سعيد عكاشة

خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

فتح توقيع اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان، في 17 سبتمبر 2025، بالرياض، الباب أمام تساؤلات العديد من القوى الإقليمية عن طبيعة هذا التحالف وآفاق تطوره مستقبلاً، وتأثيراته المحتملة على مصالح كافة الأطراف سواء على المدى المنظور أو البعيد.

وعلى الرغم من أن الإعلان المشترك الصادر عن الدولتين عقب توقيع الاتفاق أكد بوضوح أنه لا يستهدف طرفاً بعينه في الشرق الأوسط، إلا أن التوقعات بأن يثير الاتفاق قلق بعض القوى الإقليمية وخاصة إسرائيل تبدو كبيرة لأسباب عديدة سنحاول تفصيلها.

تفسير الخطوة من وجهة النظر الإسرائيلية

حتى كتابة هذا التقدير، لم يصدر أي تعليق رسمي من جانب المسئولين الإسرائيليين على توقيع الاتفاق، اللهم إذا ما اعتبرنا ما ذكرته صحيفة "إسرائيل هايوم" في 20 سبتمبر الجاري، هو احتجاج غير مباشر على الخطوة السعودية، حيث قالت الصحيفة: "إن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أنها غير مستعدة للمضي قدماً في أي محاولة لإشراك السلطة الفلسطينية في السلطة التي ستقام في قطاع غزة بعد نهاية الحرب كما تطالب المملكة، وبالتالي فإن إسرائيل تعلن بوضوح أنها ليست معنية بالتطبيع مع الرياض".

ومما لا شك فيه أن إسرائيل التي كانت تسعى حثيثاً لتطبيع العلاقات مع المملكة، كانت قد بدأت في التخلي عن هذا الهدف حتى قبل الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، حيث انتقد العديد من المسئولين الإسرائيليين قيام المملكة بالتنسيق مع فرنسا بتدشين حملة من أجل اعتراف مزيد من الدول الأوروبية خاصة، بالدولة الفلسطينية، وهو ما دأب نتنياهو على وصفه بأنه مكافأة لحماس وإيران على هجمات السابع من أكتوبر 2023. كما أن حديث نتنياهو المستمر، حتى من قبل وقوع تلك الهجمات، عن سعى إسرائيل لتغيير الشرق الأوسط، قد أثار حفيظة كل القوى الإقليمية الأخرى (مصر وتركيا والسعودية)، التي تعتبر أن حل القضية الفلسطينية بمنح الفلسطينيين حقهم العادل في دولة مستقلة، هو التطور الوحيد الذي يمكن أن يغير الشرق الأوسط نحو الاستقرار والتعاون بين كل الأطراف، وذلك على خلاف ما تخطط له إسرائيل من استخدام قوتها العسكرية لفرض الهيمنة على الإقليم بأكمله وتجاهل حقوق الفلسطينيين بتطبيق مسلسل تهجير سكان غزة وضم معظم أراضى الضفة الغربية. 

استراتيجية إسرائيل للرد على الاتفاق

لن تتعجل إسرائيل الدخول في مواجهة مع المملكة في المدى المنظور، ويمكن أن تكتفي بمراقبة التطورات على الأرض، ورصد وتيرة تنفيذ البنود الواردة في الاتفاق. ولاحقاً، يمكن توقع أن إسرائيل ستتبع الخطوات التالية:  

1- التركيز على مسألة التعاون النووي المحتمل بين البلدين، لأن أكثر النقاط التي يمكن أن تثير قلق إسرائيل في الاتفاق السعودي – الباكستاني هو احتمال أن تبدأ المملكة في البحث عن امتلاك التقنية النووية، خاصة أنه قد سبق لولى العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن أعلن أن السعودية يمكن أن تفكر في هذا الخيار إذا ما امتلكت إيران سلاحاً نووياً. وبعد الضربة التي وجهتها إسرائيل للدوحة، يبدو للأولى أن السعودية قد تتخذ خطوات عملية بالاعتماد على باكستان للحصول على التقنية النووية. ورغم أن باكستان دولة نووية لديها تعاون وثيق مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، وتلتزم بفتح منشآتها النووية أمام بعثات التفتيش التابعة للوكالة، مما يعنى أنها لن تكون قادرة على نقل مواد نووية مُصنعة إلى الخارج، ولكن ما يمكن أن يُثير قلق إسرائيل هو استعداد باكستان لنقل خبراتها في المجال النووي للسعودية وتزويدها حتى بعلماء يعملون في هذا المجال سواء بشكل قانوني في إطار ما تتيحه الاتفاقات المنظمة للتعاون النووي بين الدول، أو بشكل سري على غرار ما قام به العالم الباكستاني الراحل عبد القدير خان (يعتبر أبو القنبلة النووية الباكستانية) الذي اتهمته الولايات المتحدة عام 2003 ببيع وتسريب معلومات ومواد تستخدم في تصنيع القنبلة الذرية لعدة دول مثل إيران والعراق وليبيا وكوريا الشمالية وسوريا. ولابد أن إسرائيل ستحاول استخدام هذه السابقة لتحريض الولايات المتحدة ضد كل من السعودية وباكستان ومحاولة تحجيم التعاون بينهما إلى أدنى درجة في هذا الجانب، تحت مسمى التوافق مع السياسة الأمريكية التي تستهدف الحد من الانتشار النووي، ومنع اندلاع سباق تسلح نووي بين دول المنطقة.

 2- زيادة التعاون العسكري مع الهند التي تضعها باكستان المصدر الرئيسى للأخطار التي تهدد أمنها القومى، ومن المعروف أن أسرائيل هي رابع أكبر مصدر للسلاح إلى الهند بعد روسيا وفرنسا والولايات المتحدة، كما تربط الهند وإسرائيل عدة اتفاقات للتصنيع العسكري المشترك خاصة في مجال المسيرات والصواريخ الباليستية.

3- استثمار القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية لتنفيذ عمليات تخريبية خاصة على الأراضى الباكستانية، لإثبات عدم قدرة باكستان على الدفاع عن سيادتها، وبالتالي التشكيك في قدرتها على تقديم العون للآخرين.

4- استخدام اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة واللوبيات الأخرى الداعمة لإسرائيل، للتأثير على المصالح السعودية والباكستانية ليس في الولايات المتحدة فقط، بل في العديد من دول العالم.

5- دعم الجماعات المعارضة في الخارج لكل من السعودية وباكستان، للتأثير على الاستقرار الداخلي في البلدين.

6- إثارة الخلافات بين باكستان والمملكة العربية السعودية من جهة، وبين القوى الإقليمية الأخرى من جهة ثانية، التي وإن كانت تقاوم جميعها محاولات إسرائيل للهيمنة على المنطقة، إلا أنها تفضل التعاون الجماعى ضد إسرائيل، أكثر من اتفاقات الدفاع الثنائية.

استراتيجية عربية لمواجهة محاولات إسرائيل تخريب الاتفاق

إن التصدي للتحركات الإسرائيلية المتوقعة ضد المملكة العربية السعودية وباكستان، يبدو ضرورياً وبشكل عاجل، وذلك عبر الآليات التالية:

1- مواصلة جهود الدول العربية والإسلامية بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي لفرض العزلة الدولية على إسرائيل، بسبب جرائمها في حرب غزة والتي تزداد وحشية بشكل غير مسبوق، وذلك بمزيد من التعاون والتنسيق بين الدول العربية والإسلامية، لتكوين جبهة موحدة تدعو لتعزيز فرص المقاطعة والعقوبات على إسرائيل سواء بتوافق بين مجموعة من الدول من كل أنحاء العالم، أو بتشجيع هذه الدول، بشكل منفرد، على اتخاذ هذا الموقف مقابل توطيد علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع العالمين العربي والإسلامي، للتغلب على الفيتو الأمريكي المنتظر ضد صدور قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات دولية على إسرائيل. ومن دون شك، فإنه كلما ازدادت عزلة إسرائيل دولياً كلما قلت قدرتها على توسيع نطاق سياستها العدوانية والتخريبية، وهو أمر سيساعد بشكل أو بآخر على التصدي للمحاولات المنتظرة من جانب إسرائيل لتخريب الاتفاق السعودي – الباكستاني.

2- استغلال تراجع التأييد داخل الولايات المتحدة، سواء شعبياً أو على مستوى الحزبيين الجمهوري والديمقراطي لإسرائيل، وهو ما تظهره استطلاعات الرأي الأمريكية في الأشهر الأخيرة، لتكثيف الحملات الإعلامية ضد السياسة الإسرائيلية الوحشية في غزة، وهو ما سيشكل في المدى المنظور ضغطاً كبيراً على الإدارة الأمريكية لكبح السياسة العدوانية الإسرائيلية، حتى لا تتهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، بعد ذهاب المملكة العربية السعودية نحو خطوة أوّلية لوقف الاعتماد على التعهدات الأمنية الأمريكية، والبحث عن وسائل أخرى لتحقيق هذا الهدف، وهو ما يمكن أن تتبناه دول أخرى في المنطقة من داخل منطقة الخليج العربي، أو من خارجها.

3- يشكل توقيع المملكة العربية السعودية وباكستان اتفاق دفاع مشتركاً تهديداً غير مباشر للاستراتيجية الأمريكية الهادفة لمنع الصين من التمدد في الشرق الأوسط، فعلاوة علي العلاقات المتميزة بين الصين وبين القوى الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط وعلى رأسها مصر والسعودية، فإن تحول السعودية لعقد اتفاق دفاع مشترك مع باكستان سيعني تقوية العلاقات الصينية – السعودية بشكل أكبر، وبذلك لن تكون واشنطن قد هددت علاقاتها المتميزة بالرياض فقط، بل تسبب سكوتها على الممارسات العدوانية الإسرائيلية في تقريب خطوات الصين الحثيثة لبناء علاقات أكثر قوة مع العالم العربي عامة، ودول الخليج العربي خاصة، وذلك بالنظر إلى أن العلاقات الباكستانية – الصينية ظلت ثابتة وجيدة على مدى عقود طويلة، علاوة على عدم وجود مصالح متضاربة بين البلدين، كما يؤسس البلدان علاقات أمنية وعسكرية متينة، حيث تشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن باكستان حصلت على 80% من أسلحة جيشها خلال الخمسة سنوات الأخيرة من الصين.

بمعنى أكثر وضوحاً، يجب استغلال القلق الأمريكي المتوقع من العلاقات المتنامية بين السعودية وباكستان بسبب العلاقات الصينية المتميزة مع كلا البلدين، للضغط على الإدارة الأمريكية سواء في اتجاه كبح العدوانية الإسرائيلية، أو في اتجاه حمل واشنطن على تقديم ضمانات أمنية كافية وموثوق بها لدول الخليج العربي لحماية أمنها.

خلاصة

شكل توقيع المملكة العربية السعودية اتفاق دفاع مشتركاً مفاجأة كبرى لعديد من المراقبين، الذين رأوا في هذه الخطوة تحدياً للمصالح الأمريكية وتهديداً غير مباشر للأمن الإسرائيلي بسبب القدرات النووية الباكستانية، ولكن رغم أهمية الخطوة السعودية-الباكستانية، إلا أنه من السابق لأوانه تقييم تداعيات هذا الاتفاق على مستقبل الشرق الأوسط نظراً للتعقيدات الكبيرة في العلاقات بين القوى الإقليمية الأبرز من جانب، وبين إسرائيل ونفس هذه القوى من الجانب الآخر، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة يصعب معها التنبؤ بمن سيكون أقربها للتحقق: تحول في السياسات الأمنية لدول الخليج العربي بعيداً عن واشنطن بشكل نهائي، أم أزمة عابرة في العلاقات الأمريكية – الخليجية مستقبلاً … عندها فقط سيتحدد الموقف الإسرائيلي النهائي تجاه الاتفاق السعودي - الباكستاني.