أمل مختار

خبيرة في شئون التطرف والعنف - رئيس تحرير مجلة أحوال مصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

في أحاديث متتالية ربط المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك بين القدرة على تحقيق «السلام» في منطقة الشرق الأوسط وبين عمق فكرة «الدولة القومية». بتعالي استشراقي واضح اعتبر باراك بأن مهمته لإتمام «السلام» لا يمكن أن تتحقق لأن شعوب هذه المنطقة لن تتمكن من فهم فكرة «السلام» الذي استطاعت الدول القومية الغربية تقبله واستيعابه بعد الحروب.

المشكلة في كلمات مبعوث السلام الأمريكي للمنطقة ليس في وصف المجتمعات العربية بأنها مجتمعات تقليدية تعلو فيها الانتماءات العائلية والقبلية والدينية على الانتماء إلى الدولة القومية، وليس في مغالطاته التاريخية في القول أنه لم تكن هناك دولًا في المنطقة قبل سايكس بيكو، لكن المشكلة الأكبر هو ذلك الجزم «الاستشراقي» المتعالي بحتمية فرضيات محددة، ففي كلماته أجزم بما لا يدع أي فرصة للنقاش أو النقد بأن تحقيق السلام لا يتأتى إلا بين مجموعة من «الدول القومية» بالمفهوم الغربي فقط، ومن ثم فإن طرحه  للمنطقة يتلخص في تحسين الأوضاع الاقتصادية للأفراد داخل هذه المناطق التي تسمى «دولًا» ومن ثم يحدث الاستقرار ويعم السلام. على هذا الأساس يصبح «السلام العادل» واستعادة الحقوق وكل هذه الأمور التي تأتي عقب الحروب والصراعات هي ميزة نسبية يستحقها «المتحضرون» فقط من مواطني «الدول القومية» الحديثة، أما المجتمعات التقليدية – من وجهة نظر مبعوث السلام- لا تستحق سوى إدخال مساعدات، وتنفيذ مشروعات استثمارية، وخطط لإعادة الإعمار، حتى يتمكن الأفراد والعائلات والقبائل أن تعيش وتأكل وتتكاثر في مناخ آمن، ومن ثم يتحقق السلام في المنطقة.

على هامش التحليل السياسي والأمني والعسكري، لما يدور من صراعات وحروب وأحداث متتالية في الشرق الأوسط وتعقد المشهد عقب السابع من أكتوبر، يظهر جليًا حاجتنا لتحليل الطرح الأيديولوجي في خلفية هذا الصراع. إن كلمات مبعوث السلام الأمريكي، وغيره كاشفة عن سردية استشراقية جديدة تقدم تصوراتها عن شعوب ومجتمعات المنطقة العربية، عن القيم والدين والعلاقات الاجتماعية ومعنى التحضر والتأخر وجدلية المقاومة والإرهاب، وصولًا إلى تبني تصورات «خاصة» عن طبيعة دول ومواطني المنطقة، تسمح للقوة الأمريكية بالإعلان مرارًا وتكرارًا عن إعادة ترسيم المنطقة، ووضع خطط لمستقبل مواطنيها بصورة فردية «خالصة»، وهو موقف لا ينبني فقط على التفوق العسكري والسياسي، ولكن أيضًا يحمل بعدًا أيديولوجيًا واضحًا حول التفوق المعرفي والحضاري وامتلاك الحق في رسم مستقبل الآخر.

يقول إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق): « كان المستشرق الحديث يرى نفسه بطلاً ينقذ الشرق من العتمة والاغتراب والغرابة، ويرى أنه هو الذي نجح في إدراك ذلك». ويقول أيضًا: «تحت مظلة الهيمنة الغربية على الشرق في أواخر القرن ال 18 نشأت صورة مركبة للشرق ..... وفق وعي غربي سائد، وهو الوعي الذي أفرز هذه الصورة عن الشرق التي لم يطعن فيها أحد».

يبدو أننا في مصر وفي المنطقة العربية، في أمَّس الحاجة لإعادة تقديم ذاتنا الحضارية لأنفسنا أولًا. تقديم مفهومنا الحضاري عن الكثير من القيم، السلام والعدل والمقاومة والحق ... الخ. وأيضًا تقديم انتاجنا الحضاري في الكثير من العلوم والفنون والروحانيات... الخ. وأن نستخدم العلوم المختلفة والدراسات البينية لفهم هذه الذات الحضارية وما نملكه من روافع قيمية داخل المجتمع، ومن ثم نمتلك ناصية القول عن مواقفنا الحالية من هذه التحولات الكبرى التي تحدث داخل مجتمعاتنا وفي الإقليم المشتعل، بل ويكون لنا موقف واضح من رسم خريطة المستقبل التي يعتقد البعض –استنادًا إلى قوة عسكرية غاشمة – أنه قادر على رسمها، بل وإنجاحها بنبرة شديدة التعالي الأيديولوجي.

إن رحلة البحث داخل ذاتنا الحضارية المصرية، تكون بهدف التعرف بصورة أعمق على ما لدينا من مواقف واضحة عن القيم وما نملكه من رصيد حقيقي من الانتاج المعرفي والإنساني والإبداعي، وذلك من خلال استخدام الأدوات الحديثة ومناهج العلوم المختلفة لإعادة اكتشاف ذاتنا الحضارية، وتطوير أدواتنا لإعادة بناء المجتمعات.

المجتمعات التي لا تمتلك صوتًا لا تُرى، ومصر أطلقت صوتها على أرضها المقدسة وفي نطاق سياقها الثقافي العربي وإلى العالم كله. ومن أهم صور صوت المجتمعات، هو «صوت الموسيقى»، بما تشتمل عليه من آلات ونغمات وإيقاع، إلى جانب الكلمات سواء كانت شعرًا أو زجلًا أو نثرَا، فضلًا عن صوت المؤدي، وهو ما نطلق عليه فن الموسيقى والغناء، أو «الغنوة». والغنوة كانت صوت المصريين عبّروا من خلالها عن علاقتهم بالكون وخالقه ومواقفهم من القيم ومزاجهم من السعادة والحزن وبوصلتهم من الخير والشر وقسطهم من المشاعر وقسطاسهم من الحكمة.

أولًا: الموسيقى والمجتمع

يقول المؤرخ الموسيقي المصري الأهم محمد كامل الخلعي، في كتابه الجامع (الموسيقى الشرقي): «لما كان فن الموسيقى من أجل الفنون مذهبًا، وأعذبها موردًا ومشربًا وأمزجها للطباع السليمة وأروضها للنفوس الكريمة.... يدفع الجيش للقتال ويهدي لنفوس الأطفال طيف المنام، لذا عُني به أئمة السلف وأساتذة الخلف كابن سينا والفارابي والأصفهاني».

الموسيقى ليست مجرد وسيلة للتسلية والترفيه، بل هي أداة اجتماعية مهمة تقدم صورة للبنية الاجتماعية، كما تؤثر فيها. إن دراسة تاريخ فن الموسيقى والغناء وتطوراته وتحولاته يقدم رؤية عميقة للتحولات الاجتماعية والتعقيدات والتنويعات داخل المجتمع، وهنا تأتي أهمية علم الاجتماع الموسيقي Sociomusicology، وهو العلم الذي يدرس التفاعلات الموسيقية ضمن قيود البنية الاجتماعية.

لطالما ارتبط الفن عمومًا والموسيقى والغناء على وجه الخصوص بأدوار اجتماعية عديدة. فمن جانب كان لفن الموسيقى والغناء دور مهم في شحذ الهمم وتحفيز النفوس على الدفاع عن الوطن أو عن القضايا الإنسانية والدينية والقيمية الهامة، كما كان لهذا الفن دور كبير في تجميع صفوف الناس في عمل جماعي قد يكون مقاومة أو معارضة أو نشاط من أجل التغيير عن طريق نشر الوعي وتعبئة المجتمعات. ارتبطت الثورات في العالم بإبداع موسيقي وغنائي كبير كما ارتبطت حركات التحرر والتغيير بأغاني خاصة بها، مثلت توحيدًا للصفوف في حينها وإحياء للذكرى بعد مرور السنين.

ومن جانب آخر يمثل الانتاج الموسيقي والغنائي، كنزًا أمام باحثي العلوم الاجتماعية لدراسة قيم واتجاهات وأحوال منتجي هذا الفن، من طبقات وفئات وأجيال مختلفة. هذه دراسة تحتاج لأدوات علم التاريخ والاجتماع والسياسة والموسيقى معًا.

ثانيًا: نهر الموسيقى المصري

في مصر نمتلك تاريخًا طويلًا وإرثًا موسيقيًا وفيرًا ومسارًا من الإبداع المصري الخالص لأنواع من المقامات والجمل الموسيقية وأنواع من الأداء الغنائي الأصيل. كما يزخر هذا التاريخ بتحولات كبرى ترسم مسارًا خاص يتجانس ويتماشى مع التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي مرت على هذه الأمة، وبداخل هذا المسار موجات عاتية وأخرى هادئة تثير دهشة المتتبع لها.

إن فن الموسيقى والغناء المصري، فن أصيل قديم متراكم، تشَّكل تدريجيًا عبر أجيال ومقاهي وأرصفة يحمل خيال وطموح المئات والآلاف من المصريين من مدن وقرى مختلفة. هذا الإبداع وهذا الإنتاج ليس مختلقًا ولا يمكن أن يكون نتاج شركة أو مؤسسة أو بقرار من حكومة ما، إنه تراكم وتداخل واختلاط كثير من الأرواح والأنفس والأمزجة وسياقات وأحداث يومية هادئة وأخرى تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى. سار بجانب النيل الذي أهداه الخالق للمصريين شريان آخر أبدعه الإنسان المصري ألا وهو الغنوة المصرية شريان نتج من أرواح من سكنوا مصر وانصهروا في بوتقتها عبر الزمن شريان جرى في روح المصريين وعبر عن حضارتهم.

أبدع المصريون على مر سنين طويلة أنواعًا مختلفة من الفنون التلقائية للتعبير عن حياتهم اليومية بسلاسة وبلا رقابة من مؤسسات ربحية أو هيئات ثقافية، ثم انتقل هذا الإبداع من دائرة لأخرى ومن مجموعة للتالية ومن جيل إلى جيل لنطلق عليه فيما بعد «الفلكلور». وهو الغنوة المصرية المرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية مثل الخطوبة والزواج والولادة وحتى حفلات الجهاز والتنجيد والحنة وصولًا إلى الموت والعديد ومروًرا بالطقوس الدينية والاحتفالات بالأعياد ورمضان ومناسك الحج أبدع النساء والرجال في الريف المصري وفي السواحل على مر العصور أغاني مبهجة وقوية تعبر عن التراث والميراث الأخلاقي للمجتمع المصري في تفاعله مع كافة محطات حياته، فلكلور حمل أمثال شعبية ومواقف نهائية من قوانين المجتمع وعلاقات الناس ببعضهم البعض داخل الأسر والجيرة والمجتمع.

في المقابل، مر على هذا النهر بعض الموجات العاتية. فالإنتاج الفني يشبه حالة المجتمع وما يمر به هل هي حالة وضوح وتماسك أم تيه وتشتت وتخبط. في فترات ثبات الرؤية واتزان القيم ووضوح المسار يعلو صوت الأغنية بما يعبر عن هذا كله بقوة، بينما في فترات التيه والشعور بالانحطاط والفشل والخذلان إما بسبب التدهور الاقتصادي أو النكبات السياسية والرزوح تحت نير الاحتلال والشعور بالدونية، لكل هذه الأسباب أو أحدها يتجه الناس لإنتاج فنًا بسيط يتعمد الفكاك من كل ما هو معقد ومن كل ما هو قيمي ومن كل ما هو فيه إلزام، باحثًا عن المتعة والتسلية فقط.

قد كان فشل الثورة العرابية ثم الاحتلال الانجليزي وصولًا إلى التدهور الاقتصادي وقسوة والحياة اليومية في فترة الحرب العالمية الأولى، سببًا في انجراف الإبداع إلى ما يناسب هذه الفترة المأزومة وهذا التيه وهذا الشعور بالدونية فظهرت أغاني «الهنك والرنك»، وهي وإن كانت لونًا موسيقيًا جميلًا يعتمد على وجود كورال يردد وراء المطرب أو يرد عليه، إلا أن المناخ السياسي والاقتصادي السالف ذكره قد فتح المجال أمام مطربي وموسيقي هذه الفترة لاستخدام هذا النوع الفني في إنتاج أغاني تناسب عرضها في مجالس الرذيلة، ولولا ظهور الاسطوانات كانت ظلت هذه الأغاني حبيسة تلك المجالس المغلقة.

لكن عندما علا صوت معركة الدستور والاستقلال خلال ثورة 1919، أخذ هذا النوع من الفن في التراجع أمام سطوع نموذج الفن الذي يتخير الكلمات التي تحث على النضال من أجل الوطن أو يعبر عن مشاعر الحب بطريقة راقية وهو ما مثلته بقوة «أم كلثوم» منذ عشرينيات القرن الماضي. هذه الأمواج المتعاقبة هي ما تفسر أن سيد درويش ظل ينتج هذا الفن وذاك، أغاني الهنك والرنك وجلسات «الصهبجية»، إلى جانب أغاني الثورة والنضال، لكن في الحالتين كان إبداعًا إنسانيًا حقيقيًا.

وظلت الأمواج الاجتماعية تتحرك ويتحرك معها فن الموسيقى والغناء المصري، بين وضوح الرؤية وبين التيه، ظهرت أنواع عديدة من الموسيقى والغناء. وبعد قرن كامل من أغاني «الصهبجية» في بداية القرن العشرين، ظهرت في مصر أغاني المهرجانات في بداية القرن الحادي والعشرين، تحمل كثيرًا من التيه والتساؤلات، لكنها عبرت بصدق عن قيم وأفكار وحياة المصريين الساكنين في المناطق المهمشة والعشوائية. ورغم صدمة الطبقة الوسطى والمثقفين، إلا أنه فن يستحق أن يُسمع باعتباره إبداعًا أصيلًا عن شريحة من المجتمع، ويُرى بعين علم الاجتماع، لفهم الكثير عن جزء من المجتمع المصري موجود ويتمدد.

ختامًا

يبقى الموسيقى والغناء، من أهم مكونات الحضارة، ويظل انتاجها مادة غنية لدراسة المجتمعات، ومعرفة قيمها ومواقفها، كما أن هذا الفن يظل أداة لإعادة بناء المجتمعات ورأب الصدع بين المختلفين وتعبئة المواطنين حول قضايا عادلة، كما يمثل أحد أدوات القوة الناعمة للدول.

إلى جانب كل ذلك يظل أحد أهم أدوات المقاومة والتعبير عن القضايا العادلة وإيصال رسالة صاحب الحق إلى العالم، لطالما عبر المصريون عن قضاياهم العادلة بالغناء عبروا عن مقاومة الاحتلال وعن مقاومة الظلم، حتى في فترة الهزيمة غنوا لاستنهاض الشعب لاستكمال المسيرة. ومرت الأحداث السياسية وانتهت الحروب ومعارك التحرر وبقيت الغنوة تحكي النضالات والتضحيات.

واليوم لا زال الفلسطينيون يقاومون أكثر أنواع الاحتلال إرهابًا، وكما يقاومون بالصمود والبقاء في أرضهم، يقاومون أيضًا بالغناء والفن، ربما ليس فقط لتحرير الأرض لكن ليحافظوا على هويتهم أينما اضطروا أن يذهبوا، فإن كنا في مستهل الكلام بدأنا بالقول «إن المجتمعات التي لا تمتلك صوتًا لا تُرى»، نختم بأن «المجتمعات تغني لتبقى».