د. معتز سلامة

رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي

 

لم يكن مفاجئاً أن يستهل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 سبتمبر 2025، باستعراض خريطة ما أسماه بـ "لعنة هلال إيران الإرهابي"، مستعرضاً اغتيالاته لقادته، وهم وفق ما ذكر: (نصف قيادة الحوثيين في اليمن، يحيى السنوار من حماس، حسن نصر الله في حزب الله، نظام الأسد في سوريا، المليشيات في العراق، قيادة إيران العسكرية العليا وعلماؤها النوويون).

جاء تصدير نتانياهو كلمته باستعراض "إنجازات" جيشه ضد هذا المحور مفهوماً؛ حيث شكل الفاعلون المتوازيون مع الدولة -من الجماعات والمليشيات والفصائل- التحدي الأكبر لإسرائيل على مدى العقدين الماضيين، بعدما تراجع النظام الرسمي العربي عن تصدر المواجهة العسكرية وتراجعت الحالة الصراعية مع إسرائيل، وبرز ما يشبه نظام عربي مراجع غير رسمي، مثلته حماس وحزب الله والحوثي والحشد الشعبي.. وغيرهم، وجدت أطرافه نافذتها لتعزيز الشرعية وتصريف طاقاتها الداخلية بإعلاء صوتها في المواجهة مع إسرائيل، ولعبت أدواراً سعت لسحب البساط من تحت الدول، وأصبحت أسماء حزب الله والحوثي والحشد الشعبي تنافس أسماء دول لبنان واليمن والعراق.

أولاً: حصاد جولات ما بعد الطوفان للفاعلين المتوازيين

تمكن الفاعلون المتوازيون مع الدولة بالجولات العسكرية ضد إسرائيل قبل طوفان الأقصى من بناء شرعية أضفت عليهم-وفقاً لاتجاهات عديدة-طابعاً من القداسة، برزت خلال التداول الإعلامي لأسماء مثل (السيد) حسن نصر الله، الذي لحق به اسم (السيد) عبدالملك الحوثي بعد طوفان الأقصى. لكن خسائر جولات ما بعد الطوفان وتمكن إسرائيل من القضاء السريع على رموزهم، وما بدوا عليه من اختراقات وهشاشة بنيوية، أدخل أبعاداً جديدة على الصورة الخارجية التي رسمت حول هؤلاء الفاعلين، وأكدت أمرين أساسيين:

 1- الإجهاز على معادلة الردع اللاّ متماثل: تأسست معادلة الردع بين إسرائيل وكل من حماس وحزب الله في العقدين الماضيين على قدرٍ من التكافؤ والتعادل في الخسائر، قياساً على المقارنة بين أداء وقوة دولة (كإسرائيل) وأداء وقوة حزب أو فصيل داخلي. على خلاف ذلك، جاء حصاد المواجهات بين إسرائيل و"الفاعلين المتوازيين" بعد 7 أكتوبر ليؤسس "معادلة ردع جديدة" لمصلحة إسرائيل، بعد أن تمكنت من جعل الشاغل الأساسي للجماعات في أوضاعها الوطنية في الداخل.

بُنيت معادلة الردع السابقة لطوفان الأقصى على الخسائر المختلة لمصلحة إسرائيل، لكن مع مكاسب عسكرية ومعنوية للحزب والجماعة حرمت إسرائيل من ادعاء النصر الكاسح، وتمكن بها كل من الحزب والجماعة من استمرار الترويج لسرديتهما. اتجهت إسرائيل قبل 7 أكتوبر لإحداث دمار شديد بالبنية العسكرية للحزب وللجماعة إلى جانب البنية الوطنية في كل من لبنان وغزة، على نحو جعل كلاً من الحزب والجماعة يتمنيا أن لو لم يكونا قد انساقا إلى الحرب من البداية، لكن الحصاد الإجمالي للمواجهة كان يميل إلى توسيع قاعدة الدعم والإسناد اللبناني والفلسطيني لحزب الله وحماس، على نحو أجهض تراكم عوامل ضغط تحول دون تكرارهما التجربة.

في مقابل ذلك، لم تجعل نتائج كل جولة سابقة بين إسرائيل والجماعتين الحرب بالنسبة لإسرائيل فسحة أو نزهة. لقد انتهت الجولات السابقة على طوفان الأقصى 2023 بخسائر شديدة على حزب الله وعلى البنية التحتية للدولة اللبنانية خاصة في حرب 2006، لكن خرج الحزب مدعياً تحقيق النصر، وانتهت جولات إسرائيل في غزة في 2008 – 2009، و2012، و2014، و2021 و2022 بخسائر على حماس، لكن بخسائر أيضاً على إسرائيل.

بعد طوفان الأقصى، عملت إسرائيل على الإجهاز التام على معادلة الردع بينها وبين حزب الله وحماس؛ فتمكنت من إفقاد الحزب قيادته الكاريزمية وقادته من الصف الأول والثاني وأجبرته على التراجع داخل حدود لبنان كحزب يتمثل أقصى طموحه في أن ينجو بنفسه من نزع سلاحه كمطلب شعبي وحكومي لبناني داخلي(أيضاً). وبالنسبة لحماس، جعلتها المواجهة على حالة من الضعف الشديد.

وعلى الرغم من أن نتائج 2023 – 2025 كانت قاسية على إسرائيل أيضاً، فقد لا تتوافر ظروف مماثلة لتلك الظروف التي توافرت خلال جولات الحرب الأخيرة، في ظل حكومة يمينية شديدة التطرف وشديدة التماسك خلف التطرف، مع معادلة ردع جديدة هيمنت على عملية صناعة القرار، وفي ظل إدارتين أمريكيتين -ديمقراطية ثم جمهورية- تنافس رئيساهما (بايدن وترامب) على من يفوز بتقديم الدعم الأقصى لإسرائيل.   

صبت نهايات جولات ما بعد 7 أكتوبر 2023 في مصلحة كسر معادلة الردع التي ترسخت منذ العقد الأول من القرن الحادي العشرين بين إسرائيل والفاعلين المتوازيين، وكان حصادها الإجمالي إطلاق يد إسرائيل في إمكان تكرار ضرب الجماعات والنيل من قادتها عبر ذراعها العسكرية وجواسيسها من الجيوش الرديفة، ما شكل دعماً لمواقف وتيارات داخلية أخذت تفكر في إعادة ترتيب أوضاع الجماعات على أرضية وطنية جديدة.  

2- كسر الدورة الزمنية للحروب أو استطالتها: على الرغم من إعلان إيران-بعد حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل-استمرار علاقتها بحلفائها ودعمها لهم (عن بعد)، على نحو ما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي عن علاقة بلاده بحزب الله، إلا أنه يصعب تصور إمكان إعادة بناء شبكة الفاعلين من غير الدول في لبنان وغزة وسوريا والعراق واليمن، على نحو ما حدث خلال العقود الماضية، لأسباب كثيرة، منها:

أ- الحصاد المر للجولات العسكرية: تمكنت إسرائيل من اختراق كوادر الحزب والجماعة على نحو يجعل كل منهما يفكر كثيراً قبل تكرار سيناريو مماثل لـ 7 أكتوبر، هذا إن بقى لكل منهما كيانه ووجوده الرسمي في ظل اتفاقيات وقف النار مع حزب الله وحماس. وأحدثت المواجهات خلخلة في أوساط القاعدة العسكرية والشبابية لكليهما، بحد جعل هدفهما الأساسي ينصب على النجاة من المساءلة الداخلية والعودة لما قبل 7 أكتوبر. بالمقابل، سيشكل حصاد الجولات بالنسبة لإسرائيل درساً يجري الاستفادة منه عند الظروف المماثلة، ومسطرة لقياس مقدار نجاح أو فشل أي حكومة إسرائيلية مقبلة. صحيح أن إسرائيل حققت مكاسب عسكرية، لكنها لم تحقق كامل أهدافها من الحرب، وكانت الأثمان التي دفعتها كبيرة؛ أهمها الإنهاك العسكري على مدى عامين، وتلطيخ سمعتها بتهم الإبادة والتطهير العرقي، وإدانة قادتها أمام المحكمة الجنائية، وتوسيع قواعد التأييد العالمي لحل الدولتين.

ب- حصار ممرات الإمداد البري والبحري: كان الرفد الإيراني للفاعلين المتوازيين مع الدولة جزءاً من استراتيجية طهران لممارسة النفوذ الإقليمي عبر الوكلاء، ما مكنها من إيصال الدعم المادي والمعنوي لهم من خلال منافذ متعددة كان أهمها ممرات العبور السورية. لكن إيران تعرضت لضربات شديدة جعلتها تركز على معالجة ما كشفت عنه الضربات الإسرائيلية من جوانب خلل ونقص في دفاعاتها الجوية، بينما يحكم سوريا الآن نظام سياسي معادٍ لإيران وينشد التطبيع في ظل احتلال الجولان، وتسيطر إسرائيل على ممرات الوصول بين حزب الله وإيران عبر سوريا. وفضلاً عن تعطل ممرات العبور، تقف الحالة السياسية والعسكرية والتعبوية لحزب الله وحماس حائلاً دون استمرار تدفق التجنيد للجماعتين. على جانب آخر، تبدو معادلة الردع التي توصلت إليها إسرائيل مع الحالة في العراق أكثر إقناعاً للفصائل العراقية بشكل دفعها إلى مغادرة الساحة مبكراً دون مزيد من المناوشات. لم تتمكن إسرائيل حتى الآن من بناء الردع مع الحوثيين، لكنها على الأرجح لن تهدأ دون ترسيخها، سواء جرى ذلك بتراجع طبيعي بعد اتفاق وقف النار في غزة، أو بهجمات عسكرية تقوم بها إسرائيل بقرار منفرد لاستعادة المبادرة بأثر رجعي، في حال استمرار إطلاق الصواريخ من اليمن أو حتى في حال توقف الحوثيين.    

ج- المساءلات والاستحقاقات في الداخل: يفتح حصاد المواجهات بين إسرائيل وكل من حزب الله وحماس أسئلة كثيرة حول الوضعية التمييزية الاستثنائية للفصائل والجماعات في الداخل؛ ففضلاً عن تراجع الزخم النضالي، فقد وضعت الضربات الإسرائيلية كلاً من الحزب والجماعة إزاء مساءلات داخلية حرجة، خاصة في لبنان، حيث لم تعد المطالبات بنزع سلاح الحزب مطالبات خارجية كشرط إسرائيلي مسبق وبدعم أمريكي (تمثل في تقديم الولايات المتحدة 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية لنزع سلاح الحزب)، بل مطالبات داخلية أيضاً، برزت في قرار الحكومة اللبنانية في 5 أغسطس 2025 بحصر سلاح الحزب بيد القوى الأمنية، في أعقاب الدمار الذي لحق بلبنان خلال الحرب، التي خاضها الحزب من دون تفويض من الحكومة، وفي ظل وعود دولية ببرامج إعادة إعمار ودعم اقتصادي مشروط بنزع السلاح. الأمر نفسه مع حماس، التي تشترط إسرائيل نزع سلاحها وإبعاد قادتها عن غزة، وهو مطلب للسلطة الفلسطينية أيضاً منذ أمد بعيد، وسوف تكون السلطة على رأس المستفيدين من إبعاد حماس عن حكم غزة. ومع أن جماعة الحوثيين تبدو بعيدة عن ذلك، إلا أنها بمجرد توقفها عن إطلاق الصواريخ وتراجع زخم الحرب ووقف النار في غزة، سوف تجد نفسها إزاء تحديات كثيرة، تجعل استقرارها على وضعيتها الراهنة احتمالاً بعيداً.

إلى حد كبير، يؤدي ذلك إلى التعطيل الكلي لدورة الحرب بين إسرائيل و"الفاعلين المتوازيين"، أو على الأقل يجعلها تستطيل لأمد زمني يصعب تحديده، على خلاف الوضع السابق، الذي قصّر فيه الحصاد شبه المتعادل للمواجهات العسكرية مع إسرائيل -على جانب الجماعات- من الدورة الزمنية لتكرارها. 

ثانياً: بعد شرم الشيخ.. الحصاد الإجمالي للمواجهات

بعد أن وصلت حرب طوفان الأقصى وعمليات: "السيوف الحديدية" و"الأسد الصاعد" و"عربات جدعون" وغيرها، إلى ما يمكن أن يكون محطتها النهائية أو شبه النهائية، فإن نظرة شاملة على الحصاد الإجمالي للمواجهات العسكرية الإسرائيلية مع "الفاعلين المتوازيين" بات أمراً مطلوباً عربياً بشكل ملح؛ حيث أنه على مدى العامين الماضيين، جرى استخلاص دروس وعبر كثيرة من هذه المواجهات عبر محطاتها المختلفة، قبل أن تصل إلى محطتها النهائية أو غير النهائية الراهنة، ومن ثم كانت بوصلة النظر مقصورة على رواية عسكرية غير مكتملة.

الآن، هناك حاجة لإعادة تعريف واكتشاف بعض الحقائق، على الأقل بخصوص زاوية واحدة، وهي زاوية النظر إليها كحرب بين الدولة (إسرائيل) و"الفاعلين المتوازيين مع الدولة"، حيث أن البحث في استخلاصات ونتائج الحرب من هذه الزاوية يصحح الصورة ويوازنها، لأن بقاء الأمر عند حد المشهد العسكري الظاهري الذي طغى طيلة عامي الحرب قد يكرس لبعض الخلل في التفكير الاستراتيجي، ويؤسس لأفكار غير صحيحة بشأن تقديرات نتائج الحرب. وما أكثر التباين والاختلاف حول النتائج على الجانب العربي بشكل خاص، وعلى الجانب الإسرائيلي أيضاً، بسبب تدخل اعتبارات متأثرة بمصالح وانحيازات أيديولوجية وسياسية مختلفة.

يشير الحصاد الإجمالي وتقييم السلوك الإسرائيلي خلال الحرب بعد إبرام اتفاق شرم الشيخ، إلى أربعة جوانب مهمة، لم يوفر إيقاع الضغط العسكري والإنساني المتلاحق وقتاً لتدقيقها أو البحث فيها، تتمثل فيما يلي:

1- حروب لا متماثلة.. لا حروب نظامية: لم تكن الجولات العسكرية التي خاضتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023 حروباً بين جيوش نظامية، وإنما مواجهات بين جيش نظامي (هو الجيش الإسرائيلي)، وجماعات وقوى غير نظامية، وهذا النوع من الحرب يجري تسميته بـ "الحروب اللاّ متماثلة"، تمييزاً لها عن الحروب التي تدور بين الجيوش، والتي تتبع خططاً وتكتيكات متقاربة.  

خمسة من الجبهات السبع التي أشار إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطاباته كجبهات لما أسماه بـ "حرب القيامة"، كانت ضد فاعلين من غير الدول، اثنان منها لم تكونا جبهات عسكرية نشطة (سوريا والعراق) وإنما فقط مُستقبِلة للضربات الإسرائيلية، خصوصاً سوريا. أما الثلاثة الباقون (حزب الله، وحماس، والحوثي)، فمن الصعب القول بأن إسرائيل تمكنت من إلحاق هزيمة كاملة باثنين منهم (حماس والحوثي). بينما لم تشهد جبهة الضفة الغربية حرباً بين إسرائيل وجماعات بنفس درجة القوة لحماس/ غزة وحزب الله/ لبنان، وإنما شهدت عمليات عسكرية قامت بها إسرائيل من جانب واحد.

الجبهة التي يمكن القول بأن إسرائيل كانت فاعلة في مواجهتها عسكرياً هي جبهة حزب الله في جنوب لبنان؛ مكّن إسرائيل من ذلك حالة الجوار المباشر وتوافر بنك أهداف ثمين في متناول الضربات العسكرية، وساعدتها أوضاع تخص الحزب داخل الدولة اللبنانية، مع المفاجآت والاختراقات المعلوماتية والاستخباراتية. بل يمكن القول بأن الدولة اللبنانية حسمت معركة إسرائيل مع حزب الله ربما أكثر مما حسمتها إسرائيل ذاتها، حين حوصرت الدولة بين خياري التدمير -وتكرار ما حدث 2006 بصورة أبشع بكثير- أو التصدي لوضعية الحزب.

أما الحرب الوحيدة التي خاضتها إسرائيل مع الدولة فهي حربها مع إيران، التي يصعب القول أيضاً بأنها كانت حرباً بين جيشين، وظّف كل منهما كامل طاقته العسكرية خلالها، كما أنها انتهت بتعادل نسبي وطلب كل من إيران وإسرائيل وقف النار، مع استعانة إسرائيل بالضربة الأمريكية الحاسمة لمفاعلات فوردو ونطنز وأصفهان.

2- تحييد الحالة العسكرية الرسمية العربية: فضلاً عن "زيف" المقولة الإسرائيلية حول الحرب على الجبهات السبع، وتقديم الجبهات الساكنة والهشة كأنها حروب فعلية مع جيوش كبيرة، لم تكن الحرب حرباً عربية-إسرائيلية، ولا يمكن تحميل نتائج هزائم الجماعات على الدول أو على الجيوش النظامية، التي لم تدخل في حرب فعلية مع إسرائيل منذ عام 1973. بل إن بعض الدول العربية ربما كان لها مصالح وطنية أو سياسية في إجهاض هذه الحالة من اختطاف الدولة على أيدي فصائل داخلية تتحدى الدول وتنافسها على الأرضية ذاتها. 

وعلى الرغم من انعكاس الحرب على الجغرافيا السياسية العربية وعلى الشعوب والمجتمعات، حرصت إسرائيل طيلة السنتين على تجنب الاشتباك مع الحالة العسكرية النظامية العربية، بما يضمن عدم توسيع الحرب واستمرار الرهان على التطبيع. وسعت الدول العربية أيضاً إلى تجنب الحرب مع الجيش الإسرائيلي، لكنها بالتأكيد كانت ترقب نتائجها عن كثب واستخلصت العبر والدروس من جولات المواجهات، وربما هذه هي المكاسب الذهبية للجيوش العربية من حروب إسرائيل مع الجماعات.

مارست إسرائيل خلال عامي الحروب سلوكيات تلمح إلى أنها لا تعبأ بالمواجهات مع الجيوش العربية، وتحركت كأنها لا تبالي بمواجهة عسكرية مباشرة مع أي منها، واستثمرت خزينتها المعلوماتية والاستخباراتية وقدراتها الجوية في استهداف قادة وعناصر وبنية الجماعات، ونجحت في الاستهداف المتكرر لقادتهم ولقادة عسكريين وسياسيين في إيران، وأبرزت قدرة ذراعها الطويلة من قواتها الجوية وجيوشها الاستخباراتية الرديفة، مما كان له تأثيره النفسي في مختلف الاتجاهات ومنها على الجيوش الرسمية.

كان استمرار إسرائيل في خوض الحرب على مدى عامين واستعدادها للتضحية بالرهائن في مقابل تحقيق المكسب الاستراتيجي الإقليمي الأعظم، هو أمر على خلاف ما كان يدرّس بشأن العقيدة العسكرية الإسرائيلية وأنها لا تقوى على الحرب الطويلة، وهو ما يدعو لإدخال تغييرات في الإدراك والفهم العربي لإسرائيل، التي خاضت مواجهات صدّرتها قيادتها السياسية والعسكرية للرأي العام الداخلي باعتبارها حرب وجود أو فرصة لبناء إسرائيل الكبرى.

لذلك على الرغم من الصدمة الشاملة من السلوك الإسرائيلي الذي أسماه البعض بـ "العربدة" الإقليمية، فقد استمرت الحالة الرسمية العربية على وضعيتها، لاسيما فيما يتعلق بالرهان على خيار السلام.  

3- تعظيم النتائج النظامية من مواجهات لا نظامية: كان أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل منذ اليوم الأول، هو السعي لتوظيف نتائج المواجهات وتضخيمها في فرض واقع إقليمي يتجاوز النطاقات المحددة لإنجازها العسكري فيها، وكان تركيزها الأساسي على المفاجأة بقدراتها الاستخباراتية والجوية في توجيه ضربات دقيقة لمن أسمتهم بالأعداء.

أشار حصاد الحرب الكلي إلى قدرات إسرائيل على التدمير الشديد لأعدائها دون إيلاء اعتبار لمحاسبات دولية أو لوقوع خسائر في صفوف المدنيين، كما أشار إلى قدراتها على إلحاق تخريب واسع بالبنى التحتية للدول، وهو أمر بالتأكيد تأخذه الجيوش العربية في مدركاتها لما يتعلق بحسابات القرار الإسرائيلي. عملت إسرائيل طيلة سنتي الحرب أيضاً على التأكيد على قدرتها على هزيمة أعدائها، دون تحديد من هم الأعداء، ومن ثم كان خطابها موجهاً لمن يهمهم الأمر، وعملت على ادعاء وسرقة حالة من "التفوق الاستراتيجي" على الجيوش، استناداً إلى نتائج معارك ضد من هم غير جيوش.

لم تعمل إسرائيل على تعظيم النتائج النظامية من المواجهة اللا نظامية فقط، وإنما عملت على تسييد منطق الهيمنة على الإقليم بطرح رؤية التهجير للفلسطينيين في غزة، وإعلان اعتزامها تغيير الشرق الأوسط وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، ومن ثم إحداث أكبر قفزة على نتائج الحروب مع الجماعات وتوظيفها في إحداث تغيير كلي في الحالة الرسمية، وإعادة طرح الأحلام الكبرى للمشروع الصهيوني التاريخي. 

وفي السياق، لا يمكن الاستناد إلى نتائج المواجهات الإسرائيلية على "الجبهات السبع" في تعميم تقدير بشأن قدرات القوة الإسرائيلية في مواجهة الجيوش النظامية، أخذاً في الاعتبار التطورات النوعية بالجيوش العربية تجنيداً وتدريباً وتسليحاً على مدى العقود الماضية منذ حرب 1973.   

4- بناء "الردع المدني" وتعظيم الوطأة العسكرية للحرب: على غرار السعي إلى تعميم وتسويد نتائج حرب لا نظامية على الحروب النظامية، وظّفت إسرائيل استهداف المدنيين وإيقاع خسائر غير مسبوقة في صفوفهم في فرض حالة يمكن تسميتها بـ"الردع المدني"، وهي حالة تهدف لإحداث نتيجة مماثلة لنتيجة الردع بالقوة النووية، من ثم تحقيق الهدف المماثل للهدف الذي حققته الولايات المتحدة بضرب مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالسلاح النووي في الحرب العالمية الثانية.

وإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد سعى مرات كثيرة لتصوير طوفان الأقصى على أنها "11 سبتمبر إسرائيلية" لتقريبها إلى العقل الأمريكي، فإن إسرائيل باغتيالها ما يناهز 70 ألف فلسطيني علاوة على 170 ألف جريح، إلى جانب 9500 مفقود، مع إلحاقها التدمير الشامل لغزة وممارسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، قد أجهزت أو استهدفت الإجهاز على نسبة تجاوزت 10% من سكان غزة لأجل إلحاق الهزيمة النفسية بمن تسميهم أعدائها، وفضلاً عن أن استهدافها للمدنيين يفرض ضغوطاً عسكرية ونفسية على من يواجهونها من مليشيات وجماعات، فإنه يلقي بالرعب في صفوف المدنيين وينتهي الأمر لتحميل الجماعات وليس إسرائيل ثمن الخسائر من الأرواح. ولقد أدى وجود حكومة أقصى اليمين من المتطرفين الدينيين والقوميين الذين أداروا الحرب بـ"هيستيريا الجنون" إلى جعل سلوك إسرائيل بعد 7 أكتوبر يتجاوز أي خيال أو تفكير.

وهكذا لا يمكن القول بأن الجماعات التي واجهت إسرائيل من الفاعلين المتوازيين مع الدولة كانوا متحررين تماماً في المواجهة العسكرية مع إسرائيل، خاصة مع سعي الأخيرة إلى تحميلهم جسامة أثقال وأعباء الضحايا من المدنيين، وهو أمر على الأرجح وضع قيوداً على قراراتهم العسكرية.

خاتمة

لم تكن الحروب التي خاضتها إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023 حروباً إسرائيلية–عربية بالمعنى المتعارف عليه للحروب، ولا يمكن اعتبارها جولات تضاف إلى جولات الحروب العربية-الإسرائيلية في 1956 و1967 و1973، ومن ثم هي ليست حرباً انهزم فيها العرب، أو انتصرت فيها إسرائيل. والتوصيف الحقيقي لها أنها كانت مواجهات بين إسرائيل والفاعلين المتوازيين مع الدولة. بالتأكيد كانت لهذه المواجهات العسكرية أصداؤها وانعكاساتها على تقديرات الدول والمجتمعات حول موازين القوى في الإقليم، وسوف يكون لها تأثيراتها على الجيوش النظامية.

أكد حصاد المواجهة بين إسرائيل والجماعات أنه ليس هناك قاعدة عامة للهزيمة أو الانتصار في الحروب اللاّ متماثلة، وأن هناك شروطاً لانتصار الجيش النظامي أو هزيمته أمام الجماعات اللاّ نظامية، أهمها طبيعة التضاريس والأرض وحالة الدولة المضيفة وسلاسل الإمداد، في مقابل التفوق العسكري والتفوق في التكنولوجيا والاستخبارات التي تمكن من إحداث انهيارات سريعة على الجبهات، وتوافر الدعم الذي يتلقاه الجيش النظامي من دولة كبرى، فضلاً عن توافر البيئة الحاضنة.

في حالة إسرائيل، توافر للجيش الإسرائيلي مدداً عسكريا لا نهائياً من الولايات المتحدة، كما توافرت له الأرضية الحاضنة من الدولة والمجتمع، التي مارست مختلف أساليب الضغط لقطع سلاسل الإمداد عن الجماعات، واستخدمت أساليبها في القهر الوطني للسكان المدنيين، وكانت إسرائيل مطلقة السراح في اغتيال المدنيين دون تحمل أي تكاليف غير تكلفة سوء السمعة الدولية، وهو أمر لم تعيره إسرائيل اهتماماً كبيراً.

وعلى الرغم من أن بيئة غزة ليست هي البيئة التضاريسية العصية المماثلة لبيئة الحرب في أفغانستان، فقد مكنت الهندسة الغامضة والمعقدة للأنفاق، في الرقعة الجغرافية الميكروسكوبية لغزة، حركة حماس من الوقوف حتى النهاية طرفاً في التسوية، حتى خرجت عناصرها إلى السطح بعد اتفاق شرم الشيخ في 13 أكتوبر 2025 لتعدم خصومها ميدانياً.

في الأخير، إذا لم تكن المواجهات العسكرية بين إسرائيل والفاعلين المتوازيين قد أنهت أو كسرت دورة الحروب بينهما التي استمرت لعقود، فإنها على الأقل قد عملت على استطالتها، ذلك في حال تمكن هؤلاء الفاعلين من النجاة بسلاحهم هذه المرة.