د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

منذ أكثر من سبعة عقود، وقف الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت في أتون الحرب العالمية الثانية، ليتحدث عن حلم نظام دولي جديد، وعن منظمة أمم متحدة تكون "حكماً بين الأمم، لا أداة في يد الأقوياء". كان ذلك في لحظة ميلاد نظام دولي جديد عقب الدمار الهائل الذي تسببت فيه الحرب العالمية الثانية. وبعده بسنوات، جاء الرئيس الأسبق جون كينيدي إلى قاعة الجمعية العامة في الأمم المتحدة ليقول إن العالم لم يعد يحتمل حرباً نووية، وإن الحوار بين الشرق والغرب هو البديل الوحيد عن الفناء المشترك.

وفي 23 سبتمبر 2025، وفي قاعة الأمم المتحدة نفسها، وقف الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ليعيد تعريف دور الولايات المتحدة: لا كقائد للنظام الدولي، بل كدولة تبحث عن مصالحها أولاً، وتسقط البقية من حساباتها. كان المشهد أكثر من مجرد خطاب، كان مقارنة صريحة بين زمنين، ورؤيتين، وفلسفتين متناقضتين لإدارة القوة والنفوذ في العالم.

منذ اللحظة الأولى من خطابه الذي استمر لأكثر من 56 دقيقة، وهو الأطول لأي رئيس أمريكي في الأمم المتحدة، كان واضحاً أن ترامب لا يخاطب ممثلي الـ 193 دولة الحاضرين في القاعة بقدر ما يوجه رسائله إلى الداخل الأمريكي، إلى جمهوره الانتخابي بالدرجة الأولى. لم يكن هذا الأمر جديداً في السياسة الأمريكية، لكن الفارق هنا أن الخطاب بدا أقرب إلى خطاب انتخابي في ولاية متأرجحة، منه إلى خطاب رئيس دولة أمام العالم.

"أمريكا أولاً" في زمن لا يعرف الانعزال

حين بدأ ترامب حديثه، رفع شعار "أمريكا أولاً" بنفس الحدة التي رفعها في حملته الانتخابية، كأنه ما زال على منصات أوهايو وفلوريدا. لم يكن هذا الشعار جديداً في التاريخ الأمريكي، فقد رفعه الانعزاليون في الثلاثينيات من القرن الماضي رفضاً للتورط في الحرب العالمية الثانية. لكن الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت دفنه حين قاد بلاده لمواجهة النازية في الحرب العالمية الثانية وصياغة نظام دولي جديد بعد هذه الحرب. واليوم، يخرج ترامب هذا الشعار من قبره، ويعيد تقديمه وكأنه عقيدة للقرن الحادي والعشرين.

لكن المفارقة أن العالم لم يعد يعرف الانعزال. إذ يمكن أن تنتقل جائحة عبر القارات في ساعات قليلة. كما يمكن أن تضرب الأعاصير والفيضانات وموجات الجفاف أي مكان في العالم بلا استئذان. هذا فضلاً عن أن الأسواق المالية أصبحت تتشابك خيوطها بين بكين ونيويورك. وفي ضوء كل ذلك، بدا شعار "أمريكا أولاً"، وكأنه محاولة يائسة لإيقاف عجلة تاريخ تدور منذ أكثر من سبعين عاماً، ومحاولة غير منطقية على الإطلاق للانفصال عن واقع يزداد ترابطاً.

الصين: خصم أم مرآة لخوف أمريكي يتجدد؟

حين وصل ترامب في خطابه إلى الصين، تغير صوته، وارتفعت نبرته، واشتدت اتهاماته إلى بكين، من المسئولية عن انتشار فيروس كورونا، إلى الممارسات التجارية "غير العادلة"، إلى محاولة الهيمنة على المؤسسات الدولية. لكن ما وراء هذه الكلمات كان أعمق: إنه خوف أمريكي من انتقال مركز الثِقل العالمي شرقاً، من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ.

لقد بدا الخطاب وكأنه محاولة لوقف عجلة التاريخ، أو على الأقل تأخير حركتها، عبر تحميل الصين مسئولية كل أزمة، وتبرير الانكفاء الأمريكي على الداخل. فالصين بالنسبة لترامب هي رمز لتحول موازين القوة في العالم. وهنا نستحضر خطابات الرئيس الأمريكي الأسبق ترومان في الأربعينيات حين أعلن "مبدأ ترومان" لمواجهة الاتحاد السوفيتي، لكن الفارق شاسع: ترومان كان يرسم بداية صعود أمريكي، أما ترامب فقد بدا كمن يحاول إيقاف أفول يلوح في الأفق في ظل صراع حضاري بين نموذجين: النموذج الأمريكي القائم على السوق الحرة – كما يقدم نفسه – والنموذج الصيني الذي يدمج بين الحزب والدولة والسوق في معادلة واحدة.

غياب قضايا المناخ والتنمية

في قضية مواجهة تغير المناخ العالمي، كان صمت الرئيس الأمريكي أبلغ من الكلام. إذ لم يكتف ترامب بالتجاهل، بل أعاد تأكيد خروج الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ. وفي لحظة يحترق فيها الغرب الأمريكي بألسنة النيران وتغرق مدن آسيوية تحت المطر والفيضانات، بدا الصمت هنا كصرخة تقول: "العالم لا يعنيني".

وربما تذكر الحاضرون في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة كلمات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في القاعة ذاتها حين قال: "تغير المناخ هو التهديد الأخطر للبشرية". وبالمقارنة، بدا خطاب ترامب كعودة إلى الوراء، وإنكار للحاضر، وهروب من المستقبل.

أما قضايا التنمية والفقر وعدم المساواة، فقد جاءت في الخطاب عرضاً، إذا ذكرت أصلاً، وهو ما يعكس رؤية إدارة ترامب للعالم: الاقتصاد محكوم بمنطق القوة، ومن يملك الثروة يملك الحق، أما القيم التي قامت عليها الأمم المتحدة من تعاون وتكافل وتضامن، فقد بدت في الخطاب كأنها بقايا من زمن مضى.

الشرق الأوسط: صفقات تتجاهل الشعوب

أما الشرق الأوسط، فكان حضوره في خطاب ترامب مشروطاً بمنطق القوة والأمن. تحدث الرئيس الأمريكي عن "صفقات السلام التاريخية" بين إسرائيل وعدد من الدول العربية باعتبارها إنجازاً شخصياً له، لكنه تجاهل تماماً جوهر القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة. بدا وكأنه يقدم صورة مبتسرة للمنطقة، تختزلها في صفقات بين حكومات، دون أن تلتفت إلى جذور الصراع ولا إلى معاناة الشعوب.

وفي الملف الإيراني، أعاد ترامب لهجة التهديد، مُؤطِّراً علاقته بطهران ضمن إطار "العدو الأبدي" الذي يجب محاصرته بالعقوبات والضغوط. لم يطرح الرئيس الأمريكي رؤية للحوار أو التسوية مع طهران، بل اكتفى بإعادة إنتاج خطاب القوة، وكأن التاريخ لم يتغير منذ عقود، وكأن الشرق الأوسط لا يعرف سوى لغة القوة.

القوة المأزومة وصدى الانحدار

في النهاية، كشف خطاب ترامب، في تقديري، عن التحول في صورة الولايات المتحدة من "نموذج ملهم" للعالم إلى "دولة مرتبكة". الدولة التي حملت مشعل "ويلسون" إلى عصبة الأمم، وصاغت ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، لم تعد كما كانت. لم تعد هي القوة التي تلهم الشعوب كما فعل كينيدي، ولا هي الراعي الذي يقدم خططاً للسلام كما فعل كارتر، ولا حتى القائد الذي يعلن "النظام العالمي الجديد" كما فعل بوش الأب. لقد بدت الولايات المتحدة في خطاب ترامب الأخير في الأمم المتحدة قوة عظمى مرتبكة بلا بوصلة، ترفع جدراناً وهمية، وتدير ظهرها للتحديات العالمية المشتركة. صورة دولة عظمى تقف على قمة جبل، لكن الصخور تحتها بدأت تتفتت. وصوتها في الأمم المتحدة، مهما علا، لم يعد يملك لا سحر الإقناع ولا قوة الإلهام.

خطاب الرئيس الأمريكي يكشف أيضاً أن واشنطن تحولت من "قائد للنظام" إلى "فاعل قلق" في مسرح دولي يعاد ترتيبه، بينما الآخرون – من بكين إلى بروكسل، ومن موسكو إلى عواصم الجنوب – يتهيأون للجلوس حول الطاولة بحثاً عن العدالة والمساواة والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة. وهكذا، يبدو هذا الخطاب كخاتمة فصل في كتاب طويل بدأ منذ 1945. فصل يعلن أن النظام الدولي الذي صنعته الولايات المتحدة يترنح، وأن القوة التي كانت تكتب التاريخ صارت تلهث وراءه.