د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

على الرغم من غياب دراسات أكاديمية أو استطلاعات ميدانية أو مسوح إلكترونية منضبطة (باستثناء الباروميتر العربي) عن تلاشي أو تراجع أو انعدام تأثير قطاعات واسعة من الرأي العام في دفع الحكومات في الشرق الأوسط للاستجابة لمطالب محددة، داخلية أو خارجية، عبر احتجاجات مطلبية وتظاهرات جماهيرية، إلا أن الملاحظة المباشرة تشير إلى انخفاض هذا التأثير، مقارنة بفترات سابقة تزايد أو بالأحرى طغى تأثير الرأي العام في العديد من دول الإقليم لدرجة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، على نحو بدا جلياً في الكتب أو الدراسات أو المشروعات أو التقارير التي سلّطت الضوء على "سياسات الشارع" في الإقليم بحكم ما تمخض عنها من التوقف عن اتخاذ قرارات أو تعديل توجهات للنخبة الحاكمة.

عوامل مُفسِّرة

يمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل المفسرة لتراجع تأثير الرأي العام في دول الإقليم، على النحو التالي:

1- استيعاب الضغوط المجتمعية بأدوات مختلفة: يتمثل أحد أبرز الأبعاد التفسيرية لتراجع مردود تأثير الرأي العام على النظم الحاكمة في بعض دول الإقليم، في قدرة الأخيرة على استيعاب الضغوط المجتمعية بضغوط أمنية وقانونية مقابلة، على نحو ما تبرزه الحالة التركية. فعلى الرغم من الاحتجاجات والتظاهرات التي خرجت بناءً على دعوة من أنصار حزب الشعب الجمهوري احتجاجاً على قرار قضائي بعزل قيادة الحزب في مدينة اسطنبول في سبتمبر 2025، وهو أوزغور جيليك، وتعيين النائب السابق لرئيس الحزب جورسيل تكين بدلاً منه، غير أن أوزغور رفض القرار ووصفه بأنه "باطل ولاغ"، باعتبار أن تكين مفصول من الحزب ولا يحق له تولي أي منصب. ومن ثم، فإن أوزغور "لن يتنازل عن موقعه لأي شخص مهما كانت الضغوط".

ويُنظر إلى هذه الواقعة باعتبارها حلقة في سياق حملة قضائية وأمنية مستمرة منذ نحو عام ضد الحزب، شهدت اعتقال مئات من أعضائه ومسئوليه المحليين، وأبرزهم رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو، أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان وأحد الأسماء المطروحة بقوة لمنافسة مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم في أي انتخابات مقبلة، حيث وجهت له تهم محددة وهي الرشوة، والاحتيال المشدد، والحصول غير القانوني على بيانات شخصية، والتلاعب في المناقصات، وتقديم المساعدة لتنظيم إرهابي. فضلاً عن إيقاف أجهزة الأمن التركية مجموعة من الصحفيين والإعلاميين والمحامين.

لذا، تشير العديد من الكتابات إلى استهداف المعارضة التركية عبر القضاء، بما يقوض تأثير حزب الشعب الجمهوري في اسطنبول، المدينة التي تُعد مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في البلاد، والتي خسرها أردوغان بعد نحو 25 عاماً من سيطرة حزبه وحلفائه عليها من ناحية ويحافظ على نفوذ حزب العدالة والتنمية الحاكم من ناحية أخرى. وهنا، أعلن أردوغان في 21 مارس 2025 أن أنقرة لن ترضخ لـ"إرهاب الشارع". وعلى الرغم من تجدد الاحتجاجات في تركيا، بين الحين والآخر، لكن تأثيرها في تغيير الوضع الخاص بقيادة حزب الشعب الجمهوري منعدمة.

2- تبلور استقطابات داخل الكتل المجتمعية الرئيسية: إن وجود انقسام حاد في أوساط الرأي العام يقلل من غلبة هذا التيار على التيار المناوئ له، وهو ما تعبر عنه الحالة الإسرائيلية، حيث نجح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تشكيل رأي عام داعم لقراراته، وخاصة من أسر القتلى الذين سقطوا في هجمات 7 أكتوبر 2023 ليكونوا كتلة مناهضة للرأي العام الذي يطالب بتحرير الأسرى والرهائن الذين تحتجزهم حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة الفلسطينية، وتتمسك هذه الكتلة بضرورة القضاء الكامل على كوادر وقيادات حركة حماس ورفض الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وفك أواصر الارتباط بين غزة والضفة الغربية، بما يقود إلى إنهاء الحريق أو استكمال نظرية الأرض المحروقة.

وفي هذا السياق، يصير تأثير سردية الإفراج عن الأسرى البالغ عددهم 22 فرداً ضعيفاً في مواجهة الخطاب الداعم للحفاظ على أمن واستقرار إسرائيل وعدم تكرار أو استنساخ 7 أكتوبر مرة أخرى. ويقلل ذلك من تأثير الاحتجاجات المتكررة التي تطالب الحكومة الإسرائيلية بإبرام صفقة مع حركة حماس لإطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار في قطاع غزة، لاسيما أن ائتلاف نتنياهو الحكومي يقوم على دعم اليمين المتطرف، الرافض لوضع حد للحرب في قطاع غزة أو إبرام أي اتفاق مع حركة حماس. ولعل ذلك يفسر ضعف تأثير التظاهرات التي شهدتها شوارع تل أبيب في أغسطس وسبتمبر 2025 احتجاجاً على نية الحكومة الإسرائيلية تنفيذ احتلال كامل لقطاع غزة. فالرأي العام الإسرائيلي لازال منقسماً بين من يطالب باجتياح غزة ومن يدعو لحل سياسي يضمن عودة الأسرى.

3- توظيف النظم الحاكمة للمخاطر والمهددات الخارجية: وينطبق ذلك على النظام السياسي في إيران، الذي عمل على توظيف خطر إسرائيل والولايات المتحدة على البلاد بعد استهدافهما لطهران، مرتين إحداهما في أكتوبر 2024، والثانية في يونيو 2025، بحشد الرأي العام الداخلي خلف القيادة الدينية (المرشد) والسياسية (الرئيس والحكومة)، على نحو ساهم في تقليص فرص اندلاع احتجاجات جديدة على خلفية المصاعب الاقتصادية والقيود السياسية والاجتماعية التي أسهمت في اندلاع الاحتجاجات ضد الحكومة الإيرانية في السنوات القليلة الماضية.

وهنا، أطلق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تحذيراً شديد اللهجة، في تصريحات في نهاية أغسطس 2025 حول المخاطر الداخلية التي تهدد استقرار بلاده، مؤكداً أن واشنطن وتل أبيب تسعيان لتقسيم إيران وإضعافها من الداخل، لكن الشعب الإيراني يرفض أي شكل من أشكال التقسيم. وتأتي تصريحات بزشكيان في وقت يزداد فيه الجدل حول قدرة النظام على الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية، بعد أن شهدت إيران حالة من التماسك النسبي خلال الحرب الإسرائيلية-الأمريكية السابقة، وهو ما أضعف من سيناريو إسقاط النظام الإيراني الذي كانت تسعى إليه بعض الأصوات داخل تل أبيب.

4- إنهاك الرأي العام بعد سنوات المطالبة بالتغيير: لا يمكن التقليل من أثر المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها دول عربية عديدة خلال العقد الماضي، وتوابعها من ثورات شعبية وصراعات ممتدة وهجمات إرهابية وصعود مليشيات مسلحة وتشكل "اقتصادات ظل" من جماعات الإجرام المنظم في تهريب المخدرات والأسلحة والأفراد المقاتلين والسلع المغشوشة والنفط، بحيث تحولت "ثورة توقعات" قطاعات واسعة من الرأي العام إلى "ثورة إحباطات"، مما قلل من الحافزية لدى "الشارع" عن الخروج في مظاهرات عامة واحتجاجات فئوية مرة أخرى رغم وعاء الطهي الضاغط، والذي يرتبط بتسديد فواتير التغيير على نحو ما جرى في العديد من العواصم العربية.   

5- ظهور قضايا مركزية جديدة لدى الشعوب العربية: لم تعد القضية الفلسطينية هي المسألة الرئيسية لدى معظم المجتمعات العربية بل ظهرت شواغل جديدة مثل تقوية دعائم الدولة الوطنية وتلبية الاحتياجات الاقتصادية للمجتمعات المأزومة ومحاربة الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية والحد من تأثير المليشيات المسلحة. وفي هذا الإطار، أثارت قضيةُ اعتقالِ المحامية العراقية زينب جواد من قِبل قوات الحشد الشعبي في العراق، في 30 يوليو 2025، من دون أمر قضائي، وانتهاك خصوصيتها عبر تسريب صور شخصية لها، غضباً واسعاً في الشارع العراقي، ولكن الحشد الشعبي قوة وازنة في الداخل العراقي يتعذر الانخراط في مواجهة معه.

6- تشبث الفواعل الجديدة بالمصلحة الفصائلية: ينشغل الفاعلون الجدد في الشرق الأوسط بالأجندة التي تخص وضعهم وليس مصلحة البلاد التي يتواجدون فيها. ومن أبرز تلك الحالات حركة حماس، حيث شهدت غزة، في فترات مختلفة من العام 2025، احتجاجات شعبية غير مسبوقة ضد الحركة، إذ تتصاعد الأصوات المطالبة بتنحيها عن الحكم وتسليمه إلى جهة محايدة، وردد المتظاهرون هتافات من قبيل "حماس برا برا" و"كفى دماراً وحروباً". يأتي هذا بعد عامين من الحرب المستمرة، التي أدت إلى أوضاع إنسانية كارثية، وصلت إلى حد المجاعة باعتراف من الأمم المتحدة وانسداد أي أفق سياسي.

ورغم هذه الاحتجاجات، لم تُبدِ حماس أي نية للاستجابة لمطالب الشارع، بل اتهمت بعض الجهات الخارجية بتمويل هذه المظاهرات، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى إدراكها لحجم الغضب الشعبي المتصاعد. فالاحتجاجات الشعبية تعكس تحولات في المزاج العام للفلسطينيين في القطاع. وتستغل إسرائيل هذه الاحتجاجات لتحقيق أهدافها، إذ صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 27 مارس 2025، قائلاً: "على سكان غزة الضغط على حماس لإجبارها على التنحي وتسليم الرهائن". فالهدف الحاكم لدى نتنياهو ليس "احتلال غزة" وإنما "تحريرها من حماس"، وهو ما يؤكد وجود مساعٍ إسرائيلية للاستفادة من الوضع الداخلي في غزة، مما يضع الشارع الفلسطيني أمام معادلة معقدة.

المكون الجماهيري

خلاصة القول، إن تفاعلات عام 2025 تشير إلى ضعف إحياء دور المكون الجماهيري في صياغة سياسات الدولة في منطقة الشرق الأوسط، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، للاعتبارات السالف ذكرها. وكلما ظهرت أوضاع جديدة تظهر تحليلات جديدة بشأنها لاسيما في ظل وجود كوادر متميزة ومراكز متخصصة في دراسات الرأي العام في المنطقة، والذي أصبح يتشكل خارج إطار توجيهات هذه الدولة أو تلك.