرة، وتلعب دورًا اقتصاديًا مانحًا للعديد من دول القارة، ومن بين تلك القوى: الصين وتركيا، وبعض الدول الخليجية، بخلاف تعارض المصالح بين مصر وبعض الدول الإفريقية المؤثرة فى السياسة الخارجية لدول القارة كإثيوبيا على سبيل المثال، فضلا عن تأثير الأخيرة فى توجهات العديد من دول حوض النيل بما يقلص من فاعلية السياسة المصرية تجاه تلك الدول. يضاف إلى ذلك افتقار الدول الأفريقية للكفاءات المحلية والبنى التحتية التى تجعلها مؤهلة لتبنى خطط للتنمية المستدامة، الأمر الذى يفرض المزيد من الأعباء على مصر تجاه مشروعات الربط القارى التى تعمل على استكمالها خلال السنوات القادمة.

انطلاقًا من تلك الرؤية، تأتى هذه الدراسة، التى جاءت تحت عنوان «الربط الإقليمى الإفريقى.. الرؤية المصرية»، للخبيرة الاقتصادية إيناس نادى -الباحثة بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء- لتقدم رؤية شاملة حول دور مصر فى تطوير مشروعات النقل والطاقة العابرة للحدود فى القارة الإفريقية -باعتبارها مشروعات للتنمية المستدامة- سواء من خلال الممرات البرية، مثل محور القاهرة– كيب تاون، أو عبر مشروعات الربط الكهربائى مع دول الجوار الأفريقى، حيث تكتسب هذه المشروعات بُعدًا مزدوجًا، كونها تمثل وسيلة لتعميق الاندماج الإقليمى، وتمثل كذلك أداة لدعم النفوذ المصرى فى محيطه الحيوى، ومواجهة التنافس الجيوسياسى المتصاعد من قوى دولية وإقليمية فاعلة.

أيضًا تقدم الدراسة رؤية مقارنة عبر خبرات وتجارب أفريقية مماثلة، وتُختتم الدراسة بتقديم مجموعة من التوصيات العملية التى تستهدف تعظيم العائد الاقتصادى والاستراتيجى لمصر من تلك المشروعات من ناحية، وتعزيز المساهمة المصرية فى تحقيق النمو الاقتصادى لدول القارة الأفريقية من ناحية ثانية، وتحقيق الاستقرار والأمن والتنمية من ناحية ثالثة.