لم يكن خطاب رئيس الوزراء الصيني لي تشيانج، الذي ألقاه في 26 سبتمبر 2025 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين مجرد كلمة دبلوماسية في سجل طويل من الخطب التي تتوالى على منصة المنظمة الدولية كل عام، وإنما كان أقرب إلى إعلان سياسي شامل، أو لنقل إلى بيان استراتيجي، أرادت به بكين أن تضع نفسها في قلب لحظة تاريخية يتشكل فيها النظام العالمي من جديد.
إذ كان واضحاً أن رئيس الوزراء الصيني، وهو يلقي هذا الخطاب، لم يكن يخاطب ممثلي الدول وحدهم، وإنما كان يتحدث إلى العالم كله: إلى القوى الكبرى التي تشعر أن هيمنتها تتآكل، وإلى الدول النامية التي تبحث عن موقع في المعادلة، وإلى الرأي العام الدولي الذي يرقب بقلق أين يمضي العالم في ظل الصراعات المتلاحقة والأزمات المتفاقمة. وأحسب أن الرسائل التي حملها الخطاب الصيني هذا العام لم تكن مصاغة بلغة الصدفة، بل بلغة مدروسة بعناية، توزع بين ظاهر دبلوماسي مهذب، وباطن سياسي عميق. وهنا بالضبط تكمن دلالات هذا الخطاب، الذي ينبغي لنا – في مصر والعالم العربي – أن نقرأه بعين الباحث عن الفرص والتحديات معاً.
"التعددية الحقيقية" كخيار استراتيجي لا رجعة عنه
كان المحور الأول في الخطاب هو التأكيد المتكرر على فكرة "التعددية الحقيقية"، وهي ليست مجرد عبارة إنشائية. فالصين، التي خبرت على مدى قرنين معنى أن تكون ضحية لهيمنة خارجية، تدرك أن النظام الدولي الأحادي لا يوفر لها الأمان، مهما بلغت قوتها الاقتصادية أو العسكرية. ولذلك، حين تتحدث بكين عن التعددية، فهي تعلن في الحقيقة رفضها لأي صيغة يعاد إنتاجها على مقاس قوة واحدة.
كان خطاب لي تشيانج يوجه رسالة غير مباشرة إلى واشنطن بأن زمن التفرد بالقرار الدولي قد ولّى، وأن المؤسسات الأممية يجب أن تعاد إليها الروح، لا باعتبارها ساحات نفوذ، بل باعتبارها منصة حقيقية لصياغة القواعد المشتركة. وعندما دعت بكين إلى إعادة توزيع موازين القوة في مجلس الأمن، وفي منظمة التجارة العالمية، وفي كل مؤسسات النظام الدولي، فقد كانت هذه الدعوة في جوهرها دعوة إلى "نزع الشرعية" عن السياسات الأحادية التي تتخذها بعض العواصم الغربية، وتفرض بها عقوبات أو قرارات دون توافق دولي.
التنمية… الشرعية الجديدة للقوة
المحور الثاني في خطاب رئيس الوزراء الصيني كان الاقتصاد والتنمية. هنا تحدثت بكين بصوت الواثق: نحن قادرون على الاستمرار في النمو رغم الأزمات. ولم يكن الأمر مجرد عرض لأرقام أو نسب، وإنما كان إعلاناً عن فلسفة سياسية ترى في التنمية مدخلاً للشرعية الدولية. فالصين، على خلاف معظم القوى الغربية التي تبني نفوذها على الهيمنة العسكرية، تعرض نفسها على العالم كـ"شريك تنموي". مبادراتها في البنية التحتية، وفي التكنولوجيا، وفي الذكاء الاصطناعي، ليست مشروعات منفصلة، وإنما هي أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للعالم.
وليس سراً أن هذه الاستراتيجية تخاطب بالأساس دول الجنوب العالمي: إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وآسيا. تلك الدول التي ملت وعود الغرب ولم تحصد سوى القليل. وهنا، تقدم بكين نفسها بديلاً: لا نتدخل في سياساتكم، ولا نفرض عليكم شروطاً أيديولوجية، بل نمد لكم يد التعاون من أجل التنمية. وهذا المدخل يمثل صيغة جديدة للنفوذ، لا تفرض بالقوة المسلحة، بل تُبنى بالطرق والجسور والموانئ وشبكات الاتصالات. وهو نفوذ أكثر صلابة مما قد يظن البعض.
المناخ… القوة الناعمة في ثوب أخضر
المناخ كان العنوان الثالث في خطاب لي تشيانج. قد يبدو للوهلة الأولى أنه مجرد مسايرة للغة العصر، لكن القراءة المتعمقة تكشف غير ذلك. فالصين، وهي ثاني أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية في العالم، تدرك أنها في مرمى النقد الدولي. ومن ثم، أرادت بكين أن تستبق الهجوم بإعلان التزامها بالمشاركة في الجهد العالمي لمكافحة التغير المناخي.
لكنها، في الوقت ذاته، أصرت على قاعدة "المسؤوليات المشتركة ولكن المتمايزة". أي أن الشمال الصناعي الذي استفاد قروناً من النمو على حساب البيئة لا يجوز أن يفرض على الجنوب أعباءً تفوق قدراته. وبهذا، وضعت بكين نفسها في صف الدول النامية، حتى وهي قوة كبرى، لتكسب تعاطف الجنوب، وتجد لنفسها موقعا وسط في معادلة معقدة: "شريك للغرب في قضايا الكوكب، وحليف للجنوب في مطالبه العادلة".
القضايا الساخنة… الحياد المحسوب
لم يخل الخطاب الصيني أيضاً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام من تناول للأزمات الدولية الراهنة: أوكرانيا، وفلسطين، والأمن الغذائي. هنا بدت الصين حريصة على الإمساك بخيط رفيع من التوازن. فهي تدعو إلى الحوار، وترفض العقوبات الأحادية، وتحذر من الحروب بالوكالة.
لكن وراء هذا الخطاب العام توجد استراتيجية واضحة: أن تبقى بكين على مسافة واحدة من الأطراف المتصارعة، دون أن تورط نفسها في مواجهة مباشرة مع الغرب، وفي الوقت ذاته تحافظ على صورتها كقوة يمكن أن تقوم بدور الوسيط النزيه. وهذا هو ما يمكن تسميته "الحياد المحسوب": ليس حياداً سلبياً، وإنما حياد نشط يمنحها هامشاً واسعاً للحركة ويجعلها طرفاً ضرورياً في أي حل سياسي.
المبادرات الأربع: معمار بديل للنظام العالمي
في الخطاب نفسه، رسم رئيس الوزراء الصيني صورة واضحة لمستقبل النظام الدولي، من خلال أربع مبادرات تشكل معماراً متكاملاً بديلاً عن الوضع الراهن. المبادرة الأولى، المتعلقة بالتنمية العالمية GDI، تجاوزت شعار "الحزام والطريق" لتضع قضية تقليص الفجوات التنموية ومساندة دول الجنوب في صميم السياسة الدولية.
أما المبادرة الثانية، الخاصة بالأمن العالمي GSI، فقد دعت إلى اعتماد نموذج أمني يرتكز على الحوار والتعاون، بعيداً عن الأحلاف العسكرية الصلبة التي هيمنت على الفكر الغربي لعقود.
وفي مجال الثقافة والحضارة، تقدمت المبادرة الثالثة، التي تحمل اسم الحضارة العالمية GCI، لتؤكد على حق التعددية الثقافية والحضارية في مواجهة المركزية الغربية التي اعتبرت نفسها دائماً المعيار الوحيد للتقدم.
وأخيراً، جاءت مبادرة الحوكمة العالمية GGI لتدعو إلى إصلاح مؤسسات الأمم المتحدة والهيئات المالية الدولية، بحيث تعكس توازن القوى الجديد وتمنح صوتاً أكبر للدول النامية.
هذا الربط بين التنمية والأمن والحضارة والحوكمة لا يعكس مجرد استراتيجيات منفصلة، بل يعكس فهم بكين العميق لطبيعة القيادة الدولية في القرن الحادي والعشرين؛ قيادة لا تقوم على عنصر واحد، بل على معمار شامل يربط بين مصالح الشعوب وقيم التعاون والعدالة، ويمنح خطاب بكين مصداقية أوسع على الساحة العالمية.
الصين بين الواقعية والأخلاقية
واحدة من أكثر النقاط لفتاً للانتباه في خطاب رئيس الوزراء الصيني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت محاولة الصين المزاوجة بين الخطاب الأخلاقي والحسابات الواقعية. فمن ناحية، تبنت بكين لغة "المصير المشترك للبشرية"، وضرورة تجاوز عقلية الحرب الباردة، وإقامة نظام دولي أكثر عدلاً. ومن ناحية أخرى، لم تخف الصين حرصها على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في ملف تايوان، حيث أكدت أن "الوحدة الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه". وهذه المزاوجة بين القيم والمصالح ليست جديدة في الدبلوماسية الصينية، لكنها اليوم تكتسب طابعاً أكثر وضوحاً. فالصين تريد أن تظهر للعالم أنها قوة مسؤولة، لكن في الوقت نفسه غير مستعدة للتنازل عن خطوطها الحمراء.
الصين والشرعية العالمية: القوة ليست كافية
لفهم خطاب الصين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا بد من العودة إلى نظرية "الواقعية الأخلاقية" التي بلورها البروفيسور الصيني يان شيوتونج. هذه النظرية، التي عرضها في كتابه Ancient Chinese Thought, Modern Chinese Power (2011) ثم طورها في Moral Realism and International Politics (2018)، تنطلق من فرضية أساسية، وهي أن القوة العظمى لا تكفيها القدرات المادية وحدها، بل تحتاج إلى شرعية أخلاقية تمنحها قبولاً عالمياً.
هنا تبتعد نظرية الواقعية الأخلاقية عن المدرسة الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية، والتي رأت أن القوة المادية وحدها كافية لضمان الهيمنة. بالنسبة ليان شيوتونج، التجارب التاريخية – من روما القديمة إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية – تؤكد أن التفوق العسكري أو الاقتصادي لا يدوم إلا إذا اقترن بقدرة على تقديم منافع عامة للعالم. فعلى سبيل المثال، لم تصمد الإمبراطورية الرومانية قروناً بالسيف فقط، بل ببناء طرق وتجهيز بنية قانونية متماسكة. وكذلك، لم تعتمد الولايات المتحدة بعد 1945 على القنبلة النووية وحدها، بل على "مشروع مارشال" والمؤسسات الدولية التي أمنت الشرعية لقيادتها.
هذه النظرية المهمة تجلت في خطاب لي تشيانج أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2025، بوضوح. فلم يكن حديث المسئول الصيني الكبير عن ردع أو تسليح، بل عن التنمية المستدامة، واحترام السيادة، و"الحضارة العالمية المشتركة". وهنا يكمن الصراع الحقيقي بين بكين وواشنطن. حيث تسعى الصين اليوم لتقديم نموذج قيادة عالمية مختلف: قيادة تقوم على التنمية والاستقرار، لا على التدخل العسكري، وعلى الاعتراف بتعدد الحضارات، لا على فرض نموذج ثقافي واحد. فالولايات المتحدة تصوغ شرعيتها حول الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان، معتبرة أن هذه القيم هي معيار القيادة الشرعية. وفي المقابل، تقدم الصين نموذجاً يقوم على التنمية المشتركة واحترام السيادة الوطنية، معتبرة أن النتائج الملموسة للشعوب هي الأساس الحقيقي للاعتراف الدولي. وهذا الصراع بين بكين وواشنطن ليس مجرد منافسة جيوسياسية، بل معركة حقيقية على الشرعية الأخلاقية لقيادة النظام الدولي. وفي أوكرانيا، على سبيل المثال، يظهر هذا التباين بوضوح: واشنطن ترى الصراع معركة للديمقراطية ضد الاستبداد، بينما تركز بكين على السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي. والسؤال المركزي هنا: أي نموذج أخلاقي سيكون الأكثر قدرة على إقناع العالم ومنح قيادة شرعية حقيقية في المستقبل؟
من نيويورك إلى بكين: الصين تعيد كتابة قواعد اللعبة
خطاب بكين أمام الجمعية العامة هذا العام كان لحظة فاصلة في السياسة الدولية. رئيس الوزراء الصيني ركز على التنمية والسلام كطموح مشترك للبشرية، وحذر من العودة إلى منطق "قانون الغاب". الرسالة كانت واضحة: العالم أمام خيارين، إما استمرار التنافس المدمر بين القوى الكبرى، أو تبني نموذج صيني يقوم على التنمية والشراكة.
الخطاب الأممي لبكين هذا العام أوضح بجلاء أن الصين تراهن على تقديم منافع جماعية، خصوصاً للدول النامية، لكسب شرعية أخلاقية تعزز موقعها القيادي. لكن كما يؤكد البروفيسور يان شيوتونج في نظريته عن "الواقعية الأخلاقية"، القيادة الدولية "لا تُمنح بل تُنتزع"، و"لا تقوم على القوة وحدها ولا على الأخلاق وحدها، بل على الجمع بينهما"، وهو الأمر الذي يعني أن العالم مقبل، على الأجح، على صراع وتنافس شديدين بين بكين وواشنطن.
وهنا، يصبح السؤال المطروح على مصر والعالم العربي اليوم: هل سنكتفي بمراقبة صراع العمالقة من بعيد، أم سنصنع لأنفسنا موقعاً نشطاً نستفيد فيه من الفرص، ونتجنب التحديات، ونكون طرفاً فاعلاً في رسم ملامح المستقبل؟