د. محمد عباس ناجي

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

كانت إيران من ضمن القوى الإقليمية في المنطقة التي حرصت على قراءة وتقييم مقاربة "السلام بالقوة" التي تتبعها إسرائيل، وتدعمها في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الواقع، فإن إيران اعتبرت أنها المستهدف الأول من هذه المقاربة. وسواء كان هذا الإدارك الإيراني تعبيراً عن رؤية حقيقية لأسباب ومآلات الصراع بين الدولتين، أو محاولة لتوظيفه في إطار إضفاء أهمية ووجاهة خاصة على المشروع الإقليمي الإيراني وتبريره داخلياً، فقد اعتمدت طهران في مقابل مقاربة إسرائيل القائمة على "السلام بالقوة" مقاربة خاصة بها اعتمدت على "السلام بالتمدد".

تكمن المفارقة هنا في أن ثمة قواسم مشتركة جمعت بين المقاربتين المتضادتين، وأهمها تحفيز قوى إقليمية أخرى على الوقوف ضدها، ومواجهة المعطيات الاستراتيجية التي تفرضها أو تحاول فرضها، وفشل مهمتها الأساسية في تكريس الهيمنة على المستوى الإقليمي، باعتبار أن هذه القوى الأخرى لن تتسامح مع الوصول إلى هذه المرحلة، فضلاً عن أن قوة واحدة لا تستطيع أن تفرض هذه الترتيبات، مهما كانت قدراتها وأنماط تحالفاتها[1].

مفاهيم موازية

مثلما أن لإسرائيل مفهوماً حصرياً لـ"السلام"، فإن لإيران أيضاً مفهوماً موازياً. وكما في حالة إسرائيل، يقوم مفهوم إيران على أن "السلام" مساوٍ لـ"الاستقرار". ويعني ذلك أن إيران ترى أن استقرارها الداخلي كدولة لن يتأتى إلا عبر التمدد في الخارج، الذي يحقق هدفاً أساسياً يتمثل في إدارة الصراع مع الخصوم الإقليميين والدوليين بعيداً عن حدودها، وتحييد أي خطر يمكن أن يقترب من هذه الحدود. ويرتبط ذلك في المقام الأول بالتوجهات الحاكمة العابرة للحدود، فضلاً عن الفسيولوجيا الإيرانية التي يمثل "الشعور بالحصار" أحد مفرداتها.  

وقد عبّر المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي عن هذه المقاربة بتصريح شهير، في 5 يناير 2017، حيث قال لعوائل الإيرانيين الذين قُتِلوا في سوريا: "لقد ذهبوا إلى هناك من أجل أن لا تحارب إيران داخل حدودها. لو لم نحارب الأشرار ودعاة الفتنة من عملاء أمريكا والصهيونية في سوريا، لكنا نصارعهم في طهران وفارس وخراسان وأصفهان".

هنا، فإن ثمة مفارقة أخرى، وهى أن كلا المفهومين الحصريين لا يمتان للسلام بصلة من الأساس، بل على العكس، فإن كلاهما كان له دور في تأجيج عدم الاستقرار والفوضى في المنطقة، وتقريباً في الدول نفسها، مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن وفلسطين. بل إنهما حتى تشاركا في استهداف قطر، عندما هاجمت إيران قاعدة العديد في 23 يونيو الماضي، واستهدفت إسرائيل اجتماعاً لقادة حركة حماس في 9 سبتمبر الجاري.

مَن يحاصر مَن؟

حتى قبل انخراط إيران في الصراع السوري المسلح عام 2011، كانت هناك أمثلة عديدة تعكس مقاربة "السلام بالتمدد" على مدى الأعوام الستة والأربعين الماضية. فقد سعت إيران إلى تحويل الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 من "خطر" إلى "فرصة"، بعد أن نجحت في "تحييد" القوة العسكرية الأمريكية في ذلك الوقت، والتي كان من الممكن أن تُغرِي إدارة المحافظين الجدد بقيادة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش على وضع إيران في مقدمة قائمة الدول التي يمكن غزوها. بل إنها تمكنت من تحويل تلك القوة الأمريكية إلى هدف في مرمى نيرانها، تستطيع استغلاله كورقة ضغط يمكن عبرها أولاً إدارة الخلافات مع واشنطن، وثانياً منعها من التفكير في الإقدام على احتلاها كما فعلت في العراق 2003 وقبلها أفغانستان 2001. وكان رئيس الجمهورية الأسبق اكبر هاشمي رفسنجاني واضحاً في التعبير عن تلك الرؤية، عندما رد على سؤال عن موقف إيران من الحصار الأمريكي المفروض عليها من كلتا الناحيتين: أفغانستان والعراق، بسؤال مقابل له مغزى خاص: "مَن يحاصر مَن؟"[2]، ويعني أن إيران هي التي تحاصر الولايات المتحدة وليس العكس.

شريط البارود الجيوسياسي

وكما فرضت مقاربة "السلام بالقوة" ارتدادات إقليمية عديدة، فإن مقاربة "السلام بالتمدد" أنتجت بدورها ارتدادات مماثلة، لا سيما منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الآن. وهنا، فإن هذه الارتدادات لا تتعلق فقط بتراجع نفوذ إيران الإقليمي ولا بتدمير قسم من القدرات العسكرية لما يسمى بـ"محور المقاومة"، رغم أهمية ذلك بالطبع، وإنما تتصل أيضاً بالمعطيات الاستراتيجية الجديدة التي بدأت تتشكل في المنطقة، وآخرها توقيع اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان في 17 سبتمبر الجاري.

إيران، على غرار غيرها من القوى الإقليمية، تابعت الإعلان عن هذا الاتفاق وحاولت قراءة دلالاته ورسائله. ورغم أن كثيراً من التحليلات الإيرانية التي كتبت في هذا السياق اشتركت في أن هذا التطور الجديد – الذي يمثل انعكاساً للعلاقات التاريخية القوية بين الدولتين - يعد محاولة من جانب الرياض لتوسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها للتعامل مع ما يجري في المنطقة، إلا أن ذلك لا يخفي أن ثمة قلقاً بات ينتاب اتجاهات عديدة في طهران من الرسائل التي يوجهها هذا التطور الجديد.

وكان لافتاً أن وكالة أنباء "ركنا" وصفت، في تقرير نشرته، في اليوم التالي، هذا التطور بأنه "شرارة في شريط البارود الجيوسياسي في المنطقة"[3]، في ظل الحرب التي ما زالت تتصاعد حدتها في قطاع غزة واليمن، وربما تمتد إلى دول أخرى من بينها إيران، خاصة بعد إعادة تطبيق العقوبات الدولية المفروضة عليها بمقتضى تفعيل آلية "الزناد" في مجلس الأمن في 27 سبتمبر الحالي.

هذا الموقف الإيراني "القَلِق" يطرح دلالات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- إن هذا الاتفاق الجديد معناه، وفقاً لرؤية طهران، أن السعودية تسعى إلى موازنة قوتها إقليمياً، عبر التحالف مع قوة إقليمية وازنة على غرار باكستان، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية تاريخية مع الرياض. ويعني ذلك أن إيران لا تعتبر أن إسرائيل هى الطرف الوحيد المستهدف منه، رغم حرص إسلام أباد والرياض على تأكيد أنه لا يستهدف طرفاً بعينه.

2- إن هذا التطور يكتسي بعداً نووياً لا يمكن تجاهله، وهو ما تتشارك فيه إيران مع إسرائيل أيضاً[4]، في ظل كون باكستان دولة تمتلك السلاح النووي، على نحو لا يمكن فصله سواء عن الإشكاليات التي ينتجها برنامج إيران النووي – رغم الأزمة الحالية التي يواجهها – أو عن امتلاك إسرائيل القنبلة النووية، وهى الدولة التي استخدمت القوة ضد إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، وإن كانت قد ادعت، مثل إيران، أنها كانت تستهدف طرفاً آخر.

3- إن هذا التحول في السياسة السعودية يعني أن اتفاق بكين الذي تم توقيعه بين الدولتين في 10 مارس 2023 له حدود على الأرض، بما يعني أنه لم يؤثر بشكل كبير على الاتجاهات العامة لسياسة الدولتين، خاصة فيما يتعلق باستمرار الرؤية السعودية القائمة على أن إيران منافس إقليمي.

4- إن ذلك كله يحدث في وقت تواجه إيران اختبارات صعبة، سواء فيما يتعلق بصراعها مع "خصومها"، أو بعلاقاتها مع "أصدقائها". ففي حين تحرص طهران على عدم استبعاد تجدد الحرب مرة أخرى مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد إعادة تطبيق العقوبات الدولية، فإنها باتت مدركة تماماً أن علاقاتها مع قوى دولية مثل الصين وروسيا لها سقف لا يمكن تجاوزه تفرضه مصالح وحسابات الدولتين مع الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية.

من هنا، تبقى إيران بدورها، قَلِقة، من الارتدادات المحتملة لهذه الترتيبات الأمنية التي يجري العمل على صياغتها في المنطقة، خاصة أنها تجد نفسها على مفترق طرق رئيسي، على نحو يعني أن اختيارها سوف تتحدد بناءً عليه اعتبارات كثيرة تتعلق بموقعها في التوازنات الاستراتيجية الجديدة بالمنطقة.


[1] أحمد عليبه، مقاربة السلام بالقوة: حركة التغيير وهندسة التحالفات الدفاعية الجديدة في الشرق الأوسط، أوراق سياسات، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 22 سبتمبر 2025، متاح على الرابط التالي: https://2u.pw/d6DFJm

[2] هاشمی رفسنجانی: امروز آمریکا در محاصره ایران قرار دارد، خبرگزاری جمهوری اسلامی (ایرنا)، 19/6/1382 هـ.ش (10 سبتمبر 2003)، متاح على الرابط التالي:

https://2u.pw/EFzckDaa

[3] گسترش روابط نظامی عربستان و پاکستان؛ پای موشک‌های اتمی در میان است؟، خبرگزاری ركنا، 27/6/1404 هـ.ش (18 سبتمبر 2025)، متاح على الرابط التالي:

https://2u.pw/UW936p

[4] سعيد عكاشة، كيف تنظر إسرائيل للتحالفات الأمنية في الشرق الأوسط؟، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 23 سبتمبر 2025، متاح على الرابط التالي:

https://2u.pw/ED4Pjr