الهوية التاريخية والافتخار الوطنى بالحضارة المصرية، عنوان كبير ورساله حملها أفتتاح متحف الحضارة الكبير، حيث تجسدت فى تفاعل شعبى تعدى حدود الحدث، وشغف دولى معبر عن عمق أثر الحضارة المصرية فى وجدان العالم، ورغم النقاش الدائر حول سؤال الهوية الوطنية، الا أن الثابت أن مفهوم الامة هو المفهوم الجامع لكل الهويات الفرعية والروافد المغذية لتلك الهوية الجامعة، والتى حملت فى جنباتها شفرة المصريين كأمة، رغم العديد من التحولات والتطورات التى عصفت بالشعب والمجتمع والدولة وسعت لضرب هذه الهوية والتماسك المجتمعى.
فالشفرة الحضارية المصرية، وما تضمنته رسالة المتحف الكبير، من تعبير عن التراث الإنساني الحضاري، يمثل مرآة عاكسة بوضوح على مدى الإسهام الفكري وعلاقته بتطور المجتمعات ونهوضها، ومدى أهمية التواصل الثقافي والحضاري في تعزيز وبقاء التراث الإنساني.
كما أن المعرفة بهذا التراث تشير بوضوح إلى الإسهام المشترك للشعوب والمجتمعات ومساحات التفاعل والتواصل الحضاري، وتعزز منظومة القيم والأخلاق الداعمة إلى الحوار والتقارب، والبعد عن تلك الأفكار المحفزة للتنافس والصراع ، أو تلك الساعية للتمييز وفرض نموذج حضاري واحد.
لذا تتجلى أهمية المحافظة على التراث فى أبعاده وقيمه المرتبطة بالتعدد الثقافي والمجتمعي كقيمة عالمية وإنسانية تساهم في تعزيز فرص التعايش السلمي بعيدًا عن أفكار التضاد الثقافي المستند للهوية الثقافية التي طرحها صامويل هنتنجتون في كتابه صدام الحضارات. حيث يذهب صمويل هنتنجتون لوصف الحضارات بكونها كيانات ثقافية سوف يكون لها أهمية متزايدة باطراد في النزاعات الراهنة والمقبلة. وأن العالم به سبع أو ثمان حضارات متنافسة هي الحضارة الغربية والكونفوشية واليابانية والإسلامية والهندوسية والأرثوذكسية والأمريكية اللاتينية وربما الإفريقية أيضًا. ويعتبر هنتنجتون أن الحضارة الغربية هي الحضارة الكونية وما دونها هي حضارات إقليمية، وحيث أنه يحدد معنى الحضارة على أساس الفوارق الثقافية فإن قائمة الحضارات عنده تعكس الفوارق الحقيقية بشأن اللغة والثقافة والتقاليد ثم الدين[1].
لذا يبقى البحث عن السمات الحضارية المشتركة وركائزها وإسهاماتها في صياغة حياة البشر، وتكامل دورها المعرفي والثقافي مطلب يرتبط بفلسفة الحياه واعمار الارض، ومن شأنه أن يقودنا لمعرفة حجم الإسهام المشترك في بناء التراث الإنساني، وتطلبات المحافظة عليه في وقت امتدت يد الإنسان وأفكاره إلى تهميشه وتزويره، بل إلى تدمير بعض مكوناته وتخريبه لصالح أفكار وأيديولوجيات قديمة عائدة في أشكال وأثواب جديدة.
فالمجتمع الإنساني بجوانبه المتعددة المتصارعة والمتعاونة حول القيم المادية والروحية، تشير بدورها الى أهمية المكونات القيمية والثقافية والأخلاقية في بناء الحضارات وانهيارها، من منظور رصيدها الإنساني في البناء والتعمير والنهوض وليس في قدرتها على تغليب الأنماط الصراعية وتلك الداعية لتهميش الثقافات الأخرى.
وإنطلاقا من متطلبات الوقوف على أوجه الشبه والتمايز الرئيسية بين الحضارات، لتحديد المحطات الرئيسية في الفكر الإنساني وقدرته على النهوض بالمجتمعات وتلبية احتياجاتها وإسهامه في تعزيز سبل معيشتها، جنبًا إلى جنب مع استخلاص الدروس والتجارب التي أدت إلى قيام وانتهاء حضارات ومرور كل حضارة بموجات من النهوض والتراجع .
واتساقًا مع هذه الرؤية، تبدو الحضارة المصرية نموذج لحجم الثراء والعطاء والتنوع المعرفي والتواصل الحضاري الذي أسهم في تطوير حياة الإنسان وتراثه، وهنا يمكن التأكيد على عدد من المعاني والدلالات الخاصة بالحضارة وقواسمها المشتركة وامتداداتها للواقع المعايش، والتي يمكن رصدها في النقاط التالية:
1ـ الإسهام الحضاري
تبرز بصمة الحضارة المصرية في التراث الإنساني عبر الإسهام في العديد من المجالات والمعارف العلمية الخاصة بالكتابة والمادة الصالحة للكتابة (ورق البردي عند المصريين على سبيل المثال، وورق الشجر عند الصينين) والفلك والعمارة والهندسة والرياضيات والطب والتحنيط والصناعة. بمعنى أن التواصل الحضارى ساهم فى امتلكت العديد من المقومات والركائز المعرفية المتكاملة التي أثرت التراث الإنساني وشكلت علامة وبصمة حضارية تجعل المصريين والصينين يشعرون بخصوصية الهوية والاعتزاز والفخر الوطني بما حققه الأجداد (رغم تطور تلك الهوية وتشكلها بمكونات أخرى). فكلا الحضارتين امتدت إسهاماتهما إلى فترة زمنية طويلة، كما تعدان من أقدم الحضارات، وإسهاماتهما في التاريخ البشري وتطوره العقائدي والثقافي والاجتماعي كبيرة. بمعنى آخر إن محورية المكون المعرفي والثقافي شكل قوة الدفع الرئيسية في تميز بناء الإنسان والمجتمع في مصر والصين، ومن ثم في امتداد حضارتهما فى ذاكرة المجتمع العالمي.
2ـ التواصل الثقافي والتكامل الحضاري
تشير تلك السمة إلى مراحل متعددة تتعلق بتطور الفكر الإنساني وعلاقته بالتواصل المعرفي بين كافة الحضارات، الذى تم من خلال نقل اليونانيين عن المصريين وحضارات الشرق الهند والصين، ونقل الرومان والمسلمين عن اليونانيين، كما تشير عملية التواصل الحضاري إلى تأثيرات عصر النهضة والتنوير الأوروبي وامتداداتها الثقافية والقيمية وما أنتجته الحداثة وما بعد الحداثة من إعلاء لقيم الفردية والذاتية والعقلانية وتأثيراتها المادية على المجتمعات ودرجة تجانسها وتماسكها، بل امتدت تلك التأثيرات مع الثورة التكنولوجية وعولمة القضايا الإنسانية إلى مساحة أعمق تتعلق بميكنة الإنسان وأنسنة الألة وهو ما يثير التساؤل حول مستقبل الحضارة الإنسانية نفسها.
وهو ما يقودنا لأهمية المدخل القيمي والثقافي وعلاقته ببناء الإنسان والتطور الاجتماعي الذى شهدته الأمم والمجتمعات في إطار السعي نحو مواكبة الفكر للاحتياجات المجتمعية وتفسير الواقع.
3ـ القواسم المشتركة
تماثل العديد من السمات الحضارية وركائزها في الحضارات، يشير أيضا إلى بعض المفارقات التاريخية والمعاصرة، فركائز البناء ومجالاته (السابق الإشارة إليها) تشير إلى أولوية إعلاء قيمة السلام والتعاون على أنماط الصراع والتنافس، وأن التاريخ المشترك للبشرية شاهد تحولات كبرى انعكست على التراث الحضارى، وعلى إندثار حضارات.وهنا يمكن الاشارة لمصر كهوية وجغرافيا ومركزا للتواصل مع العالم سواء من أجل التجارة أو التواصل الثقافي والفكري[2].
وانطلاقًا من هذه النقاط وما تطرحه من مدلولات تتعلق بالحضارة المصرية، يمكن التأكيد على أن الدراسة سوف تتركز معالجتها على إبراز العمق الحضارى، من منظور تعزيز الإدراكات المعرفية. وذلك استنادًا الى تقسم الدراسة إلى ثلاث محاور رئيسية، هي: أولًا: الرؤية الفلسفية، ثانيًا: السمات والمرتكزات الحضارية، ثالثًا:الأبعاد والقيم الحضارية .
أولًا: الرؤية الفلسفية للحضارة
تنطوي الحضارة على معنى ضمني يتعلق بمقارنة تفضيلية بين الشعوب حول مستوى ودرجة التحضر والمساهمة المعرفية والثقافية والأخلاقية على الإنسانية، لذا تبدو خصوصية الإسهام والتواصل الحضاري مرتبطة بعدد قليل من الشعوب الذين ساهموا في بناء الحضارات الإنسانية.
وتتعدد التعريفات والتوصيفات الخاصة بالحضارة، فيربطها اتجاه بالمكون الثقافي، ويعرفها بكونها تعبر عن أرقى تجمع ثقافي لشعب ما وأوسع مستوى للهوية الثقافية والتي يتميز بها البشر وتمايزهم عن غيرهم من الأنواع، ويتحدد معناها على أساس عناصر موضوعية، مثل: اللغة والتاريخ والدين والأعراف والمؤسسات أو على أساس الهوية والتعريف بالذات. كما يربطها اتجاه ثان، بحجم الإنجاز وتطويع الطبيعة، فالناس ينجزون الحضارة عندما يحولون الطبيعة بجهدهم الشاق لتحسين ظروف معيشتهم، وكذلك يرى اتجاه ثالث، أنها موروثة باعتبارها جزء من تراث تاريخي تناولته أجيال، ويذهب اتجاه رابع، إلى أن الحضارة متأصلة في العلاقات الاجتماعية، ويرى اتجاه خامس، أنها تعبر عن حالة تفوق بيولوجي[3].
هذه الرؤى لمعنى الحضارة ودورها، تشير إلى توصيف خاص يجب أن تقوم علية الحضارة يتعلق بتحضر المجتمعات والتقسيم الطبقى للافراد، وبحيث يكفل هذا الوجود المتميز مؤسسات وممارسات للدولة. ويمكن الإشارة إلى تاريخ الجدل حول الحضارة الكونية أو حضارات إقليمية -شعوب- إلى ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر، حيث استخدمت كلمة حضارة عام 1766. ثم مع مطلع القرن التاسع عشر بدأ المفكرون يرون أن الحضارة تجمع ما بين كونها عملية وبين كونها تم انجازها، وتتميز بخصائص النظام الاجتماعي والأخلاقيات والسلوك المهذب علاوة على التراكم المعرفي. بمعنى أنها تعكس كل من الوضع والعقل الإنسانيين.
ولكن مع نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر تساءل المعلقون الفرنسيون عما إذا كان ثمة شيء يمثل التقدم عن طريق حضارة كونية أم أن الحضارة هي نتاج شعوب أو أمم بذاتها في أزمنة وأماكن مختلفة. الأمر الذي قاد إلى عقد مقارنات بين حضارات الماضي والحاضر، ودارت عدة حوارات بشأن حضارات قدامى الإغريق وفرنسا الحديثة أو أوروبا النهضة[4].
واتساقًا مع التعريفات أو التوصيفات السابقة لمعنى الحضارة، فيمكن التوقف على ما أضفته الحضارة من إسهام وتحولات للأوضاع الاجتماعية والسياسية، وكيف اختلفت سبل الحضارات في بناء وتحديد مساراتها إزاء السلطة في الوقت الذي تعمل فيه على خلق وضمان سرمدية التراث والصور الرمزية عن شعوب الماضي والحاضر، وهو ما يمكن أن يتجلى بوضوح في غالبية الحضارات، وتمحورها حول فلسفة الحياة وموقع الإنسان ودوره وعلاقته بالطبيعة.
ثانيا: الحضارة المصرية القديمة.. السمات والمرتكزات
عبر تاريخ ممتد ومترابط زمنيًا، ساهمت الحضارة المصرية في صياغة حضارة كونية دافعة إلى تقدم العالم وسبل معيشة الإنسان ودوره في التواصل الحضاري، والتكامل المعرفي للإنسانية وتراثها.
ويستدل بعض المؤرخين على دور الحضارة المصرية وتميزها، بالتأكيد على مساهمة الشرق في الحضارة اليونانية، وكون الغربيين المحدثون أخذوا فلسفتهم عن اليونان. وأن ما طرحه أفلاطون وأرسطو موجود في فلسفة بتاح حوتب، وما تركه لنا شوبنهور وتولستوي من تراث ممثلًا في حكمة أبوورو[5].
ولذا يذهب بعض المؤرخين في وصفهم للحضارة المصرية بأنها قامت على أيدي "الحكماء الأوائل العظام في التاريخ"، وكونها معلم الإنسانية الأول. وتعد مصر من أقدم مواطن الحضارات في العالم، حيث عرفها التاريخ منذ سبعة آلاف سنة، كما تميز التاريخ الفرعوني بالاستمرارية عبر فترات صعود وهبوط إلى نحو 5 آلاف عام. وقد قسم المؤرخ المصري القديم "مانثون" ذلك التاريخ إلى ثلاثين أسرة ملكية، اختلفت مواطنها وعواصمها، كذلك كانت رافدًا مهمًا لقيام العديد من الحضارات في أنحاء العالم مثل الحضارة الإغريقية وحضارات بابل وآشور وسومر والحضارة الفينيقية[6].
وترصد بعض الدراسات، نقطة أخرى أعطت تميزًا للحضارة المصرية من حيث الاستمرارية ترتبط بعلاقة الإنسان المصري بيئته ودوره في استكشافها وتطويعها والمحافظة عليها، فقد حافظت الحضارة المصرية التي قامت على ضفاف النيل على خصوصيتها بتكامل فلسفتها الجامعة للإنسان وبيئته بحيث تتكامل علاقة التأثير والتأثر، وهو ما لم يتوافر لحضارات ومدن قديمة انقطع حبلها على مر الزمان، ففي بلاد اليونان على سبيل المثال ظهرت حضارة عريقة ثم ولّت وانتهت، وكذلك على أرض العراق قبل أن ينزلها العرب. وتتابعت حضارات متفرقة كالسومرية والأكادية والبابلية والآشورية وغيرها[7].
1- الأفكار الفلسفية في مصر القديمة
تعد فكرة الخلود والاهتمام بالحياة عند قدماء المصريين من أهم الأفكار الجامعة والرئيسية في الحضارة المصرية القديمة، فكان الاهتمام بالإنسان ومصيره وعلاقته بظاهرة الموت وما يعقبها من بعث، مصدرًا لأهمية فعل الخير والبعد عن ارتكاب الآثام والأخطاء، وهو ما امتد إلى أن النفس ستبحث عن الجسد بعد الموت، وحينما تعثر عليه تبدأ حياة الإنسان الأخرى. لذلك كان الاهتمام بعلم التحنيط للمحافظة على الجسد، مصحوبا بفلسفة أخلاقية داعمة لقيم الحكمة والجمال والعدالة والخير، ومستندة إلى أفكار تعنى بالوجود والكون لفهم وإدراك ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)، فكان الاهتمام بالمنطق والاستقراء والقياس والعلم وجوانبه المتعددة، شاهدًا على عبقرية المصريين القدماء المعمارية والهندسية في بناء الأهرامات للحفاظ على جسد الإله (الفرعون) جنبًا إلى جنب الاهتمام بالفلك والرياضيات.
ويشير التاريخ الفرعوني إلى المفكر بتاح حوتب وفلسفته الأخلاقية، باعتباره من أوائل المفكرين المصريين القدماء الذي عاش في عام 2700 قبل الميلاد، وإسهاماته الفلسفية المبكرة، في مخطوطته "الحكمة" حول تعليم ابنه الأخلاق الحميدة والحياة الصالحة ورسم فيها صورة الإنسان الحكيم والفضيلة، واستند إلى رؤية أوسع للكون والوجود وأهمية إدراك فلسفة الخير والشر والجمال والكره والإدراك والوعي كمضامين جوهرية للفلسفة المرتبطة بعلاقة الإنسان بالكون. وعلاقته بالدين والعقيدة، وهو ما عبر عنه أخناتون بطرحه عقيدة التوحيد وربطها برؤية وفلسفه اجتماعية وثقافية، فقد عاش أخناتون في القرن الرابع قبل الميلاد، وكان يسمى امنحوتب الرابع ليصبح أخناتون أي المكرس للإله أتون، حيث طرح ثورة فكرية دينية وأخلاقية واجتماعية وأكد على الاعتماد بواحدية الإله، كما كان صاحب فكر أخلاقي واجتماعي وسياسي راقِ حيث بنى مدينة جديدة أطلق عليها اسم "أخيتاتون" في تل العمارنة ليعبد فيها الإله الواحد[8].
2- مرتكزات الحضارة المصرية
هذه الفلسفة التي حكمت الحضارة المصرية القديمة بجوانبها المتعددة ارتكزت إلى مصادر ومرتكزات ساهمت في استمرارها كجزء كبير من التراث الإنساني الكوني، ومن هذه المصادر نذكر.
أـ الإنسان
يمثل الانسان العنصر الأهم في قيام الحضارات واستمرارها، فقد استطاع الإنسان المصري القديم أن يُطوّع نهر النيل عبر العصور ويجعله محور وأساس حضارته. وهو ما دفع المؤرخ محمد شفيق غربال، في كتابه "تكوين مصر" إلى التأكيد على أن "مصر هي هبة المصريين" وليس كما قال هيرودوت "مصر هبة النيل" فمصر أرض شكلتها الطبيعة ولعب الانسان دورًا في بناء مجتمع له خصوصيته . فقد تعامل مع الطبيعة وحولها إلى نعمة وليس نقمة، ويشير المؤرخ محمد شفيق غربال في تتبعه للتاريخ الفرعوني وتطور الحضارة المصرية وتكوينها إلى ما تناوله أرنولد تويبنى بما أسماه التحدي والاستجابة[9]. وهنا يمكن التأكيد على دور الإنسان المصري، والقوة البشرية والعمالية في مصر القديمة التي كانت القوة الدافعة لقيام الحضارة المصرية القديمة التي قامت على ثلاث أسس هي الإيمان والعمل والعلم. وقد تفرد قدماء المصريين بمنظومة العمل الجماعي، فقاموا بشق قنوات الري وأنشأوا السدود وشيدوا المعابد وحفروا المقابر[10]. كما كانت منظومة العمل والدقة شاهدًا على عظمة الحضارة المصرية، فضلًا عن تهيئة البيئة والمناخ الملائم لتحسين ظروف العمل وتوفير حقوقهم بالقدر الذي يساعد على مواصلة العمل وجودته.
فقد كان للبعد القيمي والأخلاقي الذي قامت عليه الحضارة المصرية دورًا أساسيًا في تنظيم الحياة وبناء نظام اجتماعي، حيث برز اهتمام المصريين بالجوانب الأخلاقية والإنسانية من أجل الحفاظ على بنية المجتمع واستمراره. وقد تبلورت تلك القيم في طاعة الوالدين والامتثال لأوامر الملك، والقدرة على كبح جماح اللسان في كافة المناسبات، وأدب الحديث، وحسن التصرف في المواقف، والأمانة في أداء الرسالة والتواضع مع الآخرين[11].
ب- التطور العلمي والتقدم
لعب المكتسب المعرفي والاهتمام بالعلم دورًا عميقًا في امتداد الحضارة المصرية واتساع مساهماتها للإنسانية، في مجالات شتى مثل: الطب والفلك والرياضيات والهندسة والفلسفة وغيرها من العلوم، التي ساعدت على أن تظل هذه الحضارة شاهدًا حتى اليوم على إنجازاتها، فقد خلّفت آثارًا مادية كثيفة ومهيبة قاومت آثار الزمن وفعله عبر آلاف السنين[12].
ويعود الفضل إلى قدماء المصريين في اختراع الكتابة وسميت بالكتابة الهيروغليفية، وقد تم ذلك قبل عصر توحيد البلاد. واستطاعوا تسجيل مظاهر حياتهم السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية وذلك من خلال الصور على جدران المعابد واللوحات الحجرية والخشبية، كما استخدمت هذه الكتابة الهيروغليفية في تسجيل النصوص الدينية والتي عرفت أيضًا باسم الخط المقدس[13].
فقد كانت الحضارة المصرية بمثابة حضارة شاملة للحياة، استطاعت تحقيق العديد من الإنجازات في مجالات عدة مثل الزراعة، حيث اكتشف قدماء المصريين أهمية مراعاة الظروف المناخية ودورات المحاصيل الزراعية ما بين محاصيل الشتاء ومحاصيل الصيف. ثم انتقلوا بالتدريج خلال العصور إلى تقسيم السنة إلى فصول زراعية للمحاصيل، وساعدهم علم الفلك ومعرفة مواقع النجوم على تقسيم السنة إلى اثني عشر شهرًا. كما عرفوا البحار ودرسوا حركة الرياح للاستفادة من النيل في حركة المراكب للنقل والانتقال[14].
ج ـ الدين
إن البعد الديني باعتباره أحد محاور المخزون الحضاري للشخصية المصرية إنما يعود إلى أهمية التدين في بناء الإنسان المصري، وفي نفس الوقت يعكس أن أعظم مظاهر عطاء الإنسان المصري في بناء حضارته كان تجسيدًا واضحًا للعلاقة القوية بين قيم الإيمان وقيم العمل.
فقدماء المصريين رغم عبادتهم لآلهة عديدة، فإن دعوتهم إلى التوحيد الإلهي التي ظهرت على يد الملك أخناتون، ساهمت في إثراء معنى الحياة والموت والبعث والخلود لدى المصريين. كما تظهرها العديد من النقوش على المعابد الخاصة بآلهة الفراعنة. وقد تعددت خصائص ومظاهر العقائد المصرية القديمة حيث تمثلت في تعدد الآلهة نظرًا لتعدد أقاليم مصر قبل توحيدها على يد الملك مينا، فقد كان لكل إقليم إله خاص تُقدم له القرابين وتُصنع له التماثيل، وتُقام له المعابد. كما ساد الاعتقاد في البعث والخلود والاعتقاد في وجود حياة أخرى ينعم بها الميت بعد الموت. وهو ما دفع قدماء المصريين الى أن يتقنوا بناء مقابرهم الحصينة وتحنيط رفاتهم لتقاوم عوامل الفناء وحتى يعيش الميت حياته الأخروية الأبدية بالعالم السفلي[15] وقد برز ذلك في المبالغة في الاعتناء بالمقابر وبناء الأهرامات التي أضحت من أهم المعالم الأثرية في العالم ومن عجائب الدنيا[16].
بل أن إيمان المصريين القدماء بخلود الروح توافق معها الاعتقاد في الثواب والعقاب بعد الموت، حيث يقف الميت أمام محكمة مكونة من 42 قاضيًا يرأسهم الإله أوزوريس إله الموت، ويقوم الميت بسرد أعماله الحسنة ويتبرأ من أعماله السيئة. كما ظهرت فكرة وحدانية الآلهة عند امنحوتب الرابع الذي نادى بعبادة إله واحد يرمز له بقرص الشمس[17]. كما ظهرت فكرة الملك الإله الذي يملك سلطة الحكم والتدبير والقائم على موازين القسط والعدالة[18]. وفي نفس الوقت كان هناك تقدير لرجال الدين باعتبارهم رمزًا للعقيدة، وهو ما أدى إلى تبوؤ الكهنة مكانة اجتماعية متميزة في المجتمع المصري القديم[19].
ثالثا: الابعاد والقيم الحضارية
تميزت الحضارة المصرية بكونها باستنادها للعديد من القيم والقواسم الداعمة للحياة والبناء والمعظمة للأفكار الفلسفية والعقلية المرتبطة بعلاقة الإنسان بالكون والطبيعة، حيث أبرزت النقوش التاريخية وإسهاماتهما في بناء التراث الإنساني والحضارة الإنسانية، وتحضره وعلاقته بالعالم العلوي الإلهي.
فالإنسان المصري القديم كان لديه إدراك أنه لا حضارة بدون وجود قيم، وهو ما دفعه إلى وضع مجموعة من القيم والمبادئ الحاكمة. فقام قدماء المصريين بتشييد منظومة من القيم الأخلاقية ترتكز بالأساس على فكرة العدالة التي كان يُرمز لها بالإله "ماعت". وتنحاز هذه المنظومة الأخلاقية إلى الاستقامة وتقف بشكل قوي في وجه الظلم. فكما قال فرعون إهناسيا لابنه الأمير "ميركارع" (إن فضيلة الرجل المستقيم أحب عند الله من قربان الرجل الظالم). وقد استطاع المصري القديم تأسيس دولة كبرى من حيث قدرتها على صياغة مفاهيم حقوق الإنسان بتعبيرات العصر الحديث. كما أن التأمل في الحياة والكون اعطى مساحات من الاهتمام بقضايا فكرية وفلسفية عميقة أدت إلى إيمان قدماء المصريين بوجود حياة أخرى بعد الموت وذلك قبل ظهور الديانات السماوية بآلاف السنين[20].
وقد كشفت الوثائق المصرية القديمة عن اهتمام المصريين ببعض القيم الاجتماعية مثل تشجيع الزواج المبكر من أجل العفاف وحفظ الأعراض، وإنتاج نشء صالح للمجتمع، وتحريم تناول لحم الخنزير، وتحريم إجهاض الحوامل وغيرها من القيم التي شكلت الإطار الأخلاقي لدى قدماء المصريين في حياتهم. وهو ما يمكننا رصده في التالي.
1- ثقافة العمل
اهتم الإنسان المصري القديم بالعمل كقيمة ورسالة وهو ما تعبر عنه علامات الرضا على نقوش المعابد والمقابر الفرعونية. فقيمة البناء وارتباطها بأهمية العمل في فكر ووجدان المصري القديم، تبدو واضحة في كل الآثار المكتشفة، فالمصريون بناؤون يتقنون العمل ويهتمون بالجمال والزينة والألوان.
فتلك الحضارة القائمة حتى الآن تشهد على أن قدماء المصريين قد قدسوا العمل والإنتاج. فقد كانت مصر من أولى دول التاريخ التي حققت اكتفاءها الذاتي بنفسها، ومن هنا حظي العمال وأصحاب الحرف والمهن بأهمية خاصة في مصر القديمة. وقد كان الملك "أمنحوتب الأول" أول من فكر في تكوين طائفة خاصة من العمال والنحاتين والفنانين. وفي عصر الدولة الحديثة بدأ العمال يستقرون في قرى خاصة بهم بالقرب من مقار أعمالهم. فاستقر البعض في قرية "دير المدينة" والتي يرجع اسمها إلى الدير القبطي الذي أُنشيء في القرن السابع الميلادي. واستعان الملك "أخناتون" بهؤلاء العمال بعد ذلك في تأسيس عاصمته الجديدة في "تل العمارنة" بالمنيا. كما حرص قدماء المصريين على الوظيفة حيث كان يتم تعليم الأبناء من أجل الحصول على وظائف في الدولة بما يكفل لهم التميز والثراء والوجاهة في المجتمع، وكان الآباء يقومون بإعداد أبنائهم لخلافتهم في مناصبهم بعد وفاتهم في الدولة[21].
ويعزى استمرار وازدهار الحضارة المصرية القديمة إلى إيمان المصري القديم بالعمل كقيمة عظمى في حياته الأولى والثانية الأبدية. كما آمن قدماء المصريين بأن الخلود الذي يرتبط برضا الآله يرتبط أيضا بالعديد من الأمور الطيبة منها إتقان العمل.
ويشير تنوع الآثار المصرية القديمة والنقوش على المعابد إلى طبيعة النظام الإداري الجيد الذى ارتبط بجودة العمل والإبداع، وأن هذا النظام لم يكن منفصلًا عن النظام السياسي والاقتصادي الذي حكم البلاد، فالطابع الهيراركي الذى يتسم بالتدرج، جاء على قمته الفرعون المصري القديم الذى يمتلك كافة السلطات المدنية والدينية لإدارة كافة شئون البلاد، يليه الوزير ممثلًا للملك، ثم حكام الأقاليم ممثلين للسلطة التنفيذية. ويقوم الملك بتقديم التعليمات للوزير والتي يجب أن يتقنها كي ينجح في إدارة الأعمال المخول بها في إدارة البلاد وتجدر الإشارة إلى أن النصوص والنقوش المصرية القديمة حثت على العمل وتقديسه. وقد حفلت المدن المصرية القديمة الخاصة بالعمال مثل مدينة العمال (بناة الأهرام) في هضبة الجيزة وتل العمارنة في مصر الوسطى ودير المدينة في الأقصر بالعديد من المعلومات حول طرق العمل وتنظيمه والفرق التي كانت تعمل بها وطرق حياتها والأمراض التي هاجمتهم وأسباب وفاة بعضهم أثناء العمل[22].
2- قيم الحق والعدل والقانون
احتلت قيمة العدل مرتبة متميزة في منظومة القيم في مصر القديمة، حيث ارتبطت بواجبات الملك وهو ما أبرزته البردية التي تضمنت نصائح الملك "حيتي الثالث" (2120-2050 ق.م) إلى ابنه "مريكارع" بتطبيق العدل على الجميع. وكان الإنسان المصري القديم باحثًا عن الحق، وراغبًا في إقامة العدل. فقد برزت تعاليم الإله "ماعت" إله العدالة عند قدماء المصريين، كما أوضحتها النقوش على جدران المعابد بأن طلبات العدالة والحق كانت قوتها أقوى من سلطان الملك نفسه. ففي إحدى الوقائع قام وزير العدل "حيتي" بإصدار حكم ضد أحد أقاربه كطرف في التقاضي، حيث قال "لم أهتم بما كتب ولم أفحص الوقائع لأني كنت متأكدًا ولا أحب أن أُتهم من أحد بمحاباة أسرتي أو انى وقفت بجانبها ضد خصومها". وقد حظيت صفة العدل باهتمام الكثير من الملوك حتى أن أحد ألقاب الملك الرسمية لقب "مقيم العدالة". وقد عبر الحكيم "بتاح حتب" عن السلوك المستقيم في إقامة العدل والحق والاهتمام بالأخلاق والسلوك كونها ستؤدي بالإنسان إلى إقامة العدل والحق. وقد أطلق البعض على أرض مصر اسم أرض الماعت، وأرض النيل والماعت.
فيما أشارت عدد من النقوش والرسوم القديمة إلى حرص قدماء المصريين على الالتزام بمبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر، ومنها نقش على جدران معبد الملك "سيتي الأول" في منطقة أبيدوس الأثرية في صعيد مصر، يظهر فيه الملك وهو يقدم رمز العدالة للربة ماعت، لكي يؤكد أنه حقق العدالة بين جموع الشعب وطوائفه[23].
واعتقد المصريون أن الإله آمون قد أوحى لهم بالقانون الذي حقق لهم المساواة في المعاملة وإصدار الأحكام، فقد تمتع قدماء المصريين بالمساواة القانونية على خلاف كثير من المجتمعات القديمة. فالقانون لم يقسم المجتمع إلى طبقات ولم يميز أبناء طبقة ما بامتيازات. وهو ما اتضح في إرشادات "تحتمس الثالث" في توجيهه لوزيره "رخميرع" بأنه لا ينبغي للوزير التحيز للعظماء ولا ينبغي استبداد كائن من كان، وأن ينظر إلى ما يعرفه كما ينظر إلى من لا يعرفه. فقد بلغت قيمة المساواة بين الناس وعدم التميز بينهم مستوى رفيع وسامٍ فقد كان الحاكم يحرص على ذلك من خلال توجيه وزرائه إلى الالتزام بتطبيق المساواة بين الناس وعدم التفضيل[24].
وقد عرف المصريين القدماء القانون المدني والجنائي وقوانين الميراث وتم تطبيق تلك القوانين منذ عصر الأسرة الخامسة. وكانت هناك القوانين الخاصة بالمعاملات، ونظام قضائي من خلال المحاكم الابتدائية في كل قرية مختصة بالأحوال المدنية والشخصية والجنائية البسيطة.
تشير قضية الاهتمام بالقانون وتطبيقه، الى قيمة العدل كمحدد وركيزة حضارية عند المصريين القدماء، ومن ثم اهتمامهم بسبل تحقيق العدالة، حيث اعتبروها بمثابة إحدى أهم ركائز الحياة. ومن هنا أخذ مفهوم العدالة بُعدًا أخلاقيًا رفيعًا عند قدماء المصريين، فلا أحد ينجو من سؤال الآلهة عن مراعاته للعدالة في حياته الدنيا حتى الفرعون "الملك" نفسه. وقد كان الوزير "بتاح حتب" هو صاحب أقدم كتابات أدبية على الإطلاق تتحدث عن السلوكيات والأخلاقيات بشكل عام، حيث تضمنت نصائحه المكتوبة منظومة أخلاقية، فهو ينصح ابنه بالتمسك بنهج العدالة، والبعد عن التكبر، والتواضع في العلم. وعدم الفخر بالثروة[25].
3- الامة والتماسك المجتمعي
تأصلت في المصريين القدماء فكرة الامة، حيث أن الشعب المصري من أقدم الشعوب التي عرفت الفكرة الوطنية التي تقوم على التماسك والاتحاد في وجه أي خطر خارجي أو داخلي. وربما يعود ذلك إلى طول مراحل الاستقرار التي شهدتها الحضارة المصرية القديمة، وكونها من أقدم المناطق التي عاشت كدولة مركزية بالمفهوم الحديث. ومن هنا، فإن قيمة الانتماء للأرض تمثل إحدى القيم الأصيلة في نفوس المصريين.
وبالإضافة لعلاقة الارتباط والولاء التي حكمت المواطن بالدولة المركزية في مصر، فقد ساهمت منظومة القيم الاجتماعية والثقافية والمكون الديني التي ترجمها العمق الثقافى والوجدان المصرى والعقل الجمعى في العديد من فتراتها الزمنية في تعزيز التماسك المجتمعي والعلاقة بين الأفراد.
فقد احتوت النقوش القديمة على جدران المعابد والمقابر على دلالات بشأن اهتمام المجتمعات القديمة بالسلوك المتحضر للأفراد باعتباره غاية ووسيلة إلى تقدم المجتمع، ومن ثم فإنه يجب على كل فرد أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة مع أفراد أسرته ومع الآخرين أيضًا في المجتمع. ففي إحدى النقوش المصرية التي ترجع إلى عام 2500 قبل الميلاد كتب أحد رجال الدولة الكبار ما يؤكد حب ومدح أسرته له. ويعد الاعتراف بأهمية دور الأم من أهم القيم الإنسانية في الحضارة المصرية القديمة، حيث تبوأت الأم مكانة عالية ومنزلة رفيعة، وهو ما جعل لها دور مؤثر في تكوين المجتمع المصري القديم. وقد عبرت النقوش والآثار المصرية عن ذلك حيث جاءت نقوش معظم مقابر الملوك والوزراء لتحتوي على صورهم مع أمهاتهم وزوجاتهم[26].
4- الثقافة
ساهم المكون الثقافي بتنوعه وتعدده في إثراء الحضارة المصرية واستمرارها، وشاهدًا على عظمتها، فلا زالت آثار هذا المكون قائمة برغم مرور آلاف السنين على الحضارتين. فهناك تراث ثقافي محفوظ في دور الكتب المصرية للحضارة المصرية القديمة والتي احتوت على العديد من مخطوطات أوراق البردي والجلود. كما عرف قدماء المصريين طرقًا متقدمة في حفظ هذه المخطوطات. كذلك حظيت الفنون والآداب باهتمام كبير في مصر القديمة، فإلى جانب تقدم قدماء المصريين في كثير من العلوم فقد برعوا أيضًا في الفنون والآداب خاصة النحت والتصوير والرسم والعمارة والدراما والموسيقى وتأليف الأساطير والقصص التي دار معظمها حول الألوهية.
وقد برعت الحضارة المصرية القديمة في نشر ثقافة العادات والتقاليد السائدة. وقد حرص الحكام المصريين مثل تحتمس الثالث ورمسيس الثاني على تشجيع وإتاحة الفرصة لاستخدام الفنون في تشييد المباني والمعابد والمقابر ونحت التماثيل، وهو ما مثل أحد عوامل تقدم الحضارة المصرية القديمة في هذه المجالات. كما عبر الفن المصري عن الحياة الاجتماعية السائدة في المجتمع المصري القديم، وهو ما اتضح من خلال التعبير عن عادات وتقاليد وثقافة المجتمع المصري في حالات الارتحال والاستقرار وطبيعة المهن المختلفة آنذاك مثل الصيد والزراعة والحرف اليدوية[27].
5- أصالة الهوية
ارتبطت قضية الهوية والافتخار الوطني بالحضارة المصرية، من حيث تجسدها لملامح التميز والخصوصية لدى المجتمع والافراد. فقد حملت كل حضارة ما يميزها – رغم التأكيد على سمة التواصل الحضاري – ويدلل على إسهاماتها وبقائها على الرغم من تغير الزمن والظروف ودورات الضعف والقوة.
فالإنسان المصري لا يزال يفخر بهويته الفرعونية كرمز للقوة والعزة والتاريخ، ولا يزال يعتز بتلك الهوية ويقدم نفسه بها كدليل على الدور الحضاري لمصر [28]. حيث لاتزال الهوية التاريخية بتأثيراتها الممتدة حتى اليوم، حجر زاوية لدى الامة المصرية باعتبارها تجسيد للشخصية المصرية التي صاغتها القيم الثابتة والتفاعلات السلوكية عبر التاريخ، بالإضافة إلى ما حملته بين جوانبها من زخم فكري وروحي ونفسي لدى الشعب المصري [29].
الخاتمة
ارتبطت الحضارة المصرية بممارسات داعمة لفكرة الحفاظ على النظام العام، وتدعم جهود التعايش وتطويع الطبيعة، وتعزز دور العقل وتدعم العقلانية اللازمة للتغلب على الحدود والقيود التي تفرضها الطبيعة والمعتقدات التقليدية. وتمثل الحضارة حسب هذه النظرة أعلى مراحل التطور الاجتماعي، وأن عملية التحضر تجعل العالم مكانًا أفضل للعيش فيه[30]. وهو ما يقودنا للوقوف على عدد من الدروس المستفادة التي سبق تناولها من منظور الواقع المعاصر، وملامح تميزهما ومدلولاتها التاريخية، للخروج من تأثيرات العولمة وما بعد الحداثة السلبية، إلى أهمية التأكيد على قضية الهوية والثقافة الحافظة لقيمة الإنسانية الحضارية، وتعزيز سبل إدارة التنوع الثقافي في ظل ما يكتنف العالم المعاصر من تنازع وتآكل ثقافي أمام ما يعرف "بالهوية العولمية" أو "المواطن العالمي" أو "أجيال الألفية" أو "الجيل z" والثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعى، والتي من شأنها أن تحول التراث الإنساني وميراثه إلى مجرد صفحات في التاريخ أو ملامح لحقب تاريخية طويت صفحاتها، تتآكل مع الزمن وتفقد بريقها وتأثيرها على هوية مجتمعاتها، وأجيالها الحالية والقادمة.
ولا يعنى ذلك بالطبع أن نرفض المستقبل والتطور أو ندخل في صدام مع الثقافات والهويات الأخرى، ولكن تدارس التاريخ والحضارات وتنامى الاعتزاز الوطني من شأنه أن يساهم في المحافظة على القيم الإنسانية المشتركة، ويساهم في مواجهة تداعيات "ثقافة العولمة" ومرحلة البعديات التي تحتاج الفكر الإنساني الآن (ما بعد الدولة وما بعد الديمقراطية وما بعد المجتمعات، مابعد الانسانية ....)، ويعزز من الشعور الوطني والهوية الذاتية بدون تمييز أو تعالٍ، ويحد من مظاهر التهميش التي تجتاح العديد من الهويات والمجتمعات وخاصة النامية منها التي تعانى من العديد من مظاهر الخلل والضعف المجتمعي.
من هنا تأتى أهمية ومحورية التركيز على الأسس الحضارية المشتركة وتغليب المنظور الإنساني والأخلاقي كمحفز على بناء المقوم الحضاري المشترك، كسبيل لمواجهة ما يكتنف العالم المعاصر من موجات وتيارات فكرية دافعة للصدام الحضاري، وزيادة القدرة الجماعية على مواجهة العوامل المحفزة لتنامى موجات الإرهاب والتطرف والتعصب سواء الديني أو اللاديني أو تلك الدعاية للانعزالية.
فما يكتنف العالم الآن من تنامي لمظاهر "مجتمع المخاطر العالمي" تحت تأثير اختلالات التوازن البيئي والتغيرات المناخية وتعامل الإنسان مع الطبيعة وتزايد مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة المعدية. جميعًا عوامل دافعة لأهمية الاستفادة من خبرات التاريخ ودروسه، وما شهده من موجات نهوض وانهيار حضارات، والتعلم بما يفيد التعايش مع الواقع المعاصر وما يفرضه من متطلبات دافعة للتقدم الحضاري مع المحافظة على إنسانياتها، ويعزز التعايش في مجتمع عالمي متعدد الثقافات.
وهو ما يقودنا لأهمية زيادة المكون الثقافي والمعرفي، واستحضار التاريخ ومردودة الحضارى على الإنسان والمجتمع، كقاعدة بناء ثقافي وحضاري لمشروع تنموى نهوضى مصرى.
[1]. توماس باترسون، شوقي جلال (ترجمة)، الحضارة الغربية.. الفكر والتاريخ (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 2004) ص20.
[2]. إبراهيم نوار، رؤية لبناء القدرة على المنافسة والتشابك الاقتصادي مع العالم، في السيد يس، الدولة التنموية.. رؤى نقدية للمشكلات وسياسات بديلة (القاهرة: المركز العربي للبحوث والدراسات، 2016) صـصـ 66-106.
[3]. توماس باترسون، المرجع السابق نفسه، ص15.
[4]. المرجع السابق نفسه، ص 11وص37.
[5]. د. مصطفى النشار، تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي.. السابقون على السوفسطائيين (القاهرة: دار قباء، 1997) صـصـ 34-35.
[6]. د. سمير أديب، موسوعة الحضارة المصرية القديمة (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2000) صـصـ 283-284.
[7]. جيمس بيكي، مصر القديمة، ترجمة: نجيب محفوظ (القاهرة: مطبعة المحلة الجديدة، بدون سنة) صـصـ 3-7.
[8]. د. مصطفى النشار، مرجع سبق ذكره، ص38.
[9]. محمد شفيق غربال، تكوين مصر ( القاهرة: مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة، 2012) صـصـ 8و9.
[10]. د. سمير أديب، موسوعة الحضارة المصرية القديمة (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2000) صـصـ 283-284.
[11]. محمد عبد الحميد بسيوني، آداب السلوك عند المصريين القدماء (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 1999) صـصـ 65-66.
[12]. سيرج سونيرون، كهان مصر القديمة، زينب الكردي (مترجم) (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975) صـصـ 57-83.
[13]. جيمس بيكي، مصر القديمة، ترجمة: نجيب محفوظ (القاهرة: مطبعة المحلة الجديدة، بدون سنة) صـصـ 3-7.
[14]. د. سليمان حزين، حضارة مصر أرض الكنانة (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأول، 1991) صـصـ 25-26.
[15]. د. الصاوي الصاوي أحمد، د. وي تشي رونغ، مرجع سبق ذكره.
[16]. فرانسواز دونان، المومياوات المصرية من الموت إلى الخلود، ترجمة: ماهر جويجاتي (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، الجزء الأول، الطبعة الأولى، 1997) صـصـ 16-23.
[17]. د. عبد الودود مكروم، مرجع سبق ذكره، صـصـ5-10.
[18]. د. محمود محمد علي، الحضارات الصينية وبدايات التكنولوجيا، صحيفة المثقف، متاح على:
[19]. نسرين بن خريف، الأخلاق في الفكر الشرقي القديم.. مصر أنموذجًا، رسالة ماجستير (الجزائر: قسم الفلسفة، 2016/2017) صـصـ 48-58.
[20]. نيقولا جريمال، ماهر خويجاتي (مترجم)، تاريخ مصر القديمة (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1993) صـصـ 23-52.
[23]. جيمي هنري بريستيد، فجر الضمير، ترجمة د. سليم حسن (القاهرة: مكتبة الأسرة، 2000) صـصـ 50-77.
[24]. باروسلاف تشرني، الديانات المصرية القديمة، ترجمة: أحمد قدري (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأولى، 1968) صـصـ 102-103.
[25]. جيمى هنرى برستيد، مرجع سابق.
[27]. جان قيركوتير، ماهر جويجاتي (مترجم)، مصر القديمة (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1992) صـصـ 5-42.
[28]. د. باهور لبيب، مرجع سبق ذكره، ص23.
[30] محمد شفيق غربال، مرجع سبق ذكره، ص 51.