يعيش عالم اليوم ولاسيما في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط حالة من التحولات التاريخية الكبرى. ويجادل كثير من علماء العلاقات الدولية البارزين وعلى رأسهم أميتاف أشاريا بأن انسحاب الولايات المتحدة من دورها العالمي وجنوحها نحو العزلة لن يؤدى كما يتوقع البعض إلى انهيار عالمي، بل نحن على وشك صعود نظام جديد "متعدد الأقطاب" تقود فيه آسيا عملية إعادة صياغة العولمة، كما تلجأ دول الجنوب العالمي بشكل متزايد إلى إحياء روح باندونج وحركة عدم الانحياز لتحقيق مآربها. ومن ثم، فإنه بعد عقود من الهيمنة الأمريكية العالمية، بدأنا نشهد بروز نظام دولي جديد، نظام لم تعد فيه الولايات المتحدة هي صاحبة القرار. ولا يحدث هذا التحول بين عشية وضحاها، لكن بوادر ذلك واضحة في كل مكان: من الصعود الاقتصادي لقوى كبرى غير غربية إلى النفوذ المتزايد لمجموعات مثل البريكس، والأهم من ذلك، صعود الترامبية الجديدة بسياساتها الانعزالية وعدم القبول بمفهوم تراجع الهيمنة الأمريكية.
الشرق الأوسط وتراجع النظام القائم على القواعد
كما كانت حرب العراق الأولى عام 1991 مؤشراً على تأسيس نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة، فإن حرب غزة تشكل بداية التراجع الأمريكي عن أساسيات النظام الدولي القائم على القواعد. ثمة حالة من الخداع الاستراتيجي من جانب الإدارات الأمريكية إزاء قضايا الشرق الأوسط. فقد زعمت أن حل الدولتين بين إسرائيل وفلسطين "على وشك الحدوث" بينما لم تفعل شيئاً ذا معنى لتحقيقه. وأصرت على أنها تهتم بنفس القدر بحياة الإسرائيليين والفلسطينيين، بينما تواصل تسليح إسرائيل دون قيد أو شرط. كما وعدت بأن التطبيع الإسرائيلي مع دول عربية أخرى قاب قوسين أو أدني، في حين أن جميع الأدلة تشير إلى خلاف ذلك.
ويكشف سجل تصويت الولايات المتحدة على قرارات قضايا الشرق الأوسط في الأمم المتحدة عن نمطٍ من إعلاء مصالحها الاستراتيجية والسياسية الداخلية على حساب القواعد التي تدّعي التزامها بها. وتبرز ثلاثة أمثلة توضيحية هذا التناقض: في ديسمبر/2016، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2334، الذي أكد مجدداً أن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة "ليس له أساس قانوني" ويشكل "انتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي". وقد خالفت الولايات المتحدة - التي طالما كانت درعاً واقياً لإسرائيل في المجلس - التقاليد المتبعة من خلال امتناعها عن التصويت بدلاً من استخدام حق النقض. وعوضاً عن الدفاع عن المبدأ الراسخ القاضي بحظر ضم الأراضي المحتلة، فإن امتناع الولايات المتحدة عن التصويت يعد موافقةً ضمنية على النشاط الاستيطاني، مما قوّض – ولايزال- حظر ميثاق الأمم المتحدة للاستيلاء على الأراضي بالقوة.
وفي مناسبة أخرى عندما منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في نوفمبر 2012، لم تصوت ضد القرار سوى الولايات المتحدة وإسرائيل. وبمعارضتها تصويتاً إجرائياً اعترف بحق فلسطين في المشاركة في عمليات الأمم المتحدة، أشارت الولايات المتحدة إلى أن الاعتبارات السياسية - أي الحفاظ على النفوذ في المفاوضات الثنائية واسترضاء الدوائر الانتخابية المحلية المؤيدة لإسرائيل - لها الأسبقية على ولاية الأمم المتحدة بتوفير تمثيل عادل لجميع الشعوب. وأخيراً بين عامي 2017 و2025، ناقش مجلس الأمن قرارات متعددة تدين استخدام إسرائيل للقوة ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة. وقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض مراراً وتكراراً ضد هذه النصوص، وهو رفضٌ بحكم الأمر الواقع لمحاسبة أي دولة عضو على انتهاكات القانون الإنساني الدولي. وباستخدامها حق النقض لحماية حليف من المساءلة، انتهكت الولايات المتحدة المبدأ الأساسي للأمم المتحدة، القاضي بضرورة تعامل المجلس مع التهديدات للسلم والأمن الدوليين بنزاهة.
في كل حالة، يتعارض سلوك واشنطن مع "النظام الدولي القائم على القواعد" الذي تدافع عنه في أماكن أخرى. فبدلاً من التمسك بمحظورات ميثاق الأمم المتحدة على الغزو الإقليمي، والتمثيل المتساوي للشعوب، والحفاظ على السلام بنزاهة، قامت الولايات المتحدة بحماية حلفائها من المساءلة القانونية. هذا التناقض يُقوّض شرعية مؤسسات الأمم المتحدة، ويشجع الدول الأخرى على انتهاك المعايير الدولية عندما يكون ذلك مناسباً من الناحية السياسية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض النظام القائم على القواعد الذي تدّعي الولايات المتحدة الدفاع عنه.
صعود الشرق وتراجع الغرب
بينما كانت الولايات المتحدة منشغلة بتجميل صورة الواقع بشأن فعاليتها، تبنت آسيا ودول الجنوب العالمي بهدوء أسس نظام عالمي جديد. واليوم، تُمثل آسيا ومنطقة الباسيفيكي 60% من النمو الاقتصادي العالمي ويبلغ نصيب آسيا وحدها 36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتتاجر الدول الآسيوية فيما بينها أكثر مما تتاجر مع الغرب، مما يخلق شبكات اقتصادية لا تعتمد على الموافقة الأمريكية. كما أصبحت الصين مصنع العالم، ومموله بشكل متزايد، حيث تقدم استثمارات في البنية التحتية من خلال مبادرة الحزام والطريق لدول من أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وعلى عكس المساعدات الغربية، التي غالباً ما تأتي مصحوبة بمحاضرات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، يركز الاستثمار الصيني على مشاريع ملموسة: الطرق والموانئ والسكك الحديدية ومحطات الطاقة. قد لا تستهوي القيم السياسية الصينية أفئدة وعقول دول الجنوب، ولكن هذه الدول تُقدّر الطرق ومشروعات البنية الأساسية التي تُبنى بالفعل.
في الوقت نفسه، تعمل مؤسسات مثل مجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، والتي توسعت مؤخراً لتشمل دولاً مثل مصر وإيران والإمارات العربية المتحدة) على إنشاء أنظمة مالية بديلة. وتظهر الابتكارات المؤسسية لمجموعة بريكس بلس، ولا سيما بنك التنمية الجديد وترتيبات الاحتياطي الطارئ إمكانية خلق بديل لمؤسسات بريتون وودز، إذ يُقدم البنك تمويلاً للمشاريع دون شروط غربية ويتبنى حقوق تصويت متساوية للأعضاء المؤسسين. ومن جهة أخرى، يُوضح تصميم ترتيبات الاحتياطي الطارئ، بشبكة أمان بقيمة 100 مليار دولار وارتباط جزئي ببرامج صندوق النقد الدولي، سعي مجموعة بريكس بلس إلى السيادة المالية. ومع ذلك، يُحذر المحللون من أن حصة الصين غير المتناسبة من رأس المال في ترتيبات الاحتياطي الطارئ واستضافتها لمقر بنك التنمية الجديد يمنحها سلطة غير رسمية في تحديد الأجندة، مما يُقوض المساواة الرسمية. وبالرغم من هذه التحديات ثمة إمكانات لدى مجموعة بريكس بلس لتغيير معايير الحوكمة العالمية. إن توسع مجموعة بريكس بلس مرتين (2011، 2023) قد عزز رؤيتها متعددة الأقطاب، مما مكن من اتخاذ مواقف جماعية بشأن الصراعات الدولية مثل روسيا وأوكرانيا ورفع مكانة وتمثيل الجنوب العالمي في المنتديات متعددة الأطراف. كما أن قدرة مجموعة بريكس على التنسيق تسمح لها بالعمل كقوة مناهضة للهيمنة المالية الغربية، وخاصة من خلال تأثير الصين على المعايير المالية والحوكمة.
نهاية الاحتكار الغربي
إن هذا التحول لا يقتصر على مجرد المنافسة الاقتصادية، بل يشير إلى نهاية هيمنة الغرب على وضع القواعد الدولية. على مدار قرون، كانت القوى الغربية هي التي تحدد:
1- ما يُعد حكومة شرعية، كما حصل عندما اعترفت بالمجلس الانتقالي في ليبيا عام 2011 ودعمت بعض الحكومات ورفضت أخرى.
2- ما يُعد سياسة اقتصادية سليمة، كما تبنّى الاتحاد الأوروبي إجراءات التقشّف في اليونان عام 2015.
3- ما يُعد سلوكاً دولياً مقبولاً، مثل تطبيق حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة ضد العراق عام 1991، في حين لم يُطبّق هذا المعيار على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014.
ومن المعلوم أن القوى الصاعدة اليوم لا تحاول تقليد النموذج الغربي، بل تبني نموذجها الخاص. فالصين، عبر مبادرة الحزام والطريق، تقدم قروضاً للمشروعات دون اشتراط إصلاحات سياسية، وتفضّل السيادة الوطنية على معايير حقوق الإنسان الغربية. والهند، تضع أولوياتها في تأمين الطاقة بأسعار معقولة خارجة عن تأثير الدولار. كما أن الاتحاد الأوروبي والهند على وشك إتمام اتفاقية التجارة الحرة بحلول نهاية 2025. ويُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للهند، حيث بلغت قيمة تجارة السلع 124 مليار يورو في عام 2023، أي ما يعادل 12.2% من إجمالي التجارة الهندية. وبلغت تجارة الخدمات بين الاتحاد الأوروبي والهند ما يقرب من 60 مليار يورو في عام 2023، أي ما يقرب من ضعف مستواها في عام 2020. وثلث هذه القيمة كانت خدمات رقمية. وهكذا أصبح الأوروبيون يتحوطون في رهاناتهم، فلا يخالفون فقط توجيهات واشنطن، بل يسعون إلى بناء شبكة تحالفات متعددة الأقطاب.
عودة عصر عدم الانحياز
في مايو 2024، وخلال مؤتمر صحفي عُقد في البيت الأبيض خلال زيارة رسمية للولايات المتحدة، سُئل الرئيس الكيني ويليام روتو عمّا إذا كانت كينيا تُفضّل الاستثمار الصيني أم الأمريكي. فكان ردّه: "نحن لا نواجه الشرق ولا الغرب. نحن نواجه المستقبل". وكان في ذلك يستشهد بمقولة كوامي نكروما، أحد الآباء المؤسسين لحركة عدم الانحياز. ولعل من أوضح علامات تراجع النفوذ الأمريكي عودة عدم الانحياز كخيار شائع في السياسة الخارجية. خلال الحرب الباردة، اختارت العديد من الدول عدم الانحياز إلى أي من الجانبين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. اليوم، ترفض الدول مجدداً الاختيار بين الولايات المتحدة والصين، وتلعب على كلا الجانبين لتعظيم مصالحها.
يقترح البعض تبني عدم الانحياز النشط، وهو بمثابة عقيدة في السياسة الخارجية تقوم على رفض الانحياز في منافسة القوى العظمى، وهي سمة مميزة للنظام الدولي في العقد الثالث من القرن الجديد. وقد اعتمدته الدول النامية التي تجد نفسها تحت ضغط الولايات المتحدة من جهة، والصين من جهة أخرى، وهو يضع المصلحة الوطنية للبلاد في مقدمة أولوياته، بدلاً من الاهتمام بالمخاوف الجيوسياسية للآخرين. ويدرس كل قضية من قضايا السياسة الخارجية على حدة، رافضاً ما يعتبره خياراً ثنائياً مصطنعاً بين واشنطن وبكين. الاستراتيجية الكبرى هنا التي تمتلكها دول الجنوب العالمي هي ما يُسمى "اللعب على أرض الملعب"، أي استغلال هذا التنافس بين القوى العظمى لتعظيم فرص التنمية لديها، بطريقة لم تكن ممكنة خلال "لحظة القطب الواحد" التي شهدت هيمنة أمريكية جامحة، أو حتى خلال الحرب الباردة. وعليه فإن عدم الانحياز الجديد يُعزز استقلال هذه الدول بدلاً من أن يُضعفها. وقد وجد استطلاع حديث أن الدول التي تنتهج استراتيجيات عدم الانحياز أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين من تلك التي تنحاز بصرامة إلى الولايات المتحدة أو الصين.
ختاماً، لعله من الواضح عدم وجود دولة واحدة مهيمنة على النظام العالمي الآخذ في التبلور، كما هيمنت الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة. بدلاً من ذلك، نتجه نحو ما يُطلق عليه الباحثون نظام "التعددية"، حيث تتولى دول مختلفة القيادة في مجالات مختلفة تبعًا للقضية. قد تُهيمن الصين على الاستثمار في التصنيع والبنية التحتية. وقد تتصدر الهند قطاع الخدمات التكنولوجية والأدوية. ومن المرجح أن يواصل الاتحاد الأوروبي وضع معايير لحماية البيئة وخصوصية البيانات. وستتمتع قوى إقليمية مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وماليزيا بنفوذ أكبر في محيطها.
وهذا لا يعني زوال قوة الولايات المتحدة تماماً. فمن المرجح أن تظل أقوى قوة عسكرية وقوة اقتصادية كبرى. لكنها ستكون مجرد لاعب واحد من بين العديد من القوى، وهو ما يجبرها على التنافس بدلاً من القيادة. وربما يكون النظام الجديد أكثر فوضوية وأقل قابلية للتنبؤ مقارنة بنظام الهيمنة الأمريكية. ومن المرجح أن تكون هناك منافسة أكبر، وصراعات أكثر، وحيرة أكبر حول من يتولى المسئولية. ولكنه سيكون أيضاً أكثر تمثيلاً للتنوع العالمي، وربما أكثر استجابة لاحتياجات دول الجنوب العالمي، حيث يعيش معظم سكان العالم.
ويبقى السؤال الذي نطرحه هنا، ولا يتعلق بما إذا كان هذا التحول سيحدث، فهو يحدث بالفعل. إنما السؤال الحقيقي هو ما إذا كان سيتم إدارة هذا التحول بشكل سلمي أم أنه سيؤدي إلى مواجهات خطيرة. قد يحدد الجواب مصير القرن الحادي والعشرين.