أصبحت السياسة المالية وما ينجم عنها من آثار والتكلفة الاجتماعية لها، ومن يتحمل الأعباء وتكاليف الإصلاح، محورا لصراع فكرى واجتماعي وسياسي كبير، وذلك لكون السياسة المالية تؤثر في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي فالحكم على المالية العامة يتعلق بمدى ما تحقق من هذه المبادئ، وكذلك السياسات المزمع تنفيذها ومدى قدرتها على التعامل مع الواقع الاقتصادي المعيش. وتتمحور الأهداف الرئيسية للمالية العامة أساسا حول تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة معدل التشغيل مع تشجيع استخدام الموارد بكفاءة وفعالية والمساهمة في إحداث التغييرات الهيكلية في الاقتصاد وتدعيم القواعد الإنتاجية وإزالة المعوقات التي تحول دون تفعيل عمل الأدوات الاقتصادية، مع مراعاة الفئات الاجتماعية الضعيفة، والعمل على زيادة مقدار الفوائض المالية المتاحة لدى المجتمع لإيجاد الطلب الاستهلاكي، والحفاظ على جودة النمو واستدامته. وبالتالي، فإن نجاح السياسة المالية يعتمد على توليفة الأدوات المستخدمة وتوقيتها، ولذلك يجب أن تكون مرنة وعلى قدر عال من الاستجابة للمتغيرات والتطورات الدولية.
تواجه المالية العامة في مصر العديد من الاختلالات الجوهرية، يأتي على رأسها إغفال المبادئ الأساسية للموازنة العامة، خاصة مبدأ شمولية الموازنة. من ناحية أخرى، فما زال جانب مهم من الموارد العامة يتسرب خارج نطاق الموازنة العامة للدولة إلى الحسابات الخاصة الكثيرة التي تفتحها بعض الوحدات الحكومية بالمخالفة لمبادئ الموازنة والأحكام المالية. ولذلك، لازالت الموازنة ذات هيكل ضعيف، ناهيك عن الضعف الشديد في شفافية الموازنة، ويتمثل في عدم توفير الفرصة الكافية للمواطنين للمشاركة في صنع الموازنة، وكذلك ضعف رقابة السلطة التشريعية على الموازنة في مراحلها المختلفة، حيث لا تقوم لجان المجلس بعقد جلسات استماع للخبراء والمتخصصين عند مناقشة المشروع، كما أنها لا تنشر وجهات نظرها على الجمهور، وكذلك عدم إتاحة بعض التقارير الخاصة بالمتابعة للرأي العام، وهي أمور يمكن تلافيها بسهولة، بالإضافة إلى كثرة الاعتمادات الإضافية.
إن تحليل السياسة المالية من المنظور التنموي الذي يعمل على رفع كفاءة استخدام الموارد وتنميتها، يتطلب تحويل محور الاهتمام والتركيز من حجم وقيمة العجز إلى خصائص السياسة المالية، أي تركيب الإنفاق العام والإيرادات العامة، بالإضافة إلى تحليل سمات النظام الضريبي، أى التركيز على خصائص السياسة المالية وليس موقفها. ولا شك في أن هذه مسألة مهمة وخطيرة في ضوء الدور الذي يلعبه الإنفاق العام كإحدى الأدوات الأساسية للسياسة المالية، نظرا لما يحدثه من آثار على الطلب الفعلي، وبالتالي مستويات التشغيل والدخل القومي والمستوى العام للأسعار.
وعند تقييم سياسة الإنفاق العام وجدواها، تطرح عدة تساؤلات أساسية تتمحور حول مدى استجابة الإنفاق العام لاحتياجات المجتمع، مثل: ما المبادئ والمعايير التي يتم الاسترشاد بها عند تقدير مستوى وتركيب الإنفاق العام؟ وما كيفية تمويل هذا الإنفاق؟ وما الآثار الناجمة عن برامج الإنفاق الحكومي؟ أي الفئات المجتمعية التي تستفيد من مختلف عناصر هذه البرامج؟ وكيف يمكن تحسين تخصيص الإنفاق العام؟ وما مدي تأثير تقليص الإنفاق العام في حجم الاستثمار وما آثار ذلك على التنمية؟ وما مدى العدالة فى الإيرادات والنفقات؟ وما مدى المساواة في الأعباء؟ هذه التساؤلات توضح مدى ارتباط الإنفاق العام بقضية التنمية في المجتمع. وبالتالي فالحكم على المالية العامة والإنفاق العام يتعلقان بمدى ما تحقق من هذه المبادئ، وكذلك السياسات التي يتم تنفيذها ومدى قدرتها على التعامل مع الواقع الاقتصادي المعيش.
تجدر الإشارة إلى أن قابلية الإنفاق العام على الاستمرار تتوقف على الطريقة التي يتم بها تمويل هذا الإنفاق، وتلجأ الحكومات عادة إلى عدة مصادر أساسية للتمويل، وهي الإيرادات العامة بأنواعها المختلفة من ضرائب وجمارك.. الخ، والمنح والإيرادات الأخرى، ويتبقى جزء من الإنفاق لا توجد موارد كافية له، وهو العجز.
تعتبر الإيرادات العامة من أهم العوامل المؤثرة في القدرات الاقتصادية للدولة، لما لها من تأثير واسع النطاق على أداء جميع القطاعات الفاعلة في المجتمع. فبالإضافة إلى تأثيرها في مسار الاستثمار القومي بشقيه المحلي والأجنبي، فإنها تمثل عاملا أساسيا في تحديد قدرة الدولة على إدارة النشاط الاقتصادي وتحقيق الأهداف التنموية للبلاد، حيث توفر موارد مالية للدولة تستطيع استخدامها فى القيام بأدوارها المنوطة بها عبر الانفاق العام. ومن ثم، يجب العمل على إصلاح السياسة المالية خلال سلة من الإجراءات والسياسات تتفاعل مع بعضها بعضا وتتناول جميع جوانب السياسة المالية والإيرادات والنفقات، ولكن مع التحذير من خطورة علاج العجز بمزيد من الانكماش، لأنه يعطل التنمية ويزيد من مشكلة البطالة ويؤثر بشدة في مستوى معيشة الأفراد. ولذلك، فإن علاج العجز ينطلق من عدة مبادئ أساسية، هي أن علاج العجز لا يعنى القضاء عليه، بل الوصول به إلى مستويات مقبولة مجتمعيا، وأن هذا العلاج سوف تترتب عليه تكاليف معينة يجب أن يتحملها المجتمع وفقا لاعتبارات العدالة، وأنه يجب أن يتم على مدى زمني متوسط وطويل، وليس على المدى القصير.