د. عمرو عبد العاطي

باحث في الشئون الأمريكية، ومساعد رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية

 

يمثل الأمر التنفيذي، رقم 200، الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الخامس من سبتمبر 2025 بإعادة تسمية وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، خطوة ذات أبعاد رمزية وسياسية عميقة. إذ يعيد التسمية التاريخية، وزارة الحرب، التي ألغيت منذ عام 1947في إطار إعادة هيكلة شاملة للنظام العسكري الأمريكي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ورغم أن الأمر التنفيذي يبدو في ظاهره مجرد تغيير اصطلاحي، إلا أنه – في حقيقته - يعكس تحولاً في الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأمريكية، حيث يسعى ترامب إلى إعادة صياغة صورة الجيش الأمريكي ليس كقوة دفاعية محدودة المهام، بل كقوة عسكرية هجومية صريحة مكرسة لتحقيق الانتصار في الصراعات الدولية.

يأتي قرار إعادة التسمية في سياق أوسع يعكس إصرار الرئيس دونالد ترامب على إعادة تشكيل دور الجيش الأمريكي. فقد سبقت هذه الخطوة مبادرات أخرى مثيرة للجدل، من بينها ترؤسه عرضاً عسكرياً ضخماً في قلب واشنطن العاصمة، في 14يونيو الماضي بمناسبة الذكرى المائتين والخمسين للجيش الأمريكي، والتي تزامنت أيضاً مع عيد ميلاده التاسع والسبعين، وكذلك إعادة الأسماء الأصلية لبعض القواعد العسكرية التي كانت قد غيرت عقب احتجاجات العدالة العرقية في عام 2020. كما تحدى ترامب المعايير التقليدية المتعلقة بالنشر المحلي للقوات المسلحة، من خلال انتشار القوات العسكرية على طول الحدود الجنوبية مع المكسيك لدعم حملته ضد الهجرة غير النظامية، إضافة إلى نشر قوات في مدن أمريكية كبرى مثل لوس أنجلوس وواشنطن العاصمة لمواجهة المستويات المرتفعة من الجريمة داخلها. وبهذا، فإن إعادة تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب تعد امتداداً لنهج أوسع للرئيس الأمريكي لإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية الأمريكية في الداخل والخارج.

وبينما لا يستطيع ترامب إعادة تسمية الوزارة رسمياً من دون موافقة الكونجرس، فقد سعى بجانب الأمر التنفيذي الذي يجيز للبنتاجون استخدام اسم وزارة الحرب كلقب ثانوي أو بديل للحصول على دعم تشريعي من الجمهوريين المتحالفين معها في الكونجرس من أجل تقنين التغيير.

أسباب ودوافع تغيير التسمية

برر الرئيس الأمريكي قراره بإعادة تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب بأن مصطلح "الدفاع" يحمل إيحاءً سلبياً ومبالغة في الطابع الوقائي، بينما يعكس مصطلح "الحرب" جوهر المهمة القتالية للجيش الأمريكي الذي يقوم على الاستعداد للهجوم وتحقيق النصر. وينسجم هذا التصور مع خطاب ترامب الذي يرى أن الولايات المتحدة لم تحرز انتصارات حاسمة في حروبها الأخيرة، حربي أفغانستان والعراق، وإخفاقاتها في إعادة الدولتين رغم مليارات الدولارات التي تم إنفاقها. وقد صرح بأن الاسم القديم، وزارة الحرب، بدا أفضل، وكان تاريخياً مرتبطاً بفترة امتلكت فيها الولايات المتحدة "تاريخاً مذهلاً من الانتصارات". وقد اعتبر ترامب ووزير دفاعه بيت هيجسيث أن إعادة التسمية تمثل وسيلة لإحياء "روح المقاتل"، وبالتالي فإن إعادة إحياء التسمية القديمة تمثل دعوة صريحة إلى تجاوز سياسة الردع والاكتفاء الدفاعي، والعودة إلى منطق الحرب بوصفها أداة للهيمنة وتحقيق المكاسب والانتصارات، وليس مجرد تجنب الهزائم. وقد شدد هيجسيث بدوره على هذا التوجه العسكري الهجومي في تصريحاته، مبرزاً التزاماً بتحقيق الانتصار الكامل في الحروب.

ومن الأسباب المحورية الأخرى وراء إعادة التسمية، سعي الرئيس الأمريكي إلى إظهار القوة العسكرية الأمريكية على الساحة الدولية بشكل علني، في ظل التحديات والصراعات الجارية. فالتغيير يهدف إلى بث رسالة قوة وردع للخصوم في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة أنشطة عسكرية ومنافسات استراتيجية حول العالم. وترتبط تسمية وزارة الحرب، ذات الجذور التاريخية الممتدة منذ عام 1789 حتى عامين من انتهاء الحرب العالمية الثانية، بإرث وتقاليد أرادت إدارة ترامب أن تبرزها من جديد، بما يعيد التأكيد على مركزية القوة العسكرية في سياسة الأمن القومي الأمريكي.

تمثل إعادة التسمية خروجاً عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية، حينما أُنشئت وزارة الدفاع لتجسيد فكرة الدفاع ومنع الصراعات في عصر السلاح النووي، حيث يرفض ترامب وهيجسيث هذا الحذر الذي اعتبراه غير كافٍ لمواجهة تحديات اليوم واشتداد منافسة القوى العظمي بين الولايات المتحدة وخصومها. وبدلاً من ذلك، تبنيا مقاربة أكثر صدامية تقوم على القتال وخوض الحروب، معتبرين أنها الأنسب للواقع الجيوسياسي الحالي وللبيئة الاستراتيجية التي تواجهها الولايات المتحدة عالمياً.

يمثل قرار إعادة تسمية وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب تجسيداً عملياً لعقيدة "السلام عبر القوة" التي تُعد إحدى الركائز الأساسية لفكر إدارة ترامب في السياسة الخارجية والأمن القومي. تقوم هذه العقيدة على افتراض أن استعراض القدرة العسكرية الكاسحة وإظهار الاستعداد المستمر لخوض الحروب هما الشرطان الحاسمان لردع الخصوم وضمان أمن الولايات المتحدة. ومن خلال استعادة المسمى التاريخي وزارة الحرب، تسعى الإدارة إلى إعادة صياغة هوية المؤسسة العسكرية الأمريكية بحيث تعكس توجهاً أكثر هجومية وعدوانية، مع تكريس قناعة بأن السلام لا يُنتزع إلا عبر القوة الساحقة لا عبر الإجراءات الدفاعية التقليدية.

وتكشف تصريحات هيجسيث عن هذا المنطق بوضوح؛ إذ اعتبر أن بناء جيش أقوى من أي وقت مضى، بفضل الموازنات الدفاعية الضخمة، هو السبيل لترسيخ السلام وفق مفهوم ترامب. بهذا المعنى، يغدو اسم وزارة الحرب ليس مجرد إعادة إحياء لماضٍ تاريخي، بل تجسيد لإرادة سياسية ترمي إلى إعادة تشكيل استراتيجية الردع الأمريكية على أسس هجومية واستباقية.

يقدم القرار أيضاً باعتباره رداً على ما يسميه ترامب بـ"الخطاب المستيقظ" أو "التصحيح السياسي" في السياسات الدفاعية. فهو يرى أن التغيير الذي حدث عام 1947 لم يكن مجرد إعادة هيكلة مؤسسية، بل كان خطوة تخفي حقيقة الدور العسكري الأمريكي. بإعادة مصطلح "الحرب"، يسعى ترامب إلى إظهار قوة صريحة غير مواربة، والتي تلقي صداها لدى القاعدة الشعبية لترامب، التي تثمن الحزم العسكري وتعتبر أن الاعتراف الصريح بالقدرة على شن الحروب يعزز صورة الولايات المتحدة كقوة لا تتردد في فرض إرادتها. كما يتقاطع هذا التوجه مع عقيدة "السلام عبر القوة"، التي تجعل من استعراض القدرة العسكرية شرطاً لردع الخصوم وضمان الأمن القومي.

يُقرأ قرار إعادة تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب في أحد أبعاده كرسالة مواجهة مباشرة لما يصفه ترامب بـ"الخطاب المستيقظ". فهذا الخطاب، الذي يرتبط بالتيارات السياسية اليسارية داخل الولايات المتحدة، يتمحور حول قضايا الهوية الثقافية والاجتماعية مثل التنوع، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الأقليات. وقد رأى ترامب أن هذه القضايا تسللت إلى مؤسسات الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، على نحو يضعف من تركيزها على جوهر مهمتها الأصلية: القتال وضمان الأمن القومي.

من هذا المنظور، يقدم ترامب إعادة التسمية باعتبارها رداً رمزياً واستراتيجياً يهدف إلى إعادة ضبط الهوية العسكرية بعيداً عن الانشغال بالقيم "التقدمية"، وإعادة توجيهها نحو قيم تقليدية تقوم على الانضباط، الصرامة، والاستعداد الدائم للحرب. فبالنسبة لترامب، يشكل ما يسميه "الخطاب المستيقظ" تهديداً مباشراً للروح القتالية، إذ يحوّل الجيش إلى ساحة نقاش ثقافي واجتماعي، بدلاً من أن يظل أداة مركزة على خوض الصراعات وتحقيق الانتصارات.

وبذلك تصبح إعادة تسمية أكثر من مجرد تغيير اصطلاحي؛ حيث تعدو إعلاناً سياسياً برفض سياسات الديمقراطيين التي سعت إلى إدماج خطاب التنوع والشمولية ضمن البيروقراطية العسكرية. وبدلاً من ذلك، يؤكد ترامب على رؤية تعتبر أن استعادة "وزارة الحرب" هو استعادة لهوية قتالية نقية، خالية من ما يراه انحرافات أيديولوجية، وموجهة بالكامل نحو حماية الأمن القومي وإظهار القوة العسكرية الأمريكية في الداخل والخارج.

من منظور استراتيجي، يروج للتغيير على أنه وسيلة لإعادة تركيز الجيش على تحقيق الانتصار الكامل، بدل الاكتفاء بمهام دفاعية أو ردعية، حيث يهدف اسم وزارة الحرب إلى توجيه رسالة حاسمة إلى الخصوم بأن الولايات المتحدة مستعدة لخوض الحرب إذا اقتضت مصالحها ذلك. وهذا يعكس تحولاً نحو عقيدة هجومية أكثر وضوحاً، تبتعد عن الحذر القانوني أو الالتزام بالشرعية الدولية التي قيدت في رأي ترامب وحلفائه فاعلية القوة العسكرية الأمريكية. وتستحضر هذه الفلسفة ما يعرف بالمدرسة "الجاكسونية" في السياسة الخارجية الأمريكية، التي تدعو إلى البقاء خارج النزاعات ما أمكن، لكن إذا فرضت الحرب وجب خوضها حتى النهاية والانتصار الحاسم.

التداعيات الداخلية لإعادة التسمية

أحدثت إعادة تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب ارتباكاً ملحوظاً داخل البنتاجون، فقد اضطرت البيروقراطية العسكرية إلى إجراء تغييرات واسعة تشمل اللافتات الرسمية، الأختام، والمنصات الإلكترونية للوزارة، وهو ما يعد عملية ضخمة ومكلفة بالنظر إلى الانتشار العسكري الأمريكي الواسع عبر مئات القواعد والمكاتب حول العالم. وتشير التقديرات إلى أن التكلفة قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، الأمر الذي اعتبره عدد من المسئولين العسكريين إهداراً للموارد وتشتيتاً للانتباه عن الأولويات الجوهرية مثل الجاهزية والتحديث التقني.

وولدت إعادة التسمية حالة من التناقض مع القيم المؤسسية العسكرية المتوارثة، فالأجيال العسكرية التي نشأت على أن القوة العسكرية الأمريكية تستخدم دفاعاً عن الحرية، وبشكل أخلاقي قد تجد صعوبة في التكيف مع واقع جديد يضعها في إطار وزارة الحرب. ويبدو أن التحول اللغوي لا يقتصر على تغيير الاسم، بل يمتد ليعيد تشكيل المفاهيم التي بنيت عليه الثقافة العسكرية الأمريكية لعقود، بما يثير تساؤلات حول صورة الجيش كقوة لحفظ السلام مقابل كونه أداة لخوض الحروب.

وقد فتح القرار التنفيذي لترامب باب مواجهة جديدة مع الكونجرس مع أغلبية الجمهوريين الضئيلة بمجلسيه (مجلس النواب والشيوخ)، نظراً لأن وزارة الدفاع مؤسسة أنشئت بقانون تشريعي، وأي تغيير في اسمها أو هيكلها جرى تاريخياً عبر الكونجرس. وهذا يثير سؤالاً دستورياً جوهرياً: هل يملك الرئيس صلاحية تغيير هوية وزارة بكاملها عبر أمر تنفيذي؟ وقد حاولت إدارة ترامب الالتفاف على هذه المعضلة بجعل وزارة الحرب مسمى ثانوياً يستخدم في المراسلات التنفيذية من دون تعديل النصوص القانونية، غير أن ذلك لم ينهِ الجدل، بل قد يزيد من توتر العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والإخلال بمبدأ توازن السلطات الذي أسس عليه النظام السياسي الأمريكي.

ورغم أن بعض حلفاء ترامب من المشرعين الجمهوريين قدموا مشاريع قوانين لدعم إعادة تسمية وزارة الدفاع بوزارة الحرب، معتبرين أنها تجسد عقيدة "السلام عبر القوة"، فإن عديداً من المشرعين الجمهوريين البارزين عارضوا القرار، حيث يعتبرونه محاولة لتسييس المؤسسة العسكرية الأمريكية. حتى زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، عبر عن رفضه، واعتبر أن إعادة التسمية ليست سياسة جادة، بل إعادة صياغة قد تفتح الباب أمام تجاوزات مؤسسية مستقبلية.

وقد أدى الأمر التنفيذي إلى انقسام واضح في الداخل الأمريكي. فقد اعتبره أنصار ترامب خطوة تعيد تعريف الوضع القائم، حيث يرون أن الولايات المتحدة تخوض الحروب بالفعل، وأن من الأفضل الاعتراف بذلك صراحة. وبالنسبة لهم، فإن القرار يعكس استعداداً لاستخدام القوة العسكرية الساحقة متى اقتضت الحاجة. وفي المقابل، أثار القرار قلقاً عميقاً لدى المعارضين، الذين رأوا فيه تعزيزاً لصورة أمريكا كقوة عدوانية، ومؤشراً على ميل الإدارة نحو النزعة العسكرية وربما "السلطوية".

ويرى بعض المحللين أن القرار التنفيذي قد ينقلب على ترامب سياسياً، إذ أن استخدام لغة صريحة مثل "الحرب" قد يجعل الرأي العام الأمريكي أكثر حذراً في قبول التدخلات العسكرية داخلياً وخارجياً، خصوصاً في حال استخدام القوات العسكرية داخل المدن الأمريكية لمهام أمنية. وبذلك، فإن القرار وإن منح ترامب جرعة دعم بين أنصاره، فإنه في الوقت ذاته عزز المعارضة وعمق الاستقطاب المجتمعي داخل الولايات المتحدة.

التداعيات الخارجية لإعادة التسمية

أثارت إعادة تسمية وزارة الدفاع إلى "وزارة الحرب" قلقاً عميقاً لدى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، خصوصاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي. فلطالما اعتمدت شرعية الدور الأمريكي في التحالفات الأمنية على خطاب يقوم على "الدفاع الجماعي" وحفظ الاستقرار. لكن إحياء مصطلح "الحرب" يوحي بانزياح أمريكي استراتيجي نحو نهج هجومي وأحادي، ما يربك الحلفاء ويثير شكوكاً حول مدى التزام واشنطن بالمسارات الدبلوماسية. وفي آسيا، تتزايد المخاوف لدى شركاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، الذين يعتمدون على المظلة الأمنية الأمريكية لكنهم يخشون أن تجرهم هذه النزعة القائمة على الحرب إلى مواجهات مفتوحة مع الصين أو كوريا الشمالية، بما قد يفاقم سباقات التسلح ويزيد هشاشة التوازنات الإقليمية في منطقة الإندو-باسيفيك التي أضحت محور الاهتمام الدولي راهناً.

وقد وجدت القوى المنافسة للولايات المتحدة، مثل روسيا والصين، في التسمية الجديدة مادة دعائية تعزز سرديتها القديمة بأن الولايات المتحدة قوة عدوانية تسعى لفرض هيمنتها بالقوة. وقد وظّفت هذه الخطوة في الخطاب السياسي والإعلامي لتصوير الولايات المتحدة كدولة "مهووسة بالحرب"، وهو ما يبرر من وجهة نظر هذه القوى استمرار تحديث ترساناتها العسكرية وخوض سياسات خارجية أكثر تحدياً للولايات المتحدة. والأخطر أن هذه القراءة قد تدفع الخصوم إلى اعتماد مواقف أكثر هجومية أو رفع مستوى المخاطرة الاستراتيجية، خشية أن تتحرك واشنطن بصورة أكثر اندفاعاً في مناطق النزاع، وهو ما يزيد احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.

وتشمل تداعيات إعادة تسمية وزارة الدفاع بوزارة الحرب بنية النظام الدولي برمته. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ارتبطت سمعة وصورة واشنطن عالميا بتأسيس هذا النظام القائم على تجريم الحروب العدوانية وتعزيز الأمن الجماعي من خلال منظمات دولية كالأمم المتحدة وحلف الناتو. ويعني إعادة إحياء وزارة الحرب رمزياً تخلي الولايات المتحدة عن هذا الإرث، وتبني لغة صريحة تشرعن الحرب كأداة للسياسة الأمريكية. ولذلك فإن إعادة التسمية تقوض شرعية المؤسسات الدولية، وتضعف قدرة واشنطن على تقديم نفسها كقوة دولية مسئولة تسعى لحفظ السلم والأمن الدوليين. كما أنها تهدد بانزلاق العلاقات الدولية نحو مزيد من الفوضى، حيث تصبح الهيمنة العسكرية معياراً للشرعية بدل القواعد والقوانين التي يقوم عليها النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية.

إلى جانب القوة الصلبة، لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على قوتها الناعمة المتمثلة في قدرتها على تقديم نموذج سياسي وأخلاقي للعالم. وتضعف إعادة تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب هذه الصورة، إذ تجعل واشنطن تبدو أكثر عدوانية وأقل التزاماً بالمبادئ والقوانين التي ساهمت في صياغتها وتنفيذها لعقود. وقد يدفع تآكل القوة الناعمة الأمريكية بعض الدول المحايدة أو حتى الحليفة إلى إعادة التموضع والبحث عن توازن جديد مع قوى دولية صاعدة بقوة على الساحة الدولية، مثل الصين أو روسيا، في محاولة لتجنب الارتهان لنهج أمريكي يعرف ذاته أساساً من خلال الحرب، والتركيز على القوة الصلبة في إدارة العلاقات الدولية.

في المحصلة، يتجاوز قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة تسمية وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب كونه تغييراً شكلياً. فهو يجسد تحولاً جوهرياً في الطريقة التي تصوغ بها الولايات المتحدة سياستها العسكرية من تقديم نفسها كحارس للسلام والأمن الدوليين في النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى اعتناق صريح لدور القوة العسكرية الهجومية. ومن خلال إحياء مصطلح يعود إلى حقبة سابقة، دفع ترامب فعلياً إلى إعادة النظر في المبادئ التي تحكم استخدام الولايات المتحدة لقوتها العسكرية.

ويكشف القرار التوتر الكامن بين المثل التي تعلن الولايات المتحدة أنها تحكم سياساتها وأفعالها على أرض الواقع، وبين صورتها كقوة دولية ساعية إلى السلام وصورة القوة العظمى غير المترددة في إبراز هيمنتها. كما أنه أجبر الأمريكيين وحلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء على التفكير فيما تمثله واشنطن حقاً في القرن الحادي والعشرين: هل هي قوة لحفظ السلام، أم صانعة للحرب، أم شئ بين الاثنين؟. وستشكل الإجابة عن هذا السؤال السياسة الأمريكية وصورة الولايات المتحدة عالمياً لفترة طويلة بعد انقضاء هذا الجدل السياسي الآني، لتجعل من هذا التغيير الرمزي في الظاهر تطوراً بالغ الأهمية في مسار السياسة الخارجية الأمريكية.