د. محمد السعيد إدريس

مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

يتردد فى فرنسا هذه الأيام سؤال يلخص جوهر الأزمة السياسية التى تواجه فرنسا منذ يونيو من العام الماضى، وهو: هل سيكون وزير القوات المسلحة فى الحكومة الفرنسية المستقيلة منذ يوم التاسع من سبتمبر الجارى سيباستيان لوكورنو، الذى كلفه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون هو آخر أوراق اللعب عند الرئيس الفرنسى التى ظل يتهرب بها من تلك الأزمة السياسية التى يحاول تقليصها إلى مجرد "مشكلة حكم" أو مشكلة فى إدارة الحكم؟، فالرئيس ماكرون مازال على إصراره بالتهرب من حقيقة الانقسام بين القوى السياسية إلى ثلاثة تيارات سياسية متصارعة، أقلها قوة وتماسكًا هو تيار يمين الوسط الذى يقوده ماكرون وهو ما يسمى إعلاميًا بـ "الكتلة المركزية" أو "كتلة معًا"، كما يفضل ماكرون تسميتها، التى تتشكل من الأحزاب الداعمة له ومن حزب "الجمهوريون" (اليمين التقليدى)، أما الكتلة الثانية، وهى التى تحتل المركز الأول فى القوة، فهى جبهة اليسار بمكوناتها الأربع: الاشتراكيون والشيوعيون والخضر وحزب فرنسا الأبية (المتطرف) بزعامة جان لوك ميلونشون، ثم جبهة اليمين المتطرف ممثلًا بحزب "الجبهة الوطنية" بزعامة مارين لوبان.. أسوأ نتائج هذا الانقسام أنه لم يعط أيًا من الكتل الثلاث العدد الكافى من مقاعد "الجمعية الوطنية" (البرلمان) لتشكيل الحكومة متفردًا، وفرض حتمية اللجوء إلى التعاون مع أى من الكتلتين الأخريين لأى طرف يرغب فى تشكيل الحكومة، فى وقت أضحى فيه هذا التعاون مستحيلًا.

 من هنا، تتحدد معالم الأزمة أو المأزق السياسى الذى واجه الرئيس الفرنسى على الأخص منذ لجوئه الاضطرارى إلى حل الجمعية الوطنية (البرلمان) والدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة فى شهر يونيو من العام الماضى (2024)، اعتقادًا منه أن مثل هذه الانتخابات المبكرة ستأتى حتمًا بنتائج إيجابية لصالحه ولصالح كتلته البرلمانية تكون كافية لوقف تقدم اليمين المتطرف (حزب الجبهة الوطنية) الذى يكاد يكون قد اكتسح نتائج انتخابات البرلمان الأوروبى، وهى النتائج التى شجعت زعيمة هذا التيار (مارين لوبان) للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة لإنهاء حكم الرئيس ماكرون الممتد حتى 2027، الأمر الذى يرفضه ماكرون بشدة.

نتائج تلك الانتخابات البرلمانية المبكرة التى أمر ماكرون بإجرائها عقب قراره بحل الجمعية الوطنية، جاءت على عكس توقعات، أو بالأحرى، عكس تمنيات ماكرون، فبدلًا من احتلال كتلة ماكرون (الكتلة المركزية) أو ( كتلة معًا) المرتبة الأولى، تراجعت إلى المرتبة الثانية، واحتلت جبهة اليسار المرتبة الأولى، وجاءت جبهة اليمين المتطرف فى المرتبة الثالثة. لكن ماكرون لم يأخذ القرار الصحيح بتكليف زعيم الكتلة التى تحتل المرتبة الأولى من الأصوات فى الجمعية الوطنية، أى جبهة اليسار بتشكيل الحكومة، لرفضه رفضًا مطلقًا أن يكون جان لوك ميلونشون زعيم حزب فرنسا الأبية، الذى حصل على أعلى الأصوات عضوًا فى أى حكومة، ولجأ إلى الخيار الأصعب، وهو خيار تشكيل "حكومة أقلية" من كتلته الانتخابية مع تعاون مع اليمين وحزب الاشتراكيين بوعود كانت كافية لإغراء هذا الحزب بالانسلاخ من جبهة اليسار، أى أن ماكرون لجأ إلى سياسة تفكيك اليسار لتمرير حكومته، رغم أن اليسار اختار أن يصوت لصالحه ضد منافسته مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة التى أجريت عام 2022، حرصًا من اليسار على منع لوبان من تولى منصب رئيس الجمهورية.

خطأ ماكرون بحل البرلمان فى يونيو من العام الماضى، الذى دفع بالبلاد إلى أزمة ممتدة من عدم الاستقرار السياسى الذى فرض عدم الاستقرار الحكومى وتساقط الحكومات، كرره رئيس الحكومة المستقيل فرانسو بايرو (السياسى المخضرم البالغ من العمر 74 عامًا)، عندما اقترح فى 25 أغسطس الماضى عقد جلسة فى الجمعية الوطنية للتصويت على الثقة فى حكومته، وذلك لتمرير خطته التقشفية التى تقضى بتخفيض 44 مليار يورو من ميزانية عام 2026، والتى يجب أن تقر قبل 31 ديسمبر القادم، لمواجهة ارتفاع الموازنة والدين العام الذى بلغ نحو 114% من الناتج المحلى الإجمالى. هذا التوجه أيده الرئيس ماكرون، رغم علمه أن أيًا من كتلتى اليسار أو اليمين لن يصوت لصالح منح الثقة للحكومة، نظرًا لتمسك اليسار بمطالب مثل فرض ضريبة على كبريات الثروات التى تزيد على 100 مليون يورو، أو التراجع عن "قانون التقاعد" الذى أقر قبل عامين، وهو ما يواجه رفضًا قطعيًا من اليمين التقليدى الداعم للحكومة. أما تيار اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان، فقد دعا ماكرون إلى حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة، اعتقادًا منه أنه سوف يفوز بأغلبية تلك الانتخابات، لذلك سقطت الحكومة فى التصويت، حيث صوت 364 نائبًا لصالح حجب الثقة عنها.

السؤال المهم الآن المفروض على رئيس الحكومة الجديد المكلف سيباستيان لوكورنو  أن يجيب عليه هو: هل سيكرر الخطأ ويشكل مجددًا "حكومة أقلية" غير مستقرة، أم يمكن أن يأخذ القرار الصعب، ويشكل حكومة أغلبية بالتحالف إما مع كتلة اليسار أو مع كتلة اليمين المتطرفتين، ويضع نهاية لسياسة "الهروب من الحقائق" التى تتهدد فرنسا؟.

الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة لأسباب كثيرة من أبرزها:

1- إن الفجوة شاسعة بين "كتلة معًا" التى يحكم ماكرون باسمها، وهى التى تحتل المرتبة الثانية فى البرلمان، وبين القوتين الأخريين المتنافستين فى البرلمان: كتلة اليسار وفى القلب منها حزب "فرنسا الأبية"، الذى يمثل اليسار المتطرف بزعامة جان لوك ميلانشون، وكتلة اليمين المتطرف (حزب الجبهة الوطنية) بزعامة مارين لوبان، فى ظل التحولات التى حدثت فى الخيارات السياسية للرئيس ماكرون، الذى كان قد جاء إلى الحكم تحت راية ما أسماه بـ "الطريق الثالث"، الذى راهن عليه الفرنسيون كثيرًا، خاصة من عاشوا "حلم التغيير" فى ظل تراكم تراجع البلاد اقتصاديًا وسياسيًا ودوليًا، وتراجع شعبية وأداء تيارى الجمهوريين (اليمين المعتدل) والاشتراكيين فى عهدى الرئيسين السابقين نيكولاى ساركوزى (الذى بدأ تنفيذ حكم بالسجن منذ أيام) وفرانسوا هولاند على الترتيب، لكن الأمل فى "الطريق الثالث" الذى بشَّر به ماكرون تراجع كثيرًا منذ بداية عهده الأول، بسبب جنوحه بسياساته نحو اليمين الليبرالى (النيوليبرالى)، ما أدى إلى اتساع الفجوة بينه وبين تيارى اليمينيين والاشتراكيين، لكن هذه الفجوة تفاقمت مع بروز تيارى اليسار المتطرف واليمين المتطرف بشكل متوازٍ ومتزامن مع تنامى التيارات "الشعبوية" فى فرنسا ومعظم الدول الأوروبية، الأمر الذى فاقم من سطوة التيارات الاحتجاجية العنيفة ابتداء من حركة "السترات الصفراء"، وصولًا إلى مجموعات "البلاك بلوك" التى اتسعت تظاهراتها  وأخذت تهدد الأمن والاستقرار فى البلاد.

الفجوة المتسعة بين مواقف التيار الحاكم وبين تيارى التطرف اليسارى واليمينى تحول دون التوصل إلى وفاق مشترك حول الحكومة الجديدة، فالحكومة المستقيلة بزعامة فرانسوا بايرو، والحكومة الجديدة برئاسة سيباستيان لوكورونو يصعب عليها أن تتراجع عن الميزانية التى أعدتها لعام 2026، والتى اضطرت لطلب التصويت على الثقة بالحكومة بسببها لقناعتها أن هذه الميزانية هى، دون غيرها، الكفيلة بوضع حد لأزمة الديون المتفاقمة.. فهذه الديون بلغت هذا العام أكثر من 3400 مليار يورو، ما يمثل 114 فى المائة من الدخل الوطنى. هذه الميزانية التى تركز على سياسات من شأنها، كما ترى الحكومة، تقليص الديون، مرفوضة من اليسار المتطرف واليمين المتطرف، وعلاوة على ذلك لكل من التيارين مطالب تفوق قدرة الحكومة والرئيس ماكرون على قبولها، فعلى الرغم من الخلافات الأيديولوجية العميقة بين زعيمى هذين التيارين، ميلانشون ولوبان، فإن كليهما لديه طموح في أن يكون رئيسًا لفرنسا، ويطالبان بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، واستقالة ماكرون، جنبًا إلى جنب مع مطالبهما بإجراء انتخابات برلمانية جديدة أيضًا يحلم كل منهما بالفوز بها.

2- وجود أزمة ثقة بين مكونات "كتلة معًا" التى تشكل الكتلة المركزية الداعمة للرئيس ماكرون، وهو ما فرض معضلة حشد الأغلبية الداعمة للحكومة على النحو الذى تكشف فى التصويت الأخير بالثقة على حكومة فرانسوا بايرو المستقيلة. فإلى جانب أصوات المعارضة التى صوتت لصالح سحب الثقة من الحكومة (330 صوتًا)، فقد خسرت الحكومة أصوات 34 نائبًا، صوتوا ضدها من كتلتها الانتخابية إلى جانب امتناع 9 أصوات أخرى عن التصويت، كما صوت 13 نائبًا من الجمهوريين ضد حكومة بايرو، وهذا يعنى أن معسكر أو تيار ماكرون (المحافظون ويمين الوسط) لم يعودوا موحدين، وهذه معضلة أخرى تحد من مرونة رئيس الحكومة المعين سيباستيان لوكورنو فى الدخول فى تحالفات أوسع، تُؤمِّن الأغلبية المطلوبة لحكومته داخل البرلمان.

3- دخول الحركات الاحتجاجية فى الأزمة ضد الحكومة، فقد حفل شهر سبتمبر الجارى (2025) بالعديد من التظاهرات التي نظمت تحت شعار "لنغلق كل شئ"، ودعمتها النقابات العمالية ومواقع التواصل الاجتماعى. هذه التظاهرات رفعت شعارات رفض الميزانية التقشفية للحكومة المستقيلة، وعبرت عن غضب ونقمة المتظاهرين إزاء الأوضاع المعيشية، وإزاء الخطط الحكومية لمواجهة الأزمة المزدوجة اقتصاديًا واجتماعيًا.

هذه التظاهرات والاحتجاجات مرشحة لمزيد من التصعيد، حيث ستكون القوى النقابية فى واجهة المتظاهرين، ومن المرجح أن يشهد شهر أكتوبر المقبل (2025) المزيد من الاحتجاجات، حيث سيكون المزارعون على الطرقات بجراراتهم، وسيأتى بعدهم أدوار المراقبين الجويين فى المطارات (أيام 7 و8 و9 أكتوبر المقبل)، استكمالًا لاحتجاجات سبقتها من جانب قطاعات النقل "المترو والقطارات المحلية والسريعة"، والتعليم "المدارس والجامعات"، والصحة "المستشفيات والمستوصفات الحكومية"، والطاقة ومطارى "اورلى ورواسى شارل ديجول"، والعديد من الموظفين فى القطاعين العام والخاص.

مجمل هذه التعقيدات والتطورات تفاقم من أزمة "الاختيارات السياسية المحدودة" أمام رئيس الحكومة المعين سيباستيان لوكورنو، فمعظم الاختيارات قاصرة، حيث أن التحالف مع أى من اليسار المتطرف واليمين المتطرف خيار مستحيل، ومن ثم لن يكون أمامه سوى اختيارين محفوفين بالخطر.

الاختيار الأول: تشكيل "حكومة أقلية" والمراهنة على أن تلقى تأييدًا على بعض سياساتها من قوى اليسار واليمين، لكنها ستكون حكومة غير مستقرة ومرهونة برضا من يقبل بتأييدها، وستكون حتمًا معرضة مجددًا لسحب الثقة وإسقاطها، ومن ثم لن تتجدد الأزمة فقط، بل سوف تتفاقم.

الاختيار الثانى: تشكيل حكومة بالتضامن مع الحزب الاشتراكى بزعامة أوليفيه فور زعيم الحزب، حيث يطرح الاشتراكيون مقاربة يراها البعض متوازنة لحل أزمة الميزانية، فبدلًا من تخصيص 44 مليار يورو من الإنفاق العام عبر بنود مثل تخفيض العمالة، يتم تخفيض 22 مليار يورو، وبدلًا من فرض ضرائب على الطبقتين الدنيا والوسطى، يتم فرض ضريبة بنسبة 2% على الدخول التى تتخطى 100 مليون يورو، والتى من شأنها أن تخفض عجز الموازنة فى العام الحالى إلى 5.4%، على أن ينخفض قليلًا عام 2026 إلى 5%، ثم ينخفض تدريجيًا ليصل إلى 3% بحلول عام 2032.

هذا الاختيار يعد الأرجح أمام رئيس الحكومة الجديد لوكورنو، لكن سيكون عليه أيضًا البحث عن أصوات أخرى تكفى لتأمين الأغلبية داخل الجمعية الوطنية، حيث أن للاشتراكيين 66 نائبًا فقط داخل البرلمان.

خطوة مهمة ربما تؤدى إلى تأمين استمرارية الحكومة الجديدة، لكنها فى الوقت ذاته ستؤدى إلى خلق "أزمة ثقة" داخل تكتل اليسار يمكن أن تفكك وحدته، وهذا بدوره يعد مكسبًا إضافيًا للرئيس ماكرون يمكنه من مغازلة "حزب الخضر" للانشقاق هو الآخر من تكتل اليسار والانضمام إلى "تحالف معًا" أو "تكتل معًا" الذى يتزعمه.

هذا الخيار ليس مستحيلًا لكنه يتوقف على ترجيحات ماكرون السياسية التى هى فى الأصل جوهر الأزمة السياسية – الاجتماعية فى فرنسا.