د. إيمان رجب

رئيس وحدة الدراسات العسكرية والأمنية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

ساهمت المناقشات التي دارت في قمة "IISS- حوار المنامة 2025" والتي عقدت في الفترة من 31 أكتوبر و2 نوفمبر 2025، في تشكل مستوى ما من التوافق بين ممثلي عدد 65 دولة حول العالم حول قضيتين رئيسيتين ستحددان شكل الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة، وهما أهمية الحوار والتفاوض كمدخل لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، ومركزية دور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بناء التوافق الإقليمي والدولي الذي يقود لتحقيق سلام مستدام في الشرق الأوسط.

وترجع أهمية مخرجات هذه القمة فيما يتعلق بحالة الشرق الأوسط خلال المرحلة الراهنة إلى عوامل عدة.  فمن ناحية، مثّلت هذه القمة منذ النسخة الأولى لها في عام 2004 وعلى امتداد العقدين الماضيين، منصة لتبادل وجهات النظر بين ممثلي الحكومات والدول المعنية بالأوضاع في الشرق الأوسط وصناع القرار حول تحديات السياسة الخارجية والأمن والدفاع في منطقة الشرق الأوسط، ونجحت من خلال الحوار والنقاش في تطوير عديد من المبادرات التي عالجت تحديات مهمة مرت بها المنطقة سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني أو إعادة بناء العراق بعد 2003 أو الإرهاب أو الأمن السيبراني أو الحرب في غزة أو سوق الغاز العالمي وغيرها.

ومن ناحية ثانية، ترتبط أهمية هذه القمة بالجهة القائمة عليها، حيث ينظمها بشكل سنوي المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS بالشراكة مع وزارة الخارجية في البحرين وبدعم من عديد من الأطراف الدولية، وتعد إحدى قمم الحوار الأربعة التي ينظمها المعهد بشكل سنوي على مستوى العالم، فإلى جانب حوار المنامة ينظم المعهد حوار شانغريلا وقمة براج للدفاع وقمة الأمن العالمي والابتكار، وكل من هذه القمم يهتم بمنطقة جغرافية محددة في العالم. وعلى مدار عمر هذا المعهد والذي يبلغ 65 عاماً، فقد أثر على القرارات الاستراتيجية للحكومات والمستثمرين الدوليين من خلال ما تولده مختلف أنشطته من معلومات وحقائق وتحليلات عميقة مهمة لصناع القرار. وقد شارك منذ أيام 700 ممثل لعدد 65 دولة حول العالم في النسخة 21 لقمة الأمن الإقليمي التي ينظمها معهد الدراسات الاستراتيجية بالشراكة مع وزارة الخارجية في البحرين.

 ومن ناحية ثالثة، يأتي انعقاد قمة 2025 بعد تعرض منطقة الشرق الأوسط لعدة تطورات غير مسبوقة وهي في جوهرها تغير مختلف المعتقدات والتصورات التي كانت سائدة لعقود حول الأمن الجماعي فيها، ومن تلك التطورات حرب  الـ"12 يوماً" بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، واتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025 الذي يضع الأساس لإنهاء الحرب الإسرائيلية في القطاع التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، وكذا الهجمات الإسرائيلية على عديد من الدول العربية مثل لبنان وسوريا وقطر.

كما تنعقد هذه القمة خلال فترة بدا فيها جلياً تنامي الارتباط والتأثير المتبادل بين الأوضاع في الشرق الأوسط والأوضاع على مستوى العالم ومن ذلك التأثير السلبي لهجمات الحوثيين على الناقلات التي تعبر  البحر الأحمر على التجارة العالمية، والعمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا وتأثيرها على الأوضاع الأمنية والاقتصادية في أوروبا والشرق الأوسط، والحرب في السودان وتأثيراتها الإقليمية والدولية.

ومن ناحية أخرى، يتزامن انعقاد هذه القمة مع قيام عديد من الدول في الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم بإعادة التفكير الاستراتيجي في كيفية تعاملها مع التحديات التي يتعرض لها الأمن والسلام في الشرق الأوسط، والبدائل الأكثر ملاءمة لتحقيق الاستقرار والسلام بما يتماشى مع حساباتها الخاصة بمصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي.

وفي هذا السياق، كانت الفكرة الحاكمة للنسخة الحادية والعشرين من هذه القمة أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة تعيد تعريف كل شيء، سواء التحديات التي يتعرض لها الأمن والاستقرار فيها، أو علاقاتها بالولايات المتحدة والقوى الدولية وكيف ستؤثر على طريقة تعاملها مع تحديات مثل تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة والمرحلة الانتقالية في سوريا وإدارة الحرب في السودان والتصدي لتهديدات الحوثيين والتهديدات التي تطرحها إيران على أمن المنطقة وغيرها.

الحوار والتفاوض هو المدخل لتحقيق الأمن المستدام في المنطقة

يكشف تحليل التاريخ الأمني لمنطقة الشرق الأوسط أن التعامل مع التحديات التي تعرض لها أمن المنطقة  كان يتم من خلال مدخل المواجهة وتبني سياسات تهدف إلى عزل واحتواء مصدر تلك التحديات، أو مدخل الانخراط مع مصدر تلك التحديات عن طريق تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية. إذ تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم التي اختبرت بعض هذه الحلول على مدار العقود الماضية، فمثلاً تبنت سياسة العزل تجاه ايران منذ ثورة 1979، وهي لا تزال بالنسبة لدول بعينها مصدر تهديد لأمنها، وكذلك الحال بالنسبة لإسرائيل التي تبنت دول المنطقة سياسات تعكس أحد هذين المدخلين.

وخلال قمة هذا العام، توافقت المناقشات بشكل ما على أهمية أن تتبنى المنطقة مدخلاً آخر يتعلق بالحوار سعياً لخلق أرضية مشتركة تؤسس لاتفاقات تحقق السلام وتعزز الأمن في المنطقة، سواء تعلق الأمر بإيران أو العراق أو اليمن، أو الجماعة الحوثية، مع ضرورة تبني إجراءات تمنع القوى الراغبة في دفع المنطقة لمزيد من الحروب وعدم الاستقرار من تحقيق أهدافها.

وأهمية هذا المدخل ترجع إلى أن الحوار والنقاش وما ينطوي عليه من إجراءات بناء ثقة وتقريب وجهات النظر يعزز الشراكات والتواصل بين الأطراف من أجل معالجة اختلاف وجهات النظر والمصالح وخلق أرضيات مشتركة، ويعيد توجيه الاهتمام والموارد لمعالجة التحديات والمخاطر المشتركة، فالحوار يقود إلى تحسين مستوى التعاون بين دول المنطقة ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات العابرة للحدود مثل تهديد أمن الملاحة وتهريب البشر وتهريب المخدرات والتغيرات المناخية وغيرها.

وقد انعكس اهتمام دول المنطقة بهذا المسار في إطار ما تقوم به من إعادة تفكير استراتيجي في كيفية تعاملها مع التحديات التي يتعرض لها أمن الشرق الأوسط، في تعدد جهود الوساطة الجماعية التي بذلتها لخفض تصعيد بعض الأزمات أو للتوصل لتسوية بخصوصها، ومن ذلك الوساطة المصرية-القطرية-الأمريكية في ملف غزة، ووساطة الترويكا الرباعية في ملف السودان والتي تضم مصر والإمارات والسعودية والولايات المتحدة.

واللافت للانتباه أن المناقشات التي دارت خلال القمة حول هذا المدخل ربطته برؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأمن في الشرق الأوسط، والتي تعتمد بشكل رئيسي على الحوار والتفاوض من أجل التوصل لاتفاقيات تنهي التوتر والأزمات بما في ذلك تلك المستمرة لسنوات طويلة، حيث يقدم الرئيس ترامب نفسه كـ"صانع للاتفاقيات" و"ملتزم بتحقيق السلام" ليس في الشرق الأوسط فقط، ولكن أيضاً في مناطق عدة في العالم.   

السلام في الشرق الأوسط برؤية "ترامبية"

كشفت سياسات الرئيس ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط عن تجدد اهتمام الولايات المتحدة بأمنها خلال المرحلة الحالية، حيث يتم تبني نهج جديد مختلف عن الإدارات السابقة، وهذا النهج "الترامبي" يقوم على تحقيق السلام والأمن بالاعتماد على الدبلوماسية من خلال الحوار والتوصل لاتفاقات سلام تحقق إنجازات لكل الاطراف وفق صيغة win-win. وتمثل هذه السياسات مساراً مختلفاً عن المسار الذي تبنته الإدارات الأمريكية السابقة سواء في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، أو الرئيس الأسبق بارك أوباما، أو الرئيس السابق جو بايدن، إذ ذهب المشاركون في القمة إلى تحمل هاتين الإدارتين مسئولية استمرار حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، حيث وفقاً لما طرحه المشاركون في المناقشات كانت تلك السياسات تدور في حلقات مفرغة من تغيير النظم الحاكمة وإعادة بناء الدول من خلال تطبيق سياسة واحدة على الجميع، وقد حدث ذلك في العراق 2003 وأفغانستان 2001 حين تم إسقاط النظامين الحاكمين فيهما ومحاولة فرض نظام حكم "ديمقراطي" لا يعكس بالضرورة الثقافات المحلية، كما تكرر خلال هاتين الإدارتين التدخل غير المدروس في الصراعات ثم الانسحاب منها على نحو خلق للولايات المتحدة مزيداً من الاعداء.

ومن الأمثلة التي ساقها المتحدثون في القمة في هذا الصدد اتفاقات إبراهام التي تهدف، وفق الرؤية الأمريكية، إلى تحقيق "سلام حقيقي" في الشرق الأوسط، والتي ستشهد المنطقة خلال الفترة المقبلة انضمام دول جديدة لها. وكذلك نجاح إدارة ترامب في فرض الهدنة بين الهند وباكستان، وإيران وإسرائيل، ورعايتها لاتفاق سلام بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، واتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان، وبين كمبوديا وتايلاند، وعملها على خفض تصعيد الصراع بين مصر وإثيوبيا بخصوص ملف السد.

وقد سلط المشاركون سواء من الولايات المتحدة أو الدول العربية أو الدول الأوروبية الضوء على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة 2025 وعلى المرحلة الانتقالية في سوريا باعتبارهما من أكثر المبادرات التي تعبر عن نجاح سياسة ترامب القائمة على الحوار وإبرام اتفاقيات السلام.

ففيما يتعلق بغزة، كان هناك توافق على أن ترامب قد نجح من خلال جهود متعددة في أن يجعل اتفاق غزة مستقراً وملزماً لكل الأطراف. ولكن لفتت المناقشات الانتباه إلى أن نجاح هذا الاتفاق لن يتحقق بدون تعاضد كافة الشركاء لتنفيذه على الأرض، وهذا يحتاج إلى دعم إقليمي ودولي لتشكيل قوات شرطة فلسطينية تكون مسئولة عن الأمن في غزة والضفة، وتدعمها قوات الاستقرار الدولية International Stabilization Force، مع أهمية أن يكون هناك قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خاص بهذه القوات، وأن ينص على آلية عدم تعارض عمل الشرطة الفلسطينية وقوات الأمن الإسرائيلية خاصة في ظل سيطرة إسرائيل حالياً على نصف القطاع وتعبيرها عن نواياها الخاصة بالاستمرار داخله خلال الفترة المقبلة.

وكذلك نبهت المناقشات إلى أهمية تأمين وصول المساعدات الإنسانية من أجل معالجة الأوضاع الإنسانية الصعبة في القطاع، مع ضرورة عدم تسييس هذه المساعدات.

وفيما يتعلق بالمرحلة الانتقالية في سوريا، ذهبت المناقشات إلى أنها نموذج على نجاح سياسة إدارة ترامب الخاصة بتسوية الصراعات المسلحة التي استمرت في المنطقة لسنوات دون تسوية، مع تأكيدها على ضرورة أن تدعم مختلف الدول الحكومة الجديدة في سوريا وإلا ستنزلق دمشق نحو الفوضى التي سيعاني الجميع منها. ويظل التحدي الرئيسي هنا هو التدخلات الإسرائيلية في سوريا، حيث ذهب المشاركون إلى أن هذه التدخلات قد تحول دون نجاح الحكومة الحالية في إعادة بناء سوريا بعد 14 سنة من الحرب والصراع المسلح.

والملاحظ أن المناقشات خلال القمة سلطت الضوء على أن نجاح سياسات ترامب تجاه غزة وسوريا يرجع بشكل رئيسي إلى توحد الجهود الدولية بشكل غير مسبوق وراء إدارة ترامب باعتبارها من يستطيع أن يحقق السلام في هاتين الحالتين.