محمود أحمد عبد العزيز

مدرس مساعد العلوم السياسية- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة

 

- نُشرت هذه الدراسة أيضا بفصلية أحوال مصرية، العدد 96، بتاريخ 1 أكتوبر 2025.

يُعد الفن إحدى أدوات الاستدلال على نشأة وتطور الحضارة، وليس أكثر من الموسيقى بتنوعاتها دليلًا على ذلك، فهي بمثابة ذاكرة صوتية صادقة تحفظ قيم وتقاليد الاجتماع الإنساني، وحين تمتزج مع الكلام تصبح أغنية، وحين يُصبح موضوعها الوطن، تكون الأغنية الوطنية، فتستحيل إلى ذاكرة تحفظ قيم وتقاليد الاجتماع الوطني، وتُشكل وجدان أبنائه، وتُلهب حماستهم، وتعبر عن آمالهم، وإحباطاتهم.

على ذلك، تتناول هذه الورقة دور الأغنية الوطنية المصرية في تهيئة وجدان الأمة المصرية وتشكيل هويتها منذ نشأة الدولة الحديثة، وذلك في عدد من العناصر الأساسية، وهي الإطار المنهجي الذي استندت إليه الدراسة في فهم وتحليل الأغنية الوطنية المصرية، والذي استلزم تاليًا العودة إلى تتبع جذور وروافد المدرسة الموسيقية المصرية الحديثة، ثم تطور الأغنية الوطنية عبر مراحل زمنية مختلفة بدءًا من عصر الثورة الوطنية في 1919 مرورًا بالحقبة شبه الليبرالية، ووصولًا إلى الحقبة الجمهورية بانتصاراتها وهزائمها، بمآثرها ومثالبها، والتي انعكست جميعها على تكوين شخصية الأغنية الوطنية المصرية على النحو الذي نعرفه عليها اليوم. الموسيقي عمومًا هي أداة تعبير الإنسان عن وجدانه بـ "أنغام أفصح من النطق، وأبلغ من البيان، وأقرب منهما تناولًا إلى الأذهان"[1].

أولًا: طبقات الأغنية الوطنية ومنهج التناول

تتعامل الورقة مع الأغنية الوطنية باعتبارها "تجربة جمالية"، ومُنتجًا اجتماعيًّا-سياسيًّا في آن واحد، التجربة الجمالية تنهض على ثلاثة عناصر أو مكونات هي: المادة (اللفظ أو الصوت أو الحركة أو النغمات) والموضوع (حقيقة أو واقعة أو ظاهرة) والتعبير (المعنى حيث إن العمل الفني الأصيل أو المتكامل هو الذي ينطوي على غزارة للمعنى تمنح الواقع بُعدًا إنسانيًّا)[2] .وعلى هذا النحو فإن هذه الورقة لا تنصرف بالتأكيد إلى العنصر الأول باعتباره خارج نطاق الاهتمام وإن لامسته أو اقتربت منه في بعض الأحيان، لكنها بالتأكيد تُركز على العنصرين الثاني والثالث، أي موضوع العمل والمعنى الذي يبعثه.

لهذا، فإننا لا نقدم شكلًا من أشكال النقد الفني الذي ينصرف إلى قسمين: التقدير، والنقد الحُكمي، فيُركز الأول على تقدير جودة العمل الفني من عدمه، ما إذا كان جيدًا أو سيئًا، وينطلق الثاني إلى معرفة أسباب تحقق حكم القيمة[3]. لكننا هنا نقدم تحليلًا يقع بين دائرتين، الدائرة الأولى، هي علم الاجتماع السياسي الذي يهتم بتحليل الظاهرة السياسية في إطارها الاجتماعي، باعتبار الأغنية الوطنية ظاهرة أساسية في حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، شكلت وجدان الأمة المصرية وارتفعت إلى آفاقها، واستجابت إلى تطلعاتها.

والدائرة الثانية، هي علم الجمال الاجتماعي (الأستطيقا الاجتماعية) حيث الفن نشاط اجتماعي سواء في نشأته لأن التأثر أو الانفعال الجمالي يهدف إلى مزج الحياة الفردية بالحياة الشاملة الكلية، أو في غايته لأنه كالأخلاق ينزع الفرد من حدود فرديته إلى التأليف بينه وبين غيره من الأفراد، أو في ماهيته لأنه وسيلة تتحقق من خلالها المشاركة الوجدانية والعاطفية بين الأفراد[4]، وقد يصل الأمر ببعض رواد هذا الاتجاه إلى حد تحديد قيمة العمل الفني بمقدار ما يضيف من قيمة اجتماعية "فكل ما من شأنه أن يجمع الناس ويُوحد بينهم لابد أن يكون جميلًا، وكل ما من شأنه أن يُضعف الرابطة الاجتماعية بينهم لابد أن يكون قبيحًا[5]".وإن كان التعاطي مع هذا الرأي الأخير يجدُر أن يكون بقدر من التحفظ، فالذائقة الفردية يبقى لها كينونتها وأهميتها، لأن القيمة الجمالية قد لا تكون اجتماعية بالضرورة.

ظل نشيد الثورة "لامارييز" منذ 1789 هو رمز وشعار الدولة منذ نشأة الجمهورية وحتى الآن.

من الناحية الفنية، يُمكن تعريف الأغنية الوطنية على أنها "المظهر المعبر عن آلام وآمال الجماهير، في صياغات لحنية عذبة، تهدف إلى تعميق الانتماء والإحساس الوطني، لدى المجتمع[6]، أو بأنها "كتلة عاطفية، من المشاعر النبيلة التي يبثها الفرد في الوطن بكل أبعاده"[7].

على أن هذا التعريف لا يكفي لفهم طبيعة ووظيفة الأغنية الوطنية، ومن ثم يجب أن يشتبك مع عدد من العوامل الأساسية، التي تتشكل حولها ما نسميه بطبقات الأغنية الوطنية المصرية وذلك على النحو التالي:

1- التقاطع بين الأغنية الوطنية والأغنية السياسية: فمن حيث المبدأ فإن الموسيقى على حد تعبير الشاعر الألماني الكبير "جوته" ليست سياسية بطبيعتها[8]، وبالتالي فما يعطيها مدلولها السياسي هو موضوعها الذي تتناوله، فليس للموسيقى سواء كانت سريعة الإيقاع أو بطيئة أن تُحرك مشاعرنا أو تثير انفعالاتنا إلا إذا كان لها مدلولًا حضاريًّا بالنسبة لمن يستمع لها.[9] ورغم أن الأغنية الوطنية ذات طابع سياسي بكل تأكيد، إلا أن هذا ليس هو مضمونها الوحيد، في مقابل أغنية أخرى كُتبت لغرض سياسي مُحدد وضيق المعنى سواء للمدح والتأييد أو القدح والتعريض، وهذا النوع هو إحدى طبقات الأغنية الوطنية المصرية/ العربية في تاريخنا السياسي والاجتماعي. وبالتالي يُمكن القول بأن الأغنية الوطنية هي أغنية سياسية بطبيعتها، لكن الأغنية السياسية ليست وطنية بالضرورة، على أن يكون ذلك معيارًا موضوعيًّا وليس حُكمًا أو تقييمًا أخلاقيًّا.

2- جدل التوظيف المزدوج للأغنية الوطنية: اتصالًا بما سبق فإن الأغنية الوطنية والسياسية تقع في كثير من الأحيان عُرضة لغرض التوظيف السياسي، فالفنون بأنواعها هي من حيث المبدأ إحدى أدوات عملية التنشئة السياسية للمواطنين في كل الدول، لكن ثمة منطقة رمادية بين عملية التنشئة السياسية وعملية التعبئة السياسية، والحشد، والحشد المُضاد. وهذه المنطقة الرمادية تقع بين ما ذكره الموسيقي الألماني "روبرت شومان" من أن "خطط الثورة يُمكن أن تُكتب بين أسطر سيمفونية دون أن تنتبه لها الشرطة"[10]، وما ذكره "لويس ألتوسير" بشأن وجود نوعين لأجهزة الدولة، الأول هي الأجهزة المادية التي تسعى للسيطرة من خلال احتكار العنف، والأخرى هي الأجهزة الأيديولوجية التي تسعى لتثبت هيمنة الطبقة الحاكمة من خلال المنتجات الثقافية كالفن والرياضة ووسائل الترفيه[11].

3- القدرة التجميعية للأغنية الوطنية: فقد شاع قديمًا التفريق بين نوعين من الموسيقى؛ هما الموسيقي العامة/ الشعبية، والموسيقى الخاصة، حيث تتسم الأولى بالخفة وتُقدم لعموم الجمهور، فيما تتطلب الثانية قدرًا من الثقافة الموسيقية لفهمها واستيعابها وقد يُبني هذا التقسيم على أساس التمييز الطبقي، أو التمييز الثقافي[12]، وقد نجحت فكرة القومية الحديثة كما تبلورت وتطورت خلال القرن التاسع عشر بجانب مجموعة من العوامل الأخرى (انتشار الممارسة الديمقراطية - الحركة الرومانتيكية - إحياء التراث الشعبي في الموسيقي) في إعادة الاعتبار إلى الموسيقى الشعبية وتحجيم تلك النظرة الأرستقراطية الضيقة إلى الموسيقى[13]. وبالتالي تجاوزت الأغنية الوطنية إلى حد كبير هذه المُعضلة، فهي بطبيعة الحال تُقدم لكل المواطنين وتناسب مختلف الأذواق، ليس لقوة بنائها اللحني والنظمي، ولكن لطبيعة موضوعها، أي الوطن؛ محل الإجماع ومناط الاتفاق، كما تمتلك القدرة على مقاومة الزمن حيث لا تتغير بتغير النظم السياسية، حتى لو تراجع الاهتمام بها أو جرى تناسيها، إلا أنها تبقى في الذاكرة الموسيقية الوطنية قابلة للاسترجاع في أي وقت. فإذا كانت القومية الحديثة قد أعادت الاعتبار لفكرة الأمة، فإن الأغنية الوطنية أعادت الاعتبار لروحها ووجدانها.

4- الأغنية الوطنية بين المصرية والعربية: جرت العادة في كثير من الأحيان على اعتبار أن الأغنية العربية هي الأغنية المصرية مثلما أن الفيلم العربي هو ذاته الفيلم المصري، والعكس صحيح، وبالنظر إلى بروز وغلبة الاتجاه القومي العربي خلال مرحلة الازدهار الذهبي للأغنية المصرية والفن المصري عمومًا فقد ترسخت هذه الصورة باعتبار أن الفن المصري هو ذاته الفن العربي. وبالتالي احتلت القضايا القومية وفي القلب منها قضية الوحدة والقضية الفلسطينية مركز الأغنية الوطنية في مراحل زمنية مختلفة، صعودًا وهبوطًا دون أن تختفي، كما امتد هذا البعد إلى المطربين الذين غنوا الأغنية الوطنية المصرية فكان منهم المصريون مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ومحمد فوزي وشادية، وكثير منهم كانوا عربًا مثل وردة وفايزة أحمد، وعُليا التونسية، ونجاح سلام، وصباح، وفيروز، وفريد الأطرش، ووديع الصافي...إلخ.

ثانيًا: نشأة وتطور المدرسة الموسيقية المصرية الحديثة

تسير محاولة فهم وتتبع الأغنية الوطنية المصرية في خطين متوازيين، الأول هو ارتباطها بنشأة القومية المصرية الحديثة وتبلورها على مدى أكثر من قرنين من الزمن أي منذ تأسيس الدولة الحديثة في بداية القرن التاسع عشر، والثاني هو نشأة المدرسة الموسيقية المصرية كمدرسة وطنية مُستقلة، لها روافدها المحلية والعالمية، وبالتالي فإن فهم كيفية وصول الأغنية الوطنية المصرية إلى شكلها الذي اعتدنا عليه اليوم في القرن الحادي والعشرين، يتطلب بالأساس البحث في جذور نشأة هذه المدرسة وتتبع روافدها وتقاليدها.

كانت الموسيقى المصرية في مرحلة الحكم العثماني المملوكي قد شهدت تراجعًا كبيرًا يعود إلى انحطاط اللغة المُستخدمة في الشعر وتراجع مستوى الموسيقيين وسوء أدائهم للمقامات الموسيقية وتداخلها[14]. ومن بين كلمات الأغاني/ الأدوار التي تعكس هذا الانحدار خلال المرحلة الأخيرة من حكم المماليك والتي عاصرت الحملة الفرنسية على مصر[15]:

يا لابسين الشيشيكلي  ومحزمين بالكشميري

حبيت جميل بنهود رمان مثل الجميل ما رأت عيني

يا بيض ويا لون الياسمين ياللى على الصب لاحظ

وحياة عيونك والوجنات  أنا أسير اللواحظ

وقد عُرف هذا اللون من الغناء في مرحلة النهضة والإحياء الأدبي والفني في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بـ "الهنك والرنك"، ولا شك أن تخلص الموسيقى المصرية تدريجيًّا منه كان أحد عوامل ترسيخ مكانة الأغنية المصرية الحديثة ذات الكلمات الرصينة والبناء الموسيقي السليم، ثم أتي ذلك بدوره على الأغنية الوطنية التي بدأت في الازدهار خلال هذه المرحلة من النهضة الوطنية.

ومع نشأة الدولة الحديثة، أسس محمد على باشا، مدرسة الأصوات والطبول سنة 1824، ومدرسة للعزف بالنخيلة سنة 1829، وأخرى للآلاتية سنة 1834 [16]. واشتهر في عهده عدد من المطربين مثل محمد أفندي المقدم، وساكنة المغنية التي أنعم عليها الباشا بنيشان، ومن الملحنين، محمد أفندي القباني، ومصطفي العقاد القانوني، والشيخ محمد الشبشيري الذي أشتهر بطنطا، وأحمد أفندي الياسرجي الذي أشتهر بالإسكندرية، والشيخ محمد الشلشلموني[17].

وفي عصر الخديو إسماعيل باشا، تم إنشاء دار الأوبرا المصرية سنة 1869 والتي تكلف بناؤها مبلغ 160 ألف جنيه، حيث عُرض عليها أول أوبرا مصرية "عايدة المصرية" للموسيقار الإيطالي " جوزيبي فيردي" سنة 1872 [18]. وفي عهد إسماعيل أيضًا عزفت الآلات الموسيقية أول سلام وطني مصري من تلحين "فيردي" لأول مرة خلال افتتاح قناة السويس[19].

نــــســر مــصـر ارتــفــع         واعـــلُ طـــول الـــزمــــن

شـعـب مـصـر اجتمع          حـــول جــيــش الـوطــن

كـــــــــــلــــنا كــــــــــلــــنا  حـــــــارس لـــلــــحــــمـــى

كـــــــــــلــــنا كــــــــــلــــنا  بـــــــــــــاذل لــــلـــــدمــــى

لـلأمـام يا حماة العلم         للأمام واصعدوا للقمم

شــعــب هـذا الـوطـن  لــــلــــعـــــــلا جــــــنــــــدوا

شــعــب هـذا الـوطـن  كـــــــلــــــهــــــم ســـــيــــــدُ

ثم جاء دور الجيل الثاني من الفنانين المصريين، فكان من أبرزهم محمد أفندي الخضراوي، والشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب، والشيخ محمد المغربي الذي اشتهر بأداء وتلحين طرق المولد النبوي الشريف، والتي ابتكرها أستاذه الشيخ حسن الآلاتي، ووصل هذا الزمن ذروته مع جيل العمالقة؛ الفنانة المصرية "ألمظ"، والأستاذ عبده الحامولي، وأستاذ قالب الدور "محمد عثمان". وقد وصلت شهرة الحامولي إلى عاصمة الدولة العثمانية حيث استدعاه السلطان عبد الحميد للاستماع إليه، ويُنسب للحامولي الفضل في إدخال بعض المقامات غير المعروفة وقتها في مصر مثل مقام "الحجاز كار" الذي لحن عليه أدوارًا مثل "كمليك الحُسن في دولة جماله"، و"كنت فين والحب فين"، كما بدأ في تلحين القصائد مثل قصيدة أبي فراس الحمداني "أراك عصي الدمع"[20]، التي غنتها أم كلثوم فيما بعد من ألحان عبده الحامولي في بداية مشوارها، ثم بألحان رياض السنباطي، وهي النسخة التي نعرفها إلى اليوم. وقد نجح الأستاذ عبده الحامولي في تطبيع آذان المصريين بالألحان التركية التي لم يكونوا يطربون لها، وفي تطبيع النخبة التركية على الغناء المصري، ولذا سماه البعض بـ "معدل المزاجين بين الأمتين"[21]. كما اشتهر في ذلك العصر إلى مطلع القرن العشرين الشيخ يوسف المنيلاوي، ومحمد حلمي، ومحمد السبع، ثم عبد اللطيف البنا، وصالح عبد الحي[22].

ويُشار إلى أن جيل الحامولي ومحمد عثمان، قد باشر مُهمة تمصير الموسيقى من خلال تنحية القوالب الموسيقية التركية والجركسية والمملوكية، مثل قالب البشرف واللونجا التركيين، بالإضافة إلى استبعاد آلات موسيقية تركية مثل القانون الصغير، وآلة البزق (آلة تشبه العود)[23]. وفي هذا الإطار جرى إحياء الفلكلور الغنائي الشعبي والاستعانة به والاستفادة من طريقة أدائه الموسيقي، كما ظهر قالب "الدور" الذي نُظر إليه كعلامة على استقلال المدرسة الموسيقية المصرية[24].

مهدت هذه التطورات، لبروز عمالقة من أمثال الموسيقي الكبير ابن كوم الشقافة بالإسكندرية "محمد كامل الخلعي" الذي لحَن بعض الأوبريتات مثل "كارمن، والسلطان قلاوون، وكليوباترا"[25]. وابن مدينته العملاق المصري الشيخ سيد درويش، الذي ابتدع المسرح الغنائي، وقالب الطقطوقة، وكذا الأناشيد الجماعية مثل نشيد بلادي بلادي، كما كان "درويش" أول من استخدم الأوركسترا الغربية في فرقته محل التخت الشرقي، وبالتالي بدأت معه ثنائية المدرسة الشرقية والمدرسة الغربية في الموسيقي المصرية، ليأتي من بعده جيل مُجدد على رأسه الموسيقار محمد القصبجي ثم الموسيقار محمد عبد الوهاب، والموسيقار رياض السنباطي، والذين استكملوا ما بدأه جيل الرواد، وتشكلت معهم الملامح الأساسية التي نعرفها إلى اليوم عن الأغنية المصرية[26]، خاصة طابع الرتم السريع، والجمع بين الآلات الموسيقية الشرقية والغربية، وبروز النجم الغنائي الأوحد التي جسدت أم كلثوم نموذجه الفريد، فضلًا عن طابع اللحن مُتعدد الكوبليهات[27].

وليس أدل أو أبلغ في التعبير عن روافد المدرسة الموسيقية المصرية الحديثة المتصلة بالتمصير، وإحياء الفلكلور الشعبي، والدمج بين الموسيقى الغربية والموسيقى العربية، والتخلص من الغناء الهابط. سوى النصيحة الواعية التي وجهها الموسيقار "محمد كامل الخلعي" في كتابه "الموسيقي الشرقية" لمن يريد إتقان فن التلحين، وهي[28]: حفظ مئات الألحان من الموشحات العربية والبستات التركية والبيشروات والأدوار والطرق من مختلف المقامات، وفهم علم التصوير/ المقامات بحيث يتمكن من فهم كيفية الانتقال من مقام إلى آخر بسهولة ويُسر، الاطلاع على التلحين الغربي أو الأجنبي، وفهم الأوزان الموسيقية والحركات البطيئة والسريعة، وأخيرًا أن يكون له موهبة التلحين حتى يلقى قبول المستمعين.

تبقى الإشارة إلى رافدين مُغذيين للمدرسة الموسيقية المصرية، وهما، ميراث الشعر العربي القديم خاصة في مرحلة صدر الإسلام وعصر الدولة الأموية،[29]، والذي أحياه شعراء عظام من أمثال محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وصولًا إلى إبراهيم ناجي وغيرهم من فطاحل شعراء الفصحى الذين غنى لهم كبار المطربين المصريين والعرب، ولا شك أن التحولات في اتجاهات الشعر العربي من الفصحى إلى الشعر الحر، وشعر العامية، وصولًا إلى شعر النثر والحلمنتيشي* كان لها دور مباشر في التحول الذي طرأ على شكل الأغنية المصرية وبالتالي على الأغنية الوطنية.

أما الرافد الأخير، فهو التقاطعات بين مدرسة التلاوة القرآنية المصرية، والمدرسة الموسيقية المصرية الحديثة، من جهة الاشتراك في طريقة الإلقاء، وتقاليد الجمهور في الاستماع، وكذا في النشأة المشتركة لعدد من الفنانين والشيوخ خاصة من جهة الفهم الدقيق لعلم المقامات، وبالتالي فلا ريب أن انتعاش الموسيقى والأغنية المصرية يوازيه ازدهار في مدرسة التلاوة المصرية، والعكس صحيح!.

ثالثًا: محطات الأغنية الوطنية المصرية

بناءً على ما سبق، يُمكننا تحري وتتبع محطات الأغنية الوطنية المصرية عبر حقبتين زمنيتين، الأولى المرحلة الملكية وتبلور مشروع الاستقلال الوطني، والثانية المرحلة الجمهورية بعد ثورة يوليو 1952.

1- ثورة 1919: ثورة سياسية وثورة فنية

يُمكن القول إن أحداث الثورة الوطنية في مارس 1919 لم تكن ثورة سياسية تُطالب بالاستقلال وفقط، وإنما كانت محطة تبلور فيها مشروع مصر المستقلة الحديثة، حيث ارتفع المصريون بمصريتهم فوق كل الانتماءات الأولية الأخرى فتجسدت مبادئ مصر للمصريين ووحدة الهلال والصليب والاستقلال السياسي والاقتصادي، وبدورها أدت الثورة السياسية والاجتماعية إلى ثورة مُشابهة في أسلوب التعبير الفني[30]. وقد كان فنان الشعب "سيد درويش" كما بات يُطلق عليه، هو نجم هذه المرحلة بلا منازع، بل إن هناك من يرى أن ثورة 1919 قد أخرجت زعامتين، الأولى زعامة سعد باشا زغلول السياسية، والأخرى زعامة سيد درويش الفنية.

عبر "درويش" عن كل أحلام وقيم هذه المرحلة من عمر الوطن، فأنشد بالعربية الفصحى من أشعار أحمد شوقي "بني مصر مكانكم تهيأ" لتؤكد على اتصال شخصية مصر الحاضرة بالحضارة المصرية القديمة (لنا الهرم الذي صحب الزمانَ)، وكذا على الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين (جعلنا مصر ملة ذى الجلال، وألفنا الصليب على الهلال).

كما ألهب درويش مشاعر المصريين القومية بما يُمكن أن نعتبره مجموعة من الأغنيات التأسيسية للهوية الوطنية مؤكدًا على قيمة عشق الوطن حد العبادة، وعلى التضحية في سبيله بالغالي والنفيس، مثل:

(فليعش وطننا وحدته أملنا كلنا جميعا للوطن ضحية…نجمع صليبنا ويا هلالنا في حبك أنت يا حرية عزك حياتنا ذلك مماتنا يا مصر بعدك مالناش سعادة…لولا انتباهنا لوجود إلهنا كنا يا مصرنا نعبدك عبادة… ربك معاكي يحرسك بلادي يا مصرنا وروحنا فداكي) وهي ذات المعاني التي أكد عليها في الأغنية الشهيرة (قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك، خد بنصري نصري دين واجب عليك… إيه نصارى ومسلمين قال إيه ويهود.. ده العبارة نسل واحد من الجدود).

لم تكتف أغاني "سيد درويش" في هذه المرحلة بمخاطبة القضية الوطنية المتصلة بالاستقلال وفقط، وإنما خاطبت قضايا المصريين الاجتماعية، وعلى رأسها قضية تحرير المرأة التي شغلت المصريين في مطلع القرن العشرين، حيث أخذ "درويش" على عاتقه الدفاع عن المرأة المصرية وتأكيد مكانتها مقارنة بنظيرتها الأجنبية/ الأفرنجية، حيث انتقدت أغانية التصور التقليدي عن المرأة في مجتمع ذاك الزمن، ففي أغنية "بنات مصر" يُنشد سيد درويش بالعامية المصرية:

(ده بأف مين إللي يألس…على بنت مصر بأنهي وش…والنبي يجرى يتليس…ماطلع كلامه طظ! فش!... باردون يا فندى بالذمة إيه بس عيب المصرية. الدنيا ضاقت بيك لما. ماتاخدش غير الأفرنجية…افهم… واعقل…يا أهبااال…خليها دي حلقة في ودنك…من قبل ما تقرى الفاتحة…أول كلام تقوليه لابنك…وطنك مافيش زيه دحه…م النيل إمبوه… حبووووه).

كما غنى "سيد درويش" عددًا من أغاني الفلكلور المصري الأصيلة، والباقية إلى اليوم، مثل أغاني الطوائف (السقايين- البوابين- التحفجية- السفرجية- المراكبية- الموظفين- العربجية)، وأغاني مثل سالمة يا سلامة، ويا عزيز عيني لمواجهة سلطة الاحتلال، أو أغاني المقاومة في تحية الزعيم الوطني سعد زغلول (يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح) والتي كانت حيلة في مواجهة قمع الاحتلال الإنجليزي لأي مظاهر شعبية داعمة للزعامات المصرية المطالبة بالاستقلال الوطني.

غيب الموت سيد درويش مُبكرًا في سبتمبر 1923 بينما كان يُجهز لاستقبال سعد زغلول عائدًا من منفاه، والذي ما لبث أن رحل بعد ذلك بأربع سنوات، شهدت صعود جيل فني جديد على رأسه الموسيقار محمد عبد الوهاب، والسيدة أم كلثوم، والتي نعت الزعيم الوطني في مرثية خالدة بعنوان "إن يغب عن مصر سعد" جاء فيها:

إن يغب عن مصر سعد فهو بالذكرى مقيم

ينضب الماء ويبقى بعده النبت الكريم

خلدوه في الأماني واذكروه في الولاء…

مجدوه في الأغاني خلدوه في الأماني

ولتعش ذكرى الزعيم

2- مصر في عهد الملكية الدستورية

مع إعلان الملكية النيابية في الخامس عشر من مارس 1922، دخلت مصر ما يُعرف بالمرحلة الليبرالية أو الدستورية، وبطبيعة هذه المرحلة لم يكن لشخص واحد أن يملًا المشهد السياسي بل كانت هناك زعامات سياسية مختلفة حتى وإن كان حزب الوفد هو صاحب الأغلبية، وزعيمه مصطفي النحاس باشا هو الزعيم الوطني الأول، لكنه ليس الوحيد. على هذا، فقد ركزت الأغنية الوطنية في هذه المرحلة على ما يلي:

أ- التركيز على الغناء لـ "مصر" الوطن دون غيره

 بكل ما يحمله ذلك من معاني الفخر الوطني والاستعداد للتضحية والفداء خاصة فيما يتعلق بقضية الجلاء والاستقلال التام. حيث غنى "محمد عبد الوهاب" الأغنية الشهيرة "حب الوطن فرض عليا" سنة 1933، وفي 1935 غنى أنشودة تحية العلم والتي جاء فيها (أيها الخفاق في مسرى الهوى نحن من حولك راع وأمين… أنت عنوان المجد عنوان الولاء دمت في الآفاق وضاح الجبين). كما كانت قضية "وحدة وادي النيل" حاضرة في الأغنية الوطنية فأنشد "عبد الوهاب" أغنية السودان، كما غنت أم كلثوم نشيد الجامعة سنة 1937، وهي أنشودة في الحث على الأمل والعمل والبناء للمستقبل الزاهر.

يا شباب النيل يا عماد الجيل

هذه مصر تناديكم فلبوا…

مصر ترجو عزها في نصركم

فانصروها بالعلوم والفنون

واكتبوا في صفحة الدهر لها

آية المجد وذكرى الخالدين

مجدنا في الصناعة والزراعة

فاعملوا والله يهدي العاملين

عزنا في التجارة والعمارة

فاجمعوا الشمل على صدق اليقين

نصرنا في العبادة والرسالة

لانتصار الحق بين العالمين

ب- طبيعة الغناء للأسرة الملكية

يُشبه تصور الأغنية الوطنية السياسية خلال هذه المرحلة في التعامل مع الأسرة الحاكمة وملوكها، تصور العلاقة بين فريدريك الناخب ملك بروسيا (وهو أول من أُطلق عليه المستبد المستنير) مع الفلاسفة والفنانين في عهده، أو لودفيج الثاني ملك بافاريا في علاقته بفاجنر. وتُمثل أغنية "الفن" لمحمد عبدالوهاب، تجسيدًا لهذه العلاقة، حيث تناولت دور الملك فاروق في استعادة كرامة الفنان المصري بعد أن كان المجتمع ينظر إليه نظرة دونية من قبل.

الفن مين يوصفه إلا إللى عاش في حماه

والفن مين يعرفه إلا إللي هام في سماه

والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه

والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه

أنت إللى أكرمت الفنان ورعيت فنه

رديت له عزه بعد ما كان محروم منه

ورويت فؤاده بالألحان برضاك عنه

ورغم أن السيدة أم كلثوم غنت للأسرة العلوية وأفرادها وعلى رأسها الملك فاروق في مناسبات مختلفة (نحو 9 أغنيات) وحصلت في إحداها على وسام الكمال سنة 1946، إلا أن لقب مُطرب الملوك قد التصق بالموسيقار مُحمد عبد الوهاب.

ويأتي في إطار هذا اللون من الغناء، نشيد "الأسرة العلوية"، الذي غنته أسمهان في فيلم "غرام وانتقام" سنة 1944 لتحية ذكرى مؤسس مصر الحديثة محمد على باشا وامتداده الخديو إسماعيل باشا، وحفيده الملك فاروق الأول (أنا بنتُ النيل أختُ الهرم...قد صَحِبتُ الدهرَ منذ القدم…منهلي عطفٌ وأرضي جنةٌ تتناهى في ظلال النعم…مواكب العزّ مرت عليّ عبر السنين…فكان أنضرَ عصرٍ ملأتُ منه عيوني…عصر زها وتباهى بالأسرة العلوية…المجد فيه تناهى إلى أبي المدنية…حيّوا معي ذكرى الزعيم الأول…حيّوا معي ذكرى محمد عـــلي).

فيما غنى المطرب الشعبي محمد عوض العربي موال "تحية جلالة الملك فاروق" بمناسبة صعوده إلى العرش، حيث وصف فيه الملك بـ "السبع ابن الأسد على الوطن حارس"، كما حيا فيه شقيقات الملك بأسمائهن. وغنى العربي كذلك موال "ملك البلاد يا زين" بمناسبة زواج الملك الأول. وقد ذكر هذا الموال فكرة تحدث الملك في الراديو واستماع المواطنين إلى صوته، وهو أمر لم يكن معهودًا من قبل أن يستمع المصريون إلى من يحكمهم! (في الراديو سمعنا لُغاه يتكلم زين ما أحلاه محروس بعناية الله).

وغنى عبد الوهاب للملك فاروق "هل السلام في مواعيدك" سنة 1945، وذلك بمناسبة عيد جلوس الملك والذي واكب الإعلان عن انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أشادت الأغنية بدوره في إحلال السلام على مصر بينما العالم كله يعيش في حروب (انكوت في الحــــــرب أرواح الشعوب…والأماني الحلوة مالت للغـروب…وأنت يا جالس على عرش القـلوب…صنت جنة مصـر من نار الحروب…هل السلام في مواعيدك زاهر وجميل).

كما غنت أم كلثوم في عيد الجلوس الملكي سنة 1946 (أيقظي يا طير نعسان الورود…تنهل الآفاق من خمر الندى…وترى في بسمة الفجر الجميل…موكبا باليمن والسعد بدا…أشرقت آمال مصر في سناه… ومشت للمجد في نور اليقين…حقق الفاروق للنيل مناه…في ظلال اليمن والعز المجيد… وبنى للشعب أسباب الحياة…ورعى الآمال فياض اليمين).

ج- بروز القضية العربية في مرحلة متأخرة من الحكم الملكي

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأ الحديث عن ضرورة وجود رابطة عربية يُمكنها الاستجابة للتحديات التي استجدت على الشرق في ذلك الوقت، خاصة وضع ومستقبل قضية فلسطين. وعلى هذا الأساس تأسست الجامعة العربية سنة 1945، وهي المناسبة التي خلدتها أم كلثوم بأغنية "زهر الربيع" حيث أكدت فيها صلة مصر بالعروبة، ودور مصر الرائد في تجميع قوة العرب، ودور الملك فاروق في إعلان تأسيس هذه الجامعة.

زهر الربيع يرى أم سادة نجب … وروضة أينعت أم حفلة عجب

تجمع الشرق فيها فهو مؤتلف … كالعقد يلمع فيه الدر والذهب

كفاه أن يد الفاروق تنظمه… وأنه أمل للشــــرق مرتقب

بني العروبة هذا القصر كعبتنا … وليس فيه من الحجاج مغترب

عجبت للنيل يطفي كل ذي لهب … يكاد من نفحات الشوق يلتهب

حياكم وهو جذلان وقال لكم … إن العروبة فيما بيننا نسب

هذي يدي عن بني مصر تصافحكم… فصافحوها تصافح نفسها العرب

وعندما أعلنت الدول العربية الحرب على العصابات الصهيونية في فلسطين تتابعت الأغاني الوطنية التي تناولت هذه القضية، فغنى عبد الوهاب قصيدة "فلسطين" سنة 1948.

أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا

أنتركهم يغصبون العروبة مجد الأبوة والسؤددا

فلسطين يفدي حماك الشباب وجن الفدائي والمقتدى

فلسطين تحميك منَا الصدور فإما الحياةُ وإما الردى

3- الحقبة الجمهورية: العصر الذهبي للأغنية الوطنية

أدى قيام ثورة يوليو 1952 إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ الأغنية الوطنية المصرية، فكأنها وُلدت من جديد مستفيدة من حالة الزخم الثوري والقومي بفعل الثورة، التي قامت بإلغاء النشيد الوطني المصري "اسلمي يا مصر" إلى "نشيد الحرية" للموسيقار "محمد عبد الوهاب" والذي استمر كذلك إلى سنة 1960. وخلال المرحلة الأولى من عهد الثورة، وفي ظل حكم الرئيس محمد نجيب، جرى التعامل مع نشيد "على الله القوي الاعتماد بالنظام والعمل والاتحاد" الذي غنته "ليلى مراد" باعتباره نشيد الثورة الرسمي، وقد كان النظام والعمل والاتحاد هو شعار الجمهورية الوليدة، والذي تبناه الرئيس محمد نجيب. ويُلاحظ في هذا النشيد الذي لحنه الموسيقار "منير مُراد" تشابهًا في لحن المطلع (المارش العسكري الحماسي) مع النشيد الوطني الألماني في عهد النازية الشهير "هورست فيسل ليد/ ارتفع العلم".

ومع تولي الرئيس جمال عبد الناصر السلطة، لعبت الأغنية الوطنية السياسية عدة أدوار أساسية خلال هذه المرحلة، يُمكن الإشارة إليها على النحو التالي:

أ- تطبيع العلاقة بين الشعب والقائد السياسي

جاءت ثورة يوليو، فأصبح من يحكم مصر واحدًا من أبناء شعبها وتحديدًا من الطبقات المصرية الخالصة، خلافًا لما سبق من تاريخ طويل من الحكام والملوك والسلاطين غير المصريين الخالصين. لقرون ظلت هناك مساحة من الحواجز بين الشعب ونخبة الحكم، أما عهد الجمهورية فقد أطلق عصر الجماهير المصرية، بالنظر إلى طبيعة النخبة الحاكمة الجديدة والتي صعدت من صفوف الشعب العادي، أو طبيعة الزعامة السياسية الطاغية للرئيس عبد الناصر والتي مكنته من أن يملأ أي فراغ سياسي تركته النخب والأحزاب القديمة، فضلًا عن برنامج الثورة الشعبي المتعلق بالأساس بمشروع العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني.

وقد استدعى كل ذلك، أن تكون الجماهير قريبة من الزعيم السياسي بقدر ما يكون الزعيم قريبًا منها، قريبًا حد الالتصاق أو الذوبان، وهو ما جسدته الأغنية الوطنية في هذه المرحلة، حيث وضع المصريون كل آمالهم وطموحاتهم على عاتق رجل واحد.

وبدلًا من الملك أصبح هناك رئيس للجمهورية، وبدلًا من جلالة الملك بات "الريس" هو اللقب الشعبي لعبد الناصر، وهو لقب يُمكن أن يُطلق على المراكبي أو ريس العمال أو السائق أو غيرهم من أبناء الطبقات الشعبية، وقد رسخت الأغنية الوطنية هذه الصورة كما في أغنية "المسئولية" لعبد الحليم حافظ (ريسنا ملاح ومعدينا عامل وفلاح من أهالينا...ومنا فينا الموج والمركب والصحبة والريس وسطينا) أو في أغنية حليم "بلدي يا بلدي" (ريسنا قالنا ثورتنا ملكنا، من سدها لقنالها مسئولة مننا). أو في أغنية "بستان الاشتراكية" لحليم أيضًا (حول يا ريس حول...حول وافرش منديلك الأخضر على الرملة حولها جداول ومعامل وحياة كاملة…على راس بستان الاشتراكية واقفين بنهندز على المياه ومعانا جمال بنغني غنوة فرايحية)

وفي مقابل صورة "الريس حبيب الشعب" هناك صورة "بطل الشعب المُطلق" كما أبرزتها الأغنية الوطنية خلال هذه المرحلة، مثل أغنية "بطل الثورة" لمحمد عبد الوهاب (أنت حمانا وأحنا فداك أنت حبيبنا يا جمال أنت نصيرنا يا جمال. من قبل الثورة كنا عارفينك من عهد جدودنا كنا مواعدينك كان اسمك عايش في قلوبنا...جت في ميعادك يا جمال)، أو في أغنية "يا جمال يا مثال الوطنية" لأم كلثوم، والتي أنشدتها في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر في ميدان المنشية سنة 1954.

وتجد فكرة البطل جذورها في كتاب فلسفة الثورة للرئيس جمال عبد الناصر نفسه، وبالتحديد قوله "إن ظروف التاريخ مليئة بأدوار البطولة المجيدة التي لم تجد بعد الأبطال الذين يقومون بها على مسرحه، ولست أدري لماذا يُخيل إلى دائمًا أن هذه المنطقة التي نعيش فيها دورًا هائمًا على وجهه يبحث عن البطل الذي يقوم به…إن هذا الدور قد استقر به المطاف مُتعبًا منهوك القوى على حدود بلادنا يشير إلينا أن نتحرك وأن ننهض بالدور وأن نرتدي ملابسه فإن أحدًا غيرنا لا يستطيع القيام به…. إن الدور ليس دور زعامة[31]". أو كما قال عبد الناصر كذلك "إن هذا الجيل قد جاء في موعده مع القدر" وقد خلد عبدالحليم حافظ هذه المقولة في أغنية "مطالب شعب" التي غناها بمناسبة العيد العاشر لثورة يوليو، وانطلق منها ليقول (هندسها جمال وهنبنيها وهنطلع برج السما بها حبيبتنا بلدنا رجعت لأصحابها وأهاليها).

أدى التركيز على زعامة الرئيس جمال عبد الناصر إلى تغييب دور الجماهير عمليًّا إلا من التأييد المطلق، وتلك إحدى ثغرات التجربة الناصرية، ويُمكن القول إن أغنية "يا سلام على الأمة"[32] التي شدت بها السيدة أم كلثوم في الخامس والعشرين من شهر مارس 1965، احتفالًا بالاستفتاء على الرئاسة الثانية للرئيس جمال عبد الناصر، تمثل جوهر فلسفة الحكم خلال هذه المرحلة، وهي كذلك تُمثل مفارقة زمنية لعصر الرئيس عبد الناصر، حيث وصل النظام السياسي إلى ذروته وأخذ خطه البياني اتجاهًا تنازليًّا على وقع الأزمة الاقتصادية التي كان عنوانها تعثر الخطة الخمسية الثانية، أو تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة وصولًا إلى الصدام العسكري المباشر مع إسرائيل في يونيو 1967.

يفتح التفاعل الإيجابي مع هذه الأغنية الاستغلاق على الباحثين في فهم فكرة "الإرادة العامة" التي تحدث عنها جان جاك روسو ورأى أنه لا يُمكن تمثيلها، لذا تحولت هذه الفكرة إلى مشاع في الممارسات السياسية والقومية المختلفة، وبدلًا من أن تكون سندًا للفكرة والممارسة الديمقراطية، تحولت إلى نقيضها.

 بينما تُجسد الأغنية فكرة الإجماع المستحيلة نظريًّا، وتحولها إلى ممارسة واقعية في شخص الزعيم أو القائد الواحد (يا سلام على الأمة في وحدة الكلمة الكل بالإجماع إرادة تسند إرادة من الصفوف للقيادة بالشورى والإقناع والشعب حسن اختياره أكد طريق انتصاره. بالحب والتأييد من بورسعيد للصعيد).

على هذا النحو اجتمعت إرادة الأمة المصرية في اختيار شخص الرئيس عبد الناصر ووحدت كلمتها كما لم تُوحد من قبل، واجتمعت إرادات أبناء الأمة على قاعدة الشورى التي تحمل من معنى المبايعة أكثر مما تحمل من معنى الاختيار الديمقراطي وهو الهدف السادس لثورة يوليو، وكانت نتيجة الاستفتاء الذي عُقد في 15 مارس 1965، قد أتت بنسبة تأييد 99.999% من الأصوات [33].

ثم إن اجتماع هذه الإرادة الشعبية استدعى بدوره حضور العناية الإلهية لتخليد هذا الاختيار الشعبي (عناية ربنا بكلمة شعبنا اختارت إللي يرعى أمانة عهدنا) فعبد الناصر استثناءً تاريخي كانت الأمة تنتظر ظهوره انتظارها لظهور المعجزات رغم أن زمنها قد مضى وفات. (العروبة قلب وأنت النبض في القلب الكبير.. وأنت في تاريخ حياتها عودة الروح والضمير، وأنت في عروقها التحدي باسم معركة المصير...أنت فيها معجزة...والمعجزات مالهاش نظير ماشيين على نور هدايتك ونصرنا تحت رايتك… ياللي كرامة العروبة هي رسالتك وغايتك. طول ما أنت جنبنا على خطاك شفنا معالم الطريق وبالمبادئ بان لنا واضح مضيء ومشينا عارفين العدو من الصديق).

هذا التجسيد لحلم الأمة وقيمها ومصيرها في شخص واحد كان طبيعيًّا معه أن تشعر هذه الأمة نفسها بمرارة رحيله بقدر ما شعرت بمرارة الهزيمة في يونيو 1967، إلى حد أن كتب الشاعر السوري نزار قباني قصيدته الشهيرة "قتلناك يا آخر الأنبياء".

ب- مركزية قضية فلسطين في الأغنية الوطنية

شغلت قضية تحرير فلسطين من خلال تحقيق الوحدة العربية حيزًا حيويًّا من الأغنية الوطنية خلال هذه المرحلة، واعتبر تحرير الأرض المُحتلة بعد النكبة في 1948 وظيفة أساسية للنظام القومي العربي الذي أسسته ثورة يوليو في مصر، وفي هذا المعنى يُعبر عبد الحليم حافظ في أغنية "مطالب شعب".

باسم الشعب العربي بحاله... باسم كفاحه وباسم آماله

باسـم الشعـب إللي أنت حبيبه وحبـه فـ قلـــبك

باسم تاريخنا ومستقبلنا جاي أطالبك جاي أطالبك

عايزين عايزين يا جمال عايزين

عايزين عايزين يا أمــل ملايين

باسم اللاجئ باسم حقوقه في فلسطين

باسم دمــانا بالشهدا بالفدائيين

عايزين عايزين يا جمال عايزين

عايزين عايزين يا أمــل ملايين

عايزين عايزين يا أمــل ملايين الرجوع الرجوع لأراضينا

نرجع وياك للقدس هناك ولحيفا ويافا تعود بينا

قدها وقدود يا بطل موعود...قدها وقدود يا بطل موعود

قدها وقدود يا بطل موعود يا حبيب الشعب يا ناصر يا ناصر يا ناصر

ولا يمنع من تحقيق هذا الهدف، فشل تجربة الوحدة المصرية السورية التي أسست "الجمهورية العربية المتحدة"

عايزين عايزين يا جمال عايزين

عايزين عايزين يا أمــل ملايين

عايزين عايزين يا أمل ملايين الوحدة الكبرى نعيش بيها

وحدة اشتراكية عربية بكفاية وعزم نقويها

الوحدة كانت قبل سوريا وقبل مصر

الوحدة باقية بعد سوريا وبعد مصر

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، تتحول الأمة كلها إلى جنود خلف القائد (عبد الناصر حبيبنا قايم بينا يخاطبنا نجاوبه ويجاوبه قائد ومجندين...قول ما بدا لك أحنا رجالك ودراعك اليمين...اطلب تلاقي 30 مليون فدائي في جميع الميادين).

ج- الطابع الثوري للأغنية الوطنية

طغى على الأغنية الوطنية في هذه المرحلة طابع الحماسة الثورية سواء في كثرة استخدام المارشات العسكرية في مقدمات الأغاني الوطنية مثل لحن نشيد "الله أكبر فوق كيد المُعتدي"، والذي كان موجودًا في صورة مارشات عسكرية قبل الكلمات، ثم تم تركيب اللحن فيما بعد على الكلمات خلال أحداث العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 [34] أو أغنية يا أهلًا بالمعارك (يا أهلا بالمعارك يا بخت مين يشارك بنارها نستبارك ونطلع منصورين… ملايين الشعب تدق الكعب وتقول كلنا جاهزين). أو أغنية "والله زمان يا سلاحي" التي أصبحت السلام الوطني للجمهورية العربية المُتحدة ابتداءً من سنة 1960، أو في أغنية عبد الوهاب الأثيرة "دقت ساعة العمل الثوري".

كما زاد من هذه الحماسة، صعود الأغنية الوطنية الجماعية مثل أغنية "الجيل الصاعد"، أو "وطني حبيبي الوطن الأكبر" أو "صوت الجماهير"، وقد شارك في هذه الأغنيات نخبة من المطربين المصريين والعرب مثل عبد الحليم حافظ، وشادية، ونجاة، وفايزة أحمد، ووردة، وصباح.

يُضاف إلى ذلك أن بعض خطب الرئيس جمال عبدالناصر أصبحت جزءًا من متن بعض الأغاني خاصة تلك التي غناها عبد الحليم حافظ "أغنية بلدي يا بلدي" مثالًا، أو تتحول بعض الأغنيات إلى الهتاف الثوري من المجموعة المُصاحبة كما في المقطع الأخير من أغنية "صورة" (قلنا يا زعيمنا قلوبنا أهي أيامنا أهي ليالينا أهي وفي يوم الدم وهبنا الدم هنبخل بالليالي ليه) أو أغنية "المسئولية" (نحلف سوا...نحلف يمين بالله تعالى، نحلف بقوتنا الفعالة...الاتحاد الاشتراكي العربي نختاره مبدأ ورسالة).

د- الأغنية الوطنية السياسية كأداة للنقد الناعم

يصف الأستاذ الراحل أحمد بهاء الدين إحدى مشكلات التجربة الناصرية بأنها كانت تجربة اشتراكية لكن دون اشتراكيين، فطريقة تطبيق الاشتراكية تمت في بعض الأحيان بصورة خاطئة -رغم إنجازات هذه المرحلة الاقتصادية والاجتماعية-، فالمسألة في الأخير ليست هي التأميم وتوسيع حجم القطاع العام وفقط، دون أن يمتد ذلك إلى توسيع دائرة الرقابة الشعبية على المال العام، أو محاربة ممارسة النفوذ وصعود مراكز القوى، أو ما يُسميه دكتور فؤاد زكريا بتوسيع مجتمع النصف في المائة خلال العهد الملكي إلى مجتمع الخمسة في المائة خلال العهد الناصري بما يعني زيادة عدد الأسياد والبكوات[35]!

إذا كانت هذه قراءة لاحقة للتجربة الناصرية بعد تواريها، فإن القراءة التي عبرت عنها الأغنية الوطنية في العصر الناصري قد لامست هذا الشعور الذي كان موجودًا في الشارع المصري دون أن يجرؤ أحد على البوح به. فتأتي أغنية "المسئولية" على سبيل المثال لتعبر عن هذا المعنى بطريقة أو أخرى، رغم أن ما يُفهم منها أنها أغنية في مدح التنظيم السياسي الواحد "الاتحاد الاشتراكي" (أديك أهو أخدت العضوية وصبحت في اللجنة الأساسية. أبو زيد زمانك. وحصانك الكلمة والكلمة الوطنية.. ورينا يلا هتعمل إيه.. دي مسئولية).

كما تُعبر أغنية "بلدي يا بلدي" عن ذات المعنى خاصة مع استخدام أدوات الفلكلور المصري الشائع بالقرى في التعامل مع من يخون الأمانة وهي طريقة "التجريس" حيث وظف الموسيقار علي إسماعيل الآلات الموسيقية ببراعة في التعبير عن هذا المعنى من خلال استخدام المزمار الراقص أو الطبلة الساخرة.

(يا إلي عليك تنفيذ مبادئنا إن كنت صغير ولا كبير، مبادئنا يعني ثورتنا يعني أمانة وشغل كتير، لو تخدم باشتراكية وبذمة وهمة قوية، أنا زي ما قال ريسنا راح أشيلك جوه عنيا. وان أخدت المركز جاه ولعبت اللعب إياه ولا همك غير مصلحتك وظلمت في خلق الله. راح أقولك: يا عديم الاشتراكية يا خاين المسئولية، ونزمرلك كدهو/ صوت الزمارة/ ونطبلك كدهو/ صوت الطبلة).

ه- حضور الحلم الوطني في التنمية والتحديث

جسدت الأغنية الوطنية خلال هذه المرحلة الحلم الوطني في تغيير وجه الحياة في مصر، من خلال مشروعات الزراعة والتصنيع، والتعليم المجاني، والاهتمام بالفن، وهذا الحلم كان هو جوهر المشروع الناصري الاشتراكي، وقد عبرت أغنية "صورة" عن جانب من هذا المعنى:

خضرة وماية وشمس عفيه وقبة سما زرقا مصفية

ونسايم سلم وحرية ومعالم فن ومدنية

ومداين صاحية الفجرية على أشرف ندهة وأذان

دي بلدنا دي بلدنا مصر العربية صورة ...صورة

صورة منورها الإيمان

على مدد الشوف مدنه ومدنه دي لصلاتنا ودي لجهادنا

مدخنة قايدة قلوب حسّادنا تحتها صلب كأنه عنادنا

وقدّامه من أغلى أولادنا عامل ومهندس عرقان

شّبان والشبان في بلدنا في الصورة في أهم مكان

كما شرحت الأغنية الوطنية معنى الاشتراكية في كلمات بسيطة يُمكن أن يشعر المواطن العادي بأنها تُعبر عن تطلعاته وأمانيه، فالاشتراكية ليست كلامًا في الكتب بل هي (لقمة حلوة وبيت وكسوة وناس عايشين أدي القضية…صناعة كبرى وملاعب خضره، وتماثيل رخام على الترعة وأوبرا في كل قرية عربية...مهياش أماني وكلام أغاني ده بر تاني)[36].

4- الانكسار السياسي والهزيمة في 1967: مرحلة انتقالية وأفق جديد للأغنية الوطنية

أدت الهزيمة العسكرية في يونيو 1967 إلى صدمة قومية هائلة، لكنها من ناحية أخرى منحت الأغنية الوطنية قبلة حياة جديدة، فرغم غلبة طابع الأسى والحزن على بعض الأغنيات التي ظهرت في أعقاب الهزيمة، مثل أغنية "عدى النهار"، أو أغنية "المسيح"، أو أغنية "ابقى فأنت الأمل ابقي فأنت حبيب الشعب" والتي غنتها أم كلثوم إثر إعلان الرئيس جمال عبد الناصر تنحيه.

على هذا، سُرعان ما استعادت الأغنية الوطنية طابع التحدي والمقاومة، وبينما البلاد تُلملم جراح الهزيمة، وتعيد بناء قواتها المُسلحة، خرجت أغنيات مثل "فدائي" لعبد الحليم حافظ، كما احتفظت القضية الفلسطينية بزخمها داخل الأغنية الوطنية المصرية، والتي جسدتها سنة 1969 أغنية "أصبح عندي الآن بندقية" للموسيقار محمد عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم.

إلى فلسطين خذوني معكم

يا أيها الرجال

أريد أن أعيش او أموت كالرجال

أصبح عندي الآن بندقية

قولوا لمن يسأل عن قضيتي

بارودتي صارت هى القضية

كما ظلت الأغنية الوطنية مواكبة لكل الأحداث التي تلت الهزيمة، وبقدر أعلى من الصدق والإخلاص الوطني، كما في أغنية "يا بلدنا لا تنامي" والتي شدا بها عبد الحليم حافظ في أعقاب بيان مارس 1968 والذي جاء استجابة لموجة التظاهرات الشعبية الرافضة لما عُرف بأحكام قضية ضباط سلاح الطيران في مسئوليتهم عن الهزيمة العسكرية، وقد جسدت الأغنية دعوة للبحث عما يجمع المصريين ويوحدهم لمعركة المصير في سبيل النصر.

يا بلدنا لا تنامي...دوّري وسط الأسامي واجمعي الصف الأمامي

واتصفي وراه يا بلدنا… دوّري على مخلصينك إللي من زمان شاريينك

وباعوا الراحة!

لبسوا هدمة شغالينك قعدوا ويا فلاحينك…فى الغيط والساحة

أولادك أولاد كفاحك أولاد ضحكتك وجراحك…أصوات الثورة

هما القلع وهما الصاري بصي حواليكي واختاري…سكتي لبكرا يا بلدنا

كوني سد أو كوني رد ومدي اليد لفوق يا بلد…قولي أيوا قولي لا النصر قريب مهما بعد

كما كان من تبعات الهزيمة، صعود الأغنية السياسية للثنائي الشيخ إمام، والشاعر أحمد فؤاد نجم، حيث استفادا من انتشار أجهزة الكاسيت في نهاية الستينيات والسبعينيات[37]، لتحقيق انتشار لم يكن ممُكنًا دون دعم شركات ومؤسسات الدولة في ذاك الزمن، وعبر الشيخ إمام عن الهزيمة في يونيو 1967 بأغاني مثل خبطنا تحت بطاطنا:

الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا

يا محلا رجعة ضباطنا من خط النار

أو أغنيتهما "شقع بقع":

يا شعب مصر يا خم النوم...ما تقوم بقا وتشوف لك يوم

الثورة قامت في الخرطوم...وأنت إللي نايم ليل ونهار

شقع بقع يا ديل الفار...شقع بقع يا ديل الفار

 وقد كانا في ذلك يُسايران بعض اتجاهات الرأي العام التي تعاملت مع الهزيمة وتبعاتها السياسية بقدر من السخرية والاستهزاء، حتى أن الأمر وصل إلى الرئيس عبد الناصر فطلب من المواطنين الحفاظ على الشعور الوطني لأبناء قواتنا المُسلحة في لحظات المحنة. هذا النوع من الأغاني رغم أنه التصق بحدث قومي مفصلي وعبر عن قطاعات من المواطنين الذين شعروا بمرارة الهزيمة، إلا أنه لا يجدُر ولا يُمكن اعتباره تمثيلًا للأغنية الوطنية، لكنه كان أحد التبعات المُرة للهزيمة التي فرضت نفسها على مساحات التعبير الفني بقدر ما فرضت نفسها سياسيًّا وعسكريًا.

في المقابل، فإن للثنائي "إمام ونجم" أغنيات وطنية شديدة الحماس والعاطفية مثل "مصر يامه يا بهية"، و "واه يا عبد الودود"، و"صباح الخير على الورد إللي فتح في جناين مصر"، والأخيرة جرى استعادتها خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011 كتعبير عن الشباب المصري الذي خرج إلى الميادين، وهذه القابلية للاستعادة هي إحدى سمات الأغنية الوطنية.

أغنية "مصر ياما يا بهية"

مصر ياما يا بهيه

يا ام طرحه وجلابيه

الزمن شاب وانتي شابه

هوا رايح وانتي جايه

جايه فوق الصعب ماشيه

فات عليكي ليل وميه

واحتمالك هوا هوا

وابتسامتك هيا هيا

أغنية "واه يا عبد الودود"

واه يا عبد الودود

يا رابص عالحدود

و محافظ عالنظام

كيفك يا واد صحيح عسى الله تكون مليح

و راجب للامام

أمك ع تدعي ليك و ع تسلم عليك

وتجول بعد السلام خليك ددع لابوك

ليجوا مين دابوك ويمصخوا الكلام

4- تحولات الأغنية بعد انتصار أكتوبر 1973

عبرت الأغنية الوطنية المصرية هي الأخرى مع عبور الجيش المصري إلى الضفة الشرقية للقناة، فقد استعادت حيويتها وزخمها الوطني على وقع الانتصار العسكري المصري الباهر. وسرعان ما ظهرت ملامح هذا النصر في تحرر الأغنية الوطنية من قيود مرحلة الخمسينيات والستينيات، فاستعادت الأغنية الوطنية هديرها وشجنها في آن واحد. وهو ما عبر عنه عبد الحليم حافظ في أغنية "قومتي يا مصر" (قومتي يا مصر وبعد الصبر وبعد الليل جاي النصر، قومتي يا مصر وعدى ولدك ورفع علمك، جابلك فرحك طيب جرحك بعد الصبر قومتي يا مصر. يا أرض أجدادي عليك منا السلام يا مصر بلادي).

ومع تتالي بيانات النصر، تحولت إستديوهات ماسبيرو إلى معسكرات عمل فني، فأنتجت أيقونات غنائية باقية إلى اليوم مثل أغنية المجموعة "الله أكبر بسم الله نصرة لبلدنا بسم الله بإيدين ولادنا بسم الله"، وهي من ألحان الموسيقار بليغ حمدي وكلمات الشاعر عبد الرحيم منصور.

كما غنت وردة الجزائرية أغنيتها الخالدة "وأنا على الربابة بغني"، وغنت شادية "يا حبيبتي يا مصر"، كما شدت بأغنية "عبرنا الهزيمة يا مصر يا عظيمة"، وهو التعبير الذي استخدمه الكاتب توفيق الحكيم تعبيرًا عن قيمة الانتصار الذي تحقق في أكتوبر 1973.

أغنية "حلوة بلادي"

حلوة بلادي السمرا بلادي الحرة بلادي
وانا على الربابة بغني ما املكش غير انى اغني
واقول تعيشي يامصر
وانا على الربابة بغني واقول
ما املكش غير غنوة امل للجنود … أمل للنصر
ليكي يا مصر ليكي يا مصر
حلوة بلادي

وانا على الربابة بغني
وابارك كل خطوة اتعدي عاالطريق الصعب .. يامصر
وانا على الربابة بغني
وبغني غنوة الحرية قول معايا ياشعب
حلوة بلادي

أغنية " يا حبيبتي يا مصر"

ما شافش الأمل

في عيون الولاد

وصبايا البلد

ولا شاف العمل

سهران في البلاد

والعزم اتولد

ولاشاف  النيل

في أحضان الشجر

ولاسمع

مواويل

في ليالي القمر

أصله معداش على مصر

ياحبيبتي يا مصر يا مصر

ياحبيبتي يا مصر يا مصر

ياحبيبتي يا مصر

وفي مرثية وطنية خالدة، غنت الفنانة شريفة فاضل رائعتها "أم البطل" لتخليد ذكرى ابنها الشهيد، وذكرى كل شهيد روى بدمائه أرض سيناء. كما سلفت الإشارة فإن الانتصار في أكتوبر 1973 قد ترك بصمته على المرحلة التي تليه، ويُمكن الإشارة إلى ذلك على النحو التالي:

أ-  تراجع مركزية "الزعيم السياسي" في الأغنية الوطنية

يُعد ذلك اتساقًا مع الدروس المُستفادة من ثغرات الأغنية الوطنية خلال مرحلة ما قبل هزيمة يونيو 1967، حيث ركزت الأغنية الوطنية على مخاطبة الحدث نفسه أكثر من الشخص، وحين حاول عبدالحليم تخليد دور الرئيس السادات في حرب أكتوبر المجيدة، لم يذكره بالاسم في أغنيته الأثيرة (عاش إللي قال للرجال عدوا القنال عاش إللي حول صبرنا حرب ونضال). وربما يُفسر ذلك قدرة هذه الأغنية على الاستمرار إلى الآن. وفي المُجمل فإن الرئيس السادات لم يحتل مساحة تُذكر من الأغنية الوطنية السياسية خلال عهده مقارنةً بالمساحة التي حازها الرئيس عبد الناصر، حيث تبقى أغنية حليم "عاش إللي قال" الأكثر شعبية بجانب أغنيات أخرى قليلة للغاية، وربما غير معروفة مثل أغنية "تعيش يا سادات" للشيخ سيد مكاوي التي غناها في أعقاب زيارة الرئيس السادات إلى القدس، أو أغنية "يا سادات" للفنانة فايدة كامل، وأغنية "قول يا سادات" للفنانة فايزة أحمد، وكلها تُركز على قيمة الحكمة التي يتمتع بها الرئيس السادات، أو تُحيِّي جهوده كبطل للحرب وسعيه إلى السلام. كما احتل الرئيس السادات حيزًا صغيرًا من أغنية الفنان اللبناني وديع الصافي "عظيمة يا مصر" (سادات المحبة بشير السلام جمعت الحبايب في موكب سلام)، وقد جرى حذف هذا المقطع فيما بعد.

ب- الطابع العاطفي للأغنية الوطنية

استعادت الأغنية الوطنية في هذه المرحلة إلى حد كبير طابع الشجن الحالم بحيث اختفى الخط الفاصل بين الأغنية الوطنية بما لها طابع الحسم أو الطابع الثوري، وبين الأغنية العاطفية بما لها من طابع الرومانسية.

وتُمثل كلٌّ من أغنيتي عبد الحليم حافظ "النجمة مالت على القمر"، وشادية "رايحة فين يا عروسة"[38] نموذجين لهذه النوعية من الأغاني الوطنية الخالدة، خاصة الأخيرة والتي تبدو فريدة من نوعها في هذا الصدد:

رايحة فين يا عروسة يام توب أخضر

رايحة أجيب الورد وأجيب سكر

تعملي إيه يا عروسة بالسكر

أعمل شربات ورد مكرر

وأصبه في دوارق فضة

وبإيدي أوزعه عالحتة

ندر عليكي؟

أيوه عليا

تسقيه بإيديكي

آه بإيديا

طب روحي يا عروسة هاتي السكر

وحياة إللي راح وطلع بالسلاح

من فجر الصباح وضميره مرتاح

أتمنيت من ربنا اليوم ده من كام سنة

أعيش وأشوف أرضنا طارحة جناين نصرنا

وأملى ليالي مصر غناوي الله الله الله

ونهارها أفراح وهناوي الله الله الله

وندر وطول مانا عايشة فيكي يا دنيا أسقي بإيدي

وفي الثمانينيات بدأ جيل غنائي جديد في الظهور مثل هاني شاكر، ومحمد الحلو، ومحمد ثروت أكدوا الطابع المصري الخالص للأغنية الوطنية خاصة في مرحلة ما بعد توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل، ثم مبادرة أغلب الدول العربية إلى مقاطعة مصر. فغني الفنان محمد ثروت "مصر يا أول نور في الدنيا شق ظلام الليل"، كما شدا بأغنية "مصريتنا وطنيتنا حماها الله"، وغنت الفنانة سوزان عطية من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب "مصر يا أم الدنيا"، حيث تناولت قيمة الوحدة الوطنية، فضلًا عن مكانة مصر كقوة تنشر المحبة وتسعى للسلام:

مصر يا أم الدنيا

وحدتنا الوطنية سماحة وسلام

يحتار إللي يشوفها يجيب منين كلام

في الشدة بنشارك في الفرح بنبارك

وده كله من حبك أنتي يا مصر السلام

وتُوجت هذه المرحلة بتغيير النشيد الوطني إلى نشيد "بلادي بلادي" الذي سبق وغناه الشيخ سيد درويش، وأعاد الموسيقار محمد عبد الوهاب توزيعه على النحو الذي ننشده اليوم.

ج- استمرار الأغنية السياسية المعارضة

وهو الاتجاه الذي تميز واستمر فيه الثنائي "نجم وإمام" كما سلفت الإشارة، وقد استفادا خلال مرحلة السبعينيات والثمانينيات من أجواء انفتاح المجال السياسي، وظروف التحول في بنية الدولة سياسيًّا واقتصاديًّا، وكثرة تلاحق الأحداث السياسية الوطنية والقومية، فاتسع نطاق أعمالهما، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، "شرفت يا نيكسون بابا" التي تم غناؤها خلال الزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى مصر سنة 1974.

شرفت يا نيكسون بابا يابتاع الووتر جيت

عملولك قيمة وسيما سلاطين الفول والزيت

فرشوا لك أوسع سكة من راس التين على مكة

وهناك تنفد على عكا ويقولوا عليك حجيت

5- تحولات الأغنية الوطنية منذ الثمانينيات وإلى الألفية الجديدة

استمرت أغلب السمات الأساسية للأغنية الوطنية بعد حرب أكتوبر كما هي تقريبًا خلال مرحلة الثمانينيات، وما بعدها، وربما زاد عليها ما يلي:

أ- غلبة الطابع الاحتفالي للأغنية الوطنية، بحيث تحولت الأغنية الوطنية إلى أغنية للمناسبات والأعياد القومية، أكثر منها تعبيرًا عن قضية أو حلم وطني ما، كما اتجهت الأغنية المصرية والعربية عمومًا إلى الرتم السريع، وهو ما انعكس بدوره على الأغنية الوطنية المصرية، مثل أغنية "المصريين أهمه" للفنانة ياسمين الخيام على كل ما فيها من حماسة وحيوية وتدفق فني.

ب- استعادة دور القائد السياسي داخل الأغنية الوطنية، خاصة في المرحلة الثانية من حكم الرئيس حسني مبارك في فترة التسعينيات، حيث ركزت هذه الأغنيات على تعظيم الدور التاريخي للرئيس مبارك في حرب أكتوبر، ومنها أغنية "أول طلعة جوية فتحت باب الحرية"، أو الأوبريت الاستعراضي "اخترناه" بكلماته المُميزة، وشارك فيه مجموعة من نجوم الفن المصريين والعرب:

اخترناه اخترناه

يوم ما عبر وقلوبنا معاه

قلنا وقالوا وطول باله

مقفلش لكاتب جرناله

وأما يحاسب حد يعاند مسمعناش عن حد أذاه

علشان كده إحنا اخترناه

اخترناه وبايعناه وإحنا معاه لما شاء الله

أول مرة يا مصر يا حرة نقفل باب الحرب المرة

بعد ما حرر طابا وقرر يبدأ عهد سلام وحياة

علشان كده إحنا اخترناه

بيد أن أبرز ما طرأ على الأغنية الوطنية المصرية خاصة ابتداءً من الألفية الجديدة وحتى مرور ربع القرن الحادي والعشرين، هو تغير طبيعة تصور المواطن عن الوطن، وهو التغير الذي يُمكن تفسيره على وقع تأثيرات العولمة وثورة الاتصال الحديث والانفتاح غير المسبوق على العالم، والذي فرض نفسه في تحولات الطبقة الوسطى المصرية التي اتسع حجمها، وتصاعدت مطالبها وشعورها بالاستحقاق السياسي والاقتصادي في مرحلة ما قبل ثورة يناير 2011.

هذه التطورات حولت تركيز الأغنية الوطنية من نطاق "ما يجب أن يعطيه المواطن لوطنه" إلى "ما يجب أن يُعطيه الوطن إلى المواطن"، فإلى جانب الأغاني الوطنية المنتجة من قبل المؤسسات الفنية الرسمية ذات الطابع الاحتفالي والقائمة على معاني تعدو قيمة الوطن وجمال الوطن وعظمة الوطن بدأت تظهر الأغاني التي تتحدث عن مطالب المواطنين من الوطن، وتركز على ما ينقص المواطنين، وعن انتقادات تتعلق بالحرية أو الفساد أو المظالم فانتقلت العاطفة الوطنية من مساحة "متقولش إيه إدتنا مصر قول هاندي إيه لمصر" إلى "إزاي أنا رافع راسك وأنت بتحني في راسي إزاي" والتي غناها الفنان محمد منير قُبيل أحداث ثورة يناير 2011.

ختامًا

قد يكون فينا من يرى أن الأغنية الوطنية المصرية تُعاني أو تتراجع، وقد يكون منا من يرى أنها اتخذت شكلًا وطابعًا جديدًا يتناسب وطابع العصر ومنطقه، وما بين هذا وذاك يُمكن القول بأن واقع الأغنية الوطنية المصرية هو انعكاس لحال الأغنية المصرية أو الفن المصري عمومًا، وحتى يُصبح هذا المعنى واضحًا، فقد يستلزم ذلك قفزة إلى الوراء لاستعادة الأسباب والعوامل التي تأسست عليها المدرسة الموسيقية المصرية الحديثة، شرط أن تكون هذه القفزة بعيون القرن الحادي والعشرين وعلى أرضيته.


*  الحلمنتيشي: هو نوع من الشعر المعاصر يمزج بين الفصحى والعامية، ويعتمد على الفكاهة والسخرية، ينسب إلى فرقة حلمنتيشي، التى نشأت على يد حسين شفيق المصري وبيرم التونسي.


[1] محمد كامل حجاج، الموسيقى الشرقية، ماضيها، حاضرها، نموها في المستقبل، (الإسكندرية، مطبعة جريدة البصير، 1924)، ص 5.

[2] زكريا إبراهيم، مشكلة الفن، (القاهرة، مكتبة مصر، 1977)، ص: 27-38.

[3] جيروم ستولنيتز، النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية، مرجع سابق، ص 497،498.

[4] زكريا إبراهيم، مشكلة الفن، مرجع سابق، ص 102.

[5] المرجع السابق، ص 105.

[6]  هيام على النجار، الأغنية الوطنية في مصر بين الماضي والحاضر: قراءة تحليلية، (جامعة حلوان، كلية التربية الموسيقية، مجلة علوم وفنون الموسيقي، مجلد 36، يناير 2017)، ص 1723، متاح على الرابط: https://jfma.journals.ekb.eg/article_164892_20d5bfdc0f0dbf89c25d5615928e81c8.pdf

[7] هدى زكريا لبيب، الدور الاجتماعي والسياسي للأغنية الوطنية، (مركز دعم واتخاذ القرار- مجلس الوزراء، مجلة آفاق اجتماعية، عدد 6، أبريل 2024)، ص 113، متاح على الرابط: https://2u.pw/LYWmC

[8] جوليوس بورتنوي، الفيلسوف وفن الموسيقى، ترجمة: فؤاد زكريا، (القاهرة، مؤسسة هنداوي للنشر، 2023)، ص 260.

[9] المرجع السابق، ص 261.

[10]  المرجع السابق، ص 260.

[11] Zhihong Gao, When Nationalism Goes to the Market: The Case of Chinese Patriotic Songs, (Journal of Macro-marketing, Vol. 35, No.4, 2015), PP: 474.

[12] فؤاد زكريا، مع الموسيقي: ذكريات ودراسات، (القاهرة، مكتبة مصر، 1991)، ص 95.

[13] المرجع السابق، ص ص 97-98.

[14] محمد كامل حجاج، الموسيقى الشرقية، ماضيها، حاضرها، نموها في المستقبل،مرجع سابق، ص 33.

[15] المرجع السابق، ص ص 33، 34.

[16]  قسطندي رزق، الموسيقى الشرقية والغناء العربي مع السيرة الذاتية للفنان عبده الحامولي، (القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2017)، ص 21.

[17] محمد كامل حجاج، الموسيقى الشرقية، ماضيها، حاضرها، نموها في المستقبل، مرجع سابق، ص ص 36-38.

[18] قسطندي رزق، الموسيقى الشرقية والغناء العربي مع السيرة الذاتية للفنان عبده الحامولي، مرجع سابق، ص 19.

[19]  تاريخ النشيد الوطني، (مصر: رئاسة جمهورية مصر العربية)، متاح على الرابط: https://2u.pw/F5EYR

[20] محمد كامل حجاج، الموسيقى الشرقية، ماضيها، حاضرها، نموها في المستقبل، مرجع سابق، ص ص 36-38.

[21] محمد كامل الخلعي، كتاب الموسيقى الشرقية، (القاهرة، مؤسسة هنداوي، 2017)، ص 304.

[22] محمد كامل حجاج، الموسيقى الشرقية، ماضيها، حاضرها، نموها في المستقبل، مرجع سابق، ص 39.

[23] فتحي الخميسي، من التعددية إلى الصوت الواحد، (مجلة الكلمة، عدد 3 مارس 2007)، متاح على الرابط: http://www.alkalimah.net/Articles/Read/341

[24] المرجع السابق.

[25] محمد كامل حجاج، الموسيقى الشرقية، ماضيها، حاضرها، نموها في المستقبل، مرجع سابق، ص 40.

[26] المرجع السابق

[27] المرجع السابق.

[28] محمد كامل الخلعي، كتاب الموسيقى الشرقية، مرجع سابق، ص 128.

[29]  محمد كامل حجاج، الموسيقى الشرقية، ماضيها، حاضرها، نموها في المستقبل، مرجع سابق، ص ص 24، 30.

[30] سيد درويش: سيرة حياة وموسيقى، في رتيبة الحفني، موسوعة الموسيقى العربية، (القاهرة، 1974)، متاح على الرابط: https://2u.pw/LpjBd

[31] جمال عبد الناصر، فلسفة الثورة، (القاهرة، دار القاهرة للطباعة، 1954)، ص ص 60، 61.

[32] شدت أم كلثوم بالأغنية في حفل 25 مارس 1965 بقاعة الاجتماعات الكبري بجامعة القاهرة، نظمه مجلس الأمة تكريمًا للرئيس جمال عبد الناصر، والأغنية من ألحان الموسيقار محمد الموجي، وكلمات الشاعر عبد الفتاح مصطفي.

[33] أسامة على، 1965 الرئيس جمال عبد الناصر يتولى رئاسة مصر لفترة ثانية، (مصر، الهيئة العامة للاستعلامات، 25 يونيو 2025)، متاح على الرابط: https://n9.cl/n7vut

[34] هيام على النجار، الأغنية الوطنية في مصر بين الماضي والحاضر: قراءة تحليلية، مرجع سابق، ص 1734.

[35] فؤاد زكريا، عبد الناصر واليسار المصري، (القاهرة، مؤسسة هنداوي للنشر، 2020)، ص ص 13- 21.

[36]  أغنية المسئولية.

[37]  هيام على النجار، الأغنية الوطنية في مصر بين الماضي والحاضر: قراءة تحليلية، مرجع سابق، ص 1725.

[38]  الأغنية من ألحان الموسيقار المُجدد علي إسماعيل، وكلمات الكاتبة نبيلة قنديل.