سيف دسوقي

باحث في العلوم السياسية

 

مع اندلاع أى حرب، دائماً ما يكون هناك صراع موازي حول سردية التاريخ. فكل دولة يكون لها سرديتها حول ما جرى في الحرب، ومَن انتصر، وماذا أدى للهزيمة وغيرها. ويرتبط ذلك سياسياً بالقدرة على صياغة السردية وبلورتها واستخدامها في التأثير في الرأي العام المحلي أو العالمي.

ومن دون شك، فإن ما يثير الاهتمام هنا وفي هذه المرحلة هو تلك السردية المضادة التي ظهرت في إسرائيل في الثمانينات على يد المؤرخين الإسرائيليين الجدد عن حرب أكتوبر المجيدة.

في هذا المقال، نستعرض آراء بعض المؤرخين الإسرائيليين الجدد كسردية إسرائيلية كان لها آثار اجتماعية وثقافية كبيرة وقتما ظهرت، وتعرضت للهجوم من ما يمكن تسميته بـ"الحرس الصهيوني"، على نحو يمكن استخدامه لمواجهة السردية التي تم إعادة تدويرها من قبل اليمين الصهيوني.

المؤرخون الإسرائيليون الجدد

ظهر المؤرخون الإسرائيليون الجدد في الثمانينيات بتوجه جديد في كتابة التاريخ الإسرائيلي، حيث ركزوا على تفكيكه وإعادة التفكير فيما أسموه "الأساطير" Myths الصهيونية حول تاريخ الدولة اليهودية والتي تمت كتابتها من قبل البيروقراطيين، والضباط، والشخصيات العامة التي شاركت في تأسيس دولة إسرائيل.[1] ومن أبرز الأسماء التي تنتمي لمدرسة المؤرخين الجدد: آفي شليم، بيني موريس، توم سيجيف، وإيلان بابي.

كانت أفكار ما بعد الصهيونية التي ظهرت في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات والتي بدأت في إعادة النظر في التاريخ، والمجتمع، والثقافة، والسياسة الإسرائيلية التي قامت على أساس الأيديولوجيا الصهيونية، هي الحاضنة الثقافية لأفكار المؤرخين الجدد. وهذه الحاضنة تكونت من مجموعة من الاتجاهات والمنهاجيات العلمية والمقاربات النظرية التي تحاول أن تتعامل مع إسرائيل كدولة ليبرالية تتسع للجميع دون تفرقة على أساس ديني أو عرقي، وبالتالي دولة غير صهيونية لا تعتمد على القومية اليهودية.[2]

من هنا، ظهر المؤرخون الإسرائيليون الجدد، كجزء من هذه الحاضنة في أكاديميا التاريخ، للتشكيك في شرعية وأخلاقية السياسة الخارجية الإسرائيلية في الصراع العربي-الإسرائيلي، وعدم الاعتماد على السرديات الصهيوينة التي كانت تأريخاً لخدمة المشروع الاستيطاني.[3]

في مقال إيلان بابي - أحد أهم أعمدة هذه المدرسة - بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيس دولة إسرائيل في 1998، تم التأكيد على أن توجه هؤلاء المؤرخين يناهض السردية الصهيونية المنتشرة بهدف النظر في مشاكل الدولة الإسرائيلية الهيكلية وعلاقتها بالتاريخ الإسرائيلي، وذلك عن طريق دراسة ثلاث موضوعات في البداية وهى: الأيديولوجيا الصهيونية المبكرة وممارستها، وحرب 1948 باعتبارها حرب تأسيس الدولة، وسياسات إسرائيل تجاه المهاجرين اليهود من دول عربية والأقلية الفلسطينية في إسرائيل.[4]

بالتالي يتبنى هذا الفريق وجهة نظر تحاول أن توازن الفكر الصهيوني المتشدد وما يمثله اليوم اليمين الإسرائيلي، وما يرتبط به من أساطير سياسية نُسجت لتأسيس الدولة. بل كما أكد العديد منهم أن هذا هو "واجبهم الأخلاقي" لتحرير التاريخ الإسرائيلي من ثنائيات الخير \ داوود \ الضحية (إسرائيل) والشر \ جليات \ المعتدي (الفلسطينيين والعرب)، لتكوين صورة أكثر واقعية للتاريخ الإسرائيلي.[5] فمثلاً آفي شليم، والذي خدم في صفوف الجيش الإسرائيلي في الستينيات، كتب عام 2009 في صحيفة "جارديان" أنه لا يتساءل حول مدى شرعية إسرائيل، بل إنه كان مؤمناً جداً بها داخل حدود ما قبل 1967، ولكن ما تقوم به خارج "الخط الأخضر" هو مشروع استعماري صهيوني يهدف لإنشاء إسرائيل الكبرى عن طريق السطو والاستحواذ على أراضي الفلسطينيين، وهو ما أدى إلى عقود من أكثر عمليات الاحتلال عنفاً في التاريخ.[6]

 وذكر إيلان بابي على سبيل المثال في كتابه "فكرة إسرائيل: تاريخ القوة والمعرفة" أن تأسيس إسرائيل هو غزو استعماري وليس تحرراً وطنياً، وأن إعادة كتاب التاريخ هي محاولة للخروج من الخطاب الصهيوني الذي كان ممولاً من الدولة الإسرائيلية، وبناء التاريخ الإسرائيلي بشكل أكثر حقيقية.[7]

حرب أكتوبر 1973

هذا الحدث العسكري المجيد الذي تم في السادس من أكتوبر 1973 تختلف تسميته بين السردية المصرية والسردية الإسرائيلية. فعلى عكس أحداث تاريخية مثل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والتي تكتسب نفس التسمية لدى جميع الدول التي شاركت فيها، يتم الحديث عن الحرب في الوسائط الرسمية المصرية باستخدام عبارات "حرب السادس من أكتوبر"، "حرب العاشر من رمضان"، أو "حرب أكتوبر المجيدة". أما في الوسائط الإسرائيلية، فيطلق عليها "حرب يوم الغفران Yom Kippur War"، وهو ما يرتبط بيوم الغفران أو عيد الفصح الذي يعد أكثر الأعياد اليهودية قدسية.

وتكمن المفارقة في أنه إلى جانب العوامل المختلفة التي تبلورت في ثمانينيات القرن العشرين في الداخل الإسرائيلي من تجديد أكاديمي في الجامعات الإسرائيلية بظهور أجيال جديدة تبنت اتجاهات نقدية، والإفراج عن عدد من الوثائق السرية الإسرائيلية، وتخلي وعي المواطن الإسرائيلي عن التخوف من خطر العرب والمسلمين، كانت حرب أكتوبر تحديداً من أسباب تمهيد الطريق لصعود هذا الجيل الجديد من المؤرخين.

ومن دون شك، فإن كون حرب السادس من أكتوبر مثلت هزيمة عسكرية هي الأقوى في التاريخ الإسرائيلي، بجانب المركزية التي حظى بها الجيش الإسرائيلي باعتباره الفاعل الأهم في تأسيس الدولة الإسرائيلية، والترويج المستمر من قبل السياسيين وجنرالات الجيش لـ"قوته الجبارة" وأسطورة "عدم قدرة أي جيش على هزيمته"، أدى هذا كله إلى تحول الهزيمة العسكرية إلى هزيمة معنوية-شعبية شديدة، كان لها مردودها السياسي انعكس في خسارة حزب العمال وصعود حزب الليكود، بجانب هزيمة الأساطير المُؤسِّسة للدولة الإسرائيلية، حيث سقط عند الشعب الإسرائيلي ما كان مقدساً في التاريخ ولا يمكن التساؤل عنه. وتبلور هذا مع اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، والذي انتهى بانسحابها، حيث أصبح المزاج العام متشككاً في أسطورة القوة الإسرائيلية التي تم ترويجها.[8]

السردية الصهيونية حول حرب أكتوبر

تذهب السردية الصهيونية للادعاء بأن إسرائيل "فازت" في الحرب، ورغم الأثر الشديد الذي تركته الحرب في نفوس الإسرائيليين، إلا أن سردية الانتصار تتواجد،[9] مع أنها لا تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، التي تؤكد بما يدع مجالاً للشك أن إسرائيل تعرضت لأكبر هزيمة عسكرية في تاريحها. في الوقت نفسه، حافظت السردية على أكثر من محدد، أهمها ثلاث:

الأول، هو الحفاظ على "أسطورة أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر، ولكنه يمكن أن يُخطِئ"، حيث يتم الترويج إلى أن الفشل الإسرائيلي كان بسبب سوء تقدير القيادات للإنذارات التي أطلقها جهاز المخابرات العسكرية (أمان)، واختلفت السردية في هذا الصدد بين مسئولية القيادات العسكرية أو القيادات السياسية ولكن مع الاتفاق على أن ما حدث كان خطأ تقنياً في ضوء ما يتم ترويجه من مزاعم إسرائيلية واهية حول "القوة الإسرائيلية التي لا تقهر"، وهو ما أطلقه تقرير لجنة "أجرانات" التي تم تشكيلها لبحث أسباب الهزيمة وتقصير الجيش الإسرائيلي في الحرب، وتم تسميته بالـ"محدال" أو التقصير الاستراتيجي.[10]

والثاني، إعادة تخيل الضعف أمام "الخطر" الذي تواجهه إسرائيل بالتواجد جغرافياً بين الدول العربية، وبالتالي فالحرب كانت – وفقاً لهذه المزاعم - عودة ﻹثبات "الحلم العربي" بتدمير وإزالة دولة إسرائيل، والذي لم تتوقع إسرائيل أن العرب ما زالوا يفكرون فيه بعد عدد من الأحداث التي أظهرت التفوق الإسرائيلي، وهو أحد الأسباب التي جعلت إسرائيل لا تتوجه للتعبئة العامة قبل الحرب رغم الإنذارات التي وُجِّهت لها.[11] من هنا، تم تصوير الحرب على أنها قصة انتصار ونجاة من أيادي العرب الذين أرادوا تدمير إسرائيل، وهو ما أكد عليه حاييم هرتسوغ، رئيس إسرائيل السابق في كتابه "حرب الكفارة: القصة الداخلية لحرب يوم الغفران".[12]

والثالث، نوايا مصر من الهجوم، حيث صور الخطاب الصهيوني هذه النوايا على أنها رغبة في تدمير إسرائيل تماماً وليس لأي سبب آخر.

سردية المؤرخين الجدد

من هنا، كان رد المؤرخين الجدد على هذه النقاط على النحو التالي:

أولاً، بالنسبة للترويج إلى أن "الجيش الإسرائيلي أخطأ ولكنه لا يقهر"، تركز سردية المؤرخين الجدد على عدم اعتبار الفشل الإسرائيلي خطأ تكتيكياً-عسكرياً، ولكنه خطأ نابع من عجرفة هيكلية في الرؤية الإسرائيلية للعرب والثقافة السياسية التي ظهرت بين القادة الإسرائيليين بعد العدوان على الدول العربية في يونيو 1967، حيث يؤكد آفي شليم أن الخطأ هيكلي يعود للثقافة السياسة للقادة التي قللت من قدرات العرب، وليس خطأ تقنياً بسبب نقص المعلومات أو ما شابه[13]، وهو خط فاصل بين السرديتين، فالأولى تركز على خطأ تقني داخل منظومة لا تقهر، والثانية تركز على أن المنظومة وهمت نفسها بأنها لا تقهر. 

ثانياً، فيما يخص توجه العرب إلى "تحقيق الحلم بتدمير الوجود الإسرائيلي"، أوضح المؤرخون الجدد أن إسرائيل هي من اختارت الوصول للحرب عن طريق رفض كل مبادرات الحل التي قدمت، وهو ما لم يوفر للدول العربية حلاً سوى الحرب لإعادة أراضيها.[14] ووفقاً لشليم في كتابه "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي"، فإن العرب (مصر وسوريا) كان هدفهم محدد جداً وهو تحرير أراضيهم المحتلة في 1967، ولجأوا إلى عدد كبير من محاولات التفاوض، لكن الرفض الإسرائيلي هو الذي دفع الرئيس جمال عبد الناصر إلى إعلان أن "ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة"، وبدأ في جهود حرب الاستنزاف التي انتهت بحرب 1973.[15] من هنا، فالحرب كانت نتاجاً للتعنت الدبلوماسي الإسرائيلي والرغبة العربية في إعادة الأراضي المحتلة وإعادة الاعتبار للمقاتل العربي والمصري، وليس نتاجاً لحلم عربي بتدمير إسرائيل.

ثالثاً، قال بيني موريس في كتابه "الضحايا الصالحون: تاريخ الصراع الصهيوني-العربي"، والذي يطلق فيه على الحرب اسم "حرب أكتوبر"، أن مصر وسوريا كانتا تدركان جيداً أن قدراتهما العسكرية في هذا الوقت لم تكن كافية لشن حرب تدمير كاملة على إسرائيل، بل عمدت مصر إلى تحقيق هدف تكتيكي وهو عبور القناة لتحسين وضعها على طاولة المفاوضات، في حين كانت تسعى سوريا فقط لتحرير الجولان المحتلة.[16] والدليل على ذلك، وفقًا لإيلان بابي، أن الرئيس أنور السادات تبنى نهجاً دبلوماسياً خالصاً بعد انتهاء العملية العسكرية انتهى بتحرير الأراضي المصرية بشكل كامل، أي أنها كانت حرباً لبدء عملية السلام.[17]

ختاماً، يمكن استنتاج أن السردية التي تبناها المؤرخون الجدد تتشابه – في قسم منها – مع السردية العربية ذاتها، ومن هنا يمكن الاستفادة من سرديات المؤرخين الجدد سياسياً بمحاولة ترجمة السرديات الأكاديمية القائمة على مناهج علمية إلى سرديات سياسية يمكن أن تؤثر في الرأي العام الإسرائيلي، خاصةً وأنها سرديات نابعة من الداخل الإسرائيلي. إذ أنه وبالتركيز على المؤرخين الجدد، يمكن استرجاع أثرهم في الثمانينيات ودورهم في اهتزاز ثقة الشعب الإسرائيلي في مدى أخلاقية التصرفات الخارجية الإسرائيلية. وبالتالي، هي محاولة لإزالة طبقة من طبقات السردية الصهيونية التي تم إعادة تدويرها منذ بداية حرب غزة في 7 أكتوبر 2023.


[1] Derek J. Penslar, “Israel in History: The Jewish State in Comparative Perspective”, (Oxon: Routledge), 2007: 13.

[2] Yoga Gelber, “Nation and History: Israeli Historiography Between Zionism and Post-Zionism”, (Oregon:Vallentine Mitchell): 133

[3] Penslar, “Israel in History”: .20

[4] Ilan Pappé . “Fifty Years Through the Eyes of ‘New Historians’ in Israel.” Middle East Report, no. 207, 1998: 14. https://doi.org/10.2307/3013159.

[5] Rachel Fish, “Zionism and new Israeli History” in The Routledge Companion to Jewish History and Historiography, Ed. Dean Phillip Bell, P.554

[6] Avi Shlaim. “Ten Years after the First War on Gaza, Israel Still Plans Endless Brute Force.” The Guardian, January 7, 2019. https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/jan/07/ten-years-first-war-gaza-operation-cast-lead-israel-brute-force.

[7] Kiani Bismillah. “Book Review: The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge by Ilan Pappé.” Political Science Undergraduate Review 1, no. 1 (October 15, 2015): 27. https://doi.org/10.29173/psur7

[8] Ilan Greilsammer. “The New Historians of Israel and their Political Involvement.” Bulletin du Centre de recherche français à Jérusalem 23 (2012): 4. https://journals.openedition.org/bcrfj/6868.

[9] Charles S. Liebman. “The Myth of Defeat: The Memory of the Yom Kippur War in Israeli Society.” Middle Eastern Studies 29, no. 3, 1993: 399–418. http://www.jstor.org/stable/4283576.

[10] Uri Bar-Joseph. “Main Trends in the Historiography of the Yom Kippur War: A Thirty-Year Perspective.” Journal of Israeli History 24 (2), 2005: 252-3. https://doi.org/10.1080/13531040500195760  

[11] Michael I. Handel. “The Yom Kippur War and the Inevitability of Surprise.” International Studies Quarterly 21, no. 3, 1977: 481-2. https://doi.org/10.2307/2600234.

[12] Herzog, Chaim. “The War of Atonement: The Inside Story of the Yom Kippur War”, (New York: Skyhorse Publishing), 2018.

[13] Shlaim, Avi. “Failures in National Intelligence Estimates: The Case of the Yom Kippur War.” World Politics 28, no. 3, 1976: 348–80. https://doi.org/10.2307/2009975.

[14] Benny Morris. “Righteous Victims: A History of the Zionist-Arab Conflict 1881–2001”, (New York: Vintage Books), 2001: 398.

[15] Avi Shlaim. “The Iron Wall: Israel and the Arab World”, (New York: W. W. Norton & Company), 2000, 287-8

[16] Morris, “Righteous Victims”, 387.

[17] Ilan Pappé. “A History of Modern Palestine: One Land, Two Peoples”, 2nd ed, (Cambridge: Cambridge University Press), 2006: 206-7.