استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 10 نوفمبر 2025، أمين مجلس الأمن لروسيا الاتحادية سيرجي شويجو، الذي يزور القاهرة على رأس وفد روسي رفيع المستوى. وقد تبدو هذه الزيارة، للوهلة الأولى، استمراراً طبيعياً لمسار العلاقات الثنائية المتنامية بين القاهرة وموسكو، والتي كان أبرزها، في الآونة الأخيرة، لقاء الرئيس السيسي بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو خلال احتفالات النصر في مايو 2025، إلا أن توقيت هذه الزيارة، وطبيعة الملفات المطروحة، وتركيبة الوفد الروسي المشارك فيها، تمنحها دلالات أعمق تتجاوز الطابع التقليدي.
مشهد عالمي مضطرب
في خلفية الزيارة، يقف نظام دولي مأزوم. فالعالم لم يعد كما كان قبل فبراير 2022. الحرب في أوكرانيا لم تزل تهز أركان البناء القديم، وتدفع روسيا والغرب إلى مواجهة مفتوحة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي الشرق الأوسط، تشعل غزة قلب المنطقة، وتفتح أبوابها على احتمالات تتراوح بين التفكك والتغيير. وإسرائيل تذهب إلى أقصى ما تستطيع في الجنوب الفلسطيني، وتقترب من الحدود المصرية.
وسط هذا المشهد، تتحرك موسكو بحثاً عن شراكات تعيد لها الوزن الذي أرادت العزلة الغربية أن تنتزعه منها، فيما تتحرك القاهرة بحذر وذكاء، مدركة أن اللحظة لا تسمح بمنطق الاصطفاف، وأن السياسة هنا، كما في تاريخها الطويل، فن موازنة الفصول وتجنب السقوط في هوة أحد الأطراف.
ومن ثم، فإن هذه الزيارة المهمة تكشف عن ملامح مقاربة متبادلة تهدف إلى إعادة صياغة موقع البلدين في معادلات الشرق الأوسط والعالم. إذ تعكس الزيارة في جوهرها رغبة موسكو في إعادة توطيد مسارات التعاون مع القاهرة في مرحلة تتعرض فيها علاقات روسيا مع الغرب لضغوط غير مسبوقة، فيما ترى مصر في "الانفتاح المتوازن" مع روسيا جزءاً من منهج استراتيجي أوسع للحفاظ على استقلالية قرارها وتعظيم مكاسبها في اللحظات الإقليمية المضطربة.
تقدير متبادل
خلال اللقاء مع الضيف الروسي والوفد المرافق له، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على تقدير القاهرة للعلاقات "الوثيقة" مع موسكو، مشيراً إلى ما تشهده من زخم بلغ ذروته بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وهذه الإشارة تعكس رؤية مصرية ثابتة مفادها أن العلاقات مع روسيا تمثل بعداً رئيسياً في سياسة تنويع الشركاء الاستراتيجيين.
ومن ناحيته، أكد شويجو حرص بلاده على مواصلة تطوير العلاقات الثنائية والارتقاء بها، مقدّراً الدور المصري في تحقيق الاستقرار الإقليمي، ووصف الرئيس السيسي بأنه يؤدي دوراً "سيتذكره التاريخ" للحفاظ على السلم في المنطقة. وفي جوهر هذا التصريح تقدير روسي واضح لأهمية الدور المصري في إدارة الأزمات الإقليمية، خصوصاً في غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر، ولمحورية موقع مصر في الحسابات الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط.
لماذا جاءت موسكو إلى القاهرة؟
في قراءة أعمق، يبدو أن زيارة شويجو إلى مصر تحمل خمس رسائل استراتيجية:
أولها، أن موسكو تدرك أن مصر ليست دولة عادية في الإقليم. فالقاهرة، منذ عقود، نقطة الارتكاز، متى مالت مال معها الشرق الأوسط، ومتى استقامت استقام حولها الكثير.
وثانيها، أن روسيا ترى في القاهرة معبراً ضرورياً لإعادة صياغة علاقاتها مع العالم العربي. فموسكو التي تبحث عن منافذ خارج أوروبا، تعلم أن الطريق إلى المنطقة لا يمر إلا عبر القاهرة والرياض وطهران. ولكن القاهرة تبقى الأكثر قدرة على التوازن، والأبعد عن الانجرار، والأكثر رسوخاً في الذاكرة التاريخية لهذا الإقليم.
وثالثها، أن التعاون العسكري، وإن خفَت صوته نسبياً، ما يزال ركناً أساسياً في العلاقات المصرية- الروسية. وشويجو، الذي قاد المؤسسة العسكرية الروسية في أشد لحظاتها صخباً أثناء الحرب الأوكرانية، حمل معه ما يكفي من رمزية لتذكير الجميع بأن أبواب التعاون في هذا المجال لم تُغلق، وأنها قابلة للاستئناف حين تسمح الظروف.
ورابعها، تتعلق بغزة، فالمشهد الفلسطيني ليس بعيداً عن مقاصد موسكو. ويبدو أن روسيا تريد حصة في معادلة التسوية، وتريد أن تقول للعالم إنها ليست بعيدة عن المنطقة الأكثر اشتعالاً. أما القاهرة فترى أن تعدد الوسطاء في الملف الفلسطيني قوة، وأن دخول موسكو إلى هذا الملف ــ بقدرٍ ــ قد يخلق هامش ضغط إضافياً يحد من انفراد واشنطن وتل أبيب بترتيبات اليوم التالي في غزة.
وأما الرسالة الخامسة والأخيرة من وراء الزيارة، فمفادها أن الشرق الأوسط لا يزال محوراً رئيسياً في حسابات موسكو الدولية، على الرغم من انغماسها في صراع مفتوح على الساحة الأوروبية – الأطلسية في أوكرانيا. فإيفاد شخصية أمنية رفيعة، مثل شويجو، يؤكد أن موسكو لا تنوي ترك فراغ في المنطقة لصالح قوى دولية أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين.
ملفات امنية واستراتيجية مهمة
تكشف زيارة شويجو عن تطور التعاون الأمني والاستخباراتي بين القاهرة وموسكو. فمن جهة، تشير طبيعة الوفد الروسي، الذي ضم مسئولين كباراً من مجلس الأمن وجهاز المخابرات الخارجية، إلى مستوى متقدم من التنسيق الأمني. فعلى خلاف الزيارات ذات الطابع الاقتصادي البحت، يُعد هذا النوع من التمثيل إشارة واضحة إلى وجود ملفات أمنية حساسة، أبرزها: مكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا والساحل، والأمن في البحر الأحمر وشرق المتوسط، والتطورات المعقدة في ليبيا والسودان.
في ليبيا، على سبيل المثال، تبدو مصر وروسيا أمام مصلحة مشتركة في دعم الاستقرار، ومعالجة إرث التنافس الدولي، وإدارة وجود المرتزقة الروس بطريقة لا تهدد المصالح المصرية المباشرة.
وفي السودان، أيضاً، يمثل التنسيق السياسي–الأمني بين القاهرة وموسكو ضرورة في ظل مسار صراع داخلي ذي تأثير مباشر على الأمن القومي المصري.
ومن جهة أخرى، اتضح من الزيارة احتلال مسار الحرب في غزة موقعاً مركزياً في المباحثات. فقد شدد الطرفان على ضرورة تنفيذ اتفاق شرم الشيخ بكامل مراحله، بما يشمل تثبيت وقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بكفاءة أكبر. ورغم أن روسيا ليست لاعباً مركزياً في مسار التفاوض الفلسطيني–الإسرائيلي، فإنها تملك ثقلاً دبلوماسياً كعضو دائم في مجلس الأمن، وقدرتها على استخدام أدوات سياسية ودبلوماسية يمكن أن تشكل رصيداً إضافياً للدور المصري الذي يتحمل العبء الأكبر في إدارة التهدئة، ومنع تصعيد أوسع قد يجر المنطقة إلى مواجهة ممتدة .كما تتمسك القاهرة بمبدأ حل الدولتين باعتباره الإطار الوحيد القابل للحياة لتحقيق سلام عادل ودائم، وهو موقف يحظى بقبول روسي، ويمنح القاهرة مرونة في إدارة جهودها السياسية تجاه الأطراف الدولية، بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
ولم تغب الأزمة الروسية–الأوكرانية عن أجندة اللقاء. فالقاهرة، بتمسكها بمبدأ الحياد المتوازن، تدعم كافة الجهود الرامية إلى تسوية سلمية. ويعد هذا الموقف امتداداً لرؤية مصر القائمة على حماية مصالحها الوطنية وعدم الانخراط في الاستقطاب الدولي .وبالنسبة لموسكو، تشكل القاهرة شريكاً يمكن أن يساهم في خلق ممرات دبلوماسية بديلة أو مساندة لتحسين موقعها التفاوضي في مواجهة الضغوط الغربية.
الاقتصاد.. ركائز استراتيجية ممتدة
رغم سيطرة الملفات الأمنية والاستراتيجية على زيارة شويجو الأخيرة إلى القاهرة، إلا أن الملفات الاقتصادية لم تكن غائبة بالتأكيد. إذ ناقش الطرفان تعزيز التعاون الاقتصادي عبر ملفات استراتيجية، تشمل: المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشروع محطة الضبعة النووية، وزيادة التبادل التجاري، وتنشيط السياحة الروسية. وهنا يشار إلى أن مشروع الضبعة يمثل ركناً مركزياً في العلاقات المصرية–الروسية، ليس فقط من حيث تأمين مصدر طاقة مستدام، بل أيضاً لما يعكسه من إدماج طويل الأمد لروسيا في منظومة البنية التحتية للطاقة في مصر.
أما المنطقة الصناعية الروسية، فتُعد منصة مستقبلية لتعزيز التعاون الإنتاجي وسلاسل التوريد، وجذب رؤوس الأموال، وتوفير فرص توسع روسي نحو أسواق أفريقيا والشرق الأوسط. ويُتوقع أن يسهم ذلك في نقل التكنولوجيا، وتعميق الروابط التجارية.
ومن جهة أخرى، تحتل مجموعة BRICS موقعاً متزايد الأهمية في سياسة مصر الخارجية، خاصة بعد انضمامها عام 2024 بدعم روسي وصيني. وقد تساعد زيارة شويجو الأخيرة إلى القاهرة في تعظيم المكاسب المصرية داخل المجموعة، خاصة عبر توسيع خياراتها بعيداً عن المنظومة المالية الغربية التقليدية، عن طريق: تنويع مصادر التمويل والاستثمار، وتوسع استخدام العملات المحلية في التجارة، وتعزيز التعاون في التكنولوجيا والطاقة.
ومن ناحية ثانية، تلعب مصر دوراً محورياً في إعادة هندسة ترتيبات الأمن والطاقة في منطقة شرق المتوسط، وهي منطقة تحظى باهتمام روسي متزايد. ويمكن لشراكة مصرية-روسية في هذه المنطقة أن تعزز مساحات التفاهم في ملفات، مثل: إدارة موارد الغاز الطبيعي الهائلة، وأمن الملاحة والترتيبات البحرية في شرق المتوسط، وإدارة العلاقات مع تركيا، خصوصاً في ليبيا.
على أى حال، يمكن القول إن زيارة أمين مجلس الأمن لروسيا الاتحادية مؤخراً إلى مصر أكدت على أن القاهرة وموسكو تسعيان إلى تعظيم مكاسبهما ضمن نظام دولي قيد التشكل. فمن ناحية، تتطلع موسكو إلى تثبيت موطئ قدم مستدام في الشرق الأوسط رغم انشغالها بأوكرانيا، بينما تسعى القاهرة إلى توسيع هوامش السياسة الخارجية وتعزيز استقلالية القرار الاستراتيجي. كما كشفت هذه الزيارة، من ناحية أخرى، أن الشراكة المصرية–الروسية أصبحت رصيداً استراتيجياً يمكن البناء عليه في مرحلة تتسم باحتدام التنافس الدولي وكثرة بؤر التوتر في الشرق الأوسط.
لكن الطريق أمام هذه الشراكة لن يكون خالياً من العقبات. فالعقوبات الغربية على موسكو تعيق انسياب التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين الدولتين. كما أن توازنات القاهرة تعني أن العلاقة مع موسكو يجب ألا تُفهم على أنها على حساب قوى أخرى. ثم إن الحرب في أوكرانيا استنزفت جزءاً من قدرة موسكو على الانخراط في الخارج بذات الزخم .وهكذا، فإن الشراكة المصرية-الروسية في المدى المنظور، مهما طالت جذورها، سوف تبقى محكومة بمعادلة دقيقة توازن بين الطموحات والواقع.
وفي المجمل، لا يمكن النظر إلى زيارة شويجو الأخيرة إلى القاهرة باعتبارها حدثاً منفرداً، بل في إطار لوحة أكبر. لوحة تعيد فيها القوى الكبرى رسم خرائطها، وتبحث فيها مصر، بوعي وهدوء، عن موقع يليق بتاريخها ودورها، وعن توازن يمنحها حرية الحركة وسط عاصفة متعددة الاتجاهات. وفي مثل هذه اللحظات، تبدو القاهرة، كما كانت دائماً، ساحة تلتقي عندها الحسابات الدولية، ومرآة تنعكس عليها أزمات المنطقة وتحولاتها، ومحطة لا يمكن للشرق أو للغرب تجاهلها. تلك هي الدلالات الأعمق لزيارة شويجو… وتلك هي القاهرة.