مع تعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الداخلية وتدهور البنية المؤسسية، تصاعدت حدة المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا، لتتجاوز حدود العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية نحو تهديدات عسكرية مباشرة خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل اتهامات أمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونظامه بالضلوع في تهريب المخدرات والإرهاب، ومقابل ذلك، محاولات فنزويلية لحشد دعم حلفاء مثل روسيا والصين وإيران لمواجهة الضغط الأمريكي.
وفي هذا السياق، قامت وزارة الحرب الأمريكية (الدفاع سابقًا)، بحشد واسع في البحر الكاريبي شمل أكثر من عشرة آلاف جندي أمريكي، وحاملة الطائرات جيرالد فورد، وعددًا من القاذفات الثقيلة من طراز B-52 وB-1 قبالة السواحل الفنزويلية منذ أكتوبر 2025، ونفذت عددًا من الهجمات على الزوارق السريعة في البحر الكاريبي، والتي أسفرت عن مقتل 67 شخصًا على الأقل، زعمت إدارة ترامب أنها مرتبطة بعصابات المخدرات القادمة من فنزويلا وتهدد أمن الولايات المتحدة الأمريكية![1]
وتعود جذور التوتر بين البلدين إلى مطلع الألفية الثالثة مع صعود هوغو تشافيز، الذي تبنى خطابًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، وعمل على تعزيز استقلالية بلاده السياسية والاقتصادية. ومع تولي نيكولاس مادورو الحكم عام 2013، استمر النهج نفسه لكن في ظروف اقتصادية أشدّ صعوبة، خصوصًا بعد انهيار أسعار النفط وتفاقم الأزمة الداخلية.
ويكشف هذا التصعيد عن تداخل الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية في استراتيجية واشنطن تجاه كاراكاس، بما يعكس رغبة أمريكية في إعادة صياغة موازين القوى في أمريكا اللاتينية، وإرسال رسائل دولية أوسع تتجاوز حدود الأزمة الفنزويلية ذاتها.
خلفية التصعيد العسكري الأمريكي
منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، تبنت الإدارة الأمريكية خطابًا تصعيديًا تجاه فنزويلا تجاوز حدود الضغط الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية إلى طرح الخيار العسكري بصورة علنية وصريحة. وقد شكل هذا التحول انعطافة كبيرة في السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، إذ أعاد توظيف مفردات التدخل القسري في الإقليم بعد عقود من الانكفاء النسبي منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي ولاية ترامب الثانية، وتحديدًا في فبراير 2025، صنّفت وزارة الخارجية الأمريكية شبكة إجرامية تُعرف باسم "ترن دي أراغوا" (قطار أراغوا) على أنها "منظمة إرهابية أجنبية". ثم في يوليو من نفس العام ضمت وزارة الخزانة الأمريكية كيانات أطلق عليها اسم "كارتل دي لوس سولز" (عصابات الشمس) إلى قائمة عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية باعتبارها "جماعة إرهابية عابرة للحدود". [2]
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أنه لم يسبق لأي تقرير حكومي أمريكي -لا من إدارة مكافحة المخدرات ولا من وزارة الخارجية- أن صنف هاتين المجموعتين كمصدر تهديد واضح من قبل، فضلًا عن أن هذا التصنيف الأخير لم يأت مدعومًا بأي أدلة تثبت حجم الخطر أو حتى مضمون الاتهامات التي نسبت إلى كلتا المجموعتين. ولا توجد دلائل علنية على أن "ترن دي أراغوا" تشكل شبكة دولية مترابطة بقوة، في حين تزعم إدارة ترامب أن هاتين المجموعتين المتواطئتين مع حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، تُعدان من أبرز مهربي المخدرات إلى الولايات المتحدة، لكن هذه الاتهامات طُرحت دون تقديم أدلة علنية تُثبت الصلة.
على النقيض من ذلك، أظهرت تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) وإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية أن الجماعات الفنزويلية المذكورة، هي جماعات هامشية العمل والتأثير نسبيًا في خريطة الاتجار بالمخدرات على المستوى العالمي. ومع ذلك، عرضت وزارة الخارجية الأمريكية جائزة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، وهي أعلى مكافأة مقدمة في تاريخ برنامج المكافآت هذا.[3]
ورغم فجاجة الخطوة الأمريكية من وضع الرئيس الفنزويلي على قوائم الإرهاب والمطلوبين دوليًا ووضع مكافأة لإعطاء معلومات عن رئيس منتخب ويتحرك بعلنية وحرية داخل الدولة وخارجها، كما تفعل تمامًا مع زعماء وقيادات تنظيمات القاعدة وداعش، إلا أن هذا السلوك الأمريكي المتجاوز للقانون والأعراف الدولية يبدو أنه جزء من سياسة أمريكية جديدة تجاه محيطها الجنوبي. فقد أعادت الولايات المتحدة إحياء استخدام أداة "الحرب على المخدرات" بشكل صريح كوسيلة للضغط على دول لا تلبي تهديداتها أو ترفض بقوة انتخاب حكومات يمينية. وفي الآونة الأخيرة، توجهت هجمات ترامب بالخطاب نفسه نحو المكسيك وكولومبيا، متذرعة بمشكلات تتعلق بتجارة المخدرات لشن هجمات سياسية على زعماء هذين البلدين.
المفارقة الأخرى، أن فنزويلا ليست الدولة اللاتينية التي تعاني من انتشار واسع لتجارة وصناعة المخدرات محليًا مثل بعض الدول اللاتينية الأخرى، ومن ثم فإن هذا التصعيد الأمريكي المفاجئ بهذه الاتهامات وتحديد هوية عصابات فنزويلية مجهولة والجزم بارتباطها مباشرة باسم رئيس الدولة نيكولاس مادورو هو تصعيد أمريكي غير مبرر وغير قانوني ويفتقد للمنطقية بدرجة عالية.
وفي تطورات لاحقة في أكتوبر 2025، مُنحت المُعارِضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو -المنتسبة إلى حركة "فينتي فنزويلا" (تعالوا يا فنزويلا)- جائزة نوبل للسلام. ومن اللافت أن ماتشادو تصرح علانيةً بتأييدها للتدخل الأمريكي في فنزويلا، بما فيه التدخل العسكري، وهي التصريحات، التي تعد مصوغًا لاتهامها بالخيانة وفقًا للمادة 149 من الدستور الفنزويلي. كما أن حصولها على نوبل جاء بفضل جهود مؤسسة "إلهام أمريكا"، المتمركزة في ميامي، فلوريدا، ويقودها المحامي الكوبي الأمريكي مارسيل فيليبي. وبصورة عامة، فإن ماتشادو الحاصلة على نوبل مؤخرًا هي جزء من تيار لاتيني معارض للحكومات اليسارية ومدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية بقوة، وهو تيار يعمل على إسقاط الحكومات اليسارية ليس فقط في فنزويلا بل في المنطقة كلها بما فيها إسقاط النظام في كوبا، والتعاون والتحالف الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية.[4]
الخيارات العسكرية المطروحة
مما سبق يتضح أن التهديد العسكري هنا يعد في مضمونه أداة سياسية لإعادة رسم موازين القوة وإحياء النفوذ الأمريكي في المحيط الجنوبي بالأساس. ومن الممكن طرح ثلاثة مسارات محتملة لاستكمال هذا الحراك العسكري قبالة السواحل الفنزويلية:
1- شن غارات جوية محدودة تستهدف وحدات الجيش الفنزويلي ومراكز القيادة والسيطرة، تحت ذريعة مكافحة تهريب المخدرات الذي يُتهم النظام بدعمه.
2- تنفيذ عمليات خاصة لاعتقال أو اغتيال مادورو وعدد من كبار المسئولين العسكريين والأمنيين، على غرار عملية تصفية قاسم سليماني في العراق، مع الاستناد إلى مبررات "مكافحة الإرهاب العابر للحدود".
3- القيام بتدخل بري محدود يهدف إلى السيطرة على منشآت استراتيجية مثل المطارات وحقول النفط والموانئ، بما يمكن الولايات المتحدة من فرض "منطقة عازلة" تتيح السيطرة على الموارد الحيوية ومنع وصول الدعم الخارجي للنظام.
معضلة الإطار القانوني للتصعيد
حرصت إدارة ترامب على توفير غطاء قانوني لأي عمل عسكري محتمل من خلال إعادة تفسير القوانين الأمريكية الخاصة بمكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات. فقد صنّف مكتب وزارة العدل مادورو وعددًا من كبار المسئولين في حكومته ضمن قائمة "أكبر تجار المخدرات الإرهابيين"، وهي التسمية نفسها التي استخدمتها واشنطن في سياق حربها ضد القاعدة وتنظيم داعش. إذ يتيح هذا التصنيف توسيع صلاحيات الرئيس الأمريكي للقيام بعمليات خارجية دون الرجوع إلى الكونجرس، استنادًا إلى مبدأ "الدفاع الاستباقي عن الأمن القومي". وبذلك، تسعى إدارة ترامب إلى تجاوز القيود الدستورية التقليدية على العمل العسكري الخارجي، وتكرار السابقة التي استُخدمت لتبرير اغتيال سليماني عام 2020.
لكن هذا المسار يهدد المعايير الدولية التي تحظر اغتيال القادة الأجانب، ويقوض مبدأ السيادة الوطنية الذي يُفترض أن يحكم العلاقات بين الدول، فضلًا عن خلق سابقة خطيرة قد تُستخدم لاحقًا ضد دول أخرى في المنطقة. وفي هذا الإطار، قالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مارتا هورتادو غوميز لوكالة فرانس برس، عندما طلب منها التعليق على الضربات الأمريكية للقوارب الفنزويلية: "بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن الاستخدام المتعمد للقوة المميتة مسموح به فقط كإجراء أخير ضد فرد يمثل تهديدًا وشيكًا للحياة ....وبشكل عام، لا ينبغي قتل أي شخص بسبب جرائم تتعلق بالمخدرات".
الخطر القانوني الحقيقي في هذه المسألة، هو أنه لا يوجد تعريف مُلزم لما يُشكل الفعل "الإرهابي" في القانون الدولي. وعلى الرغم من شبه الإجماع حول اقتصار هذا المصطلح على الأفعال الإجرامية التي تهدف إلى القتل أو الإيذاء أو أخذ الرهائن بهدف ترهيب السكان تحت مظلة أهداف سياسية أو أيديولوجية، إلا أن التوجه الأمريكي في ظل إدارة ترامب الحالية في توسيع هذا الفعل ليشمل أيضًا الأفعال الإجرامية والكيانات التي تسعى لتحقيق أهداف اقتصادية وليست سياسية وايديولوجية مثل كارتلات المخدرات وعصابات الجريمة المنظمة، يعقد المصطلح ويجعله أكثر ضبابية. إن تصنيف جماعة ما على أنها إرهابية يمكن أن يوسع سلطات الدولة في المراقبة والاحتجاز واستخدام القوة، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب الحريات المدنية.[5]
علاوة على ذلك، وبموجب القانون الأمريكي، لا يُشكل تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) أو إرهابي عالمي مُصنَّف بشكل خاص (SDGT) تفويضًا باستخدام القوة أو إعلان حرب. ويتيح هذا التصنيف ترحيل أعضاء الجماعة، ومقاضاة الأفراد الذين يقدمون لها دعمًا ماديًا، ومصادرة الأصول، وتجميد الحسابات المصرفية.
وعلى هذا الأساس، فإن القرار الأمريكي الأخير بتبني الخيار العسكري، وتصنيف الرئيس مادورو على قائمة الإرهاب والسعي لاحتجازه أو تصفيته على غرار زعماء الجماعات الإرهابية، فضلًا عن تنفيذ ضربات عسكرية وقتل مدنيين على السواحل الفنزويلية يحتوي على كثير من التجاوزات للقانون الدولي وأيضًا معضلة أمام القانون الأمريكي.
الدوافع الاستراتيجية الأمريكية الأوسع
يرتبط التصعيد العسكري الأمريكي تجاه فنزويلا برؤية استراتيجية أوسع تتعلق بإعادة فرض الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي بعد سنوات من التراجع. ويمكن تلخيص هذه الدوافع في أربعة محاور رئيسية:
1- استعراض القوة الأمريكية في المحيط التقليدي، وإعادة تذكير العالم بأن أمريكا اللاتينية لا تزال ضمن نطاق النفوذ الأمريكي الحصري.
2- توجيه رسالة ردع إلى محور موسكو–بكين–طهران مفادها أن أي محاولة لتوسيع نفوذ هذه القوى في أمريكا اللاتينية ستواجه برد قوي.
3- تحقيق مكاسب سياسية داخلية في إطار الخطاب الانتخابي لترامب، الذي يركز على مكافحة المخدرات والهجرة غير الشرعية ومواجهة الأنظمة "الاشتراكية"، بما يخاطب قاعدته المحافظة في الداخل الأمريكي. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى فنزويلا بوصفها نقطة اختبار لإثبات قدرة واشنطن على فرض إرادتها السياسية.
4- الأبعاد الاقتصادية والنفطية، حيث يحتل النفط الفنزويلي مكانة مركزية في دوافع التصعيد الأمريكي. إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات النفط في العالم، لكن العقوبات الأمريكية والعجز التكنولوجي أديا إلى تراجع كبير في هذه الصناعة. ومع ذلك، فإن السيطرة على هذه الموارد أو إعادة إدخالها في منظومة السوق الأمريكية تمثل مكسبًا استراتيجيًا ضخمًا للولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة المباشرة على حقول النفط الفنزويلية، أو ضمان امتيازات للشركات الأمريكية، خاصة شيفرون وإكسون موبيل، في مرحلة ما بعد مادورو.
وقد رفض الرئيس الفنزويلي في السابق عروضًا أمريكية تطالب بتنازلات نفطية كبيرة مقابل تخفيف العقوبات، في حين حاول من جانبه استمالة الشركات الأمريكية بعقود جديدة دون أن يحقق نجاحًا يذكر بسبب العزلة السياسية التي فرضتها واشنطن على نظامه.
وتشكل فنزويلا واحدة من أكبر الدول المالكة لاحتياطات النفط في العالم، وتُعدّ موردًا محوريًا للطاقة في السوق الأمريكية قبل فرض العقوبات الشاملة. لذلك، فإن التحكم في موارد الطاقة الفنزويلية واستبعاد الصين وروسيا من الاستثمار فيها يمثلان هدفًا مركزيًا في حسابات واشنطن. ولقد استُخدمت العقوبات كوسيلة لخنق الاقتصاد الفنزويلي وإضعاف قدرته على تصدير النفط، بحيث تتهيأ الظروف لاحقًا لعودة الشركات الأمريكية الكبرى إلى السوق الفنزويلية في حال سقوط النظام القائم. وفي هذا السياق، يمكن فهم التهديد العسكري كأداة لتهيئة المناخ السياسي للانتقال القسري أو التفاوضي للسلطة بما يخدم مصالح الطاقة الأمريكية.
الموقف الفنزويلي من التهديد الأمريكي بين الحكومة والمعارضة
يسعى مادورو إلى استثمار التصعيد الأمريكي لتعزيز شرعيته الداخلية عبر خطاب "المقاومة الوطنية" واتهام واشنطن بالسعي لنهب ثروات البلاد. كما يستخدم القضية لتوحيد صفوف الجيش والأجهزة الأمنية حول فكرة "الخطر الخارجي"، وهو ما يفسر استمرار تماسك النظام رغم الانهيار الاقتصادي غير المسبوق.
ومن الجدير بالذكر، أن التهديد العسكري الأمريكي قد جاء في سياق سياسي واجتماعي مأزوم داخل فنزويلا، حيث تعاني البلاد من أزمة اقتصادية خانقة، وانقسام سياسي حاد بين الحكومة والمعارضة. ومن ثم، فإن ردود الفعل على التصعيد الأمريكي لم تكن متجانسة، بل عكست طبيعة الانقسام الداخلي وتباين الرؤى حول سبل مواجهة الضغوط الخارجية.
1-الموقف الحكومي: تعاملت حكومة مادورو مع التهديدات الأمريكية على مستويين متوازيين: الخطاب السياسي التعبوي والإجراءات الأمنية والعسكرية. فقد جاء رد مادورو حادًا منذ اللحظة الأولى، إذ وصف التهديد العسكري الأمريكي بأنه اعتداء على السيادة الوطنية وتكرار لنهج الإمبريالية الأمريكية في التدخل في شئون دول أمريكا اللاتينية. وحرصت القيادة الفنزويلية على تأطير الموقف ضمن خطاب وطني مناهض للاستعمار، مستحضرة رموز الاستقلال في التاريخ اللاتيني مثل سيمون بوليفار، لتعبئة الرأي العام الداخلي ضد "الغزو المحتمل".
كما كثّفت الحكومة اتصالاتها الدبلوماسية مع حلفائها الإقليميين والدوليين، خاصة روسيا والصين وكوبا، من أجل بناء جبهة دعم مضادة لأي تحرك عسكري أو مساعٍ لعزلها سياسيًا. وقد وصفت التهديدات الأمريكية في الخطاب الرسمي بأنها "حرب هجينة" تجمع بين الحصار الاقتصادي والحرب الإعلامية والتهديد بالقوة، ما يتطلب مقاومة وطنية شاملة.
وعلى الصعيد العملي، رفعت الحكومة حالة التأهب العسكري في القوات المسلحة، ونفذت مناورات مشتركة مع القوات الروسية في أكثر من مناسبة كرسالة ردع رمزية، وأعلنت تشكيل وحدات دفاع مدني وشعبي تحسبًا لأي تدخل خارجي.
كما استخدمت التهديد الأمريكي لتبرير مزيد من القبضة الأمنية الداخلية بهدف الحفاظ على الاستقرار الوطني، وهو ما أدى إلى تضييق المجال السياسي والإعلامي بصورة أكبر.
2- الانقسام داخل المعارضة الفنزويلية: يُعدّ الانقسام الداخلي في صفوف المعارضة أحد أبرز عوامل استمرار بقاء مادورو في السلطة. ففي حين تتبنى شخصيات مثل ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام هذا العام 2025، موقفًا متشددًا يدعو إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر، ترى شخصيات أخرى مثل المُعارِض والمرشح الرئاسي السابق هنريك كابريليس أن الحل يكمن في المفاوضات السياسية وإيجاد تسوية داخلية تضمن انتقالًا سلميًا للسلطة.
هذا الانقسام انعكس على مواقف المجتمع الدولي، إذ تجد واشنطن صعوبة في توحيد القوى المعارضة خلف رؤية واحدة، بينما يستفيد النظام الفنزويلي من هذا التشتت لتعزيز موقفه. كما أدى اختلاف المواقف إلى إضعاف مصداقية المعارضة في نظر كثير من المواطنين الذين باتوا يرون أن الصراع لم يعد يدور حول الديمقراطية بل حول المصالح السياسية لكل طرف.
مواقف الدول اللاتينية
أثار احتمال وقوع هجوم أمريكي قلق الحكومات الإقليمية وفي مقدمتها كولومبيا والبرازيل والمكسيك والأرجنتين، حيث حذر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا هذا الأسبوع من التدخل الخارجي في "قارة خالية من أسلحة الدمار الشامل"، وقال لولا الذي أرسل قوات عسكرية قوامها 10 آلاف جندي إلى الحدود الشمالية للبرازيل مع فنزويلا لإجراء تدريبات: "إن التدخل الأجنبي يمكن أن يسبب ضررًا أكبر مما يسعى إلى منعه".
كما قال سيلسو أموريم مساعد الرئيس البرازيلي، بعد نشر سفن حربية أمريكية في منطقة البحر الكاريبي، والتي تقول واشنطن إنها تستهدف فقط قوارب "نقل المخدرات": "نحن لا نستطيع أن نقبل تدخلًا خارجيًا لأنه سيثير استياء هائلًا"، وأضاف: "قد يؤدي ذلك إلى إشعال فتيل الأزمة في أمريكا الجنوبية ويؤدي إلى التطرف السياسي في القارة بأكملها".[6]
وفي حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن "الكارتلات تدير الدول"، واتهم كولومبيا بأنها "وكر للمخدرات"، وادعى أنها تنتج "الكوكايين بمستويات لم نشهدها من قبل، وهم يبيعونه مرة أخرى"، وهدد باتخاذ إجراء، قائلاً إن الولايات المتحدة "لن تتسامح مع هذا الوضع لفترة أطول. كولومبيا سيئة للغاية"، واتهم ترامب نظيره الكولومبي غوستافو بيترو بأنه "زعيم المخدرات"، وأعلن تعليق جميع المساعدات الاقتصادية للبلاد، وهو ما رد عليه الرئيس الكولومبي بقوله إن الرئيس الأمريكي "يتعرض للتضليل" من قبل مستشاريه، مشيرًا إلى أنه هو الذي كشف عن الروابط المزعومة بين تجارة المخدرات والسلطة السياسية في كولومبيا.
من جانب آخر، وصف ترامب رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم بأنها "امرأة شجاعة للغاية"، لكنه زعم أن "المكسيك تديرها عصابات المخدرات، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا من ذلك"، وهو ما دفع بدوره رئيسة المكسيك إلى انتقاد العمليات العسكرية المتزايدة التي تقوم بها واشنطن في المياه الدولية، بقولها: "هناك قوانين دولية تنظم كيفية تنفيذ العمليات في حال مواجهة عمليات نقل مزعومة للمخدرات أو الأسلحة غير المشروعة في المياه الدولية. وقد أوضحنا ذلك لحكومة الولايات المتحدة".[7]
مواقف إقليمية ودولية
تباينت ردود الفعل الإقليمية والدولية تجاه التصعيد الأمريكي ضد فنزويلا. فقد عبّر الاتحاد الأوروبي عن قلقه من الانتهاكات الحقوقية داخل فنزويلا، لكنه في الوقت نفسه لم يدعم العمل العسكري الأمريكي، مفضلاً مواصلة الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية.
وعلى الجانب الآخر، أبدت روسيا والصين معارضة صريحة لأي تدخل خارجي، واعتبرتا أن أي عمل عسكري سيقوض الاستقرار الإقليمي ويشكل انتهاكًا للقانون الدولي. لكن على عكس روسيا، تبنت الصين مقاربة أكثر براجماتية وهدوءًا في دعم فنزويلا، اعتمدت على حسابات اقتصادية ومبدئية في آن واحد. فبكين تعد أكبر دائن لفنزويلا (تجاوزت ديونها 60 مليار دولار في ذروتها)، وهي معنية بالحفاظ على استقرارها المالي والسياسي كي تضمن استرداد ديونها واستمرار التعاون في مجال الطاقة.
وترى الصين في فنزويلا مُورِّدًا مهمًا للنفط الخام ضمن استراتيجيتها لتنويع مصادر الطاقة. لذلك عارضت بشدة العقوبات الأمريكية التي تعيق استيراد النفط الفنزويلي، معتبرة إياها إجراءات "أحادية وغير شرعية". كما سعت بكين إلى تطوير آليات مالية بديلة لتجاوز النظام المالي الغربي الخاضع للولايات المتحدة، ما يجعل الأزمة الفنزويلية ساحة اختبار لسياسات "فك الارتباط المالي" التي تنتهجها الصين عالميًا.
سيناريوهات مستقبلية
يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة خلال المرحلة المقبلة، وهى:
1- القيام بعمليات محدودة: مثل استهداف منشآت عسكرية أو تنفيذ عمليات خاصة ضد شخصيات محددة، لتوجيه رسائل ردع دون التورط في حرب شاملة.
2- سيناريو قاسم سليماني: بمعنى تصفية الرئيس مادورو وبعض من القيادات الهامة في الدولة، ايذانًا بتغيير النظام والتخلص نهائيًا من النظام الشافيزي الممتدد منذ ثلاث عقود. لكن المعضلة أمام هذا السيناريو، أمران: الأول، هو تغلغل التيار الشافيزي في كافة مؤسسات الدولة بل والتيار الفكري والثقافي العام في الدولة باعتباره رمز المقاومة الوطنية، ومن ثم فإن التخلص من مادورو لن يعني التخلص من النظام. والثاني، هو عدم جاهزية المعارضة الفنزويلية، وحتى مع حصول ماتشادو على جائزة نوبل للسلام، فإن المعارضة منقسمة وضعيفة ومتهمة بالخيانة أو العمل لمصالحها الخاصة.
3- التدخل العسكري الواسع: وهو الاحتمال الأقل ترجيحًا نظرًا لكلفته السياسية والاقتصادية، لكنه يبقى مطروحًا إذا حدث تطور مفاجئ، كاستهداف مصالح أمريكية في المنطقة.
4- التفاوض تحت تهديد السلاح: وذلك عبر استخدام هذا الحشد العسكري كورقة ضغط للعودة إلى مائدة التفاوض، وإبرام صفقة تضمن منح الشركات الأمريكية إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية الوفيرة في فنزويلا.
ويعد السيناريو الأقرب إلى التحقق هو استمرار واشنطن في التهديد والتلويح بالعمل العسكري، لكنه سيظل عملًا مستمرًا ومتقطعًا ومحدودًا، يحقق عدة أهداف، وهي:
1- التأكيد على أن أمريكا اللاتينية لا زالت منطقة نفوذ أمريكية، ومن ثم قطع الطريق أمام الطموح الروسي والصيني.
2- زيادة تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في فنزويلا، مما يمثل ضغطًا طويل الأمد على النظام ويؤدي في النهاية إلى مزيد من إضعافه.
3- الحصول على امتيازات أكبر وغير مسبوقة في التفاوض حول النفط الفنزويلي.
4- العمل على تغيير النظام في المستقبل، بعد تقوية المعارضة الفنزويلية.
ختامًا، يتضح من مجمل التطورات أن الولايات المتحدة تعتمد نهجًا تصعيديًا متعدد الأبعاد تجاه فنزويلا يجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي، بهدف تغيير النظام أو على الأقل تقليص نفوذه لصالح معارضة أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية.
وفي المقابل، يحاول مادورو الصمود عبر التحالفات الخارجية واستثمار النزعة الوطنية لمواجهة التهديد، بينما يبقى الشعب الفنزويلي الضحية الأبرز لأزمة مركبة تجمع بين الحصار الاقتصادي والانقسام السياسي والانهيار الاجتماعي.
ومع استمرار التوتر وغياب تسوية واقعية، تظل فنزويلا بؤرة صراع مفتوح تعكس ليس فقط صراعًا على السلطة داخل دولة واحدة، بل مواجهة أوسع بين مشروع الهيمنة الأمريكية ومساعي قوى أخرى لإعادة التوازن في النظام الدولي. إذ أصبحت فنزويلا ساحة تنافس رمزي بين القوى الكبرى حول مفاهيم السيادة، والطاقة، والنظام الاقتصادي العالمي. كما باتت اليوم ساحة لاختبار انتهاك أمريكي جديد للقانون الدولي، والتحرك الأحادي لتقويض الدول المناوئة لها.